موقع الصراط ... الموضوع : من تاريخ النفاق والارتداد-1-
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من تاريخ النفاق والارتداد-1-  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 12 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم العلامة السيد مرتضى العسكري
hilfee النفاق والارتداد من المصطلحات الإسلامية. والنفاق في اللغة على ما ذكره أصحاب المعاجم: دخول اليربوع في نافقائه، قالوا: إن اليربوع يجعل لسربه بابين باب - مستور - يقال له: النفقة، والنافقاء، وهو الموضوع الذي يرققه من جحره - دون أن ينفد به إلى الخارج - وباب آخر ظاهر يسمى القصعة والقاصعاء، وهو الذي يحفره ويسد به الفم الآخر - أي النافقاء - فإذا أتي من قبل القاصعاء - الباب الظاهر - ضرب النافقاء برأسه فمرق منها، فيقاله: نقق اليربوع، وتفق، وانتفق، وقصع إذا خرج من قاصعائه، ويقال: نافق إذا دخل في نافقائه.
والنفق في اللغة: سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر، وانتفق دخل السرب وتستر به(1)
. والنفاق في الشرع الإسلامي: إظهار الإيمان وإسرار الكفر، ويقابله الإيمان، وكلاهما على درجات.
والارتداد في اللغة: الرجوع، ورده: أرجعه، صرفه عنه، وفي الشرع الإسلامي الارتداد: الرجوع عن الإسلام، وهو على قسمين - كما سيأتي بيانه إن شاء الله -، والردة: اسم من الارتداد.
ولكل من الردة والنفاق حكم خاص به في الإسلام على أنهما قد يشتركان في بعض الآثام والأحكام.
والنفاق على درجات وهو في بعض درجاته قريب من الردة، ومن هنا التبس الأمر على بعض المسلمين في العصور الإسلامية المتأخرة عن عصر الرسول (ص) فأجروا على بعض المنافقين والفاسقين أحكام أهل الردة.
ونحن اليوم أحرى بنا أن لا يلتبس الأمر علينا بعد ما سبق هذا الالتباس في بعض العصور الإسلامية.
وللتحرز من ذلك ينبغي درس هذا المصطلح الإسلامي وتحديده وتشخيص مصاديقه ومعرفة الأحكام المتعلقة به، وفي هذا الدرس نرجع أولاً إلى القرآن الكريم، فنجد لفظ (النفاق) وما اشتق منه بهذا المعنى - إظهار الإيمان وإسرار الكفر - قد ورد في سبعة وثلاثين موضعاً من إحدى عشر سورة من سور القرآن الكريم. وثانياً: نرجع إلى سيرة رسول الله ’ فنجد هناك شأن نزول هذه الآيات الكريمة مبيناً بوضوح كما نجد في سيرته كثيراً من موارد تنفيذ أحكام النفاق على المنافقين بحيث لا يبقى مع ذلك سبب للبس والغموض إذن لنجمع بين درس هذين المصدرين في ما نحن بصدده.
المنافقون في عصر الرسول (ص) وكبيرهم عبد الله بن أبي الخزرجي(2)، المعروف بابن سلول نسبة إلى أمه سلول الخزاعية، والمكنى بأبي الحباب، كان قومه قبل الإسلام قد أجمعوا على تتويجه ليملكوه أمرهم فلما جاء النبي ’ رجعوا عن ذلك.
وكان قد حضر الحج مع ثلاثمائة من قومه سنة بيعة العقبة الثانية، وكان فيهم خمس وسبعون مسلماً بايعوا النبي (ص) ليلاً عند العقبة سراً عن عبد الله ابن أبي الخزرجي، ومن معه من المشركين فبلغ ذلك كفار قريش، فغدت جلة قريش عليهم، فقالوا لهم: >يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا..) الحديث. فقال عبد الله بن أبي: إن هذا لأمر جسيم ما كان قومي ليتفوقوا عليّ بمثل هذا وما علمته كان(3)
م هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة وسيد أهلها عبد الله ابن أبي سلول، لا يختلف في شرفه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين حتى جاء الإسلام غيره(4).
وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليكم، فجاءهم الله برسوله ’ وهم على ذلك فلما انصرف قومه إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول الله (ص) قد استلبه ملكاً، فلما أن رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارهاً مصراً على نفاق وضغن(5).
وركب رسول الله(ص) ذات يوم إلى سعد بن عبادة يعوده من شكوى أصابه فمر به، وهو في ظل حصنه، فكره أن يجاوزه حتى ينزل فنزل فسلم، ثم جلس قليلاً، فتلا القرآن، ودعا إلى الله عز وجل وذكر بالله، وحذر وبشر وأنذر كل ذلك، وابن أبي ساكت لا يتكلم حتى إذا فرغ النبي(ص) من مقالته، قال: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقاً فاجلس في بينك فمن جاءك له فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغته(6) به ولا تأته في مجلسه بما يكره منه، فقال رجال كانوا عنده من المسلمين: بلى فاغشنا به، وائتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو الله مما نحب، ومما أكرمنا الله به، وهدانا، فقال عبد الله بن أبي حين رأى من خلاف قومه ما رأى: >متى ما يمكن مولاك خصمك لا تزل تذل ويصرعك الذين تصارع).
وقام رسول الله ’، ودخل على سعد بن عبادة، وفي وجهه ما قال ابن أبي، فقال سعد: والله يا رسول الله، إني لا أرى في وجهك شيئاً لكأنك سمعت شيئاً تكرهه، فقال: (أجل)، ثم أخبره بما قال ابن أبي، فقال سعد: يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، وإنه ليرى أن قد سلبته ملكاً(7).
فأقام ابن أبي على شرفه في قومه متردداً حتى غلبه الإسلام فدخل فيه كارهاً. وكان يحضر حروب رسول الله(ص)، وقيل: إنه حضر بدراً.
ولما نقض يهود بني قينقاع العهد الذي بينهم وبين رسول الله (ص) واعتدوا على امرأة مسلمة في سوقهم، وكشفوا سوءتها، وقتلوا أحد المسلمين الذي غار من أجلها، ونبذوا عهد الرسول (ص).
وكان بينهم وبين ابن أبي، وعبادة بن الصامت حلف وميثاق، أما عبادة فقد مشى إلى رسول الله (ص)، وخلعهم وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم.
وأما ابن أبي فقد تشبث بأمرهم، وقام دونهم حتى إذا نزلوا على حكم رسول الله (ص) بعد أن حاصرهم خمس عشرة ليلة وأمكنه الله منهم قام ابن أبي إلى رسول الله(ص)، فقال: يا محمد، أحسن في مواليّ، فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله (ص)، فقال له رسول الله (ص): (أرسلني)، وغضب رسول الله (ص) حتى رأوا لوجهه ظللاً، ثم قال: (ويحك أرسلني)، فقال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ خشى الدوائر، فقال رسول الله (ص): (هم لك).
فنزلت في هذه الواقعة الآية 51-53 من سورة المائدة:
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين)

(يتبع)

الهوامش:
(1) مختار الصحاح، ولسان العرب، والقاموس، ومجمع البحرين، ومجمع البيان ج5 /113 ، وقد ذكروا أن المعنى الشرعي مأخوذ من هذين المعنيين.
(2) كثير من الآيات الكريمة نزلت في شأن ابن أبي، وكان له أدوار خطيرة في المجتمع الإسلامي الأول - في عصر الرسول ’ - فمن هو عبد الله بن أبي ؟ وما هي أدواره؟
(3) سيرة ابن هشام: 2/55-57، إمتاع الأسماع وفي البحار: ج6/527 ط الحجر قريب منه .
(4) سيرة ابن هشام: 2/148 .
(5) سيرة ابن هشام: 2/216 .
(6) غته: كثر عليه به وتردد به عليه، وغته الله بعذاب: عذبه.
(7) سيرة ابن هشام 2-216-220، ومسند أحمد 5-203 ، والبخاري في تفسير سورة آل عمران ج 3-78، وباب عيادة المرضى راكباً وماشياً من كتاب المرضى ج4-4-5 ، وباب كنية المشرك من كتاب الآداب ج4- 55، وباب التسليم في المجلس من كتاب الاستئذان ج4-61، وراجع البحار 6-521 ط الكمباني، ومسند أحمد ج3-157 و 219 .

المصدر: مجلة الأضواء: السنة الأولى، العدد السادس
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com