موقع الصراط ... الموضوع : من وحي الغدير
 
الخميس - 24 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من وحي الغدير  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 16 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله
في يوم الغدير - من كل عام - يلتقي المسلمون بذكرى الإمام (ع) تمثل في طبيعتها صمود الإسلام وصلابته أمام القوى الجاهلية التي حاولت أن تقف أمام تقدمه واستمراره فلم تلبث دون أن رجعت منهوكة القوى، خائرة الأعصاب، يلفها الضياع والنسيان.. بفضل بطولات الإمام وتضحياته.
وتلتقي بالعقيدة الإسلامية في صفائها وحيويتها ومرونتها الروحية والفكرية.. متمثلة في الإمام (ع).
وتتجلى فيها حياة المسلم الأمثل الذي فجر الإسلام فيه عبقرية المعرفة.. وأثار فيه شعلة العمل في سبيل خير الإنسان وسعادته في الدارين فانطلق بوحي من هذه العبقرية، وهذه الروحية.. ليخلق من مجتمعه المتخلف البائس مجتمعاً نابضاً بالحركة والحياة.. وليبني في حياته البدائية.. حضارة الإسلام المشبعة بروح العمل والقوة والبناء. وهي لذلك تحارب كل لون من ألوان الهدم والتخاذل والخمول.
وليغرس في روح البداوة التي عاشت على العصبيات والعنعنات القبلية.. روح التسامح والمحبة والرحمة.. وهو لذلك يحارب كل نوع من أنواع الحقد والبغضاء والتفرقة.
وليوفق بين الغاية والوسيلة في العمل.. وهو لذلك يشجب الوصولية والانتهازية في كل مجال من مجالاتها.
ويضع الحلول الجذرية لمشاكل الإنسان الحياتية.. مراعياً في ذلك طبيعته النفسية من جهة المادة والروح.. وهو لذلك يرفض كل حل يقتصر على ناحية واحدة؛ لأن ذلك لا يمثل مصلحة الإنسان.
وهذه الذكرى هي قبل كل شيء.. الصورة الحية للآلام التي عاناها المسلم الأمثل في سبيل رعاية هذا الدين واستمراره.
وبوحي من هذه القيم التي تمثلها هذه الذكرى نعتقد أن (عيد الغدير) ليس عيداً لنا فحسب.. وإنما هو عيد المسلمين جميعاً.. فيما يوحيه وفيما يمثله من مبادئ وقيم.
وعلى ضوء هذه الفكرة أرى أن علينا أن نعيد النظر في وقائع تأريخنا.. وفيما توصلنا إليه من نتائج تمخضت عنها الفترة المظلمة التي مر بها التفكير الإسلامي.
فالملحوظ - للقارئ المسلم الواعي - أن كثيراً من ألوان الجدل في النصوص.. وفي طبيعة المواقف الإسلامية الكثيرة التي تتصل بالنواحي الخلافية.. كانت تحاول قبل كل شيء أن تفرض الفكرة ثم تحاول أن تجد لها ما يؤيدها في تلك النصوص.. وفي تلك المواقف فتكون النتيجة .. أن نقع في كثير من التمحلات والتأويلات التي إن ساعدتها حرفية النصوص، فلا تساعدها الأجواء التي عاشت فيها، ومن هنا لم نؤدِ تلك الأساليب الجدلية - التي لا تحاول أن تخضع الفكرة للدليل بل تحاول العكس - إلى نتيجة مرضية في حل الخلافات القائمة بين المسلمين.. وفي طليعتها مشكلة الخلافة التي تعتمد قبل كل شيء.. على موقف النبي (ص) يوم الغدير.
فقد تركزت طبيعة البحث فيه.. على لفظ (المولى< وما يحتويه من معانٍ لغوية.. في الوقت الذي لم يتجه كثير من هؤلاء الباحثين إلى أن كثيراً من هذه المعاني لا تنسجم وطبيعة الموقف، وظروفه النفسية والاجتماعية، بالإضافة إلى طبيعة المكان الذي عقد فيه الاجتماع.
إن الشيعة حينما يرون في خطبة النبي ’ يوم الغدير وموقفه نصاً صريحاً على جعل الإمام × في مركز القيادة الثاني في الإسلام.. فإنما يستندون في ذلك إلى الظروف المحيطة بذلك الموقف الذي لا يبرره - فيما نعلمه من مواقف النبي ’ - مجرد الإعلان عن بعض المعاني الثانوية التي تشير إليها تفسيرات لفظ >المولى<، فقد رأينا النبي ’ في مواقف كثيرة بشيد فيها بعظمة الإمام (ع) من دون أن يتخذ لذلك هذه الإجراءات التي اتخذها في هذا الموقف الرهيب.
هذا بالإضافة إلى أنهم يرون فيه أمراً طبيعياً ينسجم مع واقع الحياة؛ لأنه يجري مع قاعدة - تقديم الأفضل - فإن الدارس لشخصية الإمام (ع) - أياً كان اتجاهه وعقيدته - يجسد - من أول نظرة - أن الإمام (ع) كان تجسيداً حياً للإسلام في مثله وقيمه وفي بطولته النفسية والاجتماعية، ومرونته الفكرية المنقطعة النظير كما نجده في قول النبي (ص) فيما يرويه المسلمون من الطرفين: (علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار).
ولم نجد لأحد من المسلمين ما للإمام علي (ع) من الاستيعاب والشمول في جميع الميادين الروحية والفكرية والاجتماعية.
ذلك هو جزء من نظرة الشيعة لقضية الغدير عرضناه في هذه العجلة.. هادفين إلى أن تتركز وجهات النظر على هذه النقاط وغيرها مما يتصل بالموضوع من قريب وبعيد لتكون النظرة شاملة إلى الموقف، عسى أن نخرج من ذلك إلى الحل الصحيح لهذه القضية.
وبعد هذا كله فلنا أن نقدس عيد الغدير - كمسلمين - لا - كشيعة - فحسب.. لأنه إن لم يمثل الدعوة الصريحة من النبي ’ - لبيعة الإمام - كما هو الحق فيما نراه؛ فإنه يمثل على الأقل حدثاً إسلامياً هامّاً.. في حياة المسلمين.. يقف فيه المسلم الأول نبينا الأعظم (ص) ليكرم الإسلام في صفائه ونقائه.. في كفاحه ونضاله وصموده وصلابته.. في روحيته وتفكيره، في مثله وقيمه.. متمثلاً في شخص الإمام (ع).
وأخيراً: إننا في هذا الوقت الذي يحتدم فيه الصراع بين الإسلام والقوى الجاهلية المادية المعادية للإسلام.. أحوج ما نكون إلى العودة إلى تأريخنا لندرسه دراسة علمية صريحة تعتمد على الأسس الفكرية لا على العاطفة.. وإلى استلهام ذلك التأريخ فيما يحمله إلينا من بطولات أبطاله وأعلامه وإلى الاحتفال بذكرياته التي تهدف إلى تمجيد الشخصية الإسلامية - كيوم الغدير - لنأخذ منها القوة والعزيمة والصمود في سبيل المبدأ - بما تثيره فينا تلك الذكريات من تمجيد للنضال - في شخص أولئك الأبطال.
وفي هذه الأيام.. والوفد تترى إلى مدينة الإمام علي (ع) معلنة ولاءها وتجديدها البيعة له.. نتوجه إلى هذه الوفود بالدعوة إلى التكاتف والتضامن والوقوف صفاً واحداً مع القوى الإسلامية المناضلة في سبيل الحفاظ على مكاسب الإسلام وقيمه من الأيدي العابثة والمبادئ الإلحادية والنظ الكافرة التي تحاول أن تهدم كيان الإسلام، وتشوه مفاهيمه.
وهنا يعيد التأريخ نفسه فتتجدد المعركة بين الإيمان والكفر.. والبناء والهدم والمحبة والحقد.. وسينتصر الإيمان والمحبة والبناء.. وسينتصر الإسلام وتعود قوى الكفر.. - كما عادت من قبل - إلى حيث الضياع والبوار بإذن الله.. (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الأول
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com