موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : الدين في ينابيعه الأولى-4
 
الثلاثاء - 2 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الدين في ينابيعه الأولى-4  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 13 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم آية الله الشيخ محمد أمين زين الدين
ويدعي فريق من الكتاب أنّ العلم يكفي لتنظيم المجتمع الإنساني وإزاحة بؤسه وإزالة شقائه وتوجيهه إلى السعادة المرجوة والبلوغ به إلى الكمال المنتظر.
يرى هذا الفريق من الكتّاب أنّ الوضع الاقتصادي هو المحور لكل ما في المجتمع الإنساني من حركة، والمبعث الأصيل لما فيه من نشاط، والمصدر الأول لما فيه من شذوذ أو استقامة، ومن تقدم أو تأخر.
فالفقر والغنى هما الأساس لما هنا من بؤس أو نعيم، ومن تشاؤم في الحياة أو تفاؤل، ولما يتبع ذلك من قلق أو طمأنينة في النفس، وترنح أو ثبات في الفكر، وهبوط أو رقي في الخلال، وتفاوت الناس في أوضاعهم الاقتصادية واتفاقهم أو تقاربهم فيها هو المكيف لنظرات الناس بعضهم إلى بعض، فالفقير ينظر إلى الغني نظرة الحاقد الحاسد أو المؤمل الذليل، والغني ينظر إلى الفقير بعين المحتقر المزدري أو المتفضل المستطيل، وعلى هذه النظرات المختلفة تبتني العلاقات في المجتمع، وبألوانها تتلون الصلات.
ومن هذا المجتمع ذاته تنشأ التقاليد وتقرر العادات، وفيه كذلك ولواقعه الراهن تسن أنظمة الاجتماع، وقوانين السياسة، ومناهج التربية، والوضع الاقتصادي هو المنبع الأصيل لكل أولئك.
فإذا أمكن للعلم - بمعجزاته وقوته الهائلة - أن يسيطر على الاقتصاد، وإذا أمكن له أن ينتشر هو وتنتشر آثاره المحمودة على الجماهير فقد استطاع حذف الفوارق، وإزاحة العوائق، وتزكية الطباع، وتصحيح النظرات، واستطاع آخر الأمر أن يقيم الصلات الحسنة في المجتمع، وأن يشقق منها أنظمة مثالية للاجتماع وقوانين نموذجية للسياسة، وأن يقود الإنسان إلى خير ما يمكن من غاية وأسعد ما يتوقع من حال.
هذا ما يقوله فريق كبير من الناس، وهذا مثال مبسوط لما يحتج به على ما يقول، ويبدو أن هذه الفئة شديدة الإيمان بالعلم إلى حد الإفراط، ولا غضاضة في أن يكون الإنسان كبير الثقة بالعلم قوي الإيمان بمقدرته في حدود يؤمن العلم لنفسه فيها بالقدرة، أما أن يؤمن أحد بما لا يؤمن به العلم لذاته فهذا هو السرف الذي لا يقبل الحدود.
إن العلم لا يجهل حدوده ولا يغلو في قدرته لأن العلم لا ينقلب جهلاً، وحقائقه لا تصبح ادعاء، ولكن المدعين يمدون الحقائق بالخيال، ويخلطون الموهوم بالثابت.
لقد قال >دارون< العالم الطبيعي المعروف: الإنسان ينحدر إلى نسب حيواني عريق، وفسر بذلك فلسفة النشوء والارتقاء، وتلك فكرة لا تزال يعوزها السند العلمي المتين، ولنفترضها هنا مسلمة متيقنة لنتمشى مع الدليل. وانحدر >دارون< مع الفكرة، وكان من الحق أن يرتقي.
أجل، كان من الحق أن يرتقي، فقد تطور الحيوان - حسب الفرض - فأصبح إنساناً، أصبح نوعاً جديداً له كيانه، وله موائزه، وإلا لم يكن معنى لتطوره، وعلى أساس هذا الكيان الجديد وهذه الموائز الخاصة يجب أن يبحث في شؤونه بما هو إنسان.
وهذه هي القاعدة في كل حلقة من السلسلة، في كلّ نوع يتطور عن نوع آخر أحط منه، وما أظن>دارون< ولا أحداً من تلاميذه وأتباعه يرتاب في ذلك في ما عدا الإنسان.
ولأمر غير علمي على ما يرجح انحدر >دارون< بالإنسان إلى الحيوان بدلاً من أن يرتقي بالحيوان إلى الإنسان، صنع ذلك في كتابه (أصل الإنسان) فناقش على غرار ذلك قواعد الأخلاق، وناقش (تصورات الدين).
لقد وضح أن الإنسان حيوان. ولكن أليس إنساناً أيضاً؟
فبم ارتقى إذن وكيف تطور؟
إلا أنه استطاع أن يقف على قدميه؟
وكثير من فصائل الحيوان يقف ويمشي على قدمين كذلك.
أم لأنه يمتلك الحيلة لتحصيل رزقه؟
وجميع صنوف الحيوان تحتال لرزقها أيضاً، وبعضها يأتي بالعجائب في هذه السبيل.
لقد وضح أن الإنسان حيوان، ولكنه إنسان أيضاً، ولا أظن >دارون< يجحد ذلك حين يبتعد عن بحث الخلق والدين.
إنّ الإنسان يفكر ويميز ويريد ويصمم، ويأتي في إرادته بالعجائب، ويأتي في تصميمه بالخوارق، ويأتي في تفكيره وتصوراته بالمعجزات، ويتحدى الطبيعة التي قالوا: إنها هي الخالقة، ويخضعها لسلطانه، ويكشف أسرارها بوعيه، ويسخر طاقاتها لمآربه، ويحصي عناصر الكون، ويتقصى طبقات الأرض، ويستخرج دفائنها، ويستنبط معادنها، ويسبر أعماق البحار، ويبعد كل حزن، ويذلل كل صعب، ويخترق أجواز الفضاء، ويرسل طلائعه ليغزو الكواكب.
فهل لا يزال حيواناً بعد؟ وهل يملك الحيوان مثل هذه الأرصدة ومثل هذه القوى؟
وحين تطورت بيده أساليب الحضارة، ووضعت بيمينه مفاتيح الكنوز، وجعلت له السيادة في هذه الأرض، فهل استوجب ذلك كله وهو حيوان؟
الإنسان حيوان، هكذا قال >دارون<، نعم، وسار مع هذا النسب هاوياً، معاكساً لسير الطبيعة من الارتقاء، وبنى على هذا الاتجاه المعكوس فروضه، واستخلص نتائجه، فلا دين ولا أخلاق حميدة ولا قيم عالية.
أما أولئك الذين تطوعوا للعلم وزعموا أنه قادر على تنظيم الإنسان، أما أولئك فإنهم أخذوا هذا النسب الذي وضعه >دارون< للإنسان، ثم اندفعوا وراءه بضع خطوات...
الإنسان حيوان...
فهو مادي إذن..
مادي بلحمه ودمه وجميع قواه وأجهزة نشاطه، وهل للحيوان تأريخ غير تأريخ المادة، تأريخ القوت، وضروب طلبه والكدح الشديد فيه، والتخاصم عليه والتنافس في أمره وملابسات ذلك وفروعه...
ضعوا الإنسان في المختبر ليحلله العلم، فهل يجد سوى الفوسفور والآزوت والكبريت والنحاس والحديد والكالسيوم والمغنسيوم وأخواتها من عناصر المادة؟
فمسألة الإنسان الأولى مسألة مادة محض، ومسألة اقتصاد على الخصوص، وكل ما يجد سواها فإنما هي فروع، وإذا انتظم الاقتصاد انتظمت فروعه.
ويكفي لدحض هذه المزاعم أن يتصوروا أنّ الإنسان ليس حيواناً فقط. ويكفي لدحضها أن يتصور أنه ليس مادياً فقط.
يقولون: ضعوا الإنسان في المختبر، فماذا يضعون منه؟
يضعون جسمه بعظمه ولحمه ومخه وعصبه، ومن يشك في أن هذه مادية؟
أفيضعون في المختبر المادي نفسه وروحه وقواه المختلفة، وإرادته وعقله وتفكيره وباقي مميزات إنسانيته؟
أفيضعون هذه في المختبر أيضاً؟ وماذا يحلل المختبر منها وهو لا يتناول غير المادة؟
ليضعوا في المختبر إنساناً ميتاً، وليتبينوا ماذا نقص بموته من عناصره الأولى؟ ثم ليبحثوا في ركام هذه المادة عن مصدر نشاطه الأول وسبب هموده الأخير.
بل ليلتقطوا عناصر الإنسان الحرة الطليقة وهي موفورة في تراب الأرض كما يقول العلم، ليجمعوا من هذه العناصر العشرين مقاديرها الموجودة في بدن الإنسان، ثم ليقيموا منها هيكلاً إنسانياً كاملاً بأجهزته ومقوماته وجميع خفاياه وخلاياه، وهو أمر غير شاق على العلم فيما أعتقد..
بهذه التجربة وحدها سيجدون الفارق الأصيل بين الإنسان الطبيعي، المخلوق الضخم، وبين الإنسان المادي الذي يخضع للمختبر ويوزن بالكيلو والغرام. إن العلم لا يجهل حدوده ولا يغلو في قدرته، ولكن المدعين يمدون الحقائق بالخيال، ويخلطون الموهوم بالثابت.
ومن عجيب أمر هؤلاء أنهم يكفرون بالإنسان ويؤمنون بأثر من آثاره!
يكفرون بالإنسان هذا المبلغ من الكفر، ويؤمنون بأثره هذا الحد من الإيمان! والعلم أداة طيعة، توصف بالخير إذا أعملها صاحبها في خير، وتنعت بالشر إذا جعلها ذريعة إلى شر، فهي تابعة أبداً لما يراد بها.
وقد تقدم العلم في أوربا، وزخر مدة، وتضخمت مادته، فلم يعصم تقدمه الأخلاق من أن تنهار، ولم يقِ الحرمات من أن تهتك، ولم يكلأ الحريات من أن تستباح، ولم يمنع من وقوع حربين عالميتين تأتيان على الأخضر واليابس.
بل وكانت مواقف العلم فيهما غير مبررة، فقد كان له في ميادين القتال خلق الموتور المسعور الذي لا يروي من إراقة الدماء، ولا يرق لمناظر البؤس، الموتور الذي لا يعرف ترته في أي جانب، فهو يمد الجيوش المتقابلة ويحرض القوى المتقاتلة، ويلهب الأحقاد، ويوغر الصدور، ويمهد للفتنة ويضاعف من العدة.
ولا يزال العلم - حتى هذه اللحظة - هو السلاح المخوف المرعب الذي تحذر الأمم بطشه، وتخشى صولته، والذي يتهدد العالم كله بالدمار، وينذره بالبوار.
إنّ العلم آلة تعمل الصلاح حين تعمله وهي لا تشعر، وتنشر الفساد حين تنشره وهي لا تشعر، وشعورها إنما هو شعور الأيدي التي تدبرها، وضميرها إنما هو ضمير النفوس التي توجهها، فلا محيد من تنظيم تلك المشاعر المدبرة، ومن تهذيب تلك الضمائر الموجهة، إذا أردنا التنظيم الجاد الشامل.
والاقتصاد عامل خطير في الحياة وفي تأريخ الإنسان، ولاستقرار الوضع الاقتصادي في المجتمع واضطرابه التأثير البالغ في تكييف الحياة وتطويرها، وهذا ثابت لا يجادل فيه ذو لب.
ولكن المبالغة أن يدعي أن الاقتصاد هو العامل الوحيد الفريد.
القوت ضرورة لابن آدم، وتيسر السبيل لسد هذه الضرورة وتوفر الوسائل إلى الوفاء بها يخفف شطر أتعابه في الحياة، ويوفر جهوده للسعي في ميادينها الأخرى، وتهيؤ الفرصة لكل طالب وخفة المؤونة على كل عامل تضعف أسباب التزاحم، ويقلل من دواعي الأحقاد...
القوت ضرورة لابن آدم ولكن ليس هو الضرورة الوحيدة.
ومطاليب الجسد الأخرى ضرورات له أيضاً، ولكن ليست هي الضرورات الوحيدة. وكذلك حاجات الروح وحاجات القلب وحاجات العقل ضرورات لابن آدم لا بد له منها ولا قرار له بدونها، ولكن ليست ضروراته الوحيدة كذلك.
كل هذه ضرورات لابن آدم، ويتعسف بل وينكر ذاته من يتوجه بالنظر إلى بعضها دون بعض، ويسرف ويرتكب شططاً من يقيم فلسفة الحياة على هذه النظرة الحائدة، ويمعن في الإسراف والارتكاب من يحاول تنظيم علاقات الإنسان وإقامة مناهجه على هذا البناء المنهار.

>للبحث صلة<

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الرابع
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com