موقع الصراط ... الموضوع : حقيقة التوحيد-2
 
الخميس - 6 / صفر / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  حقيقة التوحيد-2  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 14 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  أقسام التوحيد:
قسم العلماء التوحيد إلى مراتب وهي:
1- التوحيد الذاتي ومعناه: إن الله لا يقبل التعدد، وليس له نظير، في هذه المرتبة يقر المؤمن على أن الله غني بذاته، وأنه مبدأ الوجود وخالقه، وأنه علة أولى ((لم يلد ولم يولد)) ، وليس له نظير ((ليس كمثله شيء)) أي أن الله سبحانه وتعالى لا مثيل ولا نظير له، أحدي الذات .
2- توحيد الصفات: إن صفات الله على نحوين، صفات ثبوتية، وصفات سلبية.
فالصفات الثبوتية كالعلم والقدرة والحياة والغنى، وهي صفات لا حدود لها.
والصفات السلبية هي الصفات المبرأ عنها، فلا أول له ولا منتهى، ولا مكان ولا حدود.
وصفاته عين ذاته، أي أنَّ هذه الصفات كلها تكون الذات الإلهية لكن لا على النحو ألتجزيئي، فكل صنعة هي عين الأخرى، وهي عين الذات لا غير الذات، يقول أمير المؤمنين (ع): (وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه...)
ومما يوضح صفات الله تعالى قول الصادق (ع): (هو سميع بصير: سميع بغير جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه، ليس قولي: إنه سميع يسمع بنفسه وبصير يبصر بنفسه أنه شيء والنفس شيء آخر، ولكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولاً وإفهاماً لك إذ كنت سائلاً، فأقول: إنه سميع بكله لا أن الكل منه له بعض، ولكني أردت إفهامك والتعبير عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك إلا إلى أنه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى)

توحيد الأفعال:
(هو أن نعترف بأن العالم بما فيه من العلل والمعاليل، والأسباب والمسببات ما هو إلا فعل الله سبحانه، وأن الآثار الصادرة عن مؤثراتها بإرادته ومشيئته)
كما (ولا مؤثر حي بالذات في هذا الوجود إلا الله فهو وحده الذي لا يحتاج إلى معونة أحد أو شيء من الإيجاد والتأثير والابتداع والابتكار)
وفي الكون سلسلة من الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات، فالتوحيد ألأفعالي: أن نعترف بأن الله هو الذي خلق المعلولات، وخلق عللها، فهو الذي خلق الشمس والقمر، وخلق فيها صفة الحرارة والإشراق، وهو الذي خلق النار، وخلق فيها صفة الإحراق.
فالتوحيد الأفعالي إذن معناه لا شريك لله لا في الأفعال، ولا في الأسباب، فهو الذي خلق الأشياء ووضع قوانينها، فلا مؤثر حقيقي في الوجود إلا الله، والإنسان هو الكائن الوحيد المختار من هذا الكون الرحيب، ولا يعني الاختيار أنه مطلق الإرادة من دون حدود،ومستقل بذاته,ومنفصل عن مشيئة الله، وإرادته الله تعالى , وإنما هو خاضع لإرادة الله التكوينية ومأمور بإتباع الإرادة التشريعية, أي أن الله تعالى شرع لنا شرائع وسنن لها سنناً , وأراد منا أن نلتزم بتلك الشرائع بمحض اختيارنا من دون إجبار ولا تسخير، يقول الإمام علي (ع): (إن الله تعالى كلف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعصَ مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يخلق السماوات، والأرض، وما بينهما باطلاً ((ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار)) )

التوحيد في العبادة:
التوحيد الذاتي، والصفاتي، والأفعال يرتبط بالتوحيد النظري، وأما التوحيد في العبادة فهو التوحيد العملي، ومعنى التوحيد النظري هو (الرؤية التكاملية للكون والوجود، واليقين القاطع أن خالق هذا الكون هو الله تعالى)
والتوحيد العملي: (هو الاندفاع على طريق الكمال)
فالتوحيد العملي سلوك، والتوحيد النظري معرفة، وبما أن المعرفة هي سبب السلوك فإن معرفة الإنسان بوحدانية الله تجعله يوحد اتجاهاته في عبادة الله تعالى.
فإذن التوحيد العملي هو الطاعة الكاملة لله تعالى، ورفض كل طاغوت غير الله تعالى، وهذا هو تمام العبودية، ومنتهى الحرية، وكلمة لا إله إلا الله هي التي تجسد هذا المعنى كاملاً حيث ترفض كل المطلقات الوهمية التي اختلقها الذهن البشري.
إن الذي يستحق العبادة لا بد أن تتوفر فيه صفتان:
الأولى: أن يكون كاملاً من كل عيب ونقص، أي أنَّه يكون كاملاً مطلقاً، وغير خاضع لأسباب وشروط، وغير محتاج لأحد، ولا مبدأ له ولا منتهى.
الثانية: أن يكون مبدأ الإنسان، ومنشأ حياته منه، وهو الذي وهبه النعم والبركات، وكل شيء بيده، حياته، ورزقه، وشفاؤه، ومرضه، وحياته، وموته، ومرجعه، وحسابه، وهاتان الصفتان لا تتوفر إلا في الخالق الأوحد، وهو الله جلت قدرته؛ ولذا فهو الوحيد الذي يستحق العبادة .

التوحيد في الولاية:
ونقصد بها الولاية التشريعية في تنظيم شؤون الفرد والمجتمع والدولة، ولها ثلاثة مظاهر:
أ- التوحيد في الحاكمية: وهو أن الحكم والولاية في منطق القرآن لله تعالى فقط، ولا يحق لأحد أن يحكم إلا بما أنزل الله، ولا شرعية، ولا قدسية لأي حاكم إلا إذا كانت حاكميته وولايته مستمدة من حاكمية الله تعالى، أي أن الحكم بالنسبة للأشخاص هو أن يحكموا بما أنزل الله تعالى، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، والظالمون، والفاسقون.
ب- التوحيد في الطاعة: ونعني به أنه لا طاعة لمخلوق مهما كان إلا في إطار طاعة الله تعالى أي أن ذلك المخلوق المطاع يحكم بأوامر الله؛ لأن حق الطاعة منحصر بالله تعالى، وأن الطاعة للأفراد تستبطن الطاعة لله أي أن إطاعة أي فرد يجب أن يكون طاعة لله، يقول تعالى: ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)) ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

التوحيد في التقنين:
إن حق التشريع لله تعالى فقط، ولا يحق لأحد مهما بلغ من العلم أن يشرع قانوناً أو دستوراً إلا في ضوء أحكام الله تعالى، فلا يحق لشخص أن يحلل ما شاء، أو يحرم ما شاء بل إن الحرام ما حرمه الله، والحلال ما أحله الله، وحتى الرسول لم يكن ليشرع من نفسه، وإنما ينقل شرعة الله تعالى، ((وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى))
وكل تشريع غير تشريع الله تعالى هو كذب وافتراء، ((ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون))
وبتعبير آخر: إن السلطة التشريعية في حكم الإسلام منحصرة بالله تعالى، والإنسان المسلم الحاكم مُعَرف بهذا التشريع، ومبلغ به، ومنفذ لمقرراته.

من مصاديق التوحيد:
إن أجلى مفهوم يجسد التوحيد لله تعالى هو الإخلاص الكامل لله تعالى مقصداً, وعملاً، هدفاً, ووسيلة، وإذا تحقق ذلك يصبح الفرد منقاداً كلياً لله تعالى.
والموحد الحقيقي هو الذي أخلص لله تعالى في كل حركاته وسكناته، ولأن العبادة عهد يعطيه الإنسان لله على نفسه، ويخضع له ضمن شرطين:
1- التحرر من عبودية هوى النفس أو عبودية شخص أو عبودية أي شيء آخر.
2- التسليم المحض أمام إرادة الله تعالى فيما أمر، وفيما نهى، وفيما ارتضى وندب إليه؟
وأما الأعمال فقيمتها بقيمة الدوافع التي يندفع العامل من أجلها فهي :
1- إما أن تكون من أجل الذات فهي أنانيته، وهي أقبح العبوديات إذا لم يتحرر منها فسيبقى عبداً لذاته.
2- وإما أن تكون من أجل جلب نظر الناس ورضاهم فهي وثنية.
3- وإما أن تكون من أجل الله والناس فهي شرك.
4- وإما أن تكون من أجل الله تعالى فقط وفقط فهي التوحيد.
وخلاصة القول: إن التوحيد أن يبدأ عمله باسم الله، وتستمر هذه النية من أجل الله تعالى دوى أي ضميمة أخرى، وكل ضميمة شرك سواء كانت باسم الله، وباسم الشعب، أو بأسماء أخرى.
فالتوحيد الخالص: أن تعتقد بالله وحده، وأن تعمل لله وحده، وأن لا ترى مؤثراً في الوجود إلا هو تبارك وتعالى، ولنعم قال أبو العتاهية:
أيا عجبي كيف الإلــ       ــه أم كيف يجحده جاحد
ولله في كل تحريكة       وفي كل تسكينة شاهد
وفي كل شيء له آية       تدل على أنه واحد

لماذا انحرف كثير من الناس عن خط التوحيد؟
ولنأخذ الجواب من شهيد الإسلام العظيم السيد الصدر(قده) حيث يقول: لقد واجهت البشرية على طول خط التأريخ مشكلتين:
الأولى: هي( مشكلة اللاإنتماء) وهي أصدق تعبير عن الضياع والتذبذب وقد أطلقت الشريعة المقدسة على هذه الظاهرة من حالات الإنسان اسم الإلحاد، ومعناها هو الميل عن قانون الآداب الشرعية والإنسانية.
الثانية: (مشكلة الغلو في الانتماء) في تحويل الحقائق النسبية إلى مطلقة، وقد أطلقت الشريعة الخاتمة على هذه الظاهرة اسم الوثنية والشرك.
والمشكلتان تقف عثرة في طريق تكامل الإنسانية:
أما المشكلة الأولى: (الضياع) تجعل الإنسان تائهاً لا يستند إلى قاعدة صلبة في تدرجه التكاملي، ولما كانت مسيرة الإنسان شاقة وصعبة فلا بد من الاستناد إلى المطلق الحكيم ليستمد العون والمدد والرؤية الواضحة نحو الهدف من خلال ارتباطه بحركة الكون منذ البداية، ومن هنا يستطيع أن يحدد موقعه في الحياة، علماً أن التحرك غير المستند إلى قاعدة صلبة تحرك عشوائي يجعل الإنسان عرضة لكل عوامل الانحراف، وعند ذلك تقتل فيه روح الإبداع والعطاء.
وأما المشكلة الثانية: وهي الغلو في الانتماء أي تحويل النسبي إلى مطلق، فقد واجهت الإنسانية منذ القديم هذه العقبة مما أدى به إلى الجمود والتقوقع في حدود النسبي الذي حولوه إلى مطلق.
ومن هنا نفهم أن سبب الانحراف عن التوحيد منحصر في عدم فهم الإنسان لدوره في الحياة، فيميل إلى جانب الإفراط أو إلى جانب التفريط، ويتحول من إنسان هادف متطلع إلى حياة أرحب إلى إنسان تائه لا يعرف طريقه السليم، أو يتحول إلى إنسان متقوقع لا يرى خارج نفسه، وفهمه، وما ورثه من أسلافه.
اللهم اجعل قلوبنا فارغة إلا من حبك، واجعل أعمالنا خالصة لك، وتقبل منا يا أرحم الراحمين.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com