موقع الصراط ... الموضوع : الخبر والإنشاء في دعاء الصباح
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الخبر والإنشاء في دعاء الصباح  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 13 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم حسن جميل الربيعي
أدعية أئمة أهل البيت (ع) مدرسة روحية فكرية أخلاقية اجتماعية أدبية، تعطي الإنسان درساً من أي جانب شاء، ومن حيث ما يريد، إضافة إلى صلته وارتباطه بالله تعالى والتي هي الأساس الذي يحرر الإنسان من العبوديات كلها.
وهنا نحن بصدد جانب من هذه الجوانب وهو الجانب البلاغي في دعاء الصباح للإمام أمير المؤمنين (ع)، وهذا الدعاء في أعلى مراتب الفصاحة، والبلاغة، والمتانة، والقوة، مع تمام الرغبة، والخضوع، والاستعارات العجيبة، ففيه نرى رصانة التعبير، مع رقة التصوير، وعذوبة الكلمات كلها دليل على صدور الدعاء عن نفس صالحة مؤمنة بربها(1)، كلام يحس القارئ له أنه فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق، ولنحلق في رحابه من خلال مفردة من مفردات علم المعاني وهي (الخبر والإنشاء) فيه.

أولاً: الخبر:
الخبر في مفهومه الاصطلاحي: هو كلُّ كلام يصح وصفه بالصدق والكذب لذاته، وهذا التعريف ينطبق على كلّ قول يطلقه أيُّ قائل، ولكن الأخبار الواردة في القرآن الكريم، والأحاديث الواردة عن الرسول وأهل بيته صلوات الله عليهم والحقائق العلمية والبديهيات التي لا يشك فيها، فلا يمكن أن تحتمل الكذب مع أنها إخبار عن شيء(2).
إذن فمن ناحية ابتدائية كل الأخبار الواردة في النص هي أخبار صادقة؛ لأنّها صادرة عن الإمام أمير المؤمنين (ع) .
والخبر يطلق لغرضين: الأول منهما هو فائدة الخبر، وهو كون المخاطب جاهلاً بالموضوع، ويطلعه المتكلم عليه؛ وثانيهما هو لازم الفائدة، كون المخاطب عارفاً بالموضوع، ولكنَّ المتكلمَ يريد أن يُعْلِمَ المخاطبَ بأنَّه عارفٌ بالموضوع أيضاً.
وما دام المخاطب في الدعاء هو الله تعالى الذي ((يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)) (3) فهو عالم بكل شيء إذن، فالخبر لا يزيده معرفة ولا اطلاعاً على شيء مخفي، إذن فكل الأخبار الواردة في النص هي للغرض الثاني وهو لازم الفائدة، ففي افتتاح الدعاء قوله (ع): ((يَا مَنْ دَلَعَ لسانَ الصباحِ بِنُطْقِ تَبَلّجِهِ، وسَرَّحَ قطعَ اللّيلِ المظلمِ بِغَيَاهِبِ تَلَجْلُجِهِ...))، إنّ الداعي يريد أن يطلع الله تعالى أنّه عالم بنعم الله تعالى عليه، وهذا العلم منه يوجب عليه أن يطيع الله تعالى، ويشكره على نعمه التي لا تعدّ ولا تحصى، وهذا متناسب مع آداب الدعاء، والتي قد تكون ضماناً للإجابة؛ فإنَّ ((من آدابه أن يفتتح الداعي دعاءه بتمجيد الله، والثناء عليه لضمان إجابة دعائه))(4).
هذه الصفات الواردة في الدعاء بصيغة الجمل الخبرية في بداية الدعاء كانت صلة للموصول، وجملة الصلة الموصول تكون معهودة للمخاطب معلومة عنده(5)، وهذا ما يزيد من دلالة المعنى وقوته، ويفيد أيضاً أنّ الغرض هو لازم الفائدة.
والخبر يأتي بثلاثة أضرب كما صنَّفه علماء البلاغة؛ هو الخبر الابتدائي الذي يأتي دون مؤكدات، والخبر الطلبي الذي يأتي مؤكداً بمؤكد واحد، والخبر الإنكاري الذي يأتي مؤكداً بأكثر من مؤكد.
أكثر الأخبار الواردة في الدعاء المبارك هي أخبار ابتدائية غير مؤكدة بمؤكدات مثل قوله: ((قَلْبِي مَحْجُوبٌ، وَنَفْسِي مَعْيُوبٌ، وَعَقْلِي مَغْلُوبٌ، وَهَوَائي غَالِبٌ))، وكقوله (ع): ((تُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ، وَتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيلِ، وَتُخْرِجُ الحيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ))، والأمثلة كثيرة في الدعاء، وهذه كلها غير مؤكدة بمؤكدات.
وقد وردت الأخبار في مواضع قليلة مؤكدة بأداة تأكيد واحدة، أي هي أخبار طلبية، وذلك في قوله (ع): ((إِنَّكَ قَادِرٌ عَلى مَا تَشَاءُ)) ((إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) ((إِنَّكَ سَيِّدي وَمَوْلاي))، والملاحظ أنّ هذه الجمل الثلاثة كلّها في بيان قدرة الله تعالى؛ ولذلك جاء بها مؤكدة، وهذا التأكيد هو يفيد المتكلم قبل المخاطب، وكأنّه يقول: ليس هناك قادر غيرك، وليس هناك سيدٌ ومولى سواك.
ولم يأتِ الخبر الإنكاري في النص؛ وذلك لأنّ الخبر الإنكاري يلقى للمخاطب المنكر، أو المشكك، أو المعاند، وهذه الصفات تعالى الله عنها، ولا تتوافر في الداعي أيضاً الذي هو مقرٌّ بقدرة الله تعالى على كل شيء، ومحتاجٌ إلى عفو الله تعالى ومغفرته، وهو عالم أنَّ طلبه محصورٌ عند الله تعالى، وبالتالي فهو يقرُّ ويعترف بذنوبه، وبضعفه، أمام الله تعالى، لكي ينال ما يريد؛ ولذلك لم يأتِ بالأخبار الإنكارية.
والخبر يخرج إلى عدة معانٍ مجازية، ولعلّ من هذه المعاني التي خرج إليها الدعاء: إظهار الضعف، وهذا ما نراه بوضوح في قوله (ع): ((قَلْبِي مَحْجُوبٌ، وَنَفْسِي مَعْيُوبٌ، وَعَقْلِي مَغْلُوبٌ، وَهَوائِي غَالِبٌ))، فهذه كلها أمور تظهر ضعف الإنسان وعجزه، فقد خرجت إلى معنى الضعف الذي يغلب على الداعي أمام الله تعالى.
ومن المعاني الأخرى التي خرج إليها الدعاء: الاسترحام والاستعطاف مثل قوله: ((هَذِهِ أَزِمَّةُ نَفْسي عَقَلْتُها بِعِقالِ مَشِيئَتِكَ، وَهَذِهِ أَعْبَاءُ ذُنُوبِي دَرَأْتُهَا بِعَفْوِكَ وَرَحْمَتِك))، فالأخبار في هذه الجمل تخرج إلى معنى الاسترحام والاستعطاف التي يكون الإنسان بحاجة إليها أمام ربّه لكي يكمل مسيرة دربه.

ثانياً: الإنشاء:
الإنشاء: هو الكلام الذي يحصل مضمونه بمجرد التلفظ به، وهو لا يحتمل الصدق والكذب لذاته، ولم يكن لنسبته خارج قصد حكايته، فالمقصود من إطلاقه إيجاد طلب السماع، ووعي المنطق بتلك الألفاظ(6).
وللإنشاء عدة أساليب ظهرت في دعاء الصباح:
1- الأمر: وهو بمعناه الاصطلاحي هو طلب فعل الشيء وإحداثه(7)، مثل قوله (ع): ((وَافْتَحِ اللهمَّ لنا مَصاريعَ الصَّباحِ بمَفاتيحِ الرَّحمةِ والفَلاحِ))، ففي قوله طلب بافتتاح صباح اليوم بالبركة والرحمة والفلاح التي يعطيها الله تعالى للعبد.
ووردت صيغة الأمر كثيراً في الدعاء: ((واغْرِسِ اللهمّ بِعَظَمَتِكَ في شِرْبِ جَناني ينابيعَ الخشوعِ))، ((أَدِّبِ اللهمَّ نَزَقَ الخُرْقِ منّي بأزمّةِ القنوع))، ((فاصفحِ اللهمَّ عمّا كنتُ أجْرَمْتُهُ من زللي وخطائي)).
ومن المعروف أن الأمر هو طلب من العالي إلى الداني، ولكن الخطاب هنا ما دام موّجهاً لله تعالى من قبل عبده، فهو موجه من الداني إلى العالي، وبهذا فهو قد خرج إلى غرض مجازي، وهو الدعاء، فالله تعالى لا يأمره أحد من خلقه، ((وسرُّ بلاغة التعبير بالأمر في مقام الدعاء إظهار كمال الخضوع للمولى عزَّ وجلّ وبيان شدة رغبة العبد في الغفران والتوبة، كأنهما أمران مطلوبان من الله جلّ وعلا))(8).
2- النهي: وهو بعكس الدعاء، أي طلب عدم إحداث الشيء، وقد ورد مرة واحدة في دعاء الصباح في قوله (ع): ((فَلا تَرُدَّني مِنْ سَنيّ مَوَاهِبِكَ خائِباً))، وهو هنا ليس نهياً حقيقياً، بل هو-كما في الأمر-نهي خرج إلى غرض الدعاء، والسر في هذا التعبير والخروج المجازي هو بيان رغبة العبد في الغفران وإظهار كمال الضراعة والتذلل له سبحانه، وهذا الاستعمال هو تصوير حي، وتعبير صادق عن رغبة الداعي في الحصول على المواهب السنية التي يعطيها الله لعباده(9).
3- الاستفهام: هو طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل(10)، هذا إذا كان استفهاماً حقيقياً، وقد تكون صيغة الاستفهام خارجة إلى معنى مجازي، وهو ما وجد في الدعاء المبارك، مثل قوله: ((فَمَنِ السالكُ بي إليكَ في واضِحِ الطريق))، أي يا رب إن لم تبتدئني الرحمة منك، فلا سالك بي إليك، وحتى إن كان الطريق واضحاً، ومثله قوله (ع): ((فَمَنِ المقيلُ عَثَراتي من كبواتِ الهوى))، أي لا أحد، وهاتان الصيغتان الاستفهاميان خرجتا إلى معنى مجازي هو النفي، وهذا التعبير المجازي جاء لتحريك الفكر وحث النظر لكي يصل الإنسان إلى الله تعالى عن طريق البحث والتفكير(11)، ولا شكَّ أن البحث والفكر إذا توصل إلى الله تعالى من هذه الطريقة، فلا يمكن أن يتركه، ويحيد عنه، وهذه هي الجنبة التوحيدية في الدعاء، التي قدّمها الداعي (ع) لنا من خلال صيغة الاستفهام.
وهذا الأمر نفسه-معنى النفي المفهوم من الاستفهام- وجد في مقاطع أخرى من الدعاء، مثل قوله (ع): ((كَيْفَ تَطْرُدُ مسكيناً الْتَجَأَ إلَيْكَ من الذُّنوبِ هارِباً، أم كَيْفَ تُخَيِّبُ مُسْتَرْشِداً قَصَدَ إلى جَنابِكَ ساعياً، أمْ كَيْفَ تَرُدُّ ظَمْآنَ وَرَدَ إلى حِياضِكَ شَارِباً))، فالمعنى المتضمن من هذا النص: أنّك يا رب لا تطرد المسكين الملتجئ إليك، ولا تخيب المسترشد القاصد إليك، ولا ترد الظمآن الوارد إلى حياضك؛ وبالتالي فأنت وحدك يا رب المستحق للعبادة، المستحق للجوء، المستحق للاسترشاد، المستحق للورود، هذه المعاني تجسدت من خلال صيغة الاستفهام الواردة في النص.
وقد يخيل للقارئ أول مرة في النص الأخير أنَّ الإمام (ع) يريد بهذا الاستفهام التعجب، ولكن الإمام (ع) مع علمه اليقيني أنّ الله لا يمكن أن يرد السائل فهو الكريم لا يتعجب أبداً، بل يريد إثبات أنّ هذه الصفات كلَّها لله تعالى وحده؛ لذلك عقّب قائلاً: ((كَلاّ، وحِياضُكَ مُتْرَعَةٌ في ضَنْكِ المُحُولِ، وبابُكَ مَفْتوحٌ للطّلب والوَغُولِ))، فهو مطمئن لهذه الصفات فلا يتعجب في المقام الأول، بل هو في مقام النفي.
4- النداء: وهو-بأبسط تعريفاته-طلب الإقبال، والقارئ للنص يرى مركزية النداء في الدعاء، فهو تكرر بشكل صريح وبأدوات النداء 30 مرة في النص، عدا ذكره محذوفاً، وتكرار النداء بكثرة يستدعي عطف المخاطب على القائل، إذ أن القائل يخصه وحده دون غيره(12)، فيدعوه، ويتذلل إليه.
وكان بعض النداء بـ ((يا)) النداء، والقسم الآخر بلفظة ((اللهم))، وافتتح الدعاء بالأداتين معاً: ((اللهمَّ يا مَنْ دَلَعَ لسانَ الصَّباحِ...))، ولفظة (اللهم) هي مختصة بالله تعالى، والميم فيها للتعظيم، و(يا) النداء موضوعة لمناداة البعيد، وهي في موضع الدعاء تستعمل للدلالة على العظمة والعلو، فهي هنا إشعار ببعد منزلة الله تعالى، وعلو مكانته، وعظمته(13).
وورود النداء محذوفاً قد يكون لقرب المنادى من المنادي، سواء أكان القرب مادياً أم معنوياً(14)، وفي موضع الدعاء هو قرب معنوي، فكأن الداعي ينظر إلى قوله تعالى: ((ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) (15) وهو يقرأ الدعاء؛ لذلك جاء في الدعاء: ((إلهي هذهِ أزّمة نفسي...))، ((إلهي قَلْبي مَحْجُوبٌ))، فحذف أداة النداء وبقي المنادى فقط.
وفي بعض الأحيان يكرر الداعي النداء، مثل قوله: ((يا كريمُ يا كريمُ يا كريمُ))، ((يا غَفّارُ يا غفارُ يا غفارُ))، فالداعي كرر ((نداءه واستغاثته، ولم يكتفِ بالنداء بهذا الاسم المحبب إليه سبحانه مرة واحدة، لعلَّ الله يقبل من عبده هذا التضرع، وهذا الخشوع، وهو يناديه بأجل أسمائه المحببة إليه))(16).

الهوامش:
(1) ينظر: أضواء على دعاء الصباح، عز الدين بحر العلوم: 35
(2) ينظر: الإيضاح: 86-87 ، والبلاغة والتطبيق: 105 .
(3) غافر: 19 .
(4) أضواء على دعاء الصباح: 107 .
(5) ينظر: معاني النحو، فاضل السامرائي: 1/112 .
(6) ينظر: أساليب المعاني في القرآن: 49 .
(7) ينظر: المصدر نفسه: 51 .
(8) من بلاغة النظم العربي، عبد العزيز عبد المعطي: 2/82 .
(9) ينظر: من بلاغة النظم العربي: 2/89 .
(10) ينظر: البلاغة والتطبيق: 131 .
(11) ينظر: من بلاغة النظم العربي: 2/125 .
(12) ينظر: أساليب المعاني في القرآن: 123 .
(13) ينظر: علم المعاني، عبد الفتاح بسيوني: 414 .
(14) ينظر: معاني النحو: 4/278 .
(15) ق: 16 .
(16) أضواء على دعاء الصباح: 288-289 .

المقال منشور في مجلة (ينابيع) العدد 65
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com