موقع الصراط ... الموضوع : من خلق الله؟
 
الأربعاء - 2 / رمضان / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من خلق الله؟  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 4 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
 

إذا كانت هناك قوة قادرة خلقت الأكوان وما فيها، وهذه القوة القادرة هي الله إذن فمن الذي خلق الله إذا كان لكل شيء خالق؟

إن السؤال عن السبب من الأسئلة الفطرية التي تغزو ذهن الإنسان لدى كل حادثة يشاهدها أو ظاهرة تمر في حياته، فإذا سمع صوتاً تلفت يفتش عن مصدره، وإذا خطف بصره نور اندفع إلى التساؤل عن سببه، وإذا لاحظ الماء يتبخر سأل نفسه أو غيره عن الطاقة (القوة) التي يوجد بسببها هذا التبخير، وهكذا يقفز السؤال- لِمَ- في ذهن الإنسان بمجرد رؤيته شيئاً من تلك الظواهر، ويبقى السؤال ملحاً مستمراً في اتجاه تصاعدي يطالب بمعرفة السبب في تبخير الماء، ولا يكتفي بالإجابة على ذلك بأن الماء يصبح بخاراً نتيجة لبلوغ الحرارة درجة (100) إذ ينبثق عند ذلك سؤال آخر عن هذه الدرجة في الحرارة كيف وجدت في الماء، وبأي سبب أصبح الماء حاراً بدرجة (100) وإذا جاء الجواب يشير إلى السبب عاد السؤال من جديد عن هذا السبب وعن أي علة وجد، ومن الواضح أن هذه الأسئلة لا يمكن أن تتصاعد دون نهاية؛ لأنها تصل في النهاية إلى السبب الأول الذي انبثقت منه جميع الأسباب، ونشأ عنه كل ألوان الوجود، وهذا السبب الأول في عقيدة المدارس الفلسفية للتوحيد (هو الله تعالى) والمسألة التي تختلج في أذهان غير علمية فلسفية لماذا لا نعيد السؤال مرة أخرى كما كنا نسأل دائماً، فنسأل عن السبب الأول ما هو سببه؟ أو بالتعبير البدائي- على حد عبارة السائل- (من خلق الله)؟
ولأجل أن يضح لماذا لا نعيد السؤال على هذا الوجه يجب أن نعرف- لِمَ- كنا في البدء نسأل عن أسباب الأشياء وعللها، ولماذا كنا نترقب للغليان سبباً؟ وللحرارة سبباً؟ وللنور سبباً؟ وبالأحرى لماذا كانت هذه الأشياء بحاجة إلى الأسباب؟
والجواب على ذلك قد استعرضه الفلاسفة ضمن نظريات أربع، وهي:
1- نظرية الحدوث.
2- نظرية الإمكان الماهوي.
3- نظرية الوجود.
4- نظرية الفقر الوجودي.
ولا متسع في هذا المجال لعرض هذه النظريات ودراستها بتفصيل، ولذلك فسوف ندرس مسألتنا على ضوء إحدى تلك النظريات، وهي النظرية الشائعة فلسفياً- نظرية الإمكان الماهوي- فعلى أساس هذه النظرية نعرف أن حاجة الشيء إلى سبب نابعة من إمكانه بمعنى أن الشيء إذا كان ممكناً يتساوى وجوده وعدمه بالإضافة إلى طبيعته، فلا يمكن ترجيح أحد المتساويين على الآخر إلا بمرجح خارجي، وهو العلة، وهكذا يكون من الضروري لكل ممكن ألا يكون موجوداً إلا بسبب خارجي عن ذاته؛ لأن عدمه جائز كما كان وجوده جائزاً، فلا يفضل أحدهما على الآخر إلا من ناحية علة خارجية.
والقاعدة في كون الممكن محتاجاً إلى العلة هي أن التقسيم البدائي المتصور بما هو متصور لا يخلو من أحد أجزاء القاعدة الثلاثية وهي:
1- الوجوب الذاتي أي كونه ضروري الوجود لذاته بمعنى أن ذاته آبية العدم مطلقاً.
2- الامتناع الذاتي أي كونه ضروري العدم لذاته بمعنى إبائه عن الوجود مطلقاً.
3- اللا اقتضاء أي ألا يكون لذاته بذاته اقتضاء الوجود، ولا اقتضاء العدم، ولازم هذا أن يكون وجوده بوجود علته، وعدمه بعدمها.
ولهذا كان السبب الأول (الله تعالى) يختلف في حقيقته عن الأسباب الثانوية لأنه واجب الوجود بذاته، وعلى هذا فوجوده لا يتساوى مع عدمه ليحتاج إلى مرجح خارجي بل يتمتع وجوده برجحان ذاتي لا يدخل في حسابه أي شيء خارج عن نطاق ذاته وحقيقته.
وصفو القول: أن الممكنات تحتاج إلى سبب بوصفه مرجحاً لوجودها على عدمها، وهذه الحاجة لا توجد في السبب الأول؛ لأنه واجب لذاته، وقد عرفت بأن معنى ذلك (أن يكون وجوده ضرورياً لذاته فلا يكون بحاجة إلى شيء غير ذاته ليتحدى منه الوجود أو الرجحان).
وإذا أردنا أن نقرب هذا الفارق الأساسي بين السبب الأول والأسباب الثانوية إلى ذهن القارئ فلنأخذ له مثالاً من الحرارة، أفلسنا نجد الماء حاراً، والنار حارة، فنسأل عن الماء لماذا؟ وبأي سبب أصبح حاراً، ولا نسأل عن النار أنها بأي سبب اكتسبت الحرارة، وليس ذلك إلا لأن الحرارة ليست وصفاً ذاتياً للماء، فتحتاج إلى سبب خارجي، وعلى العكس من ذلك حرارة الحرارة، فإنه وصف ذاتي للحرارة، فلا تكون الحرارة بحاجة إلى سبب ليجعلها حارة.
وهكذا الأمر في قضيتنا التي نعالجها فإن الأسباب الثانوية بصفتها ممكنة يعتبر وجودها وعدمها جائزين معاً، فإذا وجدت كان من الضروري أن تكون لها علة ولذا ترانا نسأل عن الماء لِمَ صار حاراً، ولا نسأل عن الحرارة لم كانت حارة؛ لأن حرارة الحرارة ذاتي للحرارة، وعارضي للماء، وهذا هو معنى قول الفلاسفة- إن الذاتي لا يعلل- .
وكذلك السبب الأول فالوجود نفس حقيقته، وليس وصفاً زائداً عليها، فلا نسأل عنه تعالى لماذا وجد، ومن أوجده؟ كما لا نسأل عن الحرارة لماذا كانت حارة ما هو سبب حرارتها على فارق واضح كبير بين المثالين ولكننا ذكرناه كما قلنا للتقريب.
وتأكيداً للجواب نقول: إن العلماء في كل زمان قد أطبقوا جميعهم- ماديين وإلهيين- على وجود واجب لا يعلل، وإنما الخلاف بينهم في أن الواجب الذي لا يعلل هل هو قوة عاقلة أم مادة صماء لا تعقل ولا تعي شيئاً؟
فالإلهيون يقولون إن القديم بذاته الذي هو معنى الواجب بالذات هو قوة عاقلة، والماديون يقولون إن القديم بالذات هي المادة.
فالكل متسالمون على وجود قديم لا يعلل، وحينئذ يجوز لنا أن نسألك إذا رأيك رأي الماديين من خلق المادة؟ لأنها هي القديم الواجب بزعم الماديين، ولكننا لا نسأل هذا السؤال بعد فرض كون المادة مثلاً هي القديم الواجب لأن السؤال عن القديم الواجب بعد فرض كونه قديماً- لغو عند أهل الفن- فإن معنى كونه قديماً هو أنه غير محتاج إلى من يخلقه وإلا كان الخالق أقدم منه.
ولكن يحق لنا أن نعارض المادي عن ادعائه كون المادة هي الواجبة بالذات بقولنا: المادة غير قديمة، ولا واجبة الوجود بالذات، وليس له أي دليل إطلاقاً على إثبات مدعاه خصوصاً بعد وصول العلم الحديث إلى تفجير الذرة التي هي المادة الأولى عنده وتفجيرها دليل تركيبها إذ التفجير تشطير وتقسيم، ولا ينقسم، ويشطر إلا المركب والتركيب ينافي كون الشيء واجباً بالذات لاحتياجه إلى أجزائه، وقد عرفت بأن الاحتياج دليل الإمكان.
فسؤالك: من خلق الله؟ لغو بحسب القواعد لأن الله تعالى عندنا: هو واجب الوجود بالذات وهو القوة العاقلة الجامعة لجميع صفات الكمال المنزه عن جميع النقائص: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

الأضواء

السنة الأولى، العددان الثامن والتاسع
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com