موقع الصراط ... الموضوع : زواج يوسف النبي (ع) وزليخا <br> حقيقة أم خرافة
 
الأربعاء - 27 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  زواج يوسف النبي (ع) وزليخا
حقيقة أم خرافة
 
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 14 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم: د. محمد بهرامي
تعريف الخرافة:
لقد تم إطلاق العديد من التعريفات للخرافة، وتنوع اعتبارها بين إرجاع الأحداث والوقائع الطبيعية إلى أمور ميتافيزيقية، والاعتقاد المنافي للعقل، والخطاب العبث، والخيال والتوهم، والبهرجة والأسطورة(1)، وما يفتقد إلى الدليل العقلي والعلمي، إلى غيرها من التعريفات.
إلا أن تعريف الخرافة بالخطاب أو التحليل الفاقد لمرتكز عقلي وعلمي أكثر التعريفات دقة، وأقربها للشمولية. وهو التعريف الذي سنبني عليه كلامنا في هذا المقال.

التأريخ للخرافة:
لربما نستطيع القول: إن الخرافة ترافق نشأة التفكر الإنساني. وقد تحدث القرآن عن العديد من حالات الخرافة التي ظهرت في أقوام غابرة. كما أن الآيات ذكرت أنواعاً مختلفة من تلك الخرافات. ونشير على سبيل المثال إلى بعضها:
أـ الخرافات التي كان يعتقدها قوم صالح (ع): ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾ (النمل: 47). فقد رفضوا دعوة صالح؛ لأنهم لم يروا فيه حسن الطالع.
ب ـ رأى قوم موسى أن ما أصابهم من سوء كان بسبب موسى، فتشاءموا منه: ﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 131).
ج ـ كذلك تشاءم أقوام آخرون من رسل الله إليهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (يس: 18).
ولم يختلف العالم المعاصر عن القديم، فلا زالت الخرافة بمختلف مصاديقها تدير المجتمعات، ولا زال الإنسان المعاصر رغم ما توصل إليه من وسائل تكنولوجية وما تعرف عليه من العلوم يلجأ إلى العرافات، وأصحاب الطالع، والمتكهنين والمنجِّمين، كما كثر الإقبال على ما صنف في هذه الخرافات التي اتخذت عناوين تليق وعصر الإنسان الآلي.

منشأ الخرافة :
وهي: التقليد الأعمى، وغياب القدرة العقلية في فهم المعتقدات، والخوف السلبي، والاضطرابات النفسية، والجهل، وانتشار الروايات الموضوعة والإسرائيليات.
تسلل الخرافة إلى قصص الأنبياء :
لقد بنيت بعض الأحداث في قصص الأنبياء على الخرافة، والتي تجد مصدرها في الإسرائيليات. ومن الأمثلة على هذا أن قصة نبي الإسلام| لم تسلم هي الأخرى من الخرافات. فقصة الغرانيق(2)، وما قيل حول زواجه الشريف| من زينب طليقة زيد بن حارثة، لا تستند إلى أية حقيقة تاريخية أو سند عقلي، كل ما في الأمر أنها حيكت من نسج الخيال، ودعمتها الإسرائيليات. وقد رد القرطبي المفسِّر الكبير قصة الغرانيق قائلاً: (بالإضافة إلى أن هذه القصة لم يروِها البخاري ومسلم في صحيحيهما، فلا أحد من الباحثين المعتبرين قد نقلها أو ذكرها في كتاباته)(3).

محاربة الخرافة :
تعد الخرافة من الأسباب الكبيرة في تخلف المجتمعات الإنسانية. لذا نجد أن كل الأنبياء قد وقفوا في وجه الخرافات التي كانت سائدة بين أفراد أقوامهم، وحاولوا بكل جهدهم بيان لغوها وعبثيتها وما تسببه من الضلالة. فهذا صالح(ع) يقول لقومه لما كانوا يتكلون في كل أمورهم على الطالع: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (النمل: 47). المقدرات هي بيد الله وحده، أما ما تتفاءلون به أو تتشاءمون منه فلا قدرة له على أن يصيبكم بخير أو سوء.
كذلك نجد إبراهيم(ع) قد وقف أمام المعتقدات الخرافية التي كان قومه يعتقدون بها ويلجأون إليها: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 74 ـ 78).
وقد بيّن النبي الأكرم| لقومه أن الكسوف لم يكن بسبب وفاة ابنه إبراهيم(ع)، وإنما هو بأمر من الله، وأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يسيران وفق قانون الكون الذي أودعه الله فيها، ولا تأثير لموت أو حياة أحد فيها(4).
إن مسيرة الأنبياء في الوقوف أمام الخرافات دليل على أهمية محاربة الخرافة، والضرورة الإنسانية والرسالية إلى ذلك. من هنا فإن ما رافق قصة النبي يوسف(ع) من خرافة، ونخص بالذكر قصة زواجه من زليخا، ورجوعها إلى مرحلة الشباب، بعد أن بلغت ما يبلغه الإنسان في مرحلة الشيخوخة، دفعت بنا؛ من منطلق الواجب الإنساني والعلمي، إلى ضرورة إزاحة الستار عن هذه الواقعة، وبيان الحقيقة فيها من الخرافة، وذلك بعرض النصوص التي رويت في شأنها، سواء من طرف مدرسة أهل البيت (ع) أو من طرف مدرسة الصحابة، وإخضاعها للبحث والنقد، وذلك وفق المنهج العلمي المتعارف في هذا الميدان.

رواية زواج يوسف(ع) من زليخا :
ذكرت قصة زواج يوسف الصديق(ع) من زليخا، ورجوعها إلى الشباب بعد الشيخوخة، في العديد من التفاسير التاريخية والروائية لمدرسة الصحابة. كما ذكرت في متون مدرسة أهل البيت (ع).

1ـ زواج يوسف(ع) في كتب أهل السنة :
ذكر في كتب السنة روايتان: الأولى: تتحدث بشكل صريح ومباشر عن هذا الزواج؛ والثانية: تتحدث عنه بنحو الإقرار والقبول.

أـ رواية وهب بن منبه:
ترجع جميع الروايات التي تحدثت عن زواج يوسف النبي(ع) بزليخا، سواء في التفاسير الروائية أو التاريخية، إلى وهب بن منبه. وقد جاء في تفسير القرطبي(671هـ) أن وهب روى زواج يوسف بزليخا قائلاً: إن زليخا كانت زوجة لعزيز مصر، وإنها قد عانت الفقر والضعف وفقدان البصر بعد وفاة زوجها. كما روى أن يوسف(ع) لما أصبحت له أمور مصر التقى زليخا، فقال: هل بقيت تجدين مما كان في نفسك من حبك لي شيئاً؟ فقالت: والله لنظرة إلى وجهك أحبّ إليّ من الدنيا بحذافيرها، فقام يوسف يصلي ويدعو الله، وقامت وراءه، فسأل الله تعالى أن يعيد إليها شبابها وجمالها وبصرها، فرد الله عليها شبابها وجمالها وبصرها، حتى عادت أحسن ما كانت يوم راودته؛ إكراماً ليوسف(ع)؛ لما عفَّ عن محارم الله، فأصابها، فإذا هي عذراء، فسألها، فقالت: يا نبي الله، إن زوجي كان عنيناً لا يأتي النساء، وكنتَ أنتَ من الحسن والجمال بما لا يوصف، قال: فعاشا في خفض عيش، في كل يوم يجدِّد الله لهما خيراً، وولدت له ولدين: إفراثيم؛ ومنشأ(5).
وقد ذكر عدد آخر من مفسِّري أهل السنة، أمثال: ابن كثير(774هـ)، والسيوطي( 911هـ)، رواية ابن وهب، مع تغيير بسيط(6).

دراسة نقدية لرواية وهب بن منبه :
عُدَّت رواية ابن وهب مردودة من عدّة نواحٍ. وإذا ما ثبت هذا فإن الرواية تصبح من جملة الإسرائيليات، بل المنبع الأصلي لخرافة زواج يوسف بزليخا.

أولاً: ضعف الراوي :
كان وهب بن منبه من كبار أهل الكتاب في اليمن، وكانت له دراية واسعة بالكتب السماوية. ومن هذا الباب عدّه الكثير من علماء الشيعة والسنة من جملة الذين أدخلوا الإسرائيليات إلى المجتمع المسلم. وقد اتهمه ابن تيمية بأن معظم الإسرائيليات قد وفدت إلينا عن طريقه، وأنه كان يروي كذباً، ونقل الروايات الموضوعة التي كان يرويها كعب الأحبار: (ومعظم الخرافات والأكاذيب نقلت عنهما)(7).
وقد عده ابن خلدون، إلى جانب كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، من الذين كانت لهم معرفة كبيرة بالكتاب. وقد كثرت الرواية والنقل عنه؛ والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب، ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمّية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم، من النصارى، وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض بأخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل، وتساهل المفسِّرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات(8).

ثانياً: معارضتها سائر الروايات :
اختلفت رواية وهب بن منبه عن رواية الماوردي ورواية ابن إسحاق.
فالرواية الأولى، وهي رواية الماوردي، نقلها كلٌّ من الشيخ الطبرسي(549هـ)، وعبد العزيز السلمي الدمشقي(660هـ)، والقرطبي(671هـ) في تفسيره(9). ومما جاء في هذه الرواية: (و لما رأته في موكبه بكت، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل الملوك بالمعصية عبيداً، والحمد لله الذي جعل العبيد بالطاعة ملوكاً، فضمها إليه، فكانت من عياله حتى ماتت عنده، ولم يتزوجها)(10).
وقد أشار القرطبي إلى هذا الاختلاف بين الروايتين، ولم يخفِ تردده حول قصة زواج يوسف(ع) من زليخا بقوله: (وهو خلاف ما تقدم عن وهب، وذكره الثعلبي، فالله أعلم)(11).
وأما الرواية الثانية، وهي رواية ابن إسحاق، فقد تحدثت عن زواج يوسف من راعيل، والتي كانت زوجة لـ (إطفير) عزيز مصر.

ثالثاً: الضعف السندي والتاريخي :
ذكر الألوسي، الذي يعتبر من أكبر مفسري مدرسة أهل السنة، أن زواج يوسف(ع) من زليخا من الروايات التي لم يعتبرها المحدِّثون، ولا تبتني على سند تاريخي أو روائي صحيح ومعتبر، فقال: «وهذا ممّا لا أصل له، وخبر زواجها أيضاً مما لا يعول عليه عند المحدِّثين»(12).

رابعاً: اختلافها عن رواية التوراة :
اختلفت رواية وهب ورواية ابن إسحاق عما جاء في كتاب التوراة. ففي الفصل التاسع والثلاثين كان اسم عزيز مصر (بوطي)، كما تحدث عن ضعفه الجنسي: (وأما يوسف فأُنزل مصر، واشتراه فوطيفار خصيّ فرعون رئيس الشرط)(13).
كما تحدث الفصل الواحد والأربعون عن زواج يوسف(ع) بـ (اسنث)، بأمر من فرعون مصر: (ودعا فرعون اسم يوسف صفنات فعنيح، وأعطاه أسنات بنت فوطي فارع كاهن أون زوجة)(14).
وفي نفس هذا الفصل ورد الكلام عن زواج يوسف(ع) من اسنث ابنة عزيز مصر، وأنه أنجب منها ولدين: منسه وأفريم: (وولد ليوسف ابنان قبل أن تأتي سنة الجوع، ولدتهما له أسنات بنت فوطي فارع كاهن أون، ودعا يوسف اسم البكر منسي قائلاً: لأن اللـه أنساني كل تعبي وكل بيت أبي، ودعا اسم الثاني أفرايم قائلاً: لأن اللـه جعلني مثمراً في أرض مذلتي)(15).
كذلك تناول الفصل السادس والأربعون الكلام عن زواج يوسف(ع) وولديه منها: (وولد ليوسف في أرض مصر: منسي وأفرايم، اللذان ولدتهما له أسنات بنت فوطي فارع كاهن أون)(16).
وقد اتضح مدى الاختلاف بين ما جاء في رواية وهب بن منبه وبين ما جاء في سفر التكوين من كتاب التوراة، وما اتفقا فيه.

ما اتفقا فيه :
في كلا الروايتين: رواية وهب؛ ورواية سفر التكوين، أن عزيز مصر كان يعاني من عجز جنسي، وأن يوسف قد رزق من زليخا ـ حسب رواية وهب ـ واسنث ـ حسب رواية التوراة ـ بولدين ذكرين.

ما اختلفا فيه :
1ـ لقد ذكر وهب أن يوسف تزوج من زليخا، بينما ذكرت التوراة أن يوسف تزوج من اسنث، ولم يذكر أنها كانت زوجة لعزيز مصر.
2ـ في رواية وهب كان اسم ولدي يوسف أفراثيم ومنسه، بينما جاء في التوراة أن اسمهما منسي وأفريم.
3ـ تحدثت رواية وهب عن عجز عزيز مصر الجنسي، بينما ذكرت التوراة، وبالضبط في الفصلين الواحد والأربعين والسادس والأربعين من سفر التكوين، أن عزيز مصر كانت له بنت باسم (اسنث).
4ـ رواية وهب لم تتحدث عن طلب فرعون مصر من يوسف أن يتزوج من زليخا، بينما ذكرت التوراة طلب فرعون من يوسف أن يتزوج من اسنث.
إن نقاط الاختلاف بين رواية وهب والتوراة تبين أن وهب لم يكن يعتمد كلياً على التوراة في رواية أحداث هذه القصة، ولربما يكون قد استند إلى كتب أخرى، كأن يكون قد استمد الأحداث من الترجمات المتعددة للتوراة، وخصوصاً أن ترجمة هيرونومس أو جروم قد ورد فيها فوطيفار، الذي يحتمل أن يكون هو بوطي فار، الذي ذكره وهب في روايته، كما أتت أزنت، وكانت زوجة فوطيفار حسب الترجمة. وأشار علي قلي جديد إلى أن القديس هيرونومس أو جروم قد ذكر في ترجمته للتوراة أن فوطيفار كان على رأس كبار قصر فرعون، وكان اسم زوجته أزنت، وقد تزوجها يوسف بطلب من فرعون(17).
وبناءً على هذه الترجمة يكون اسم زوجة عزيز مصر أزنت، ويكون يوسف(ع) قد تزوج بها بعد وفاة زوجها. وهذا ما يؤكد أن وهب بن منبه لم ينقل الرواية عن التوراة. وهذا ما أشار إليه بنفسه في الرواية التي نقلها الشيخ الصدوق، حيث قال: (وجدت في بعض كتب الله عز وجل)(18). لذا تصبح رواية وهب من الإسرائيليات، فقد كانت روايته جمعاً من التراجم للتوراة، ولربما بعض الشروحات الكثيرة لكتاب التوراة، والتي حادت عن النص الأصلي، وأضافت الكثير.

خامساً: المرجعية اليتيمة :
ليس لقصة زواج يوسف من زليخا مرجع سوى رواية وهب بن منبه. وحتى عندما تناقلتها كتب الحديث المعتبرة لم تنقلها إلا من طريق وهب بن منبه. ففي الرواية التي نقلها الشيخ الصدوق عن وهب بن منبه نجد وهب قد صرَّح بأنه وجدها في بعض كتب الله: (وجدتها في بعض كتب الله عز وجل)(19).
وانطلاقاً من عدم اعتبارها في كتب التفسير لدى أهل السنة، وعدّهم إياها من الإسرائيليات، كما صرح بهذا الألوسي في تفسيره، وبلحاظ تعريف الخرافة بكونها الاعتقادات التي تفتقد إلى سند نقلي وعقلي، تصبح قصة زواج يوسف بزليخا من الخرافات، التي جرت على ألسنة الناس، من دون أن يكون لها سند تاريخي واقعي.

ب ـ رواية ابن إسحاق :
نقل ابن جرير الطبري( 310هـ) رواية ابن إسحاق قائلاً: قال ابن إسحاق: إن ملك مصر وضع يوسف(ع) في مكان عزيز مصر إطفير، ومنحه حرية التصرُّف. وتابع قائلاً: (عن ابن إسحاق قال: لما قال يوسف للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ قال الملك: قد فعلت. فولاّه في ما يذكرون عمل إطفير، وعزل إطفير عمّا كان عليه. يقول الله عزّ وجلّ في سورة يوسف: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء...﴾ الآية. قال: فذكر لي، والله أعلم، أن إطفير هَلَك في تلك الليالي، وأن الملك الريان بن الوليد زوَّج يوسف امرأة إطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيّها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى، حسناء وجميلة، ناعمةً في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله في حسنك وهيئتك، فغلبتني نفسي على ما رأيت، فيزعمون أنه وجدها عذراء، فأصابها، فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف، وميشا بن يوسف)(20).
ذكر ابن أبي حاتم الرازي(327هـ) نفس هذه الأحداث، نقلاً عن ابن إسحاق، بعد أن حذف صدر الرواية، وكتب قائلاً: (قال ابن إسحاق: لما توفي إطفير قام ملك مصر الوليد بن ريان بتزويج أرملته بيوسف(ع)، وإنها حين أدخلت عليه قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين ؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى، امرأة حسناء جميلة، ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك، فغلبتني نفسي على ما رأيت، فيزعمون أنه وجدها عذراء، فأصابها، فولدت له رجلين)(21).
وكتب السمعاني(489هـ) يقول بصيغة المجهول، وبدون أن يشير إلى ابن إسحاق بالاسم: (رُوي أن الملك ولاّه ما طلب بعد سنة، وتوَّجه بتاج مرصَّع بجواهر، وأجلسه على سرير الذهب، واعتزل الأمر كله، وفوض إليه، ودانت له الملوك، وسمي بالعزيز. وفي القصة أيضاً أن امرأة العزيز مات زوجها، فزوجها الملك من يوسف(ع)، وولدت له ولدين)(22).
وكذلك نقل البغوي في تفسيره الموسوم بـ (معالم التنزيل) رواية الطبري حول زواج يوسف(ع)(23).
وتطرّق المفسِّر السني الكبير النسفي إلى قصة زواج يوسف(ع)، مستدلاًّ برواية ملفقة الأحداث من هنا ومن هناك، فصدر الرواية يشبه ما كانت عليه رواية السمعاني، وذيلها يشبه ما ذكره الطبري وابن أبي حاتم الرازي. والرواية في مجملها قريبة من رواية الطبري، بفارق بسيط يكمن في أنه لم يورد السند، ولم يذكر الراوي(24).
وفي المحصلة يتَّضح أن رواية وهب بن منبه ورواية ابن إسحاق تحملان تفاوتاً واختلافاً فيما بينها؛ فواحدة تقول: إن زوجة عزيز مصر كانت باسم راعيل؛ والأخرى تذكرها باسم زليخا. وقد حاول بعض المختصين أن يجمع بين الروايتين، وأن يؤول التفاوت بينها، فقال: إن راعيل كان اسمها الحقيقي، أما زليخا فكان لقبها؛ وقال آخرون: إن زليخا اسمها، وراعيل لقبها(25).
وبناءً على هذه التأويلات تصبح راعيل وزليخا في الحقيقة شخصاً واحداً، وتكون زليخا ـ حسب رواية وهب ـ هي راعيل، وراعيل ـ كما في رواية ابن إسحاق ـ هي زليخا.
وقد كان بالإمكان قبول هذه التأويلات واعتمادها، وبالتالي الجمع بين الروايتين، لولا دخول مسألة تفاوت النسب بين زليخا وراعيل. فقد ذكرت الروايات أن اسم والد زليخا كان تمليخا، بينما اسم أب راعيل كان رعاييل، والفرق بينهما واضح للعيان، مما يجعل التفاوت والاختلاف بين رواية وهب بن منبه ورواية ابن إسحاق حاضراً بقوة.

دراسة نقدية لرواية ابن إسحاق :
لقد تم توجيه النقد لرواية ابن إسحاق، وكثر الطعن فيها؛ بلحاظات مختلفة، ممّا قوّى عدها ضمن لائحة الإسرائيليات:
أـ لا يمكن تحديد المراد بالراوي ابن إسحاق بعد أن ثبت أنه اسم يشترك فيه كثيرون، فهناك العديد من الرواة يحملون اسم ابن إسحاق، وهم: سليمان بن إسحاق، يعقوب بن إسحاق، يحيى بن إسحاق، محمد بن إسحاق، زكريا بن إسحاق، وغيرهم كثير.
ب ـ لا يمكن عد رواية ابن إسحاق من الروايات المسندة، ولا يمكن نسبتها إلى النبي الأكرم (ص). لذا تكون محرومة من حكم الروايات المسندة. فقد نقل ابن إسحاق روايته عن أربعة أشخاص مجهولي الحال، ولم تكن روايته منقولة عن النبي بشكل صريح، حيث عمد إلى القول في بداية الرواية أو أثناءها: 1ـ (في ما يذكرون)؛ 2ـ (فذكر لي، والله أعلم)؛ 3ـ (فيزعمون)؛ 4ـ (فيزعمون)، وهي ألفاظ تشكل في حقيقتها قرينة دالة على أن ابن إسحاق قد نقل الرواية عن أفراد مختلفين ومجهولين. لذا تصبح هذه الرواية غير مسندة. وطبق عرف أصحاب الحديث في مدرسة أهل السنة فإن الرواية غير المسندة فاقدة للاعتبار.
ج ـ إن بعض العبارات التي ذكرها ابن إسحاق في بداية الرواية أو أثناءها، مثل: (الله أعلم)، و(يزعمون)، تدل على أن ابن إسحاق نفسه لم يكن لديه وثوق بالرواية وبجزئياتها المفصلة.
دـ لم يسلم متن الرواية كذلك من النقد، حيث لوحظ فيه الاضطراب بين كلام مَنْ نقل عنهم. ومن ذلك:
1ـ في الجزء الذي نقله عن الطبري كان الكلام خليفة يوسف من بعده، بينما في ما نقل عن ابن أبي حاتم لم يتمّ الإشارة إلى هذا البتة.
2ـ لم يتم ذكر أبناء يوسف في ما نقله عن ابن أبي حاتم، بينما في ما نقله عن الطبري كان ذكر أولاد يوسف باسم أفراثيم وميشا.
3ـ تصدر الرواية الحديث عن زواج يوسف براعيل حسب ما نقله عن الطبري، وهو ما يختلف ويتفاوت عمّا جاء في رواية كل من ابن أبي حاتم، والسمعاني، والبغوي، والنسفي. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار التشابه الكبير بين رواية السمعاني وما جاء في سفر التكوين من كتاب العهد القديم. فقد جاء في سفر التكوين، الفصل الواحد والأربعين: (ثم قال فرعون ليوسف: بعدما أعلمك اللـه كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك، أنت تكون على بيتي، وعلى فمك يقبل جميع شعبي، إلا أن الكرسي أكون فيه أعظم منك، ثم قال فرعون ليوسف: انظر، قد جعلتك على كل أرض مصر، وخلع فرعون خاتمه من يده، وجعله في يد يوسف، وألبسه ثياب بوص، ووضع طوق ذهب في عنقه، وأركبه في مركبته الثانية، ونادوا أمامه اركعوا، وجعله على كل أرض مصر، وقال فرعون ليوسف: أنا فرعون، فبدونك لا يرفع إنسان يده ولا رجله في كل أرض مصر)(26).
4ـ ذكر فرعون في بعض المنقولات باسم ريان بن الوليد، بينما لم يذكر له اسم في المنقولات الأخرى.
5ـ ذكرت رواية ابن إسحاق أن يوسف تزوج بـ (راعيل)، بينما ذكرت رواية وهب ـ كما سبق وأشرنا ـ اسم (زليخا). ورغم سعي البعض إلى إيجاد تأويل لهذا الاختلاف، بأن قالوا: إن الاسم الحقيقي لامرأة عزيز مصر هو راعيل، أما زليخا فلقبها(27)، وقال آخرون بالعكس، أي أن اسمها كان زليخا، وراعيل لقبها(28)، فإنه بالنظر إلى اسم أبيهما يتّضح أن الأمر متعلِّق بشخصين، وليس شخصاً واحداً، فقد كان تمليخا(29) أباً لزليخا، بينما كان عاييل أبا راعيل(30).

2ـ زواج يوسف(ع) من زليخا في كتب الشيعة :
لقد تم الحديث عن زواج يوسف(ع) بـ (زليخا) في أكثر من مرجع حديثي شيعي.

أ ـ رواية تفسير القمي :
ولما مات العزيز، وذلك في السنين الجدبة، افتقرت امرأة العزيز واحتاجت، حتى سألت الناس، فقالوا: ما يضرك لو قعدت للعزيز، وكان يوسف يسمّى العزيز، فقالت: أستحي منه، فلم يزالوا بها حتى قعدت له على الطريق، فأقبل يوسف في موكبه، فقامت إليه وقالت: سبحان من جعل الملوك بالمعصية عبيداً، وجعل العبيد بالطاعة ملوكاً، فقال لها يوسف: أنت هاتيك؟ فقالت: نعم، وكان اسمها زليخا، فقال لها: هل لك فيّ؟ قالت: دعني بعدما كبرت، أتهزأ بي؟ قال: لا، قالت: نعم، فأمر بها فحولت إلى منزله، وكانت هرمة، فقال لها يوسف: ألست فعلت بي كذا وكذا؟ فقالت: يا نبي الله، لا تلمني، فإني بليت ببلية لم يُبْلَ بها أحد، قال: وما هي؟ قالت: بليت بحبك، ولم يخلق الله لك في الدنيا نظيراً، وبليت بحسني فإنه لم تكن في مصر امرأة أجمل مني، ولا أكثر مالاً مني، نزع عني مالي وذهب عني جمالي (وبليت بزوج عنين)، فقال لها يوسف: فما حاجتك؟ قالت: تسأل الله أن يردّ عليّ شبابي، فسأل الله، فردَّ عليها شبابها، فتزوّجها، وهي بكر)(31).

ب ـ رواية أمالي الشيخ الصدوق :
عن وهب بن منبه قال: وجدت في بعض كتب الله عزّ وجلّ أن يوسف مرّ في موكبه على امرأة العزيز، وهي جالسة على مزبلة، فقالت: الحمد لله الذي جعل الملوك بمعصيتهم عبيداً، وجعل العبيد بطاعتهم ملوكاً، أصابتنا فاقة، فتصدق علينا...، فأمر لها بقنطار من الذهب...، فتزوجها يوسف...)(32).

ج ـ رواية علل الشرائع :
في هذا الكتاب يذكر الشيخ الصدوق قصة زواج يوسف بزليخا في رواية مروية عن الإمام الصادق(ع)، حيث قال الإمام في لقاء زليخا بيوسف: إن يوسف قد حدّثها عن جمال نبي الإسلام محمد| وأنه أجمل وأبهى منه، فصدقته، فسألها يوسف: كيف صدَّقت كلامي، فأجابته: إن حبّ محمد| قد وقع في نفسها بينما كان يصفه لها، فأوحى الله إلى يوسف: إن الله سبحانه وتعالى يصدِّق كلامها، وإنه أحبها لمحبتها نبيّه الخاتم محمد|، حينها أمره بالزواج بها(33).

د ـ رواية أمالي الشيخ الطوسي :
نقل الشيخ الطوسي رواية الشيخ القمي بنفس السند، مع قليل من التغيير في متنها، فقال: «لما أصابت امرأة العزيز الحاجة قيل لها: لو رأيت يوسف(ع)، فشاورت في ذلك، فقيل لها: إنا نخافه عليك، قالت: كلا، إني لا أخاف من يخاف الله، فلما دخلت عليه فرأته في ملكه قالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وجعل الملوك عبيداً بمعصيته، فتزوَّجها، فوجدها بكراً، فقال: أليس هذا أحسن، أليس هذا أجمل؟ فقالت: إني كنت بليت منك بأربع خصال: كنت أجمل أهل زماني، وكنت أجمل أهل زمانك، وكنت بكراً، وكان زوجي عنيناً)(34).

الرواية الشيعية للزواج، دراسة وتقويم :
نقد رواية الشيخ القمي :
إن سند رواية الشيخ القمي ضعيف؛ لوجود يحيى بن أكثم في سلسلته، وقد كان قاضي أهل السنة على سامراء(35). وقد طعن فيه علماء الرجال لما أظهره من إنكار لمقام الأئمة (ع)، ولوقوفه مناظراً الإمام الجواد(ع)(36).
وبالإضافة إلى مشكلة السند فإن متن الرواية لا يتلاءم والروايات الأخرى، وخصوصاً رواية الشيخ الطوسي، مما يبيِّن أنها رواية موضوعة. ومن النماذج على ذلك: ذكرت زليخا في رواية القمي والطوسي أنها ابتليت بأربع، وذكرت جميعها في رواية الشيخ الطوسي، بينما لم تذكر رواية القمي إلا اثنتين منها، وأضيفت الثالثة في النسخة التي طبعت في إيران. كما أن الرواية التي ذكرها الصدوق في (علل الشرائع) ذكرت أن يوسف تزوج بزليخا بأمر إلهي: (فأمره الله تبارك وتعالى أن يتزوجها)، بينما لم تُشِرْ رواية القمي إلى هذا الأمر الإلهي لا من قريب ولا من بعيد، بل أكَّدت أن زواج يوسف بزليخا كان بتدبير من يوسف وباختيار منه(ع).
كما أن يحيى بن أكثم؛ ولكي يظهر تساوي شأن الأئمة المعصومين بباقي الناس، عمد إلى نسبة هذه الرواية إلى الإمام(ع). ومادامت رواية وهب بن منبه محسوبة على الإسرائيليات فهذا يجعل الإسرائيليات تسري إلى رواية القمي، وبالتالي يجعل قصة يوسف(ع) وزليخا من القصص الخرافية.

نقد رواية الشيخ الصدوق في الأمالي :
طعن في هذه الرواية من جهات مختلفة:
أـ إن راوي رواية أمالي الصدوق هو وهب بن منبه. وقد ضعَّفه علماء الرجال الشيعة، كالنجاشي، والطوسي والعلامة الحلي، وقالوا فيه: من العامة المعروفين بالكذب والوضع(37).
ب ـ لقد أخذ وهب قصة زواج يوسف(ع) بزليخا من كتب سماوية، كما ادعى ذلك: (وجدت في بعض كتب الله عز وجل).
ج ـ اختلفت رواية وهب عند الصدوق عن روايته في كتب أهل السنة. ففي كتب أهل السنة ذكر أن أفراثيم ومنشا أولاد يوسف(ع) من زليخا، بينما ذكر في أمالي الصدوق أن ليوسف أبناء قبل الزواج بزليخا: (فقال بعض ولد يوسف ليوسف)(38).
بالإضافة إلى أن رواية وهب في الأمالي تختلف في مقاطع أخرى عن روايته في تفسير الطبري.
وهكذا تكون النتيجة عدّ رواية وهب في أمالي الصدوق ضمن الإسرائيليات، وزواج يوسف(ع) بزليخا خرافة؛ بدلالة الالتزام.

نقد رواية الصدوق في علل الشرائع :
لم تسلم هذه الرواية أيضاً من الطعون. فقد وجه النقد لسندها، كما وجه إلى متنها ومحتواها: أـ بقرينة عبارة «عمَّن ذكره عن أبي عبد الله»، التي جاءت في السند، اعتبر علماء الحديث والرجال هذه الرواية من الروايات المرفوعة. وقد روى ابن فهد الحلي هذه الرواية مرفوعة بقوله: (وروى محمد بن علي بن بابويه مرفوعاً إلى الصادق(ع))(39).
ب ـ ذهب العلامة البروجردي إلى عدّ روايات الشيخ الصدوق المرسلة والمرفوعة من روايات أهل السنة. لذا فمن المحتمل أن تكون هذه الرواية المرفوعة هي نفس رواية وهب، وقد تم الإعراض عن ذكر الراوي أو الرواة ضمن سندها.
ج ـ لقد اختلفت رواية الصدوق في «علل الشرائع» عن باقي الروايات التي تناولت قصة زواج يوسف(ع) من زليخا:
1ـ انفردت هذه الرواية بالحديث عن جمال النبي الخاتم محمد (ص).
2ـ لقد ذكرت هذه الرواية أن سبب ضلال زليخا وانحرافها الأخلاقي كان جمال يوسف(ع) فقط، بينما عدت الروايات الأخرى ثلاثة أو أربعة أسباب لذلك.
3ـ نجد في هذه الرواية أن يوسف(ع) قد تعرف على زليخا من أول لقاء بعد أن أصبح عزيز مصر الكبير، بينما تتحدث الروايات الأخرى ـ كما هو الأمر في رواية وهب بن منبه ـ أن زليخا عرّفت نفسها إليه،و لولا ذلك ما كان ليعرفها.
دـ اختلفت رواية الصدوق هذه عن الرواية النبوية الشريفة: (كان يوسف أحسن مني، ولكني أملح)(40).

نقد رواية الشيخ الطوسي:
يوجد في سلسلة رواة رواية الطوسي عباد بن يعقوب الأسدي، الذي يعدّه الطوسي والعلامة الحلي (عامي المذهب)(41). ولا يستبعد من شخصه أن يكون شأنه شأن يحيى بن أكثم في نسبة روايات أهل السنة إلى أئمة أهل البيت؛ لغرض النيل من وثاقتهم وعصمتهم.
وقد ذكر الشيخ الطوسي قصة زواج يوسف وزليخا في كتابه «الغيبة» ضمن حديث أهل السير: (وكذلك ذكر أصحاب السير أن زليخا امرأة العزيز رجعت شابة طرية، وتزوجها يوسف(ع))(42).
وهذا يدل على أن الشيخ الطوسي لم يكن له اعتقاد تام بهذه القصة، ولو كان كذلك لنسبها إلى الأئمة، أو في أبسط الأحوال ما كان ليعدّها من روايات أهل السير.

نتيجة البحث :
يتبين أن جميع روايات الشيعة التي تناولت قصة زواج يوسف وزليخا، وكيف عاد لها شبابها وبهاؤها وبصرها بدعاء يوسف(ع)، ترجع في الأصل إلى رواية وهب بن منبه وابن إسحاق، وبما أن رواية هذين الرجلين من الإسرائيليات، وكل الإسرائيليات خرافة، فإن الروايات التي تناولت قصة يوسف وزليخا في كتب ومراجع الشيعة مجرّد خرافة.
ومما يدعو إلى الأسف أنه على الرغم من وضوح خرافية قصة زواج يوسف وزليخا فإن بعض أصحاب المجامع الحديثية وغيرهم ممَّن اشتغل بالأحاديث من علماء الشيعة لم يتحاشَ الحديث عن هذه القصة الخرافية، وحاول إظهارها بمظهر القصة الواقعية والصحيحة. فهذا صاحب بحار الأنوار العلامة المجلسي قد أورد القصة بعد أن أشار إلى أنه قد نقلها من عدة كتب، كعلل الشرائع، وأمالي الصدوق، وتفسير القمي، وقصص الأنبياء، وتفسير الثعلبي، ليخرج بنتيجة قاطعة: (أقول: يدل هذا الخبر وغيره مما أوردنا في هذا الباب على أنه كان قد تزوجها). بل لم تسلم التفاسير في مدرسة أهل البيت (ع) من التوسعة في هذه القصة، وعرضها بأشكال متنوعة، رغم علم أصحابها بخرافيتها، وفقدانها لسند تاريخي وعلمي حقيقي. فقد غرق الشيخ الطبرسي في (مجمع البيان) في البحث فيها، وجمع كل الروايات التي ذكرتها وأثبتتها، سواء ما كان في روايات أهل السنة أو ما نقله عن الشيخ القمي(43)، كما أنه أتى بما نقله الفيض الكاشاني عن علل الشرائع، وتفسير القمي(44)، وما كتبه الشيخ الحويزي، الذي نقل هو الآخر القصة عن علل الشرائع وأمالي الشيخ الطوسي(45).
وقد كتب الغزالي في تفسيره، متحدِّثاً عن قصة يوسف وزواجه من زليخا: إن والد زليخا قد بعث إلى ملك مصر قطيفور يخبره أن له بنتاً لا ترغب في سواه بعلاً لها، وأنه مستعد لإرسالها إليه مصحوبة بأموال وهدايا كبيرة، فأجابه ملك مصر بالقبول، فلما حضرت بين يديه ورفع الحجاب عن وجهها، نظرت إليه، والتفتت إلى خادمة كانت بجانبها تسألها عن الرجل مَنْ يكون؟ حينها هتف في خاطرها هاتف بأن تطمئن، وأن تتحمله زوجاً لها، فهي طريق لابد لها منها حتى يحين وقت لقائها بمعشوقها يوسف(ع)، وكانت قد رأته في منامها قبل أن تأتي مصر. كذلك فإن عزيز مصر لم يستطع القرب منها، فكان إذا همّ بها رأى جنّية، فمنعته عنها؛ وذلك لأن زليخا إنما خلقت لكي تكون زوجة ليوسف النبي(ع). هذا ما حكته خادمة زليخا ليوسف، وكان جواب يوسف(ع) إنه كان قد رآى هو الآخر زليخا في المنام، فأمرها أن تذهب إلى زليخا، وأن تخبرها بأنه خلق لها وخلقت له، وأن الله سبحانه وتعالى قد جعل لقاءهما بعد ابتلاءات ومحن أمراً مقضياً(46).
وقد نقل الغزالي قصة زواج يوسف(ع) بزليخا، وبالخصوص رجوعها إلى مرحلة الشباب واستعادتها لجمالها وبهائها، وكيف أن زليخا لم تسمح له بالدخول عليها بعد أن صارت زوجة له، وأرادت الخلوة بمعشوقها في محراب الصلاة، الذي فاق حبها له حبها ليوسف(ع)، لكن يوسف لم يستسلم لطلبها، واقتحم عليها الباب، ليجد أمامه امرأة شابة في كامل جمالها وبهائها، فزليخا استعادت شبابها وجمالها، ولم تعُدْ تلك العجوز العمياء، بل ليكتشف أن زليخا لا زالت تلك الفتاة البكر، رغم طول مدة زواجها من عزيز مصر، فقطيفور لم يكن يستطيع القرب منها؛ لما كان من أمر الجنية التي تظهر له كلما أراد القرب من زليخا، وتمنعه منها(47).
فيظهر أن كتّاب الحديث والمفسِّرين إنما سكتوا عن قصة يوسف وزواجه من زليخا بلحاظ ما تحمله من معاني أخلاقية وسلوكية(48). فزليخا التي سقطت في الذنب استطاع نور الحق أن يدخل إلى قلبها بعد أن رأت أن كل ما كادته ضد يوسف إنما كان ليصل يوسف إلى مكانة عالية، وليصبح صاحب ملك، بعد أن أرادت إذلاله، ولتصبح هي ذليلة حقيرة في ظل المعصية والتجبر، بعد أن كانت ذات ملك ومنصب، فأخيراً اعترفت (الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وجعل الملوك عبيداً بمعصيته).
لكنْ مع كلّ ما تحمله هذه القصة من معانٍ أخلاقية وسلوكية فإنها لا تخرج عن كونها مجرد قصة خرافية، حبكتها أقلام بشرية، أخذت أحداث قصة واقعية، ولكن صالت وجالت فيها بخيالها، الذي لم تكبح زمامه، ولم تحتكم إلى العقل والمنطق العلمي، بل الأمانة العلمية، التي تفرض أن تبقى الأحداث على ما هي عليه من الصدق والواقعية، وأن تبتعد عن التدخل في الأحداث التاريخية مهما كان الهدف والنية. فما حملته قصة زواج يوسف من معانٍ أخلاقية شيِّقة لن يشفع لها في الحكم عليها من منطلق العلمية أنها من الروايات الإسرائيلية، وبالتالي واحدة من الخرافات التي تناقلتها الكتب والمراجع العلمية.

الهوامش:
(1) قاموس العميد 1: 842.
(2) القمر: 19.
(3) تفسير القرطبي 12: 81.
(4) أحمد بن محمد بن خالد البرقي، المحاسن 2: 313، دار الكتب، طهران.
(5) تفسير القرطبي 9: 213 ـ 215.
(6) تفسير ابن كثير 2: 500؛ الدر المنثور 4: 25.
(7) رشيد رضا، المنار، 8: 439 ـ 440.
(8) تاريخ ابن خلدون 1: 439 ـ 440.
(9) تفسير مجمع البيان 5: 418؛ عز الدين عبد العزيز السلمي، تفسير العز بن عبد السلام 2: 127 ـ 128؛ تفسير القرطبي 9: 218.
(10) تفسير القرطبي 9: 218.
(11) تفسير العز بن عبد السلام 2: 127 ـ 128.
(12) تفسير الألوسي 13: 5.
(13) كتاب الإنجيل، العهد القديم، سفر التكوين، الفصل 39، الفقرة الأولى.
(14) المصدر السابق، الفصل 41. الفقرة 46.
(15) المصدر السابق، الفصل 41، الفقرة 51 ـ 53.
(16) المصدر السابق، الفصل 46، الفقرة 21.
(17) علي قلي جديد، شرح ونقد سفر التكوين في التوراة: 678.
(18) الصدوق، الأمالي: 52 ـ 53.
(19) المصدر نفسه.
(20) تفسير الطبري 13: 9.
(21) تفسير ابن أبي حاتم الرازي 7: 2162.
(22) تفسير السمعاني 3: 195.
(23) تفسير البغوي 2: 195.
(24) تفسير النسفي 2: 195.
(25) تفسير الألوسي 12: 207.
(26) كتاب الإنجيل، سفر التكوين، الفصل 41، الفقرة 41 ـ 45.
(27) تفسير أبي مسعود 4: 262؛ البداية والنهاية 1: 232.
(28) تفسير الألوسي 12: 207.
(29) المصدر نفسه.
(30) البداية والنهاية 1: 232؛ فتح القدير 3: 15.
(31) تفسير القمي 1: 357.
(32) الصدوق، الأمالي: 52 ـ 53.
(33) الصدوق، علل الشرائع 1: 55 ـ 56.
(34) الطوسي، الأمالي.
(35) الخوئي، معجم رجال الحديث: 15286.
(36) المصدر نفسه 21: 35.
(37) رجال النجاشي: 348؛ الطوسي، الفهرست: 222، الحلي، خلاصة الأقوال: 431.
(38) الصدوق الأمالي: 52 ـ 53.
(39) ابن فهد الحلي عدة الداعي: 152.
(40) الطباطبائي، سنن النبي: 404.
(41) الطوسي الفهرست: 192؛ الحلي خلاصة الأقوال: 380؛ رجال ابن داوود: 252.
(42) الطوسي، الغيبة: 422.
(43) مجمع البيان 5: 418 ـ 419.
(44) تفسير الفيض الكاشاني 3: 51.
(45) الحويزي، نور الثقلين 2: 471 ـ 472.
(46) محمد الغزالي، حسن يوسف: 161 ـ 163، ترجمة: مسعود الأنصاري.
(47) المصدر نفسه: 309 ـ 310.
(48) ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنـزل 7: 232.

المصدر: مجلة نصوص معاصرة، السنة السادسة، العدد 23
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com