موقع الصراط ... الموضوع : من هدى القرآن-5
 
الخميس - 28 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من هدى القرآن-5  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 14 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم السيد محمد جمال الهاشمي
قوله تعالى: (مالك يوم الدين)، وفي قراءة أخرى مروية عن الإمام الصادق (ع): (ملك يوم الدين)، ويجمع بين القرائتين أن مالك كل شيء ملكه وسلطانه، فهما متلازمان، وتجوز قراءة كل منهما وإن كانت الأولى أشهر في نظر المفسرين.
وتخص الآية مالكية الله بيوم الدين مع أنه مالك الأيام كلها، أيام الدنيا وأيام الآخرة، لأن أيام الدنيا مشغولة بمالكيات ظاهرية تعترف بها الشرائع السماوية والقوانين الأرضية، فترتب عليها آثار الملكية، حيث تمنح المالك لأعراض الدنيا حرية التصرف فيما يملكه فهو يبيعه ويؤجره ويهبه ويسترده إن اغتصب منه، بل وتجعل للغاصب عقوبة وجزاء مدونتين في موسوعات الشرايع، أما يوم الدين فإن المالكية والملكية تنحصر بالله فقط كما سنشرحه لكم إن شاء الله تعالى.
وقبل أن ندرس مالكية الله في يوم الدين يلزمنا أن ندرس مالكية الإنسان في أيام الدنيا، وهل هي مالكية حقيقية توازي مالكية الله يوم الدين أم أنها مالكية صورية تتلاشى حينما نلقي عليها أشعة المالكية الواقعية كما يتلاشى الثلج حينما تواجهه أشعة الشمس.
ادرس هذه الظاهرة ثم اعطني عنها فكرة تامة!
يموت المالك الكبير، وتنقله ورثته إلى حفرته وحيداً من دون أن ينتقل معه شيء من مخلفاته، وتبقى تلك المخلفات لوارثه المحظوظ الذي يحاول أن يثبت مالكيته على المخلفات بألوان التصرفات فيها، وربما تنتهي أيامه قبل أن تنتهي تصرفاته فيها، فيتركها للمالك الجديد، وهلم جرا نرى المالكين يمضون، والملك يبقى ثابتاً في مكانه، كما كان، إن المالك الذي ظنّ أنه سيد الأرض يتصرف فيها كما يريد نراه قد فارق الأرض من دون أن يتصرف في جوهرها وكيانها، إن الأرض هي الأرض باقية حيث كانت والمالكين قد ذهبوا إلى حيث لا أمل برجوعهم... فمالكية البشر على هذه الظاهرة مالكية كاذبة لا أثر لها في مملوكاتها أبداً، بل لو دققنا هذه النظرة لرأينا آية الملكية تنعكس تماماً؛ لأننا نشاهد الأرض المملوكة قد تصرفت في وجود المالك، فأفنت حياته واستنفدتها في خدمتها، فهضمت أيام الإنسان وهو يخدمها من دون أن تعوضه عن أيامه لحظة واحدة من أيامها، إن الأرض تبقى على ما كانت والإنسان استنفدت أيامه الأرض بخدمتها، وعلى هذا المبنى تنعكس آية الملكية فيصبح المالك مملوكاً، والمملوك مالكاً، لأن المالك هو الذي يتصرف في وجود المملوك كما يشاء، والذي يتصرف في الوجود هنا هي الأرض إنها هي التي تستنفد حياة الإنسان من دون أن تهبه لحظة خاطفة من حياته.. فمالكية الإنسان للأرض ليست إلا مالكية صورية كاذبة لا أساس لها من الواقع أبداً، فأين الملك الحقيقي.
إن المالك الحقيقي للأرض ليس إلا من يتصرف في وجودها، فيطويها، وينشرها، ويبقيها ويفنيها، يتصرف فيها كما يشاء، بما يشاء، إن وجودها وعدمها بيده، فالأرض باقية ما دامت إرادته متجهة إلى بقائها، والأرض فانية إذا اتجهت إرادته لفنائها. إن الذي يتمكن من التصرف على هذا الأسلوب هو الله وحده، فهو الذي يتصرف في السماوات والأرض كما يريد، إن أمرهما بيده.. أما نحن البشر، نحن الذين ندعي الملكية على الأرض، نعم نحن البشر لا نتمكن أن نثبت مالكيتنا إلا بهذه العناوين الجوفاء، إننا نزرعها ونحرثها، نبنيها ونهدمها، إن الزرع والحرث، والبناء والهدم لا يمس وجود الأرض أبداً، إن الأرض في كل هذه التصرفات تبقى على ما أوجدها عليه المالك الحقيقي، إننا نملك الأرض بذلك اللون الكاذب من الملكية، نملكها وترتب الشرايع على مالكيتنا آثار الملكية حفظاً للصالح العام؛ لأن عليها يترتب النظام العام في البشر، ولكنها كما عرفت أيها الإنسان مالكية صورية كاذبة لا أساس لها من الواقع أبداً، كاذبة وإن أقرها الله واكتفى بمالكية يوم الدين فقط، حيث تتلاشى فيه العناوين الفارغة، والاعتبارات المزيفة، وحيث لا يبقى وجود تترتب عليه آثار الوجود إلا وجود مبدع الوجود، إن الحقيقة المستورة تظهر في ذلك اليوم، وهي التي تتحدى الأجيال البشرية، فتستوقفها للحساب بقولها: (لمن الملك اليوم)، فيكون الجواب منها: (لله الواحد القهار)، فلا مالك هناك ولا مملوك، ولا سوقة ولا ملك، إن كل العناوين تندك أمام عظمة الله جلت عظمته، إن المالكية والملكية آنذاك لله الواحد القهار، إن المالكية الحقيقية تتجلى بأتم مظاهرها في ذلك اليوم، فتشاهدها كل عين وتلمسها كل حاسة، إن في ذلك اليوم يصرخ كل موجود فيه: إن الملك لله وحده لا شريك له.
ويوم الدين هو يوم الجزاء، يوم جزاء العامل على عمله، هو يوم الحساب حساب قوائم الأعمال، إن كل إنسان محاسب فيه على الطاقات التي استودعها الله عنده حيث يسأل عنها، فيم صرفها، وماذا استفاد منها، إن يوم الحساب للحساب فقط، فلا مجال للعمل فيه أبداً.
إن للإيمان بذلك أثراً فعالاً في كبح الشهوات وتهذيب الغرائز الطائشة، فالمطامع الجشعة لا ترجع عن مراميها إلا إذا صدتها حقيقة أوقى من الشهوة، وإن خوف الحساب على الأعمال والأهواء ليردع المغامر الجريء عن الاندفاع وراء نزواته، لا سيما إذا كان الحساب دقيقاً لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ومن وراء حسابه الدقيق جزاء وغرامة لا تدفعهما عنه رشوة ولا وساطة، إن هذا الخوف لا يحصل إلا للمؤمن بيوم الدين. إن الإنسان إذا آمن بذاك اليوم وبما يكتنفه من الأهوال والمخاوف يصبح إيمانه حاجباً بينه وبين نزواته ونزعاته، فلا يندفع إلى رغبة إلا بعد أن يدرسها ويدقق مسالكها، وغاياتها دراسة كاملة شاملة، إن الولد الذي يخاف محاسبة والديه لا يجسر على مخالفة النظام الذي فرضاه عليه في البيت وخارجه، إن الطفل ليس إلا الإنسان نفسه في حالة الطفولة، فهو والشيخ الهرم يتساويان في الغرائز والإنسانية، إن الشيخ طفل في نزواته، كما وأن الطفل شيخ في ملكاته، إنهما معاً يسيران في طريق واحد لغاية واحدة، لولا اختلاف الملامح لما تميز الشيخ عن الطفل أبداً.
فالإيمان بيوم الحساب مادة إنسانية ما أصرت عليها الشرايع السماوية إلا لتخفف فيها جنون الشهوات ومغامراتها الطائشة العارمة، إن الأديان السماوية التي تستمد أحكامها من صميم الواقع، تصر على الإيمان بهذا اليوم، وتسن لمنكرها مادة مخيفة جداً، حيث تحكم بكفر منكرها، والكافر معناه الخارج على النظام، وللخارج على النظام أقسى العقوبات الجزائية في جميع القوانين.

المصدر: مجلة الأضواء: السنة الأولى، العددان 8-9
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com