موقع الصراط ... الموضوع : من تاريخ النفاق والارتداد-2-
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من تاريخ النفاق والارتداد-2-  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 23 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم العلامة السيد مرتضى العسكري
hilfee كان رأي الرسول (ص) أن لا يخرج من المدينة، وقال لهم: (إني قد رأيت والله خيراً، رأيت بقراً تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، ورأيت أني(1) أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوها علينا قاتلناهم فيها).
وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله (ص) يكره الخروج، فقال رجل من المسلمين ممن أكرمه الله بالشهادة يوم أحد وغيره ممن كان قد فاته بدر: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: يا رسول الله، أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منهم إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال، في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين.
فلم يزل الناس برسول الله (ص) الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله (ص) بيته، فلبس لامته(2)... ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس وقال استكرهنا رسول الله (ص) ولم يكن لنا ذلك.
فلما خرج رسول الله (ص)، قالوا: يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال رسول الله (ص): (ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل)، فخرج رسول الله (ص) في ألف من أصحابه.
حتى إذا كانوا بالشوط- بين المدينة وأحد- انخزل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني ما ندري علامَ نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة، يقول: يا قوم، أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله فسيغني الله عز وجل نبيه (ص)(3).
قال ابن سعد: فلما انصرف رسول الله (ص) يومئذ شمت ابن أبي والمنافقون بما نيل من رسول الله (ص) في نفسه وأصحابه(4).
وقال ابن هشام(5): فلما قدم رسول الله (ص) المدينة، وكان عبد الله بن أبي بن سلوا له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر شرفاً له في نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفاً، إذا جلس رسول الله (ص) يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله (ص) بين أظهركم، أكرمكم الله به، وأعزكم به، فانصروه، وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ورجع بالناس قام يفعل ذلك كما يفعله، فأخذه المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يخطي رقاب الناس، وهو يقول: والله لكأنما قلت بُجراً(6) أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد، فقال: ما لك ويلك؟ قال: قمت أشدد أمره، فوثب عليّ رجال من أصحابه يجبذونني ويعنفوني لكأنما قلت بجر أن قمت أشدد أمره، قال: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله (ص)، قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.
وأنزل الله في ابن أبي وجماعته يوم أحد(7) الآيات 166-168 من آل عمران: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم هم يومئذ للكفر أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون * الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين).

موقفه من بني النظير(8):
من بعد غزوة أحد كانت غزوة بني النظير من اليهود، وذلك عندما ذهب رسول الله (ص) إليهم مع بعض أصحابه يستعينهم في دية قتيلين أراد أن يؤديهما فهموا بقتله غدراً وأوعزوا إلى بعضهم بأن يلقى عليه حجراً من السطح، فأخبره الله بما هموا به فانسل من بينهم راجعاً إلى المدينة، وأرسل إليهم أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشراً، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا على ذلك أياماً يتجهزون وتكاروا من الناس إبلاً، فأرسل إليهم ابن أبي ومن معه من منافقي قومه يقولون لهم: (أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتحصنوا بالحصون وأرسلوا إلى رسول الله (ص) أنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك فتهيأ رسول الله (ص) لحربهم وحاصرهم، وتربص ابن أبي ومن معه ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله (ص) أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة(9)، ففعل فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فخرجوا غلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام(10)، فأنزل الله سورة الحشر بأسرها(11)، والتي يقول فيها:
(هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم)- إلى قوله تعالى في شأن ابن أبي وجماعته من المنافقين-: (ألم ترَ إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً، ولئن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن ينصرونهم ليولن الأدبار ثم لا ينحصرون * لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) إلى قوله تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين).

الهوامش:
(1) قال ابن هشام: أما البقر فهم ناس من أصحابه يقتلون، وأما الثلم فهو رجل من أهل بيته يقتل.
(2) اللامة: الدرع، وقد يسمى السلاح كله درعاً.
(3) سيرة ابن هشام 3/7-8 ، وطبقات ابن سعد ج2/38-39، والطبري 3/11-12، وعيون الأثر 2/3-4 و8، وامتاع الأسماع 116-117 .
(4) طبقات ابن سعد: 2/44 .
(5) سيرة ابن هشام: 3/57 .
(6) (البجر) بالضم الشر، والأمر العظيم، القاموس.
(7) التبيان 1/533-534، والدر المنثور: 2/93، وسيرة ابن هشام ج3/71-72 .
(8) كانت منازل بني النظير بناحية الغرس وبئر غرس بقباء، وقباء على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة، وبها كنت منازل بني عمرو بن عوف رهط ابن أبي!
(9) (الحلقة) بفتح فسكون، السلاح كله، وقيل: خاص بالدرع، والمقصود منه هنا السلاح كله.
(10) أوردتها ملخصة من سيرة ابن هشام 3/191-192، وطبقات ابن سعد 2/57-58 ، وراجع الطبري 3/36-38 ، وعيون الأثر 2/48-51 ، واليعقوبي 2/92 ، وتجد تفصيل القصة وافياً في البحار ج6/670-673، الحجرية، ثم إمتاع الأسماع: ص 178-183 .
(11) سيرة ابن هشام: 3/194-197، والحار: ج6/670 ط. الحجر، والتبيان 2/665-669 ، ومجمع البيان 5/256-259 ، والدر المنثور: 6/187-194 .

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العددان الثامن والتاسع
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com