موقع الصراط ... الموضوع : أهداف ووسائل ثورة الطف
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أهداف ووسائل ثورة الطف  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 24 / ذي القعدة / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ عبد الهادي الفضلي
لكل حركة اجتماعية عوامل سببت حدوثها، وأغراض يستهدفها القائمون منها، ووسائل خاصة يرونها أكفل بتحقيق تلكم الغايات والأغراض.
وكل حركة ثوروية - وهي نوع من الحركات السياسية التي هي بدورها وطبيعتها نوع من الحركات الاجتماعية - تقسم في رأي فريق من علماء الاجتماع إلى نوعين، على اعتبار الأهداف التي ترمي إليها:
1- ثورية: وهي التي تنشد نسف النظام الاجتماعي القائم من قواعده وأسسه، والقضاء عليه قضاء تاماً، وإقامة نظام اجتماعي آخر بدله.
2- إصلاحية: وهي التي تهدف إلى تغيير ما لا يلتئم مع روح وبنود النظام الصحيح في نظرها، وما لا يتفق وطبيعة المجتمع الذي ثارت في سبيله.. وجعله منسجماً مع ما تقصد إليه من قيم ونظم وأخلاق وما شاكل.
والذي يتحكم في فرض أو إملاء هذا النوع من الحركة أو ذاك هو طبيعة الظروف الاجتماعية والسياسية لتلك الحركة.
على ضوء هذا التقسيم المذكور أود أن أعرض بشيء من الإيجاز نوعية نهضة الإمام الحسين (ع) مستخلصاً ذلك من خلال واقعها التأريخي، ومن واقع شخصية الإمام الحسين (ع) مصلحاً ومسؤولاً عن رعاية المسلمين ومد الدعوة الإسلامية - لأن دعوة الإمام الحسين (ع) في واقعها امتداد لدعوة النبي (ص) - .
على ضوء هذا أود أن أشير موجزاً إلى أن نهضة الإمام الحسين (ع) هل هي ثورية أم إصلاحية؟.. وإلى الأغراض التي استهدفتها، ثم الوسيلة التي اتخذتها في تحقيق أهدافها، والتي هي - في نظرها - الكفيلة بذلك.
ألمحت إلى أن اعتبار الحركة ثورية، أو اعتبارها إصلاحية، رهين بطبيعة ظروفها الزمنية.. فإذن هي ترجع في كونها ثورية أو كونها إصلاحية إلى واقع النظام القائم وواقع الحاكمين به، وإلى ما ينشده القائمون بالحركة.
إن واقع النظام القائم زمن الإمام الحسين (ع) وواقع الحكام آنذاك بعيدان كل البعد عن واقع الإسلام، دين الأمة ونظامها المحبوب.
ويكفينا للتدليل على ذلك: استبداد معاوية ووصوليته، واستبدادية يزيد السافرة، ونفعية بطانته الحاكمة، وانتهازية جهاز الدولة بشكل عام من أجل الوصول إلى مآربهم الخاصة على حساب المسلمين المظلومين يحرمانهم من حقوقهم وبامتهان كراماتهم وقيمهم الشخصية.. ومجون يزيد وخلاعته والأخلاق والقيم الاجتماعية غير الإنسانية لأغلبية أبناء ذلك المجتمع الموبوء وأمثال هذه من مفارقات، ومناقضات لروح الإسلام وتشريعاته العادلة، التي يحدثنا التأريخ عنها بملء الصراحة.
وفي عقيدتي: أن نقل التأريخ لأمثال هذه المجافيات لواقع الشريعة الإسلامية وروحها، فلتة من فلتات الزمن، لأنه كتب (بأقلام المثقفين الأذناب) آنذاك، السائرين بركاب الحكام الجائرين إلا ما شذ.. ولأنه هو الذي وقف موقف الخيانة والجناية في حق الحسين (ع) وآله فعد نهضة الإمام (ع) من نتائج الصراع القبلي بين (هاشم وأمية) الذي ظهر بأعنف أشكاله وصوره في مأساة الطف، كما يدعي ويصور.. ليمسخ حقيقته كصراع بين مبدئي: الإسلام المتمثل في شخصيات الحسين (ع) وآله، والجاهلية المتجسدة في شخصيات يزيد وآله.
ويكفينا أيضاً في البرهنة على ذلك من مأثور التأريخ لأقوال يزيد التي يدان بها قوله:
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل
والتي تكشف عن واقعه ودخيلة نفسه التي تعرب بدورها عن عقيدته وهو الحاكم العام.
من هذه ونظائرها نتبين أن نهضة الإمام الحسين (ع) كانت حركة ثورية استهدفت تحطيم ونسف النظام الأموي القائم لجوره ولنحله على الإسلام نحلاً.. وإعادة النظام الإسلامي إلى الحكم، لسياسة المجتمع بالعدل، ورعاية الأمة بالحق. وهذه ونظائرها من أهم عوامل ثورة الإمام الحسين (ع) التي تمتد بجذورها التأريخية إلى أيام جده الرسول الأعظم (ص).

***
يرشد إلى تحديد تلكم الأغراض السامية التي استهدفتها ثورة الحسين (ع) واقعه (ع) الذي ينطبق وواقع الإسلام تمام الانطباق.. وكلماته وأقواله الكريمة التي هي بمثابة تحديد لنتائج مخططات ثورته وغاياتها المقدسة أمثال:
ما جاء في وصيته (ع) لأخيه محمد بن الحنفية: >وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ’ أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسير جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين).
وما جاء في كتابه (ع) إلى رؤساء الأخماس بالبصرة: (أما بعد فإن الله اصطفى محمداً ’ على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه، وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل به ’، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته، وأحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا، وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنه أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد بعثت رسول إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت والبدعة قد أحييت، فإن تسمعوا قولي أهدكم إلى سبيل الرشاد).

***

والوسيلة هي الأخرى تمليها وتقررها طبيعة الحركة وملابساتها وظروفها الزمنية.
وتلكم الظروف والملابسات بواقعها التأريخي آنذاك كانت تفرض أن تكون وسيلة الثورة للإطاحة بنظام أمية وحكمها الجائر المنافي للإسلام، هي (الشهادة) لأنها هي الاحتجاج الأخير والحاسم، والعامل القوي حينذاك، ولأنها هي الفتح - كما يصفها الإمام (ع) بقوله: >من لحق بي فقد استشهد ومن لم يلحق لم يبلغ الفتح<- ولأنها هي الانتصار بنفوسها المزهقة ظلماً وبدمها المراق عدواناً.. (إن موت الشهيد فجر انتصاره).
والإمام الحسين (ع) يحتم اتخاذ الوسيلة المذكورة حيث ينظر الواقع الاجتماعي الحاضر آنذاك، وسوء المصير الذي آل إليه، ويدلنا على ذلك أيضاً أقواله المأثورة الشريفة أمثال:
ما في خطبته بمكة التي استهلها بذكر الموت: >ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى<.
وما في خطبته بكربلا: >أما بعد، فقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وأن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها، ولم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً<.
هكذا تفعل العقيدة، وهكذا يصهر الإسلام شخصيات أبنائه، فيفدى بأغلى ثمن، ويحمى بأعز شيء.
وهكذا يكون المخلصون من حملة الرسالات الإنسانية.
وهذه هي الدروس والعبر التي تفاد من حيواتهم الخيرة الحرة وتضحياتهم المقدسة في سبيل المبدأ.

الأضواء، السنة الأولى، العدد الثالث
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com