موقع الصراط ... الموضوع : من حديث الدعوة والدعاة
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من حديث الدعوة والدعاة  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 7 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم آية الله المرحوم الشيخ محمد مهدي الآصفي
((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون))
((ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين))
((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)) (التوبة:71)
((ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض، أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور)) (الحج:41-42)
((ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)) (النحل: 124)
((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)) (آل عمران: 104)
((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون)) (آل عمران: 107)
من أشق الأشياء عليَّ أن أتحدث عن الدعوة الإسلامية في الوقت الحاضر.
فلا آخذ القلم بيدي لأكتب، ولا أخلو إلى نفسي لأتخطر إلا ويتراءى لي عظم المسؤولية الملقاة على عواتقنا، نحن الدعاة، تجاه الدعوة الإسلامية، وضآلة ما نقدمه من عمل في هذا السبيل، فيصدني ذلك عن الكتابة.
فليس من ريب أن الدعوة الإسلامية أصيبت بفتور كبير في الوقت الذي كانت في أشد الحاجة إلى العمل الجاد والتضحية من قبل القائمين بها.
وليس من ريب أن الدعوة الإسلامية تراجعت بعض التراجع أمام التيارات الملحدة الجارفة في وقت كانت هي في أمس الحاجة فيه إلى أن تسد عليها كل سبيل، وتقف دون تقدمها في الأوساط الاجتماعية كالجبل الراسخ لا يزعزعه شيء.
وليس من ريب أن الدعوة الإسلامية قد خسرت عدداً لا يستهان به من شبابها المؤمن في مختلف البلدان الإسلامية، في حين كانت في أشد الحاجة إليهم، في صراعها الدامي مع الكفر والإلحاد.
والشباب هي الطاقة التي تتقوم بها الدعوة وتتجهز بها تجاه التيارات الفكرية المعادية.
وإنني على يقين أن التيارات الفكرية الملحدة لا تتقدم خطوة واحدة في البلدان الإسلامية وغيرها، إلا وتتراجع الدعوة الإسلامية تلك الخطوة ذاتها لتفسح لها المجال.
ولا تحتل وسطاً اجتماعياً إلا وتنحسر عنها صفوف الدعوة الإسلامية، ولا تكسب فرداً واحداً إلا وتتخلى عنه الدعوة الإسلامية لتلتهمها قوى الكفر والشر، ولا تضم مكسباً جديداً إلى مكاسبها إلا وتخسرها الدعوة الإسلامية، ولا تنجح في خطوة من خطواتها إلا وتفشل فيها الدعوة الإسلامية.
إذن فنحن نريد أن نخادع أنفسنا أو نخلط الأمر عليها عندما نقول: إن الدعوة الشيوعية قد احتلت جزءاً من الصين كبيراً.
وإنها تضم مئات الألوف من الأشخاص إليها.
وإنها آخذة في الانجراف إلى الشرق الإسلامي بصورة خاصة، وبأساليب حزبية ملتوية.
وإنها أصبحت على الأبواب أو كادت أن تكون.
وإنها أخذت تهددنا في عقر دورنا.
وإن الدعوة المسيحية أخذت تتسرب إلى البلدان الإسلامية بشكل خفي وغير خفي.
وإن الدعاة المسيحيين أخذوا يشوهون الحقائق الإسلامية بشكل فاضح، وإن شبابنا المؤمن أخذ يحتضن تيارات الظلام الجارفة من الغرب بشهوة وشره كبيرين.
وإن الأفكار المستوردة أخذت تحتل أذهان المسلمين بشكل سريع.
وإن دولة الفاتيكان بدأت تنشر دعاتها في مجاهل أفريقه وغاب الهند وجزر المحيط الهادي بشكل واسع، وتصرف الملايين تجزيهم بكل ما يلزمهم في مهمتهم التبشيرية هذه.
وإن قوى الاستعمار أخذت تعاضد الحركة التبشيرية وتجهزها وتفتح أمامها السبل والطرق..
أجل إننا نريد أن نخادع أنفسنا أو نخلط عليها الأمر عندما نقول كذلك، فالواقع أن المشكلة تعني أكثر من ذلك وتمتد إلى أعمق مما نقدر أو يحلو لنا أن نقدر.
فهي تعني بشكل مباشر أننا فشلنا في مجابهة التيارات الملحدة، وتراجعنا عن الأقطار التي احتلتها الشيوعية، وانحسرنا عن البلاد التي تسرب إليها التبشير المسيحي، وتصمما عن الدعوات الكافرة، وتغامضنا عما يوجه التبشير المسيحي إلى الإسلام من الكذب الفاضح، وفسحنا المجال للإلحاد، وتخلينا عن مهمتنا، وأهملنا واجبنا وقصرنا في أعمالنا.
لذلك كله، فلا آخذ القلم بيدي لأكتب، ولا أخلو إلى نفسي لأتخطر ما أكتب إلا ويتراءى لي هول المشكلة وفداحة الخسارة وحراجة الموقف، كأعظم ما يتراءى لي، فيربكني ذلك، ويوخز ضميري، ويجعلني أشعر بعبء المسؤولية الملقاة على عواتقنا في مثل الأوضاع المعاصرة.
ولا أرى، والدعوة الإسلامية بهذه الحالة إلا أننا سنقف يوماً ما أمام صاحب هذه الدعوة موقفاً يبعث على الخجل والارتباك.

(2)
ومن السخف أن ندعي أن الدعوة الإسلامية تتقدم اليوم بأعمالنا نحن القائمين بشؤون الدعوة الإسلامية في الوقت الحاضر، وبما نقدمه من عمل وتضحية في هذا السبيل.
وإذا كانت ثمة حياة للدعوة الإسلامية في البيئات الإسلامية، فهي ترجع (أولاً) إلى قوة الدفع الحيوية في الدين ذاته، و(ثانياً) إلى الأثر الضئيل المتبقي من جهاد العاملين في حقول الدعوة الإسلامية في العهود السابقة.
ولا ألقي هذا القول على عواهنه، من غير بصيرة بأوضاع الدعوة الإسلامية المعاصرة، فلنلقي نظرة إلى الأوضاع الراهنة لنعرف مدى نجاح القائمين بالدعوة في تسيير الدعوة الإسلامية في الظروف الحاضرة ومقارنتها إلى تيار الدعوات الفكرية الملحدة في الشرق والغرب.
يجتاح غزو التبشير المسيحي العالم اليوم بسرعة هائلة وبشكل منظم وبأساليب علمية وخطط متقنة تعتمد قانون تبرير الواسطة.. الأمر الذي أتاح لهم نشر المسيحية بشكلها المحرف الحاضر على أوسع أفق في أقطار واسعة من العالم، فالقارة الأمريكية والقارة الأوربية تدين بشكل عام بالمسيحية على اختلاف مذاهبها، وقارة آسيا وأفريقيا مهددتان بالمسيحية، ودعاة المسيحية يأخذون العدة بكاملها في مواجهة الدعوة الإسلامية، وتزييف الإسلام لدى الأوربيين والأمريكيين.
والدعوة المسيحية لا تتقدم ولا تتسع إلا على حساب الإسلام، لذلك فالتقدم المسيحي لا يعني فقط تقدم الدعوة المسحية، وإنما تعني قبل ذلك انحسار الصف الإسلامي أمام الغزو المسيحي وإقصاء الدعوة الإسلامية عن مجالات الحياة والعمل.
ومن هنا نجد أن تأييد الاستعمار للتبشير المسيحي يبدو شيئاً طبيعياً إذا أخذنا نتفهم الدعوة المسيحية على هذا الضوء.
فالاستعمار الأوربي- الأمريكي يهتم قبل كل شيء، وأكثر من أي شيء آخر- لإقصاء الإسلام عن مجاله الطبيعي في الحياة، والدعوة المسيحية بطبيعتها تقضي على الدعوة الإسلامية؛ لأنها فكرة لا تنمو إلا على حساب الأفكار الأخرى، ولأن طبيعة المسيحية بشكلها المحرف الحاضر طبيعة مقابلة للإسلام.
والاستعمار لا يهاب الدعوة المسيحية كما يهاب الدعوة الإسلامية ولا يخشاها على مصالحه كما يخشى الإسلام على مصالحه.
ولذلك كله آثرت التنبيه على انتشار الدعوة المسيحية وخطرها على الإسلام مع وفرة الدعوات الملحدة المعادية للإسلام.
فالدعوة المسيحية اليوم مزودة بمائتين واثني عشر ألف داعية في القطر الأمريكي وعشرات الآلاف من الأديرة والكنائس والمؤسسات التبشيرية وما إلى ذلك من المعاهد والمستشفيات التي تستغل من قبل المسيحيين استغلالاً تبشيرياً.
ومن ورائها الحكومة الأمريكية بدولاراتها وطائراتها ودباباتها وقاذفاتها وجيوشها وشبكاتها الجاسوسية الواسعة.
يقول الأستاذ محمد زكي عبد القادر، بعد أن عاد من رحلته إلى أمريكا في مقال بعنوان (سلطة الكنيسة في أمريكا):
((قد يظن الكثيرون أن أمريكا قد تحررت من سلطة الكنيسة.
ولكن هذا الظن ليس صحيحاً، فإن المنظمات الدينية والكنيسة متعددة في مختلف الولايات.
ويصعب على أي فرد في الولايات المتحدة أن ينتقد الكنيسة الكاثوليكية فهي تنتحل لنفسها ما يشبه الحصانة.
وهي تتدخل- وكذلك تفعل الكنيسة البروتستانية- في شؤون التشريع والتنظيم في كثير من الأحيان.
والكنائس في الولايات المتحدة ليست منظمات دينية فقط، ولكنها تعني أيضاً بالشؤون التعليمية والاجتماعية، وتتدخل أحياناً في الشؤون السياسية.
ويتولاها أشخاص ذوو كفاية وثقافة، يعرفون أين يقفون وكيف يؤثرون عن طريق الدين في الكثير من أساليب الحياة.
ثم إنهم يديرون المدارس والمؤسسات التعليمية وينفذون إلى حياة العائلات)).

(3)
والمسلمون يملكون تجاه هذه القوة التبشيرية الهائلة في أمريكا ولا في أوروبا شيئاً يذكر، ولعل عدد الدعاة المسلمين في القارة الأمريكية لا يتجاوز عدد الأصابع.
مع العلم أن نفوس المسلمين في أمريكا الشمالية يربو على 12000 نسمة.
وفي أمريكا الجنوبية يبلغ 19000 نسمة كما تذكر مجلة إسلاميك رويو حتى سنة 1365 الهجرية.
وكذلك الأمر في القطر الأوربي، وإن اختلف الأمر بعض الشيء في أوربا عن شقيقتها أمريكا.
فهناك في باريس مسجد إسلامي ضخم يجتمع فيه المسلمون كل يوم لإقامة فريضة الصلاة، وفي باريس يسكن ما لا يقل عن ثلاثة آلاف من المسلمين، ويشتمل المسجد على مدرسة ومستشفى وسوق ومكتبة إسلامية، وتتلوها مدينة مارسيل، ففيها عدد لا بأس به من المسلمين ونفر من الدعاة.
وفي انجلترا يسكن ما يقرب من عشرين ألف مسلم، وقد قام السيد كويليم لأول مرة بمهمة الدعوة الإسلامية في انجلترا، وأعقبه السيد خواجه كمال الدين الهندي، وأهم المؤسسات الإسلامية فيها هي مسجد بلدة ووكينك الذي يدار من قبل مسلمي الهند، ومسجد لندن، ومركز التمدن الإسلامي، ومسجد شرقي لندن، ومسجد بلدة كارديف، ومسجد سوف شيلدز.
وفي هلند مؤسسة إسلامية هندية قائمة بأعمال الدعوة أنجزت ترجمة القرآن الكريم إلى الهولندية منذ عهد بعيد.
وفي ألمانيا نشطت الدعوة الإسلامية سنة 1927م من قبل جمعية إسلامية في لاهور حيث أقامت مسجداً كبيراً في برلين.
وفي ورشو حركة إسلامية نشيطة ومؤسسة إسلامية ضخمة ومدرسة ومسجد كبيران وعدد كثير من المسلمين.
وفي يوغوسلافيا يتجاوز عدد المسلمين مليوناً وستمائة نسمة، وفيها عدد لا بأس به من المؤسسات الإسلامية، وهيأة من الدعاة المسلمين تقوم بمهمة الدعوة الإسلامية.
وفي فنلاند يعيش جمع من المسلمين من الترك وغير الترك، وفيها مؤسسة إسلامية فنلايدنيا (ترك لري بيرليكن) يقوم بإداراتها السيد عبد الله بانال وإبراهيم جديت ومدارس ابتدائية إسلامية.
وفي بلغاريا يربو نفوس المسلمين على ثمانمائة ألف نفس، وفيها عدد من المدارس والمؤسسات الإسلامية لا بأس به.
وألبانيا بلاد إسلامي فيها مؤسسات إسلامية كبيرة قائمة بشؤون الدعوة في حدود ما تسعفها طاقاتها المادية.
وهناك في جنيف وهامبورك مؤسسات إسلامية ضخمة واسعة الحدود وعدد من الدعاة المسلمين المجهزين، إلا أن ذلك كله لا يكاد يعد شيئاً إلى جنب اتساع الدعوة المسيحية في القارة الأوربية.
والعالمان الأمريكي والأوربي، نظراً لتقدمهما في حقول الثقافة والفكر، يعدان من أصلح الأقطار لتقبل الدعوة الإسلامية، إذا ما أعددنا لها العدد والعدة اللازمة.
وإنني أقدر الدعوة الإسلامية إذا قدر لها أن تتوسع في هاتين القارتين، فسوف تحرز توفيقاً باهراً في مجال الدعوة، وسوف تتاح لها أن تحتل مناطق جديدة واسعة، صالحة لتقبل الدعوة والإيمان بها، مع أنا لا نملك أية عدة لهذه المهمة، ولا نعمل شيئاً في هذا السبيل، ونفقد كل شيء في القطر الأمريكي، إذا كان لنا ثمة شيء يذكر في القطر الأوربي.

(4)
ذلك كله في الأقطار الأمريكية والأوربية، أما فيما يخص الأقطار الآسوية والأفريقية، فالأمر يختلف كثيراً عنهما في أمريكا وأوربا.
فقد سبق لسلفنا الصالح من دعاة الفكرة الإسلامية أن عملوا على نشر الدعوة الإسلامية في هذه الأقطار، وخلفوا منها أقطاراً إسلامية، بعد ما كان الغالب عليها طابع المسيحية وتغلغلت الدعوة فيها بعد ذلك ونشأ عليها أجيال من الناس.
وإذ تخلى السلف الصالح لنا عن مهمة الدعوة أهملنا شأن الدعوة في الأقطار الأفريقية والآسيوية البعيدة، فأخذت الدعوة المسيحية تتسرب فيها بأشكال مختلفة وأساليب متلونة على أعين الدعاة ووجوههم.
والدعوة المسيحية تهتم بشكل خاص بالأقطار الإسلامية الآسيوية والأفريقية، وتحاول نشر المسيحية في هذه الأقطار على أوسع حد ممكن، وتتخذ لذلك أساليب متنوعة خبيثة، منها ترجمة الكتاب المدعو بـ (المقدس) إلى اللغات الأخرى، ونشرها وتوزيعها بين الناس بأشكل جميلة مصورة وغير مصورة.
وقد أصدرت مؤسسة (British and Foreign) سنة 1903 كراسة صغيرة تشرح فيها أعمال المؤسسة.
وفي هذه الرسالة: إن المؤسسة قد توقفت حتى هذا الوقت لترجمة الكتاب المقدس إلى ستمائة وثلاثين لغة منها إحدى عشرة ترجمة باللغة العربية (العربية الفصحى، اللهجة التونسية، اللهجة السورية، عربية بالخط اليهودي، اللجة الجزائرية، اللهجة المصرية، ترجمة بالخط اليهودي لشمال أفريقيا، اللهجة المغربية، اللهجة المغربية بالخط اليهودي، اللهجة السودانية بالخط اللاتيني، العربية التونسية) وست تراجم باللغة الفارسية، واثنتان وعشرين ترجمة باللغة التركية.
ومن ذلك يتبين لنا مدى اهتمام التبشير بالبلدان الإسلامية، فقد رأينا أنها خصت البلدان الإسلامية بعدد وافر من تراجم العهدين، فخصت البلدان العربية بإحدى عشرة ترجمة والفارسية بست تراجم، والتركية باثنتين وعشرين ترجمة.. إلى ما هنالك من كتب ومنشورات مسيحية تنشر بنسب واسعة في البلدان الإسلامية.
وقد قدر لي أن أتصل صيف هذه السنة بتيار الدعوة المسيحية في إيران، فرأيت ما يثير العجب، ويشجي الغيور.
فقد دعيت إلى الكنيسة الإنجيلية من قبل الدكتور جان آلدر، زعيم الحركة المسيحية في إيران لنتحدث عن شؤون الإسلام والمسيحية فأدهشني نشاط الحركة وتوسعها وقوتها وإيمان أصحابها، واهتمام المسيحيين بتجهيزها وتمويلها، وأشجاني أكثر من أي شيء آخر أني رأيت ثلة من الشباب المسلم المتنصر يعملون في تسيير هذه الحركة وتجهيزها، فكان ينادي أحدهم الآخر: مصطفى، محمد، حسن، علي، فسألت عن حالهم، فقالوا: نحن من المسلمين المتنصرين راقتنا الدعوة فاستجبنا لها، فسألتهم عما إذا كانوا يعرفون شيئاً عن الإسلام، فكان الجواب بالنفي، وكانوا لا يحسنون قراءة شيء من القرآن، مع العلم أنهم كانوا يحفظون جملاً طويلة من العهد الجديد، والعهد القديم من الكتاب المدعو بـ (المقدس).
فيا ترى على من تقع المسؤولية إذا اعتذروا عن هؤلاء عن مصيرهم هذا بجهلهم للإسلام، وعدم معرفتهم له، وإيران قطر إسلامي عريق في الإسلام منذ أقدم الأزمنة.
وكذلك الشأن في العراق وسوريا ولبنان والأردن والجزائر، ومراكش، والمغرب، وفي لبنان تتضاعف المشكلة فالحركة المسيحية قوية نشيطة فيها غاية القوة والنشاط، والدعوة الإسلامية مهددة كل آن من قبل التبشير المسيحي إذا لم تغير من شكلها وأساليبها.
وقد قدر لي بفضل الدكتور آلدر أن أتصل بأساليب التبشير المسيحي من قريب؛ أحاول أن أشرحها لكم في هذه الدراسة:
تعتمد المسيحية في التبشير على الأساليب العاطفية أكثر من أي جانب آخر، وتستغل العاطفة قبل أن تستغل العقل، أو من غير أن تستغل العقل.
فطقوس العبادة تجري في جو متكهرب بموسيقى عذبة وألحان شجية مثيرة والنشيد الديني يسبح على فضاء الكنيسة ممتزجاً بالأنغام الموسيقية في جو ممغطس ساحر.
والنشيد حقل من حقول الشعر العاطفي الرقيق يلعب بأفكار الحاضرين وعواطفهم، فتسد عليهم منافذ العقل والتفكير.
ثم هناك ضروب الإغراء والوعد الكاذب، فالمؤمن الخاطئ إذا اغتسل بماء التعميد واعترف للقسيس بكل شيء فقد وهب الله له ما تقدم من ذنبه.
وما أدريك ما لمشهد التعميد من روعة وسحر؟
والغزو التبشيري يعتمد بعد ذلك في نشر دعوته على المدارس الابتدائية التبشيرية والمستشفيات، فتغذي أفكار الأطفال والمرضى الملجئين إلى هذه المؤسسات بالاتجاهات المسيحية العاطفية.
وحصلت على سلسلة من انتشارات الكنيسة الإنجيلية وهي طائفة من الكتب والرسائل التبشيرية المصورة المعدة بورق جيد وطباعة أنيقة وكتابة جميلة وتعبير رقيق، وإخراج بديع تلفت النظر، وتدعو إلى القراءة والاستطلاع، وهي في الغالب فصول منتخبة من العهد الجديد، وحالات المسيح، وحكايات عن أبطال المسيحية وحواري عيسى (ع).
وهذه الرسائل تختلف في شكلها ونوعها، فطائفة منها للأطفال، وطائفة منها للنساء، وطائفة أخرى للشباب، ولإعداد كل طائفة منها اختصاصيون من رجال الدين.
ذلك كله في القطر الإيراني الشقيق، وفي حدود ما وسعني الاتصال بتيار الدعوة.
وتتسع الدعوة وتتقلص في الأقطار الإسلامية الأخرى، حسب إمكانيات الدعوة وظروفها الخاصة، ومن ورائها الاستعمار يساندها بالقوة والمال والعدة والعدد والرجال والسلاح.
>ففي الجزائر يعتبر تعليم اللغة العربية والدين جريمة يقبض على فاعلها، كما يقبض على اللصوص، وقطاع الطريق، وينادي عليه في قفص الاتهام معهم، ويحشر كذلك معهم في سجن واحد.
وفي جنوب السودان يعتبر مسلم واحد - ولو كان ذاهباً للتجارة - خطراً عظيماً تجند له بريطانيا وقواتها وترصد له الإدارة في السودان جهودها، ويقبض عليه ليرد إلى الشمال كي لا يقع الأهالي المسالمون فريسة للإسلام، وذلك بينما تعبأ كل قوى الإدارة هناك لحماية التبشير والمبشرين ومنحهم التسهيلات من كل نوع).

(5)
والاستعمار يتخذ المسيحية وسيلة للقضاء على الإسلام، وإقصائه عن مجاله في الحياة.
والأمة المسلمة يستحيل أن تخضع للاستعمار وتستسلم له بشكل من الأشكال، أو تفسح له المجال في الحكم والإدارة، وتجعل عليها له سبيلاً، إذا كانت تؤمن بالإسلام حقاً، فهو لا يملك استثمار القطر الإسلامي قبل أن يقصي على الفكرة الإسلامية فيه، ويقصي الإسلام عنه ليشق لنفسه سبيلاً إليه.
ولذلك فمن أيسر الأمور أن نفهم لماذا يساند الاستعمار الحركة التبشيرية، وينهض بها، ويعاضدها ويجهزها بما يلزمها من عدد وعدة.
ولنأخذ بلاد الحبشة مثلاً على ذلك.
فقد سافر الأستاذان عبد الله المشد ومحمود الخليفة إلى الحبشة لدراسة الشؤون الإسلامية هناك، وسجلا مشاهداتهما عن الأوضاع الإسلامية في هذا القطر من بلاد المسلمين، في تقرير طويل ننقل هنا بعض الفقرات:
>عقب انتهائنا من زيارة بورما من أعمال الصومال البريطاني رأينا أن نواصل الرحلة إلى أرض الحبشة لأن الميعاد المحدد لدخولنا فيها قد أوشك أن ينتهي فسافرنا يوم 26 من يوليو سنة 1951م بالسيارة إلى جيجيا وهي أول مدينة من مدن الحبشة في جنوبها الشرقي، وتعتبر عاصمة الصومال الأوجاديني.
وبعد أن نزلنا الفندق ومكثنا فيه ساعة ونصف أمرنا بمبارحة المدينة، ولم يسمح لنا بالإقامة، فاضطررنا للعودة إلى هرجيسه في مساء اليوم الذي دخلنا فيه، ثم برحنا هرجيسا إلى عدن، ثم منها إلى أسمرا، وبعد أن أقمنا عشرة أيام أخطرنا من السفارة المصرية بأديس أبابا بأن وزارة خارجية أثيوبيا سمحت لنا من جديد بدخول الحبشة، فسافرنا بالطائرة إلى أديس أبابا يوم الخميس 16 من أغسطس سنة 1951، وأقمنا بها اثنا عشر يوماً حاولنا في خلالها أن نقوم بزيارة معاهد التعليم في العاصمة والمدن الكبيرة، وأن نتصل بالمسلمين، فلم نستطع إلى ذلك سبيلاً لأسباب خارجة عن إرادتنا.
ويذكر التقرير بعد ذلك أن 65 في المائة من مجموع السكان مسلمون- ومع ذلك- فالحكومة تمنح الحبشة إرساليات التبشير المسيحية كل العناية والرعاية في الوقت الذي تحرم فيه على المسلم أن ينتقل من محلته إلى محلة أخرى لإرشاد المسلمين ووعظهم وتقصي على كل محاولة ترمي إلى ذلك. وقد جاء في تقرير لهذه الإرساليات أنه يمكن تنصير جميع المسلمين في هذه المناطق خلال خمس سنوات، نظراً لجهلهم وفقرهم وعدم وجود من يعلمهم دينهم أو يحثهم على التمسك بعقيدتهم).
(والاستعمار لم يكن يعلب، فقد كان يعد عدته لليوم الذي ترحل فيه جنوده عن الوطن الإسلامي، وكانت عدته هم هؤلاء الأقطاب الذين ينفرون من الدين.
إن بريطانيا حينما أرادت أن تختار مستشاراً انجليزياً لوزارة المعارف المصرية اختارت قسيساً، فلم يكن (دنلوب) إلا رجلاً من رجال الكنيسة المتعصبين).
ولما استوت دولة البلقان في الحرب التي نشبت بينها وبين الدولة العثمانية على أراضي الدولة العثمانية أعلنت أوربا موافقتها على انضمام الأراضي العثمانية إلى دولة البلقان مع أن أوربا كانت قد أعلنت قبل ذلك أنه لا يحق لأحد من الجانبين الاستيلاء على ممتلكات الجانب الآخر.
ولما اعترضت الدولة العثمانية على هذا القرار الصليبي الجائر أجابت أوربا المسيحية (إن ما يأخذه الهلال من الصليب يجب أن يعود إلى الصليب، أما ما يأخذه الصليب من الهلال فلن يعود إلى الهلال).
ولما بعثت الدولة العثمانية (سليمان البستاني) المسيحي إلى (بوانكاريه) وزير خارجية فرنسا لتذكيره بالقرار أجابه مسيو (بوانكاريه):
(مسيو بستاني إنك مسيحي عاقل، وإن هذه الملايين لو اجتمعت كلمتها وانتظم عقدها لحسبت أوربا حسابها، وأما في حالتها الحاضرة فليس لها أي وزن).
فالغزو المسيحي يهدد العالم الإسلامي كل آن، ويتربص به الدوائر، والاستعمار الكافر يمده بما يملك من عدد وعدة وافرة.
فهو امتداد لضغائن قديمة لم تبرد جذوتها على مر الأعصار، واستمرار لنوبات من الحقد تعتري القوم فينطلقون كالقذائف المدمرة، ويصيبوننا بأشد الخسارة.
وهو العلة التي أوهنت الإسلام في الهند، وقوضت حكمه، وانتزعت من يده السلطان الحقيقية لتضعها في أيدي الوثنيين، وهو مصدر الجرائم التي جعلت بعض الأعزاء من شبابنا يظن أن الشيوعية خير.
وبلاد الإسلام كانت في حصانة أسبغتها عليها تعاليم الكتاب والسنة وتقاليد الفضل والكرم التي نتوارثها، غير أن الاستعمار الغربي- في حملته على الإسلام وقتله لدراسته- أحدث هذه البلبلة التي تعانيها أمتنا في بعض أجزائها.
وهو ملح كل الإلحاح في تقطيع أوصالنا.
ومهما هددته الكوارث، وفرضت عليه مصلحته أن يصالحنا أو يهادننا غلبته سورات العداوة الغبي فأبى إلا المضي في اهاتنا.
وهو يتناسى خلافاته الداخلية ليوحد صفه وعاطفته ضدنا.
إن الناس لا يزالون يذكرون (للنبي) لما دخل البيت المقدس:
(الآن انتهت الحروب الصليبية)، ويذكرون أنه دخل هذا الحرم بين يدي حشد طويل من القسس والرهبان والمباخر والصلبان والتراتيل الدينية).
ذلك جانب من مظاهر غزو التبشير المسيحي، وتلك صورة مصغرة للوحشية الصليبية التي تعد العدة لأن تقضي على الفكرة الإسلامية وتجعلها أثراً بعد عين.
ونحن نشاهد كل ذلك ونقف مكتوفي الأيدي تجاهها، ولا نعيرها بالاً، ولا نشعر تجاهها بشيء من المسؤولية أو وخز الضمير.

(6)
ذلك في حدود التبشير المسيحي أما خارج حدود التبشير المسيحي، فقد أخذت الأفكار الشرقية والغربية تتقاسم فيما بينها أفكار شبابنا المسلم وتلونها بألوانه، وتقضي على انطباعاتها الإسلامية بصورة خاصة.
وقد تأثر الشباب بدورهم بتيارات الفكر الأجنبية، وأهملوا الإسلام إهمالاً كلياً، حتى عادوا غرباء عن الإسلام، وأضحوا لا يعرفون عنه شيئاً، فلم يسلم لنا أحد من الخطر الداهم، في الغالب، سوى عدد من الكهول وضعفاء الرجال والنساء الذين لم يصلهم التيار فبقوا في منجاة عن الخطر المحدق.
وهؤلاء لا يعرفون الإسلام إلا بالوجه التقليدي الذي ورثوه من أمهاتهم وآبائهم وأصدقائهم في البيوت والزقاق.

(7)
فماذا عملنا من أجل الإسلام؟ وما أصلحنا من فاسد الأوضاع؟ وما أثر هذه الجامعات الإسلامية الضخمة المنتشرة هنا وهناك في العراق، وفي مصر، وفي الهند، وفي إيران، وفي المغرب، وفي باكستان؟ وما هو العمل الذي قدمناه تجاه تيارات الفكر الملحدة التي أخذت تغزونا في عقر دورنا؟ وما هو الأثر الذي طبعنا به الدعوة تجاه تيارات الغزو المسيحي؟
ولنضع عملنا في مجال الدعوة موضع التقييم والتقدير لنعلم ماذا عملنا للدعوة وما الذي قدمناه في هذا السبيل.
تقوم الدعوة الإسلامية عندنا في الوقت الحاضر على الخطابة في الدرجة الأولى، والتأليف والكتابة في الدرجة الثانية.
أما الخطباء فاتركوني أقول بحرية: إن محنة الإسلام بهم أعظم مما ألم به من المحن والفتن في العصور المتأخرة.
وأنا إذ أقول الخطباء لا أعني زيداً أو عمرو، وإنما أعني شكل الخطابة عندنا بوجه عام وبصورة غالبة.
والخطباء عندنا في العراق ومصر والهند وباكستان وإيران السبب المباشر للاتصال بالناس والوسيلة العامة للتوجيه الشعبي، ينتشرون في أرجاء البلاد في شهور محرم وصفر ورمضان للتوجيه والإرشاد.
ولا يكاد تتجاوز معلوماتهم في أكثر الحالات عن سيرة النبي وغزواته، وسيرة الخلفاء، والإمام أبي عبد الله الحسين (ع) بصورة خاصة، وغزوات الإمام ومقابلته مع عمرو بن العاص في صفين، وبعض خطب النبي (ص) والإمام (ع) في الوعظ والإرشاد وكمية من النعي باللهجة العامية وعدد من القصائد في المديح والرثاء والوعظ، وجمل لا بأس بها من الأحاديث المفتعلة والمعاجز المختلفة والفضائل المفتراة على أصحابها.
فتسمعهم يكررون هذه الفضيلة أو تلك ويكررون حوادث صفين ولقاء الإمام مع عمرو بن العاص في موقفه المعروف حتى يمجه سمعك، فإذا أرد أن يتوسع أعقبه بقضية المختار، أو حديث الغار، وما شابه ذلك من الأحاديث، ولا تكاد تتوسع محفوظاته لغير ذلك مهما أجهد نفسه.
ذلك وضع الخطابة الدينية عندنا بشكل عام سواء ذلك في مصر أو العراق أو إيران أو الهند أو باكستان.
ومما يبعث على الأمل أن ثلة من الشباب الخطباء أخذوا يهتمون لفهم الإسلام بواقعه، ويفهمون ملابسات الظروف الاجتماعية، ويعدّون أنفسهم لنشر الثقافة الإسلامية بمستواها الرفيع، وفي أوسع أفق ممكن.
وقد حظوا باستقبال باهر من الأوساط العامة مما يدل على أن الناس أخذوا يمجون هذه الأساليب التقليدية من الخطابة، ويتلهفون لأساليب خطابية حديثة تواكب حاجات العصر الفكرية، وتبلور للناس جوانب من الإسلام كان الاستعمار يحاول إسدال الستار عليها، وإلهاء الناس عنها.
أما الكتابة عندنا فشأنها لا يختلف في كثير عن وضع الخطابة.
فقد كانت المكتبة الإسلامية قبل حين تطالعنا بروائع النجف كالهدى إلى دين المصطفى للشيخ البلاغي، و(الدين والإسلام) للمغفور له الإمام كاشف الغطاء، و(الهيأة والإسلام) للإمام السيد هبة الدين- وتعرض علينا بدائع مصر كتفسير المنار للشيخ رشيد رضا منار، وتفسير المراغي، وموسعات العلامة فريد وجدي الإسلامية... أما اليوم فقد أصبحنا نتطلع إلى مفتريات أحمد أمين في فجر الإسلام، وأكاذيب القصيمي، وتجنيات محب الدين الخطيب في مجلة الأزهر على الشيعة؟ وأصبحنا ننتظر هذه الرسالة أو تلك من غزوات الإمام مع الجن أو فضائل أبي بكر أو مقام معاوية عند النبي ’ وما أشبه ذلك من فنون السخف والمجون.

(8)
على أن من الإنصاف للحق أن نذكر هنا أن الكتابة الدينية أخذت تتطور عندنا إلى أشكال أخرى يتطلبه الوضع القائم، فقد أخذ الكُتّاب يمعنون النظر في الكتاب والسنة، ويفهمون ملابسات الظروف الاجتماعية ويصيغون المفاهيم الإسلامية بالشكل الذي تتطلبه الأوضاع القائمة.
وظهر هنا وهناك في النجف وفي القاهرة وفي بيروت ثلة طيبة مباركة من الشباب المتحمس لإسلامه... يكتب عن الإسلام ويجلي عن مفاهيمه ما كان الاستعمار يحاول إخفاءه.
كل ذلك حق، وحق أن النجف والأزهر والجماعات الإسلامية الناهضة هنا وهناك تعمل كل جهدها وطاقتها في تسيير الدعوة الإسلامية ومقاومة التيار الملحد الجارف وحفظ الشباب عن الانجراف مع التيار.
وحق أن النجف بفضل رجالها المجاهدين قاومت في الفترة الأخيرة، وجاهدت التيار الشيوعي الكافر حتى أرغمته على التراجع من حيث أتى، وحفظت العراق بشكل عام عن الداء المحيق بها.
وحق أن مكاتب النجف يومها كانت تطالعك كل يوم بكتاب جديد في الفكرة الإسلامية وإخفاق الفكرة الشيوعية حتى عادت الشيوعية مسبة للناس في الشوارع والزقاق، وآب الناس مطمئنين إلى دينهم القويم، حيث يتعهدهم بالتهذيب والصلاح والتقويم.
كل ذلك حق...
إلا أننا نأمل من النجف والأزهر، ونأمل من جامعة الزيتونة، وجامعات إيران والهند وباكستان أكثر من ذلك كله، وأكثر من هذا الجهد الذي تبديه في مجال الدعوة.
المسلمون يأملون من النجف أن تقطع به كل يوم مرحلة جديدة من الفكر الإسلامي، والمسلمون يأملون من النجف أن تملأ هذا الفراغ العقائدي الذي يعانيه الناس في أرجاء العالم اليوم، وتبث دعاتها شرقاً وغرباً من الهند إلى الصين إلى أندنوسيا إلى باكستان إلى أقطار أفريقية إلى العالمين الأوربي والأمريكي.
والمسلمون يأملون من النجف أن تقف سداً منيعاً أمام الغزو التبشيري المسيحي، وتحول دون تقدمها في مجالات الدعوة.
والمسلمون يأملون من النجف أن تضع حداً للتقدم الشيوعي الهائل الذي أخذ يهدد العالم بالدمار والخراب.
والمسلمون يأملون من النجف أن تقف دون التيارات الفكرية الملحدة التي أخذت تغزو شبابنا في عقر دورنا بمدارسها وأفكارها وكتبها وصحفها.
والمسلمون يأملون من النجف أن تكون مبعثاً للحركات الإسلامية الناهضة.
والمسلمون يأملون من النجف أن تعمل لتطبيق الإسلام في مجالاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتحقق الدولة الإسلامية التي يأملونها بفارغ الصبر.
والمسلمون يأملون من النجف أن توحد بين الصفوف الإسلامية, وتضرب حداً للخلافات المذهبية التي أخذت تطوح بكيانهم الاجتماعي.
والمسلمون يأملون من النجف أن تلجم هذه النعرات الطائفية والعنصرية والقومية التي تنبعث عن أفكار لا إسلامية غريبة عن الإسلام.
والمسلمون يأملون كثيراً من النجف، ويأملون كثيراً من الأزهر، ويأملون كثيراً من جامعات الهند وإيران وباكستان والغرب، ويأملون كثيراً مما أقدّر أنا أو تقدّر أنت.
ولكن يا ترى ماذا فعلنا نحن، وما قدمنا اتجاه هذه التعاليم؟ وما هي أعذارنا غداً إلى صاحب هذه الدعوة حيث يلقانا باللوم اللاذع والعتاب المرير، وأي عتاب وملام؟

(9)
فماذا نفعل تجاه ذلك كله؟
وما هي مهمتنا التي يجب أن نقوم بها في الوضع الحاضر؟
الدعوة الإسلامية في الوقت الحاضر بحاجة إلى توجيه وتنظيم وتمويل وتعميم.
الدعوة الإسلامية قبل كل شيء بحاجة إلى التوجيه، وأعني بذلك التوجيه العلمي الصحيح الصالح.
فقد كان الناس يوماً ما يؤمنون بالإسلام إذ علموا أن القرآن الكريم قد تناهى في البلاغة، وتحدّى شعراء الجاهلية وفصحاءها، وأحجم هؤلاء وأولئك عن مجاراته.
أما اليوم فقد أصبح الناس لا يفهمون البلاغة العربية الأصيلة، وتغير نمط الكتابة والشعر العربي إلى أسلوب يختلف كثيراً عن الأسلوب الأدبي السائد عصر الرسالة وما قبلها.
والمسلمون من غير العرب لا يعرفون شيئاً عن أصول البلاغة العربية، إذن فمن العبث أن يلتمس الداعية نفس الأسلوب في إثبات إعجاز القرآن الكريم، ويقتصر عليه من غير أن يلتمس وجهاً آخر له من الكتاب الكريم.
وليس في القرآن ما يدل على تحديد وجه الإعجاز في هذا الوجه بالخصوص.
وقد أصبحنا في عصر يغلب عليه طابع العلوم التجريبية من فيزياء وكيمياء وعلوم إنسانية من سيكولوجيا وانثروبولوجيا واجتماع وما إلى ذلك، وأصبحت هذه الحقول الجديدة من المعرفة حديث الناس في غدوهم ورواحهم.
إذن على الدعاة لو أصغوا هذه الوضعية الفكرية في الدعوة للإسلام؟
ففي القرآن الكريم وفرة من النصوص العلمية التي تصلح لهذا الشأن، وقد توفق الشيخ الطنطاوي الجوهري إلى الإلمام بهذه الجهة إلماماً طيباً، جعل من اليسير على الداعية أن يستغلها في الدعوة.
وقد كان الناس قبل هذا الوقت يقتنعون من الإسلام بجوانبه الأخلاقية والروحية، أما اليوم فقد أصبح الناس يتشوقون إلى حياة جديدة، وإلى نهضة فكرية تحررية وإلى دين يعايشهم في واقع حياتهم وينظم لهم الفاسد من شؤونه.
فما أحرى بالداعية المسلم أن يصرف همه إلى توجيه الدعوة الإسلامية إلى هذا الجانب الحياتي، بدل أن ينقطع إلى جوانب خاصة من هذا الدين لا تفي إلا بجانب واحد من حاجات الإنسانية، ولا تعبر إلا عن جانب واحد من جوانب الإسلام الشاملة.
ومن ذلك تعرف أن الدعوة ما لم توجه من قبل الجامعة توجيهاً علمياً صحيحاً لا تستطيع أن تشق طريقها إلى الأمام بين خضم الدعوات والتيارات الفكرية الملحدة.

(10)
أما الحديث عن تنظيم الدعوة، فلا يكاد يقل أهمية عن الحديث عن توجيه الدعوة.
فلا زلنا والحمد لله نملك عدداً صالحاً من الدعاة العلماء المؤمنين بالفكرة الإسلامية، ومع ذلك فنحن لا نجد لهم أثراً ملحوظاً في الاجتماع؛ وذلك لأن الدعوة عندنا فوضى، لا تخضع للتنظيم، في حين أننا نعلم أنا نواجه حركات فكرية ملحدة منظمة، والدعوات المبعثرة لا تطيق الوقوف تجاه الدعوات المنتظمة مهما كان نوع الدعوة الذي يقوم الداعية بالدعوة إليه.
وأثر الفوضى ظاهرة في الدعوة الإسلامية المعاصرة فبينما ترى في قرية من قرى العراق أو إيران يجتمع عالمان من العلماء القائمين بالدعوة... لا نكاد نجد في كثير من ضواحي أندنوسيا الإسلامية من يقوم بشؤون الدعوة.
وبينما نجد عشرات المئات من طلاب الجامعة منهمكين في الدراسات الأصولية والفلسفية وهو شيء لا بد منه في حدود، لا نكاد نجد من يهتم بدراسة اللغة الانجليزية ليقوم بشؤون الدعوة الإسلامية في القطر الأمريكي، أو من يهتم بدراسة اللغة الأردية للقيام بشؤون الدعوة في أقطار الهند الإسلامية الواسعة.
وبينما نجد قطراً إسلاميا لا إمام له لإقامة فروض الصلاة نجد قطراً آخر يقيم فيه إمامان أو أكثر من إمامين.
وليس من الغريب أن يقف كل منهما بطبيعة موقفه الخاص، موقفاً سلبياً من الآخر، ولا داعي إلى الجدل، فالداعية أو العالم الديني- على كل حال- كائن من لحم ودم، لا يكاد يروقه أن يرى رقيباً له في مجال من المجالات.
إلا أن العامة من الناس سوف لا تأخذ عنهما انطباعاً حسناً في هذا الشأن.
تلك مظاهر من فوضى الدعوة عندنا، وبذلك يظهر لنا ما لتنظيم الدعوة من أهمية من مجال العمل للإسلام.
والشيء الآخر هو تمويل الدعوة وتزويدها بالمال اللازم، وتجهيزها بالعدة الوافرة لتقدر على مجابهة التيارات الفكرية الملحدة بما لها من عدد وعدة وافرة.

(11)
وتمويل الدعوة كالقاعدة بالنسبة إلى الأعمال الإصلاحية، فلا تكاد الدعوات تقوم على قائمة ما لم تزود بالمال الكافي وبالعدة اللازمة.
والدعوة بطبيعتها تحتاج إلى أموال لتسير بها أجهزتها ومؤسساتها وصحفها ودعاتها في الأقطار النائية.
والمؤسسات والصحف الإسلامية في حاجة إلى المال لتقوم على رجليها، فإذا أتيحت لها أن تشق لنفسها طريقها في المجتمعات، أخذت بالتقدم بنفسها، واستغنت عن مساعدة مركز الجامعة، والداعية إذا لم تضمن له احتياجاته المادية من قبل الجامعة لم يتيسر له أداء وظيفته بالشكل المطلوب، وتصبح حاجاته المادية هي المتحكمة به المسيرة له.
ويجب ألا ننسى في حال، أن الداعية إنسان كغيره، كائن من لحم ودم، يخضع لما يخضع له سائر الأفراد، فإذا لم تضمن له الجامعة حاجاته المادية أصبحت حاجاته المادية هي التي تتحكم به وتسيره وتخضعه، وأصبح الداعية يفضل اختيار مجالات الدعوة الخصبة من الناحية المادية على المجالات المجدبة، ما كان يتسن له أداء وظيفته في المجالين.
ولذلك شواهد في مجالات الدعوة الإسلامية.
فالقطر الكويتي قطر خصب من الناحية المادية بينما القطر الأندنوسي أو أقطار أفريقيا الغربية أقطار غير مضمونة النتيجة من هذه الناحية، ولذلك يزدحم الدعاة في هذا القطر أو غيره من الأقطار الخصبة، وقلما نجد أن داعية إسلامياً يقصد أندنوسيا أو جزيرة مدغشقر المسلمة.
فالطريقة الصحيحة هي أن تمول الدعوة من المركز، ويبدي الداعية عفافاً في جميع شؤونه، ويوجه المسلمون ما عليهم من الحقوق المالية إلى مركز الجامعة وصولات موقعة من قبل القائمين بشؤون الوكالة حتى يضمن الحيف والتلف من الأموال.
وقد يقال: إن المال الموجود غير كافٍ لتمويل هذه الأجهزة بالشكل المذكور، لكن الواقع أننا إذا أردنا تنظيم أجهزة الدعوة بالشكل السابق فسوف نستطيع إعداد ثروات طائلة، والمسلمون إن وجدوا بأعينهم ثمرات الجامعة، واستطابوها، لم يضنوا على الجامعة بالإمداد المالي اللازم.
على أن الثروة الموجودة إذا نظمت في الأداء والعطاء ضمنت كثيراً من هذه الجوانب، فقد كان الملك عبد الله يقول: إن وارد السيد أبو الحسن الأصفهاني الشهري في النجف يزيد على وارد دولة الأردن المالي.
مع أن ربط الدعوة بمركز الجامعة المالي في شؤونها المادية وإيفاء حاجاتها المادية في مجالات الدعوة خارج المركز سوف توفر على الجامعة جانباً من هذا الإعداد المالي.

(12)
وتعميم وسائل الدعوة ضرورة دينية أخرى، فقد توسعت وسائل الدعوة، وأصبحت التيارات الفكرية تستغل في الدعوة إلى أفكارها محطات البث والصحف والقصص والروايات والشعر والتلفزة والمسرح والسينما والمناشير والإعلانات والمنابر وما إلى ذلك، بعدما كانت وسيلة الدعوة مقصورة على المنبر والشعر في غالب الأحوال.
ومن هذه الوسائل ما تكون مبررة من وجهة شرعية وما تكون محظورة بهذه النظرة.
ولا محيد للدعوة الإسلامية إذا أرادت أن تتوسع في مجالات الدعوة وتقوى على مجابهة التيارات الفكرية الأخرى ومقاومتها... أن تستغل الوسائل المبررة من الوجهة الشرعية.
فإذا كنا نفضل الاقتصار في وسائل الدعوة على خطابة الخطباء في هذه القرية أو تلك ونشر الكتب الفقهية بشكله التقليدي الذي كان ينتشر قبل هذا العصر بقرن... فلا معنى لأن نتطلع إلى مواجهة تيارات الدعوة المسيحية في أمريكا وأوربا ومجابهة التيارات الشيوعية في روسيا والصين، وإرغام تيار التبشير المسيحي القائم في أندونوسيا على التراجع أمام زحف الدعوة الإسلامية.
ولا غناء للدعوة الإسلامية عن محطات عالمية للبث، تبث الحقائق الإسلامية، وتدعو إلى الإسلام بمختلف اللغات الأجنبية في برامج خاصة منتظمة بشكل حديث وحسب أحدث التنويعات المنهجية في برامج البث، في حدود المقررات الإسلامية.
ولا غناء لنا كذلك عن صحف ومجلات إسلامية حديثة، تنظم حسب أحدث التطورات الصحفية، وتنتشر بلغات عدة عن مركز الجامعة، وبإشراف من الجامعة، وتوزع على نسب كبيرة، على أن تكون الغاية من نشرها دينية لا تجارية.
ويلاحظ فيها أن تكون المواضيع متنوعة، لا يقتصر فيها على نوع من المواضيع الإسلامية، مما يبعث على الملل في نفوس القراء.
ويلحظ فيها كذلك أن تساير الاتجاهات الفكرية في العالم في حدود المقررات الدينية، وتعطي صورة مفصلة عن تقدم الدعوة الإسلامية في الأقطار الإسلامية، وغير الإسلامية.
وأهم شيء في مثل هذه الصحف أن تركز جانباً من اهتمامها للعمل على تبلور المفاهيم الإسلامية في مجالاتها الحياتية والاهتمام بالشؤون العقائدية ودفع الشبه والاعتراضات الموجهة على التشريع الإسلامي بشكل يبعث على الاقتناع والطمأنينة.
تسلك من جهة عقلية.
ومن جهة عاطفية لا نستغني عن إثارة العاطفة واستغلالها في الدعوة إلى الإسلام بشكل مشروع، وذلك في برامج إذاعية خاصة، يعدها المختصون من القائمين بشؤون البث والإذاعة الإسلامية، في حقول مثيرة من الشعر الرقيق.
وعامل العاطفة لا يقل عن العامل العقلي شأناً في تركيز الدعوة، وقد أولى التشريع الإسلامي جانباً كبيراً من اهتمامه للناحية العاطفية في الإنسان، لسنا في صدد البحث عنه في هذا المجال.

(13)
وتختلف مهمة الداعية في الوقت الحاضر عنها قبل هذا الوقت.
كما يختلف نوع العمل الذي ينبغي للداعية أن يقوم به في الوقت الحاضر عنه قبل اليوم.
وكما تختلف الأساليب التي يجب أن يستعين بها الداعية في نشر الدعوة، في الوقت الحاضر، عما كان يتخذها قبل هذا الوقت.
فإن الدعوة الإسلامية ذات صلة وثيقة بالحياة والظروف الاجتماعية، ولذلك فكل تبدل حضاري يحصل في الظروف الاجتماعية يسري مفعوله بشكل مباشر أو غير مباشر إلى شكل الدعوة.
وكل اختلاف يحصل في إطار الوسط الاجتماعي لا بد أن يمس مهمة الداعية من قريب.
والدعوة الإسلامية ذات إطار مطاط، إذا صح مثل هذا التعبير عن الدعوة، لا تجمد على شكل اجتماعي خاص، ولا تتحدد بظروف زمنية محدودة.
ولم توجد هذه (الخاصة) عبثاً في الدعوة الإسلامية، فهي تجعل من الدعوة كائناً حياً، يتمتع بما يتمتع به سائر الأحياء من الحركة والاندفاع والتأثير على الأوضاع الاجتماعية، ومقاومة التيارات الفكرية المعادية.
فهي ضمان موسوعي، من الداخل، لنجاح الدعوة، تحولها صلاحيات واسعة للانطباق على الأوضاع الاجتماعية والبيئية المختلفة.
ولا نعني من الانطباق المفهوم السلي من الكلمة الذي يعني عادة من التمثيل بالحرباء، فإن الدعوة الإسلامية دائماً ذات أثر توجيهي في الأوضاع الاجتماعية، تصبغ الوضع الاجتماعي بصيغتها الخاصة، من غير أن تتطبع هي بالطابع الاجتماعي، بما فيه من شروط وأوضاع لا يقرها التشريع الإسلامي.
وبذلك تختلف الدعوة الإسلامية عن الدعوات الأخرى، فالاستعمار مثلاً يتخذ في كل وضعية اجتماعية شكل تلك الوضعية بالخصو، ويحاول أن ينطبع بطابعها الخاص، ليتاح له الاستغلال والاستثمار الاقتصادي والسياسي إلى أقصى حد ممكن.
وكذلك الأحزاب السياسية لا تتجاوز هذا النهج في الدعوة، فتحاول أن تلتئم دائماً مع أية وضعية اجتماعية تريد استغلالها لمصالحها الخاصة؛ ليتسنى لها أن تحرز الأكثرية في البرلمان وهيأة الدولة.
والمسيحية تقف من الأوضاع الاجتماعية موقفاً سلبياً لا يهمها إلا أن يؤمن الناس بالثالوث المقدس، ولا يهمها بعد ذلك شيء فيما يخص الشؤون الاجتماعية والفردية.
والدعوة الإسلامية على النقيض من هذه وتلك، تقوم بدور إيجابي بناء إزاء المشاكل الاجتماعية والفردية، وبذلك تتميز عن كل من اتجاهي الدعوة المسيحية والشيوعية في الشكل والمحتوى.
ومن هنا نجد أن مهمة الداعية المسلم تختلف كثيراً عن مهمة الشيوعي الذي يدعو إلى مبدئه والمسيحي الذي يبشر بدينه.
فبينما يقر هذه الأوضاع الاجتماعية على وضعها، من غير أن يتداخل في شيء مما يخص البناء الاجتماعي، ويداري ذلك ويخاتل بأساليب حزبية ملتوية في إقرار الأوضاع الاجتماعية على شكلها لتحرز الأكثرية في المجلس النيابي أو مجلس الدولة... نجد أن الدعوة الإسلامية تستقل بتنظيم الشؤون الاجتماعية، وتصميم الهيكل العام للمجتمع الإسلامي ونسخ أية فكرة لا إسلامية، تعارضها في الاتجاه والدعوة: (إن الدين عند الله الإسلام، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب).
وتعطي للتشريع صبغة شاملة، نعم مجالات الحياة:
(فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلموا تسليماً).
(ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين).
وتعرضه مما يسعها من الوضوح والظهور، ومن غير التواء ولبس:
(وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).

(14)
والدعوة الإسلامية تستمد مرونتها وشمولها من مرونة التشريع وشموله، كما أنها تتخذ من الأوضاع الاجتماعية موقفاً إيجايباً، في الحدود التي يقررها التشريع.
والمرونة والشمول والإيجابية من أهم سمات الدعوة الإسلامية.
ولذلك فالداعية المسلم بحكم مهمته الدينية لا ينجح في عمله إلا إذا كان على صلة وثيقة بملابسات الظروف الاجتماعية وفروع المعرفة البشرية.
ولا يتاح له شيء من التوفيق في مهمته إلا إذا حاول أن يتفهم التشريع الإسلامي بما فيه من شمول لجوانب الحياة العملية والنظرية، ومرونة في التطبيق، وإيجابية في العمل.
ولا يقدر له نصيب من النجاح إلا إذا كان يحسن أن يتفهم الكتاب، ضمن إطاره التشريعي الخاص، وبمنأى عن الاتجاهات الفكرية الأخرى، ويحسن أن يستغل الكتاب والسنة في حل المشاكل التي يعاني منها المسلمون، في حياتهم الاجتماعية والفردية.
ولا يكاد يحرز شيئاً من التوفيق، ما لم يعرف كيف يعرض الدعوة على الناس، وكيف يجد من مخطط التشريع حلولاً إيجابية لما يعانيه المسلمون من مشكلات.
ولا يجد سبيلاً إلى ذلك ما لم يواكب سير المعرفة البشرية...
وشمول الدعوة ومرونتها تقوم على الداعية المسلم في فروع الكيمياء والفيزياء وعلوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وإنما اعني أن لا يكون الداعية غريباً عن حقول المعرفة التجريبية والإنسانية، ولا يبدو جاهلاً بالشؤون الفكرية الحديثة، ولا يقتصر على هذا الكتاب أو ذاك في النحو والبلاغة والمنطق، كما لو كان يعيش قبل هذا العصر بقرون، وبمنأى عن التيارات الفكرية الحديثة الجارفة، كما لو كان يعيش على هامش الحياة.
والداعية ما لم يكن على اتصال وثيق بهذه الحقول من المعرفة لا يتسنى له أن يتصل بالطبقة المثقفة من الناس ولا يتاح له أن يؤثر عليهم في شيء، كما لا يسعه أن يستعرض المشكلات الفردية والاجتماعية التي يعاني الناس منها، على ضوء الكتاب والسنة.


من كراس (من حديث الدعوة والدعاة) للشيخ الآصفي (قده) المنشور ضمن سلسلة (مختارات إسلامية) في الستينات من القرن الماضي في النجف الأشرف.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com