موقع الصراط ... الموضوع : مع المسلمين في الصين
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مع المسلمين في الصين  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 12 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  1- بدء الصلة بين الإسلام والصين:
يحدثنا التأريخ أن العلاقات التجارية بين بلاد الشرق والصين، كانت قد سبقت مولد الإسلام بزمن طويل، فالعرب والفرس كانت لهم صلات تجارية قوية بالموانئ الصينية، وكانت بلاد العرب ملتقى القوافل، (فكانت حاصلات الشرق التي تتلقاها بلاد الشام وموانئ البحر الأبيض تمر بنسبة هائلة عن طريق بلاد العرب، وفي القرن السادس الميلادي كانت بين الصين وبلاد العرب تجارة هامة عن طريق سيلان، وفي بداية القرن السابع كانت التجارة بين الصين وبين فارس وبلاد العرب لا تزال واسعة الانتشار، حيث كانت مدينة سيراف، الواقعة على الخليج الفارسي، هي السوق الرئيسية للتجار الصينيين.
وقد ورد ذكر العرب لأول مرة في التواريخ الصينية في ذلك الوقت الذي ابتدأ فيه حكم دولة (تانج) (618-907) (4 ق. هـ - 295هـ))(1).
واستمرت هذه العلاقات التجارية إلى ما بعد ظهور الإسلام، وتشير المصادر التأريخية إلى ذلك طيلة القرون الأولى من التأريخ الإسلامي، فكان (التجار المسلمون المنصرفون إلى الشرق الأقصى يبحرون من البصرة ومن سيراف على الخليج الفارسي أو (الخليج الصيني) كما يسمونه أحياناً... وكانت السفن الصينية الكبيرة تصل إلى ثغر سيراف، وتشحن بالبضائع الواردة من البصرة، ثم تتجه إلى ساحل عمان، وتعبر المحيط الهندي مارة بسرنديب وجزائر البحار الجنوبية، حتى إلى مدينة خانفو، حيث كانت تعيش جالية إسلامية وافرة العدد عظيمة الشأن)(2).
وظهر الإسلام، وبرزت الأمة الإسلامية إلى الوجود، واحتلت مكانها الذي اختاره الله لها بين أمم الأرض، واتصلت هذه الأمة الناشئة بالصين، متمثلة في التجار المسلمين، وكان هؤلاء التجار المسلمون دعاة للإسلام أيضاً، لم تنحصر مهمتهم في التجارة، لما تفرضه طبيعة الدين الإسلامي الذي آمنوا به، من وجوب الدعوة إليه، والقيام بمهمة التبشير به، ويشهد لهم تأريخ الدعوة الإسلامية نفسه، الذي يقرر بأن التجار المسلمين قد قاموا بقسط وافر من تحمل أعباء الدعوة، وإنهم كانوا يظهرون (بنوع خاص بمظهر النشاط في أمثال تلك الأعمال)(3)، وإن التجارة كانت (وسيلة من وسائل إدخال الناس في الإسلام)(4).
فمن الطبيعي إذن أن يرافق الإسلام هؤلاء التجار المسلمين في رحلاتهم إلى الصين، وأن تقوم له دعوة ودعاة في تلك البلاد، وهكذا نشأت الصلة، وليست هي في حد ذاتها موضع شك - حسب النصوص التأريخية - ، وليست هي الصلة الوحيدة التي نشأت بين الإسلام والمسلمين وبين الصين - حسب النصوص التأريخية أيضاً – فقد نشأت علاقات سياسية تتمثل في إرسال سفراء ومبعوثين بين الدولة الإسلامية والامبراطورية الصينية، وتشير بعض النصوص - على ما سيأتي – إلى نشوء صلة أخرى تخالف هاتين بحسب نوعها، وهي صلة التبشير والدعوة إلى الإسلام في البلاد الصينية.
ولكن أياً من هذه الصلات سبقت غيرها، وما هي أولى العلاقات التي نشأت بين الإسلام والصين؟ ومن الواضح أن الإجابة عن هذا السؤال يحدد لنا زمن نشوء الصلة أيضاً.

***

(من الشائع بين مسلمي الصين) على ما يذكره السير توماس آرنولد: (إن أول من دعا إلى الإسلام في بلادهم أحد أخوال النبي (ص)، وكانوا يعظمون قبره المشهور في كنتن)(5). ويذكر الصينيون أول ظهور الإسلام - على ما ينقل الأمير شكيب أرسلان -: (كان في عهد السلطان (تاي تسونغ)، وذلك في القرن السابع للمسيح، وإن أول داخل من المسلمين إلى تلك الديار رجل من عصبة النبي يقال له (ابن حمزة) جلا إلى الصين بثلاثة آلاف مهاجر، ونزلوا في (سنغان فو))(6). وتذكر رواية ثالثة: (إن رجلاً من الصحابة يدعى (رهاب بن رعشة) مسافراً إلى البلاد الصينية بعد هجرة النبي (ص) إلى المدينة، فوصلها بعد جهد جهيد، وتعلم لغة الصينيين ودرس عاداتهم وأخلاقهم، ثم أخذ ينشر دينه الحنيف، فقوي شأنه والتفَّ حوله خلق كثير وقد قابل الامبراطور (تاي تسونغ) عام 628(7)، فلقي منه مزيد الرعاية والتعطف، ثم مات بعد أن عاش طويلاً مبجلاً محترماً، فأقام له الصينيون تذكاراً تخليداً لذكره)(8).
وهذه كلها نصوص صينية، كتبها مؤرخون صينيون قد غفل عنها التأريخ الإسلامي العربي، ولو صحت لكانت أولى العلاقات بين الإسلام والصين، هي التي أنشأها الدعاة المسلمون ولامتدت إلى زمن حياة النبي الكريم (ص) نفسه، ولكن غفلة التأريخ الإسلامي عن هذه الأحداث التي تشير إليها هذه النصوص، قد تؤخذ مبعثاً للشك في صحتها، فإن غفلته هذه وإن بدت طبيعية بالنسبة إلى بعض هذه الأحداث، إذ هي لا تعدو أن تكون مجرد تصرفات فردية قام بها أفراد من الجائز أن يصبح عملهم موضع صمت من الرواة وغفلة من المؤرخين، ولكنها لا تبدو طبيعية بالنسبة إلى البعض الآخر، إذ كيف يمكن فرض جلاء ثلاثة آلاف مهاجر مسلم من البلاد الإسلامية، ولا يعلم بذلك راوٍ من الرواة، ولا ينقل في كتاب من كتب التأريخ، مع أن التأريخ الإسلامي قد حفل بكثير من التفاصيل، واحتوى الكثير من الأحداث، وهذا أولى بالرعاية، وأجدر بالنقل.
وقد طعن السير (توماس آرنولد) في الرواية الأولى بأنه (لا يوجد لهذه الأسطورة أي سند تأريخي، ويظهر أنها نبتت في زمن متأخر، ولا شك أن ظهورها كانت نتيجة لرغبتهم في أن يربطوا تأريخ الدين في بلادهم، ما أمكنهم، بعصر النبوة)(9)، ومثل هذه الرغبة وإن كانت هناك شواهد كثيرة على وجودها في أقوام مسلمة تستوطن البلاد النائية عن بلد الإسلام، وينقل المستشرق المذكور إن أهالي ختان يدعون أنّ أول من نقل الإسلام إلى بلادهم هو جعفر بن أبي طالب، ابن عم النبي (ص)، كما أن عشائر الجام في كمبوديا تنسب دخولها الإسلام إلى أحد أعمامه (ص)، وسمعت أنا أيضاً من مسلمي بعض الأقطار النائية أنهم ينتسبون في إسلامهم إلى بعض الشخصيات الإسلامية البارزة في صدر الإسلام إلا أن مجرد التعبير عن ذلك الداعية المسلم بكونه خالاً للنبي (ص) لا يكفي في الطعن في صحة الرواية، إذ من الجائز أن يكون منتسباً إلى بني النجار من الأنصار في المدينة، وهؤلاء يعبر المؤرخون عنهم بأنهم أخوال النبي (ص) لأن عبد المطلب جد النبي (ص) كانت أمه (سلمى بنت عمرو النجارية) منهم(10).
ونستخلص من هذا كله أن المصادر الصينية تعزو دخول الإسلام إلى الصين، إلى هجرة الدعاة المسلمين إليها وأنه ابتدأ في حياة النبي (ص)، وهكذا يمكننا أن نقرر أن الصلة التبشيرية قد سبقت غيرها فيما إذا شككنا في قيام علاقات تجارية بين المسلمين والصين في حياته (ص) لانصراف المسلمين إلى أعمال تخص الدعوة الإسلامية ضمن حدود بلادهم.
ونستنتج من هذا أيضاً، أن الصلة إنما بدأت عن طريق البحر، إذ العلاقات التجارية إنما كانت قائمة بين الشرق والثغور البحرية للصين، فكان الطريق البحري هو الطريق التجاري الذي تنقل عنه البضائع إليها، وبطبيعة الحال يكون طريقاً طبيعياً للسفر والرحلات أيضاً، وأما الطريق البري بين البلاد الإسلامية، والصين يومئذ فكانت تتوسطه بلاد ودول يصعب على المسلم اجتيازها والعبور منها إلى الأراضي الصينية، وبهذا يمكننا الحكم بأن الصلة مهما كان نوعها إنما بدأت عن طريق البحر، والطريق البري لم يستعمل إلا في زمن متأخر كما سيأتي.

2- العلاقات السياسية:
وهنا نرى أيضاً الرواية الصينية تسبق الرواية الإسلامية في تأريخ هذا النوع من الصلة، فتذكر أنها نشأت منذ زمن قريب من فجر الإسلام، وإن أول صلة سياسية قامت بين الدولة الإسلامية والامبراطورية الصينية إنما حدثت زمن الخليفة عثمان سنة 31 هـ .
ويعرض السير (توماس آرنولد) نشوء هذه الصلة فيقول إن: (أسبق النصوص التي يمكن أن نثق بصحتها تشير إلى علاقات سياسية تبادلها (المسلمون والصينيون) براً عن طريق بلاد الفرس، وعندما توفى يزدجرد آخر ملوك آل ساسان في فارس، استنجد ابنه فيروز بالصين لتنصره على العرب الغزاة، غير أن امبراطور الصين أجاب بأن بلاد الفرس كانت من بعد الشقة وطول المسافة بحيث لا يستطيع أن يرسل إليه الجيوش المطلوبة، ولكن قيل: إنه بعث إلى البلاط العربي سفيراً يدافع عن قضية الأمير الهارب، ومن المحتمل أيضاً أن يكون الامبراطور قد أوصى سفيره بأن يتبين مدى الاتساع والقوة في الدولة الجديدة التي كانت وقد نشأت في العرب، وقيل: إن الخليفة عثمان أرسل أحد القواد العرب ليرافق السفير الصيني في عودته سنة 651م)(11) 31 هـ .
والرواية هذه التي تشير إلى بدء العلاقة السياسية بهذه الصورة قد حظت بثقة المؤرخين وكسبت اعتمادهم واطمئنانهم، وقد لاحظنا أن السير (توماس آرنولد) يعبر عنها بأنها الرواية: (التي يمكن أن نثق بصحتها...)، وذكر غيره أن: (على تحقيق حجة التأريخ الإسلامي الصيني البروفسور (جنيون) أن أول وافد من الدولة الإسلامية إلى الدولة الصينية أوفد سنة 651م)(12).
إلا أن التأريخ الإسلامي - كما أسلفنا - قد غفل عنها، ولم ترد فيه أية إشارة إلى هذا الحادث، ولكنه لم يغفل عن الإشارة إلى أن يزدجرد نفسه قام بنفس هذه المحاولة، فذكر أن يزدجرد لما هرب من وجه الجيوش الإسلامية التي كانت تغزو بلاد الفرس، قصد خراسان وكان من همه فيها أن يجمع جيشاً يدفع به هؤلاء الغزاة، فقد مرو، وهناك بدأ بتنفيذ ما عزم عليه، فكتب إلى من حوله من الأمراء والدهاقين، وكتب إلى ملك الصين، وملك فرغانة، وملك كابل، وملك الخزر، يستمدهم ويطلب منهم نصرته ومساعدته في ذلك(13).
ولكن لم يتم له ما هم به، إذ اغتيل أثناء ما كان يقوم به، سنة 30 هـ(14)، أو سنة 31 هـ ، أول هذه السنة(15).
وبهذا يتحقق الترابط الطبيعي بين محاولة الأب المقتول التي أرخها التأريخ الإسلامي، وبين محاولة ابنه الهارب التي تشير إليها الرواية الصينية، ويبدو كل من الحادثين منسجماً مع الآخر.

النجف الأشرف

الهوامش:
(1) السير توماس آرنولد، الدعوة إلى الإسلام: 331 .
(2) الدكتور زكي محمد حسن، الرحالة المسلمون في العصور الوسطى: 21 .
(3) ارنولد، الدعوة إلى الإسلام: 450 .
(4) هوبيرديشان، الديانات في أفريقيا السوداء: 130 .
(5) ارنولد، الدعوة إلى الإسلام: 333، ولاحظ أيضاً: حاضر العالم الإسلامي ج2 : 271 .
(6) الأمير شكيب أرسلان، حاضر العالم الإسلامي ج2 : 263 .
(7) الذي يوافق عام (8 هـ) .
(8) محمد فريد وجدي، دائرة المعارف ج5 ، 616 .
(9) الدعوة إلى الإسلام: 233، 334 .
(10) راجع سيرة ابن هشام ج1 : 177 ، وابن الأثير ج 1: 275، والسيرة الحلبية ج1 : 59 .
(11) الدعوة إلى الإسلام: 332 .
(12) حاضر العالم الإسلامي ج2: 271 .
(13) تأريخ الطبري ج3 : 344 ، وابن الأثير ج 3: 60 .
(14) فتوح البلدان: 322 ، والأخبار الطوال: 134، 135 .
(15) الطبري ج3: 344 ، وابن الأثير ج3: 6 ، وابن كثير ج7 : 158 .


مجلة الأضواء، السنة الأولى، العددان الأول والثاني
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com