موقع الصراط ... الموضوع : الدين في ينابيعه الأولى-3
 
الثلاثاء - 5 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الدين في ينابيعه الأولى-3  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 11 / ذي القعدة / 1436 هـ
     
  بقلم: آية الله الشيخ محمد أمين زين الدين
لفترض أن الله الذي أحسن خلق الإنسان، وأبدع تصويره، واتقن تركيبه والذي جعل فيه غريزة التسامي، ,استودع كل مخلوق سر الاستكمال، والذي أعد لكل خلية من خلايا هذا الكائن نظاما ً وجعل لكل شيء قدراً.
أقول: لنفترض أن القدرة الحكيمة المبدعة أغفلت الجانب الاختياري من الإنسان فلم تقم له وزناً ولم تضع لتكامل الإنسان فيه منهاجا ً. لنفترض الأمر كذلك صلة للبحث ومداورة للحديث على وجوهه، فهل يستطيع الإنسان أن يسد لنفسه هذه الفاقة، فيضع لتكامله الاختياري قانونا ً جامعا ً لا اختلاف فيه ولا تخلف معه؟.
هذا سؤال أوردناه في بحث سابق ولا سبيل إلى إغفاله.
من الممكن المقبول أن ينتهض عقل مفرد أو تتساند عقول متعددة فتشرع قانونا ً لشعب أو قانونا ً لشعوب، تقيمه على واقع محدود وتنتزعه من ملابسات معينة، ثم يمر زمان وتتبدل أوضاع وينتهي الواقع الموجب، وتحول الملابسات المقتضية فيلغي القانون أو تعدل مواده.
ومن الممكن المقبول أن يصطبغ عقل بفكرة معينة فيحاول أن يصبغ بفكرته هذه كل سلوك الإنسان، وأن يؤول بها كل حركاته، وينيط بها كل صلاته، ثم يمعن في تحميل هذه الفلسفة ويوغل في تطبيقها، فيقيم عليها دستورا ً لاجتماع الإنسان وقانوناً لسياسته ونظاما ً لاقتصاده، ويربط بها مناهج تربيته وقواعد تعليمه.
من الممكن أن يبلغ مفكر بشري هذا المبلغ ثم يتضح لمفكرين آخرين وهن الأسس منه واهتزاز الدعائم وخلخلة البناء.
ومن الممكن أيضا ً أن يستقل كل أحد بذاته فيضع لنفسه- أو له ولأسرته- منهجا ً، ويعين له- أو له ولأتباعه- حدودا ً. ثم يسير ويسير معه أولياؤه إلى حيث ينتهي به وبهم المنهج وإلى حيث تقف به وبهم الحدود، وبديهي أن لا نتوقع من هذه النظم المختلفة أن تنتج لبني آدم وحدة في سلوك ولا اجتماعا ً على غاية.
إنها فوضى النظم وانتشار الوحدة وبلبلة الغاية.
ولقد جرب الإنسان نفسه، ولقد امتحن طاقته في وضع القوانين وابتكار الفلسفات المنهجية وتدعيم أسسها وربط فروعها حتى بلغ به الجهد وترامى به القصد فلم يخرج عن هذه الحدود ولم يرتفع عن هذه المنحدرات.
من المستطاع أن يبلغ الفكر البشري- بذاته- هذا المبلغ، ولكن من الممتنع عليه أن يخلق النظام الحقيقي لرقي الإنسانية جمعاء.
النظام الذي يضمن للإنسانية كمالها الأعلى ثم يملك أن يفي لها بهذا الضمان. للإنسانية كافة بجميع أجيالها وأشكالها.
النظام الذي له كل سمات النظام الحقيقي لهذه الغاية. ولذلك فلا مناص من أن يكون واحدا ً لا كثرة فيه، وثابتا ً لا اضطراب معه، وجامعا ً لا قصور فيه.
لا مناص من أن يكون واحدا ً لا كثرة فيه. لأن المبدأ الواحد والنهاية الواحدة لا يصل بينهما أكثر من خط مستقيم واحد.
ولا مناص من أن يكون جامعا ً لا قصور فيه لأن الهدف منه هو الكمال الأعلى للإنسان والكمال الأعلى وحدة تندمج فيها كل فروع الكمال، فلا محيد من أن تكون السبيل إليه سبيلا ً جامعة، ولا محيد من أن تكون النظرة فيه نظرة عميقة مستوعبة.
ولا مناص من أن يكون ثابتا ً لا اضطراب معه لأن المنهاج القلق المضطرب لا يقر وحدة ولا يفيد طمأنينة ولا يفي بضمان.
أقول : من الممتنع أن ينهض عقل مفرد أو عقول متعددة بهذا التشريع الوافي:
١- فان للفكر البشري عوارض كثيرة تعتاقه عن النظر السليم ، وتحول بينه وبين النتائج السديدة ، وقد أومأنا من قبل الى بعض هذه المعوقات ، وهو لذلك قد تحول في رأيه وجوه الحكم فيستقبح ما هو حسن، ويبيح ماهو محظور ، وقد تلتبس عليه المرجحات فيرتاب حيث لا مكان للريب ، ويتردد حيث لا مساغ للتردد ، ومن للعقل ( بذاته ) ان يتغلب على جميع هذه الآفات ، وقد عرفنا أنها لا تخضع للحصر ؟
وبأية وسيلة يملك أن يحصيها ويلاحظها وبعضها لا شعوري كما تقدم؟
وكيف يشعر بأنها عقبات معوقة، وبعضها أثير لدى النفس مرغوب عندها؟
أقول: كيف يملك العقل ( بذاته ) أن يحيط بها كافة ، ثم يعلم ـ بعد الاحاطة بها ـ أنها آفات تنصرف به عن النظر الصحيح ، ليفكر في الاحتراس منها على الاقل ؟
٢- وهب أن قوى الحكم والموازنة في الانسان ملكت ان تصنع المعجزات ، وأن تتعالى على المؤثرات ، عليها جميعاً حتى على العقد اللاشعورية المترسية في نفس ذلك الكائن ، وحتى على الرغبات المكبوتة في العقل الباطن ، وأمكن للانسان من أجل ذلك أن يفكر تفكيراً سليماً لا لبس فيه، فهل يقوى كذلك أن يحيط بشتى المؤثرات على عامة العقول والنفوس والأمزجة في مختلف البقاع والأزمان والبيئات ، أقول هل يقوى ان يحيط علماً بجميع هذه العلل، وبعلاجاتها ليقدم للانسانية بأسرها هذا الضمان القانوني الخطير؟
٣- وهب ان العقل ارتفع عن المؤثرات فأحرز لنفسه سلامة التفكير، وأحاط بطوارئ العقول وبعلل النفوس وأدواء القلوب، احاط بها كافة وبما يصلحها فأمكن له وصف العلاج، فهل يتسنى له أن يضع القانون المطلوب وان يبتدئ برسم خطوطه قبل ان يتعرف حقيقة الانسان ، وحقيقة كون يحتويه ، وحقيقة حياة تشركه مع سائر الاحياء.
قبل أن يتعرف حقيقة الانسان لأنه الموجود الذي يريد أن يترسم له الكمال ويرتاد له السبيل، وكمال الشيء ليس أمراً منفصلاً عن حقيقته، وإنما هي ذاته تتبلور وتنجلي، ثم تسمو وتعتلي حتى تتبوأ أعلى حد من حدودها ، وتستوفي أكبر حظ من (إمكانياتها).
وقبل أن يتعرف حقيقة الكون وحقيقة الحياة لأنهما البيئة الطبيعية لهذا الكائن ، التي تحتضن جميع نوعه وتنضج كل طباعه ، وتطبع كل خصائصه ، وتصوغ كل أفكاره ومشاعره، وتلون كل حركاته وأعماله ، وتتفرع عن قوانينها كل قوانينه وأنظمته ، كل قوانينه الطبيعية لتركب جسمه وتفاعل عناصره وحركات أجهزته وتجدد خلاياه.
هل يتسنى للعقل أن يضع القانون المجدي مالم يكتنه هذه الحقائق ويستنطق أسرارها ويستبطن أغوارها ، وما لم يتبين حدود الحياة التي يحياها الانسان أهي مرحلة واحدة تبدأ بالميلاد وتنتهي بالممات أم هي أطول مدى وابعد غوراً من ذلك ؟ ومالم يستوضح الغاية الكبرى التي من أجلها فطر الكون وانشئت الحياة وبرىء الانسان ، والتي ينساق معها كل جزء من أجزاء الكون وكل وحدة من وحدات الحياة وكل فرد من افراد الانسان. بل وكل بعض من أبعاض جسمه وقوة من قوى نفسه. الغاية العظمى التي تنتظم كل غاية صغيرة من هذا الكون الفسيح العريض ؟.
هل يتسنى للعقل أن يضع الخطة الصحيحة المجدية لتكامل الانسان قبل أن يعرف هذه الحقائق أتم المعرفة، ويعلم بها حق العلم، بحيث لا يساوره الريب في مقطع منها، ولا تعتريه الغفلة عن ناحية ولا يدركه الخطأ في صورة؟.
وأنى للعقل البشري بهذه الاحاطة وآماد إدراكه محدودة ووسائل معرفته محصورة واكثر هذه الأمور مما تنقطع دونه وسائل العقل وتقصر عنه آماده؟.
٤- والمتصور في وضع القوانين التي يرام لها الثبات والخلود مع الايام أنها لن تتمَّ إلاّ بعد موازنات ومعادلات وحك ونقد وعرض وسبر ، وتجارب طويلة وجهود معنتة وتقلب أدوار ، وتعاقب أزمان تمخض فيها الحقائق وتمحص النتائج ، حتى يقرَّ القارُّ منها ويذهب الذاهب.
هذه هي الطريقة المتصورة والمستطاعة في وضع هذا النوع من القوانين. واذن فما مصير أجيال عديدة من البشر قدر لها أن تحيا وتعيش قبل استقرار النتائج ، وقبل تنفيذ القانون ؟.
ما يكون مصير هذه الاجيال من البشرية وهي تشارك أجيالها الاخرى في الغاية، وتضاهيها في التطلع ، وتعادلها فيما آتاها الله من مواهب وفيما أعد لهذه الغاية فيها من عدة؟
والحكمة التي قضت بأن يكون للانسان نظام يولي به وجهه شطر الكمال ، أليست بذاتها تستدعي أن يكون هذا النظام شاملاً لجميع أجياله ومتسعاً لجميع أحواله؟
والبراهين التي حتمت وجود القانون للمجموعة ، ألا تحتم كذلك ان يكون هذا القانون شاملاً لجميع أبعاضها؟. ما يكون مصير تلك الاجيال المحروبة المنكوبة في تلك الآماد الطويلة ؟
أفيكتب عليها سوء المنقلب أن تحيا ( للعصاب ) وتعيش للاضطراب ، مترددة متلددة بين هوى الكمال وحيرة الضلال ؟!.
٥- وبعد أن يطوي القانون هذه المراحل البعيدة ، وبعد أن يستكمل ( بيد العقل أو بيد مشرع سواه ) مواده وفصوله ، وبعد أن يوضع النص الكامل لعبارته والشرح الوافي بمقاصده ، فهل يفي ذلك ـ وحده ـ بالحاجة ؟
بحاجة الانسانية التي دعت الى وضعه ؟.
الواقع أن تلك المراحل الطويلة والجهود المضنية المضاعفة انما وفت بنصف العمل فقط ، وقد بقي نصفه الآخر مفتقراً الى جهد مضاعف والى عناء طويل مستأنف.
لقد تم في تلك المراحل الشاقة دور التَشريع وحده وبقي دور التنفيذ.
دور تنفيذ ذلك القانون الجامع والتمكين في عقول الخاصة، والتعبيد له في نفوس العامة، وحياطته من أن يحرف أو يؤول، ورعايته من أن يمتهن أو يخالف. وبديهي ان وسائل التنفيذ الميسورة للانسان لا تستطيع ان تقوم بذلك.
لاتستطيع ان تقوم به لأنها لا تقوى ان تمتد على البشرية من أقصاها إلى أقصاها ، في جميع أجيالها وفي جميع أقطارها وأصقاعها.
هذه هي الحدود المفروضة لذلك القانون ، واعمال البشرية كافة وصلاتها واخلاقها ومعاملاتها هي مجالات نشاطه ، فلابد من ان تمتد اليها قوى تنفيذه.
ولا تستطيع أن تقوم بذلك لانها لا تقدر ان تتغلغل في نفس الانسان وان تستبطن دخيلته وتسيطر على عواطفه وانفعالاته، لا تقدر أن تفعل ذلك لتمكن للقانون في نفس الفرد، وتجند له مشاعره ورغائبه، وتغرس فيها احترامه واجلاله.
ولا تستطيع أن تقوم بذلك لانها لا تملك بصراً ينفذ الى السرائر، وعلما يحيط بالمخبئات ، وقدرة تتناول القريب والبعيد ، لتدين من يخالف نصوص القانون وإن تستر في مخالفته عن الاعين، أو فرّ بجريمته عن العدل، وما مقدرة حكومات الأرض والقوانين التي تسنها والأحكام التي تصدرها، ما مقدرة وسائل التنفيذ هذه على المتكتم بجرمه والفار بذنبه ؟
وحتى رقابة المجتمع العام ليس في وسعها ان تدرك هذين أو تدينهما بشيء وكم هرب من وجه القانون هارب، وكم اختبأ عن اعين الناظرين مختبئ ثم واقع ما تحظره وما تحرمه القوانين ؟.
أما الضمير فمن المستطاع أن يخادع ، ومن المستطاع أن يوارب ، ومن المستطاع ان يردف عليه بالمخالفة والعصيان حتى يفقد معنويته ، وحتى يخمد صوته وينقطع تأنيبه ، والضمير قوة من قوى الإنسان يعتريها ما يعتري قواه الاخرى من قوة أو ضعف ومن نشاط أو كلل ، ووفرة من المخلوقين يعيشون مرضى الوجدان ووفرة منهم يَحيَون ميتي الضمائر.
لقد تم في تلك المراحل الطويلة دور التشريع وبقي دور التنفيذ ، واي غنى بالقانون اذا لم ينفذ وأي جدوى في تشريعه اذا لم يطبق ؟.
إذن فهو مفتقر الى سلطة ذاتية مهيبة تصون له حرمته وتتولى رعايته.
إلى قدسية سامية تجعل الإعتراف به عقيدة للاتباع وتجعل الإيمان به لزاماً على قلوبهم، والإنقياد له فريضة في أعمالهم.
هذه السبيل الفذة التي يبلغ بها غايته ، وليست له سبيل سواها.
وبقي عليه وراء ذلك كله أن يفكر في شأن أولئك الذين لا يكترثون لمخالفة الفروض ولا يبالون بمعاكسة الإيمان في إرضاء ميولهم وقضاء شهواتهم ، لا يأبهون لهذه ولا لتلك مادام الأمر أمر مخالفة أدبية خالصة ، لا ينتظر المقترف من ورائها حساباً ولا يحذر عقاباً.
بقي على ذلك القانون الجامع أن يفكر في شأن هذه الكثرة من الناس ، فلابد وأن يقيم لهم وازعاً ، ولابد وأن يرصد لهم جزءاً رادعاً. واذن فهو مفتقر الى ان يتخذ صبغة الدين وأن يكتسب منزلته وأن ينتحل خصائصه، وان يحتوي حتى على ثوابه وعقابه.
واذن فهو دين ما دام يلتزم شموله في النظرة ، وطريقته في الموازنة ، ودقته في الحكمة ، وعدالته في التشريع ، وليس يبعده عن الدين الحقيقي سوى هذا الطريق المعنت المستحيل.
ان الدين يروم أن يسد للانسان هذه الفاقة من أيسر سبيل وأبينه ، وأدناه الى الفطرة وأمسه قربى بقوانين الطبيعة ، واثبته على دعائم الحكمة.

(للبحث صلة)

المصدر: مجلة الأضواء: السنة الأولى، العدد الثالث
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com