موقع الصراط ... الموضوع : التعريف بوجوب حق الوالدين (وصية العلامة أبي الفتح الكراجكي إلى ابنه)
 
الخميس - 28 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التعريف بوجوب حق الوالدين (وصية العلامة أبي الفتح الكراجكي إلى ابنه)  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 21 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  سم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ما منح من عقل، ووهب من فضل، وأردف من رزق، وصلواته على أشرف مرشد، وأرأف مرفد، وأصدق مخبر، وأبلغ منذر، سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله الأئمة الطاهرين.
إعلم أيها الولد الحبيب، البار النجيب، قسيم النفس، ومكمل الأنس، الذي القلب منهله، والبصر موطئه، واللب منشؤه، أن الله خلقك مني بقدرته، وجعلني سببا لتكونك بمشيئته، فأنت إلي منسوب، وبي معروف ومنعوت، أنا وأمك التي أنشأك الله في أحشائها، وغذاك بلبنها، ورباك في حجرها ; لم نزل - بلطف الله تعالى لك - عطوفين عليك، رؤوفين بك، نحرسك بجهدنا من الأذى، وندفع عنك ما نستطيع دفعه من الردى، ونقيك بأنفسنا، ونغذيك بمهجنا، تنام وأعيننا ساهرة، وتسكن وحركاتنا دائمة، نستقل لكن بذلك الجهد، ونشتغل بك عن كل فرض، إن تألم أحد أطرافك حل ذلك الألم قلوبنا، وإن تكاملت لك الصحة، لم يزل (قلقنا عليك وخوفنا)، فحقنا عليك واجب لا يبطل، وفرضنا لك لازم لا يعطل، وإحساننا لك لا يقابل بشكر، وإكرامنا لك لا يكافأ ببر.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ويعتقه.
وفي خبر آخر: إن كل أعمال البر يبلغ منها الذروة العليا، إلا حق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحق والديه.
وقد ارتفعت بجميل التربية عن درجة الأصاغر، وألحقك حميد النشوء بمنزلة الأكابر، وبالغت في تأديبك، وحسن تقويمك وتهذيبك، وإني لما خفت عليك عثرة قدم الشبيبة في حق والديك، وزلة الدالة عليهما بتضييع فرضهما عليك، حيث تكسب ذم العاجلة، وتعتقب عذاب الآجلة، رأيت أن أنبهك على واجب حقهما، وأعرفك لازم فرضهما.
فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما نحل والد ولده نحلة أفضل من أدب حسن يفيده إياه، وجهل قبيح يرد منه وينهاه.
وقال بعض الحكماء: أشد الآباء حبا لأبنائهم، الذين يبالغون في تعليمهم.
وقيل: من أدب ولده أرغم أنف عدوه.
وفي الأمثال السائرة: من لم يؤدبه الأبوان لقد أدبه الزمان.
إعلم يا ولدي! أن الله جل جلاله علم حاجتك إلى أبويك فجعل لك عندهما منزلة تغنيك عن وصيتهما بك، وعلم غناهما عنك فأكد وصيتك بهما. جاءنا في الحديث أن زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال لولده يحيى: يا بني! إن الله تعالى لم يرضك لي فأوصاك بي ورضيني لك فلم يوصني بك.
فاعرف وفقك الله الفرق بين هاتين الرتبتين، وميز بعقلك بين المنزلتين ; تعرف وجوب حق الوالدين.
ثم عد إلى بديهة عقلك الشاهدة لديك، بوجوب شكر المنعم عليك وانظر، هل أحد من البشر أكثر نعمة عليك من أبيك وأمك؟! وأولى منهما بشكرك وبرك؟!
واعلم أن الشكر ليس هو مجرد الاعتراف بالنعمة، وإنما هو الاعتراف بها مع التعظيم لمولاها، فإن استجزت تضييع حقهما، وسامحت نفسك في الإخلال بواجبهما، فهل ترضى من ولدك أن يقابلك بمثلها لك؟!
أما بلغك قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم؟!
أتلُ يا بني ما علمك الله تعالى من آياته، وتأمل مضمون تبيانه، إن الله سبحانه وتعالى قد قرن الوالدين بنفسه، وأتبع ذكرهما بذكره، وجعل شكرهما تابعاً لشكره.
فقال سبحانه: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير).
ثم أمرك بالرأفة لهما، والتحنن عليهما، والتذلل لهما، وأخبرك أنه قضى بذلك في سابق كلامه، وأوجبه في مقتضى حكمه، وجعله مقرونا بتوحيده، ومضافا إلى عبادته، فقال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً).
وقد فهم ذو البصيرة والمعرفة باللغة العربية من فحوى قوله سبحانه: (فلا تقل لهما أف) أنه زجر بذلك عن كل قبيح زاد على الأف، وأنه لو علم سبحانه قبيحا يكون أقل من هذه اللفظة لكان هو المذكور في النهي ; ليعلم من فحوى الخطاب بعادة أهل اللسان في الفصاحة والبيان أن ذكر ما ذكر في الأقل لا لاختصاصه به، بل لعموم ما زاد عليه، والمبالغة في النهي عن كل قبيح، كما نعلم من قول القائل: لا تضيع من مالك حبة واحدة، أنه قد علم بالنهي تضييع قليله وكثيره، وأنه إنما ذكر الحبة مبالغة في النهي عما زاد عليها.
وقد روي أن الإمام الصادق (عليه السلام) سئل عن هذه الآية، فقيل له: ما هذا الإحسان في قوله تعالى: (وبالوالدين إحسانا)؟
فقال: هو أن تحسن صحبتهما، ولا تكلفهما أن يسألاك مما يحتاجان إليه شيئا، وإن كانا مستغنيين، أليس الله تعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)؟!.
قيل له: فقوله تعالى: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما)؟
قال: إن ضرباك. ثم قال] عليه السلام [: لو علم الله تعالى شيئا أدنى من أف لنهي عنه، وأدنى العقوق (3) أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر إليهما.
قيل: فقوله تعالى: (وقل لهما قولا كريما)؟
قال: يقول غفر الله لكما، فذلك قول كريم.
قيل: فقوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)؟
فقال: لا تملأ عينك من النظر إليهما إلا برحمة ورقّة، ولا ترفع صوتك فوق صوتهما، ولا يدك فوق أيديهما، ولا تتقدم قدامهما، وقل: (رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).
ولو لم يرد من القرآن من الوصية بالوالدين غير هذه الآية، لكان فيها كفاية للعاقل، وإيقاظ للغافل، فكيف وقد أردف الوصيات بهما تشديدا وقرن وجوب الإحسان إليهما بوجوب عبادته تأكيداً.
فقال سبحانه وتعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا).
وقال: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا).
وقال: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا).
وأكد الأمر، وضاعف الفرض، بأن عطف ما أوجبه من الإنسان إليهما على ما أوجب تحريمه من الشرك به، الذي هو أعظم المعاصي، وأكبر الكبائر، ولا يرجى لصاحبه مغفرة من غير توبة، وبين أنه تعبد به الأمم السالفة، وأنزله في كتبه الماضية.
فقال سبحانه وتعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا).
وقيل: إنه هو أول ما كتب الله تعالى في التوراة.
وليس هو من العبادات التي يجوز نسخها، ويسوغ ورود السمع بضدها ; لأنه موجبات العقل، وكل ما أوجبه العقل فهو على هذا السبيل.
فاعرف وجوب هذا الفرض، وشهادة الأدلة بلزومه لك من العقل والسمع.
واعلم أنه جاء في الحديث: إن الله عز وجل إنما أيتم نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بموت أبويه في صغره لئلا يبقيا فيلزمه طاعتهما، والخضوع والتذلل لهما، فأراد (أن لا يكون على) يده يد أحد من خلقه إكراما منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومما يزيدك يا ولدي علما بوجوب حق الوالدين، وتميزهما عليك في الدنيا والدين، ما تضمنته شريعة الإسلام، وتعدد فيها من الأحكام. فإن فيها: أن من ابتاع جارية فنظر منها - إلى ما كان يحرم عليه قبل ابتياعه لها - نظر بشهوة فضلا عن لمسها، لم تحل لابنه بملك يمين، ولا عقد نكاح أبدا، وليس كذلك حكم الابن إذا نظر من جارية يملكها إلى ما وصفت.
وفيها: أن شهادة الوالد مقبولة على ولده، وشهادة الولد غير مقبولة على والده.
وفيها: أن الولد إذا سرق من مال أبيه من حرز ربع دينار قطع، وإذا أخذ الأب جميع مال ابنه المحروز عنه بغير اختياره لم يقطع.
وأعظم من هذا: أن الوالد لو قتل ولده لم يقد به، ولو قتل الابن أباه قيد صاغراً به، وصلاة العاق لوالديه غير مقبولة، وطاعته غير مرفوعة، وأدعيته غير مسموعة، والشريعة بمثل هذه الأحكام مملوءة، والآثار بتأكيدها مشهورة، وهي أكثر من أن تحصى، وأنا أذكر لك منها طرفا: فمن ذلك: ما أخبرنا به ابن صخر الأزدي، بإسناد قد ذكره في حديثه، أن رجلا جاء إلى سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستأذنه في الجهاد معه لأعداء الله تعالى لأجل الشهادة بين يديه في سبيل الله...
وكيف لا يكون كذلك، وفرض الجهاد غير لازم للكافة، وإنما هو فرض على الكفاية، ومختص بذوي النهيضة، وليس يلزم إلا عند الدعوة أو الحاجة، وحق الوالدين عام، وفرض لازم على الدوام.
ومما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه قال على المنبر: آمين ثم سكت، ثم قال: آمين ثم سكت، ثم قال: آمين، فلما نزل عن المنبر سأله بعض الناس، فقال: يا رسول الله! سمعناك تقول: آمين، آمين، آمين ثلاث مرات؟! فقال] صلى الله عليه وآله وسلم [: إن جبرئيل (عليه السلام) قال: من ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله.
قلت: آمين. قال: ومن أدرك شهر رمضان ولم يغفر له فأبعده الله. قلت: آمين.
قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما فلم يغفر له فأبعده الله. قلت: آمين.
يريد (عليه السلام) من أدركهما ولم يطع الله تعالى فيهما. وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين.
ومما أخبرني شيخي رحمه الله في أحاديثه المسندة، عن ابن عباس رحمة الله عليه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من رجل ينظر إلى والديه نظر رحمة، إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة.
قيل: يا رسول الله! وإن نظر (إليهما) في اليوم مائة مرة؟
قال: وإن نظر إليهما في اليوم مائة ألف مرة.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): الوالد وسط أبواب الجنة، فإن شئت فاحفظه، وإن شئت فضيعه.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يلج حظيرة القدس مدمن خمر، ولا عاق والديه، ولا منان.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من تولى غير مواليه، لعن الله من غير حدود الأرض، لعن الله من عق والديه.
ومما سمعته من حديث الصيرفي، ما رويناه بإسناده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: النظر إلى وجه الوالدين عبادة.
ومما سمعته عن الشيخ أبي الحسن بن شاذان القمي (رحمه الله) في جملة حديثه المسند: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: هل تعلمون أي نفقة في سبيل الله أفضل؟!. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: نفقة الولد على الوالدين.
وعن الإمام موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده صلوات الله عليهم قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حق الوالد على ولده، قال: لا يسميه باسمه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس قبله.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه. فقال بعض من حضر - استعظاما لذلك واستبعادا لفعله -: وهل يا رسول الله يسب أحد والديه؟! قال: نعم، يسب الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب الله.
وجاء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: من بر والديه زاد الله في عمره.
وروي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: رأيت الليلة عجبا! رأيت رجلا جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بر والديه فرده.
ونحو ذلك ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: الموت لا يدفعه شيء إلا الصدقة، وبر الوالدين، وصلة الرحم. ومن كلام السيدة فاطمة سلام الله عليها لأبي بكر، ومطالبتها له بفدك، قولها:... وفرض الله عليكم الإيمان تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة تنزيها لكم من الكبر.. وعدت الفرائض، ثم قالت: وبر الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منمأة للعدد.
ومن رواية أبي الحسن بن شاذان (رحمه الله) يرفعه إلى الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: ملعون قاطع رحم، ملعون من ضرب والده ووالدته.
وعنه (عليه السلام) أنه قال: الكبائر سبع: الشرك بالله العظيم، وقتل النفس - التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، وإنكار حقنا أهل البيت.
وعن الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) أنه قال: خمسة لا تطفأ نيرانهم ولا تموت أبدانهم: رجل أشرك بالله عز وجل، ورجل عاق والديه، ورجل سعى بأخيه إلى السلطان فقتله، ورجل قتل نفسا بغير نفس، ورجل أذنب ذنبا فحمل ذنبه على الله عز وجل.
وروي عن أحدهم (عليهم السلام) أنه قال: وقر أباك يطل عمرك، وقر أمك ترى لبنيك بنين، ولا تحد النظر إلى والديك فتعقهما. وقيل لعمر بن ذر: كيف كان بر ابنك بك؟ فقال: ما مشيت نهارا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلا إلا مشى أمامي، ولا رقى سطحا وأنا تحته.
وروي: لا تدع على والديك بالموت ; فإنه يورثك الفقر.
وقيل: قبر العاق خير منه.
واعلم أن الله تعالى لم يسقط حق الوالدين عن الولد في شيء من الأحوال، سواء كانا بالله تعالى مشركين، أو لولدهما ظالمين، ألم تسمع ما تضمنه التنزيل من قوله سبحانه وتعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي) فنهاه عن طاعتهما في الشرك وأمره مع ذلك أن يصاحبهما في الدنيا بالمعروف ويتبع في دينه سبيل من أناب إليه، ولو أسقط الشرك حقهما لما أمر معه بحسن مصاحبتهما.
وروي: أن أسماء زوجة أبي بكر سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله! قدمت علي أمي راغبة في دينها - يعني ما كانت عليه من الشرك - فأصلها؟ قال: نعم، فصلي أمك.
وأما ما ذكره الله تعالى في قصة إبراهيم (عليه السلام) فإنه من قوله: (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه)، فإن من ذهب إلى أنه أبوه (في الحقيقة)، وتمسك بظاهر التسمية بالأبوة، يقول: إن التبرئة منه إنما كانت تبرئة من مذهبه.
وأما القول الصحيح فإنه لم يكن أباه الذي نزل من ظهره، وإنما كان جده لأمه، وقد وردت بذلك رواية، والجد للأم أب في الحقيقة، والدليل على أنه لم يكن أباه الأدنى ; إجماع الطائفة المحقة على أن آباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن آدم إلى عبد الله كانوا مؤمنين بالله عز وجل، متبرئين من الشرك والكفر، والأدلة على أن إجماعهم حجة مسطورة في الكتب المشهورة، ويكشف عن صحة ما ذكرناه - من أن أبا إبراهيم المذكور في القرآن لم يكن أباه الأدنى - قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) فميزه باسمه، ولو أراد أباه الذي نزل من ظهره لاستغنى - بإضافة الأبوة - عن التسمية، وهذا بيان واضح، وعيان لائح.
وقد روي: أن أباه الأدنى كان اسمه تارخ.
وقد احتج بعض الشيوخ على أن آباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا مؤمنين لقول الله عز اسمه: (الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين).
وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لم يزل الله تعالى ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى الأرحام المطهرات حتى أخرجني إلى عالمكم هذا.
ولا يجوز أن يكونوا طاهرين (إلا وهم مؤمنين، لقوله تعالى: (إنما المشركون نجس)، وهذا واضح) في أن حق الوالدين لم يسقط عن الولد شركهما، وأما وجوبه عليه مع ظلمهما (فيعلم من حيث أن ظلمهما) له دون شركهما، وإذا لم يسقط شركهما لم يسقط ما دونه من ظلمهما.
وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: من نظر إلى والديه نظر ماقت وهما له ظالمان لم تقبل له صلاة.
وقد جعل الله تعالى حق الأم مقدما ; لأنها الجناح الكبير، والذراع القصير، أضعف الوالدين، وأحوجهما في الحياة إلى معين، إذ كانت أكثر بالولد شفقة، وأعظم تعبا وعناء.
فروي أن رجلا قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله! أي الوالدين أعظم حقا؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): التي حملته بين الجنبين، وأرضعته الثديين، وحضنته على الفخذين، وفدته بالوالدين.
وقيل للإمام زين العابدين (عليه السلام): أنت أبر الناس، ولا نراك تؤاكل أمك؟ قال: أخاف أن أمد يدي إلى شيء وقد سبقت عينها إليه، فأكون قد عققتها.
وقال رجل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أستأذن على أمي؟ قال: نعم. قال: فإني معها في البيت! قال: استأذن عليها. فقال: يا رسول الله! إنني أخدمها. قال: أتحب أن تراها عريانة؟!. قال: لا. قال: فاستأذن عليها.
وروي: أن امرأة أتت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: إن أمي بلغت عندي من الكبر حتى وليت منها مثل الذي ولته مني، وكنت أنظفها مما ينظف منه الصبي، فهل بلغت يا رسول الله أداء ما كان لها؟ قال: لا، لأنك وليتي منها مثل الذي ذكرت وأنت تحبين الراحة منها، وولت ذلك منك وهي تحب بقاءك.
واعلم يا ولدي أن حق الوالدين باق على الولد بعد موتهما كبقائه في حياتهما. فروي أن رجلا جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله! هل بقي علي من بر والدي شيء أبرهما بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإيفاء عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما.
وعن الإمام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليهما أنه قال: من أحب أن يصل أباه في قبره، فليصل إخوان أبيه من بعده.
ثم ما أمرت به من تقديمهما على نفسك في الدعاء، والابتداء بذكرهما في القنوت، وعقيب الصلاة قبل ذكرك.
والدعاء المأثور في صحيفة الإمام زين العابدين (عليه السلام) المختص بالأبوين، الذي يحافظ على تلاوته خواص المؤمنين، وما روي عن السادة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين من صلاة بر الوالدين.
كل ذلك اعتمد عليه، وحافظ على واجبه، ولا تفرط فيه. قد ذكرت لك يا ولدي - أسعدك الله تعالى - مقال صدق ينفع مستمعيه، لا لتقصير علمت منك، ولا لإخلال ظهر عنك، لكن حملني اجتهاد الشفق، وحرص الغرق فأجعله لك تذكرة، ولمن سواك تبصرة، أعاذك الله من الزلل، ووفقك لسديد القول والعمل، برحمته وعونه وفضله وطوله إن شاء الله.
والحمد لله كما هو أهله ومستحقه، وصلاته على خير خلقه محمد رسوله وآله الطاهرين وسلامه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com