موقع الصراط ... الموضوع : التبليغ الإسلامي (1)<br> في المجال النظري
 
الأربعاء - 4 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التبليغ الإسلامي (1)
في المجال النظري
 
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 22 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم العلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي
عبد الهادي الفضلي المراد من التبليغ الإسلامي
لكي نتعرف معنى «التبليغ الإسلامي»، في سياق هذا البحث الذي بين يدينا، علينا ان نسلك إلى ذلك طريقين: اولهما معرفة معناه المعجمي، وثانيهما معرفة الاستعمال القرآني له.
يقول ابن فارس في «معجم مقاييس اللغة»: «الباء واللام والغين: اصل واحد، وهو: الوصول إلى الشيء».
وهذا يعني ان كلمة «تبليغ» تدل، بمادتها الاصلية، او قل: بجذرها اللغوي، على معنى واحد، هو: الوصول إلى الشيء.
جميع المعاني الاخرى التي تدل عليها متصرفات هذا الجذر بشيء من التغيير عن طريق الزيادة او التضعيف لا يخرج هذه المتصرفات عن هذا المعنى الحقيقي لها، وهو: الوصول إلى الشيء.
يقال: بلغ الشيء بلوغا وبلاغا: ابلغ زيد الرسالة: اوصلها.
وابلغ زيد الرسالة فلانا: اوصلها اليه. كما يقال: ابلغ زيد عمرا الرسالة: اوصلها اياه، ومنه قول عدي بن زيد:
أبلغ النعمان عني مالكا*** انه قد طال حبسي وانتظاري
وتضعف عينه التي هي اللام (بلغ) فيقال: بلغ زيد الرسالة فلانا: اوصلها اليه، ومنه قول عبد يغوث بن وقاص:
ففيا راكبا اما عرضت فبلغن *** نداماي من نجران ان لا تلاقيا
ومصدر ابلغ: ابلاغ وبلاغ، ومصدر بلغ: تبليغ وبلاغ.
وكلمة «بلاغ»، كما تستعمل مصدرا، تستعمل ايضا اسم مصدر يطلق على نتيجة المصدر، وهو الشيء المبلغ، وهو ما بلغك من خبر ونحوه، ومنه قوله تعالى: (هذا بلاغ للناس ولينذك روا به)[ابراهيم/52].
ومن استعماله قرآنيا بمعنى التبليغ قوله تعالى: (وان تولوا فانما عليك البلاغ) [آل عمران/20]، اي التبليغ.
وجاء استعمال الفعل من المادة المذكورة في القرآن الكريم مجردا ومزيدا ومضعفا، قال تعالى: (واوحي الي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) [الانعام/19]، «اي لانذركم به يا اهل مكة وسائر من بلغه القرآن ووصل اليه».
وقال: (ليعلم ان قد ابلغوا رسالات ربهم)[الجن/28].
وقال: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تك فعل فما بلغت رسالته)[المائدة/67].
وفي «معجم الفاظ القرآن الكريم»: «يقال: بلغته الخبرك تبليغا، وابلغته، بمعنى: اوصلته اليه.
وكل ما جاء في القرآن معدى بالهمزة او التضعيف فهو بهذا المعنى».
والنتيجة التي نخلص اليها هي: ان لفظ التبليغ يدل، في الاستعمال اللغوي العام والاستعمال القرآني، على توصيل او ايصال الشيء إلى لاخر.
ومقصودنا منه، هنا، تبليغ الإسلام إلى الناس، ولذا نسبناه اليه فقلنا «الإسلامي»، ذلك ان ياء النسب، هنا، تقوم مقام الاضافة،اذ الاصل هو «تبليغ الإسلام».
والمراد بالإسلام، ووفق احدث تعريف له: الدين الالهي الذي بعث به نبينا محمد(ص) إلى البشرية كافة (وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا)[سبا/28]، (قل: يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا) [الاعراف/158]، وختمت به الاديان الالهية المتقدمة عليه زمانا، والرسالات السماوية الممهدة له (ما كان محمد ابا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين)[الاحزاب/40].
وهو يشتمل على عقيدة ونظام.
عقيدة: هي نظرة فلسفية او فكرة عقلية عن بداية هذا الكون ونهايته.
أو قل: هي نظرة عقلانية عن المبدأ والمعاد.
وتقوم العقيدة بوظيفة ربط الانسان بخالقه، وهو الله تعالى، وتعميق علاقته به وتوسيعها.
وهي، في الوقت نفسه، قاعدة اساسية للنظام الإسلامي، ينبثق عنها، ويرتكز عليها.
وهو، اعني النظام، كامل في منهجه متكامل في مواده، وشامل لجميع مفردات سلوك الانسان ونواحي حياته في هذه الدنيا.
وهو، في الوقت نفسه، يهدف إلى تحقيق السعادة للإنسان وتحصيلها في النشأتين: الدنيا والآخرة.
وننتهي من هذا كله إلى أن معنى التبليغ الايصال، وتبليغ الإسلام تفهيمه لمن لا يفهمه من المسلمين.
ونلمس هذا المعنى واضحا في مجال التطبيق عند الامام أمير المؤمنين(ع)، ففي «نهج البلاغة»:
- فبلغ (يعني رسول الله) الرسالة صادعا بها، وحمل على المحجة دالا عليها.
- فبلغ (يعني رسول الله ايضا) رسالات ربه غير وان ولا مقصر.
- بلّغ (يعني رسول الله) عن ربه معذرا، ونصح لامته منذرا.
- واصطفى - سبحانه - من ولده (يعني آدم) انبياء اخذ على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة امانتهم.
وهذا يغنينا في الاستشهاد لتأكيد المعنى الذي ذكرناه للتبليغ مستفادا من القرآن الكريم ومعجم اللغة العربية.
وعليه: فالمراد من العنوان المذكور: تبليغ الإسلام عقيدة ونظاما ومنهج سلوك بتفهيمه للمسلمين.
وهو، على هذا، وظيفة شرعية يقوم بها من انيطت مسؤوليتها به.
ويكتسب التبليغ الإسلامي اهميته وخطورة دوره في حياة الانسان المسلم من انه العامل الاساسي في تكوين الشخصية الإسلامية للفرد المسلم والاسرة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة.
وندرك هذا بوضوح من معرفتنا للمجالات الفكرية التي ينطلق فيها، والوسائل التي يستخدمها لذلك، والاهداف التي يتوخى الوصول اليها.

اما المجالات الفكرية التي ينطلق فيها فهي:
- العقيدة الإسلامية.
- التشريع الإسلامي.
- الاخلاق الإسلامية.

ويتوسل، في ايصال هذه، احكاما وتعليمات وارشادات ومفاهيم بالوسائل الاتية:
- التعليم.
- التربية.
- الاعلام.

وبانتهاجه اقوى الاساليب العلمية والفنية، المقدورة والمشروعة للوصول إلى هدفه الاسمى، وهو: جعل سلوك الانسان، فكريا كان او بدنيا ، مع نفسه او مع غيره، يلتقي مع فطرته التي فطره الله عليها (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون)[الروم/30]، وبما يحقق له المصلحة فردا واسرة ومجتمعا (ولو ان اهل ك القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)[الاعراف/96].
من هنا تأتي اهمية التبليغ الإسلامي وخطورته، لأنه بهذه التغطية الشاملة لحياة الانسان المسلم يحقق للإسلام - بوصفه عقيدة ونظاما ومنهج حياة - شموليته واستيعابه لجميع جزئيات حياة الانسان ومفرداته بالتوجيه والتنظيم.
وهو بهذا يعد اهم ظاهرة دينية في حياة المسلمين وأخطرها.
فمتى كان التبليغ بمستواه، بوصفه وظيفة دينية، من حيث قدرات الانسان المبلغ ومواتاة ظروفه له، كان الاقرب إلى تحقيق اهدافه سليمة كاملة.
ومتى كانت الاخرى فالأمر بالعكس، ويختلف هذا نسبيا وفق معدلات قدرات المبلغين، وحسب معدلات مواتاة الظروف.
ولا خلاف عندنا، نحن المسلمين، في ان التبليغ الإسلامي هو امتداد لظاهرة التبليغ الديني، تلك الظاهرة التي انوجدت مع بعثة اول نبي حمله الله تعالى مسوولية تبليغ الشريعة الالهية إلى الناس الذين بعث اليهم (كان الناس امة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه)[البقرة/213].
(انا اوحينا اليك كما اوحينا إلى نوح والنبيين من بعده واوحينا إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وايوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً. ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً. رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً)[النساء/163 165].
وروى الشيخ الكليني، في «روضة الكافي» بإسناده عن ابان عن يعقوب بن شعيب، انه يسال ابا عبدالله(ع) عن قول الله عزوجل: (كان الناس امة واحدة) فقال: «كان الناس قبل نوح امة ضلال، فبدا لله فبعث المرسلين».
وعليه: فالتبليغ الإسلامي يرجع في جذوره التاريخية إلى ظاهرة التبليغ الديني.
وهذه الظاهرة كانت قد تدرجت في تطورات نموها وفق مقتضيات الظروف البشرية زمانية ومكانية، وكذلك وفق المتوافر من الامكانات البشرية من حيث مستوى الادراك ومستوى التفكير، ومن حيث الطاقات البدنية والقدرات الالية وفي حدود المتاح، ذلك ان التبليغ الديني مر بمراحل تاريخية تطور فيها متناميا من حال إلى حال اخرى افضل، فالنبي نوح(ع) لبث في قومه خمسين وتسعمئة عام يبلغهم رسالة ربه ويدعوهم اليه (ولقد ارسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم الف سنة الا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون)[العنكبوت/14]، وكانت النتيجة كما يحكيها القرآن الكريم:
(انا ارسلنا نوحا إلى قومه ان انذر قومك من قبل ان يأتيهم عذاب اليم. قال يا قوم اني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه واطيعون. يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى اجل مسمى ان اجل الله اذا جاء لا يوخر لو كنتم تعلمون. قال: ربي اني دعوت قومي ليلا ونهارا. فلم يزدهم دعائي الا فرارا. واني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا اصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم واصروا واستكبروا استكبارا. ثم اني دعوتهم جهارا. ثم اني اعلنت لهم واسررت لهم اسرارا. فقلت: استغفروا ربكم انه كان غفارا. يرسل السماء عليكم مدرارا. ويمددكم باموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا. مالكم لا ترجون لله وقارا. وقد خلقكم اطوارا. الم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا. وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا. والله انبتكم من الارض نباتا. ثم يعيدكم فيها ويخرجكم اخراجا. والله جعل لكم الارض بساطا. لتسلكوا منها سبلا فجاجا. قال نوح: ربي انهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده الا خسارا. ومكروا مكرا كبارا. وقالوا: لا تَذَرُن آلهتكم ولا تذرن ودّا ولا سُواعا ولا يغوث ويعوق ونَسْرا. وقد اضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين الا ضلالاً. مما خطيئاتهم اغرقوا فأدخلو نارا فلم يجدوا لهم من دون الله انصارا. وقال نوح: ربي لا تذر على الارض من الكافرين ديارا. انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا. ربي اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مومنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين الا تبارا)[نوح/1- 28].
بينما مكث نبينا محمد(ص) ثلاثا وعشرين سنة يدعو قومه ويبلغهم رسالته الخاتمة، وكانت النتيجة كما يذكرها القرآن الكريم ايضاً:
(محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من اثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطاه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجرا عظيما) [الفتح/29].
فالتبليغ الإسلامي، في ضوء ما تقدم، هو غاية ما وصل اليه التبليغ الديني من عمق في قوة التأثير وشمول في استيعاب مستلزمات الدعوة إلى الله تعالى.

مصطلح فقهي مهم:
ويعد التبليغ الإسلامي، في ثقافتنا الإسلامية، من اهم المفاهيم الفقهية، لأنه يمثل مصطلحا مهما من مصطلحات علم الفقه، وكان على الفقهاء ان يعنوا به ويدرجوه في موضعه من البحث الفقهي، وكذلك الدرس الفقهي، وفي الرسائل العلمية، وهو ان يأتي رصيف «الدعوة الإسلامية» و «الامر بالمعروف والنهي عن المنكر»، الا ان هذا لم يحدث في حدود اطلاعي، باستثناء ما وقفت عليه مؤخراً من تناول آية الله المشكيني له بالتعريف والتوضيح في كتابه القيم: «مصطلحات الفقه»، فقد تناول تحت عنوان «التبليغ» المسائل الاتية:
- مفهوم التبليغ في اللغة والعرف.
- تطور استعمال هذا المصطلح في وقتنا الراهن، حيث «كثر استعماله في عصرنا الاخير في خصوص ابلاغ المعارف الدينية،والمفاهيم الكتابية (يعني القرآنية) اصولا واخلاقا وغيرها، ولا سيما ابلاغ الاحكام الفرعية الالهية إلى من يجهلها من الناس ويحتاج اليها عوامهم».
- وبعد ذلك ذكر ان التبليغ، في الاصل، من وظائف الانبياء والرسل واوصيائهم.
- ثم عقب هذا ببيان حكمه الشرعي فقال: «لا اشكال ولا خلاف عندنا (يعني معاشر الامامية)، بل عند المسلمين عامة، في وجوب تبليغ الدين الحنيف، اعني دين الإسلام، وجوبا عينيا او كفائيا على كل مكلف عالم به قادر على ابلاغه متمكن من اعلامه وايصاله إلى الناس، اي إلى كل مكلف جاهل باصوله او فروعه، قاصر او مقصر، منتحل بدين غير الإسلام كاهل الكتاب، او غيرمنتحل بدين كالزنادقة المنكرين للمبدا والميعاد ومن اشبههم».
- وحدد موضوعات التبليغ التي على المبلغ القيام بابلاغها في جميع المعارف الإسلامية التي لها مدخلية في تكوين الشخصية الإسلامية وصياغتها، حددها في العقيدة والفقه والاخلاق، قال: «ولا فرق في هذا التبليغ بين اصول الدين بشوونها، وفروعه بشعبها وغصونها، وبين المسائل الاخلاقية وغيرها مما له دخل في كمال الانسان وعلوّه».
- واخيرا استخلص من الآيتين الكريمتين:
(ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر) [آل عمران/104].
(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين...)[التوبة/122].
ان الاية الاولى تخاطب الوالي او الحاكم، ويعني به الدولة المتمثلة برئيس حكومتها، بوجوب ايجاد موسسة لتعليم احكام الدين وشوونه، وتتحقق هذه باقامة الحوزات العلمية.
وان الاية الثانية توجب التحاق المسلمين، ممن لديهم الكفاءة للتعلم والتحصيل، وبهم الكفاية لتغطية احتياجات المسلمين للتبليغ، الالتحاق بالحوزات العلمية، ليقوموا بعد تخرجهم بوظيفة التبليغ، قال: «ثم ليعلم ان مفاد قوله تعالى: (ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر) انه تعالى قد خاطب الناس، وامرهم بتعيين امة متحدة الاهداف متمكنة من الدعوة إلى الخير والامر والنهي، والخير شامل لجميع العلوم والاحكام، وحيث ان الناس قاصرون بالنسبة لهذاالتكليف، محتاجون إلى من يتولى امرهم، ويتصدى لهذه الوظيفة كغيرها من موارد اجراء الحدود والتصرف في الاصول العامة، فالخطاب في الحقيقة متوجه إلى الوالي، وحيث ان متعلق التكليف في هذه الازمنة يرجع إلى تأسيس الحوزة أو الحوزات العلمية.
فمبدا التبليغ يكون على الوالي وحاكم المسلمين.
ومقتضى قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة...)[التوبة/122] لزوم نفر المستعدين للتعليم والتحصيل إلى الحوزات ليتحقق بهم هدف التبليغ على اختلاف شوونه واقسامه، فيجب على عدة ابلاغ الاصول بالادلة العقلية والنقلية من طريق البيان والكتابة والبنان، وعلى آخرين تبليغ الفروع باستنباطها من مداركها وعرضها للعمل، وعلى ثالث بالنفر إلى البلاد وابلاغ الدين إلى العباد، وعلى رابع الابلاغ بوساطة الاذاعات العامة والخاصة، وعلى خامس بوساطة النشريات والمجلات وتاليف الكتب والرسائل، وعلى سادس بالصعود على كراسي الخطابة والوعظ، وعلى جميع المكلفين العالمين بالاحكام ولو مسالة واحدة ابلاغها إلى الجاهلين بها مع شرائطه المقررة في محله ومكانه».
والملحوظ ان الشيخ (حفظه الله) اطال إلى حد ما في الحديث عن هذا المصطلح وفي تفصيل شوونه، ويرجع هذا، في ما اقدر، إلى عدم تعرض الاخرين لهذا المصطلح.
وعمله هذا يعد ريادة موفقة في اثارة البحث حول موضوع التبليغ، كما ان تفصيله فيه جاء وافيا وشافيا.

واجب وجوبا مؤكداً:
ومن المفروغ منه شرعا ان التبليغ الإسلامي واجب وجوبا مؤكداً.
ولا خلاف في انه واجب عينا على من انيطت مسوؤليته به كالنبي(ص): (وأوحى الي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ)[الانعام/19]، (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك)[المائدة/67]، وكالائمة (ع) من بعده، فعن الامام الرضا(ع):«الامام امين الله في خلقه، وحجته على عباده، وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذاب عن حريم الله، يحلل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة».
وكذلك لا خلاف في وجوبه عينا على من انحصر امر التبليغ به.
كما انه لا اختلاف في انه يجب كفاية على من توفر فيه شرطا الواجب الكفائي، وهما: الكفاءة والكفاية.
وتختلف الكفاية التي تعني تغطية حاجة المسلمين له باختلاف الظروف، فقد يكتفى في ظرف ما بالعدد القليل، وقد لا يكتفى إلا بالعدد الكثير.
والواجب، هنا، شيء بديهي، ذلك ان الإسلام مبدا الهي شرعه الله تعالى ليحقق السعادة للانسان المسلم، وهكذا مبدا يحتم على اصحابه القيام بتبليغه، والعمل به، من اجل تطبيقه، وهي سنة الحياة وطبيعتها في عالم المبادئ والدعوة اليها.
والآية الكريمة (ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير) ظاهرة في افادة الوجوب الكفائي.

شروط المبلغ:
ويشترط في الانسان ليكون مبلغا ان يتوافر على الاوصاف المستفادة مما املته التجارب الكثيرة التي قام بها المبلغون، وهي:
1- الايمان بالمبدأ:
وأعني بهذا ان يكون الانسان الذي يريد ان يقوم بالدعوة إلى مبدا ما مومنا بسلامة ذلك المبدا وصحته، وبفائدته ونفعه للناس،وعن اقتناع بذلك، استنادا إلى الادلة الناصعة والبراهين القاطعة.
والايمان دافع نفسي قوي، وكلما ازداد كان المبلغ إلى ان ينكر ذاته من اجل مبدئه اقرب، وبمرحلة الفداء والتضحية في سبيله الصق.
ان توافر الايمان في المبلغ هو القوة الفاعلة في تنشيطه وحفزه إلى القيام بوظيفة التبليغ.
2- فهم المبدأ:
ويراد به ان يكون المبلغ عالما بالفكرة او المعلومة التي يريد ان يقوم بتبليغها.
وهو شيء بديهي، ذلك ان تبليغ الرسالة، اية رسالة كانت، يوجب على المبلغ ان يكون فاهما لها وعارفا بها، لان التبليغ ايصال الفكرة او المعلومة إلى الاخر، فمتى لم يفهم المبلغ الرسالة التي اسند اليه القيام بتبليغها لا يستطيع، وبالبداهة، أداء ما أسند إليه القيام به.
3- معرفة طرق التبليغ:
لا يختلف التبليغ عن غيره من المهارات التي تتطلب الدربة والمران، والعلم بطرق ايصال الفكرة او المعلومة إلى الاخر من اساليب ووسائل، ليضمن المبلغ بذلك نجاحه في مهمته واداء رسالته.
وهو شيء جلي لا يفتقر إلى ايضاح بأكثر مما ذكرت.
4- الإحاطة بأجواء ارضية التبليغ:
لابد للمبلغ من الاحاطة بواقع طبيعة المجتمع الذي يريد ان يقوم بالتبليغ في اجوائه:
- معرفة نفسيات ابنائه.
- معرفة مستويات تفكيرهم.
- معرفة نوعية خلفياتهم الثقافية وكميتها.
- معرفة نتائج نظرتهم للحياة.
- معرفة الشبهات التي تدور في اذهانهم ضد المبدأ.
وكل ذلك لكي ينهج على اساس من احاطته بهذه الامور، الاسلوب المناسب، والوسيلة القادرة على حمل التبليغ وايصال البلاغ اليهم، وليقيس، في ضوء هذه الاحاطة، مدى استجابتهم لتقبل دعوته او فهم فكرته.

بين التبليغ والدعوة والامر بالمعروف..
كل هذا الذي تقدم كان من حيث النظرية، وفي حدود المختصر.
وقبل ان ننتقل إلى مرحلة التطبيق بتبيان بعض التجارب التي قام بها بعض المبلغين، علينا ان نشير إلى ان هناك فرقا بين التبليغ، بوصفه مفهوما اسلاميا، واخويه: «الدعوة الإسلامية» و «الامر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وهذا الفرق يتمثل في ان الدعوة الإسلامية تعني دعوة غير المسلم إلى الدخول في الإسلام، ومنه سمي الجهاد الابتدائي بجهاد الدعوة، اي دعوة غير المسلم إلى الدخول في الإسلام، بينما يعني التبليغ الإسلامي ايصال الاحكام الإسلامية إلى من يجهلها من المسلمين.
اما الامر بالمعروف...، فيراد به حث المسلم العارف بالحكم الشرعي على تطبيقه والعمل به، كما يراد بالنهي عن المنكر ردع المسلم عن عمل المنكر الذي يعلم انه منكر.
والفرق بين التبليغ والامر بالمعروف... ان التبليغ، في واقعه، هو تعليم الاحكام الشرعية لمن لا يعرفها، والامر بالمعروف... هو حث المسلم العالم بالحكم على تطبيقه والعمل به.
ومنه نتبين ان هناك تدرجا عمليا، او مرحليا، بين هذه الاساليب الثلاثة يتمثل في ان الدعوة تسبق التبليغ، والتبليغ يسبق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أهم مؤسسات التبليغ:
ومن أهم مؤسسات التبليغ في مجال التعليم:
1- الحوزات العلمية.
2- الجامعات الإسلامية.
3- كليات الشريعة.
4- المعاهد العلمية الدينية.
5- المدارس الاهلية الدينية... الخ.

ومن اهم موسسات التبليغ في مجال التوعية والتربية:
1- النوادي الثقافية.
2- النوادي الادبية.
3- النوادي الرياضية.
4- الجمعيات الخيرية الإسلامية.
5- المراكز الثقافية الإسلامية.
6- المراكز العلمية.
7- خطب الجمعة.
8- الخطب الحسينية.
9- المحاضرات الإسلامية.
10- الندوات الإسلامية.

ومن اهم وسائل التبليغ في مجال التغيير الاجتماعي:
1- المسرحية الإسلامية.
2- الفيلم السينمائي الإسلامي.
3- البرامج الإسلامية في التلفزيون.
4- البرامج الإسلامية في الراديو.
5- الكتاب الثقافي الإسلامي.
6- الرواية الإسلامية.
7- المجلة الثقافية الإسلامية... الخ.
ومن هذه وامثالها شيء غير قليل في العالم الإسلامي الا انه بحاجة إلى التطوير إلى ما هو افضل، والى الاضافة التي ترتفع به إلى المستوى الذي يلبي المطلوب في سد حاجة المسلمين تبليغيا من حيث الكم والكيف.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com