موقع الصراط ... الموضوع : بماذا يستكبر الإنسان ؟
 
الخميس - 28 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  بماذا يستكبر الإنسان ؟  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 23 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
jameelهناك بعض الأمور التي تجعل الإنسان يشعر بتميزه على الآخرين، وتحسسه بأن له مرتبة اجتماعية مشخصة حصل عليها بقدرته الذاتية، وتفوقه العالي فيصاب بالغرور والتكبر إذا لم يكن الإيمان بالله تعالى قد ملك قلبه، ومن هذه الأمور:

أولاً: العلم
من أهم المميزات البارزة في الواقع الاجتماعي هو العلم، وما لم يكن طلبه وتحصيله لله فإن الإنسان يصاب بالغرور والخيلاء، ويتصور أنه أفضل من غيره فيزداد في نفسه رفعة، وفي الناس تطاولاً، وبالله غروراً، فيقع في شباك الشيطان يقول رسول الله (ص): (… ومن طلب العلم للدنيا، والمنزلة عند الناس، والحظوة عند السلطان لم يصب منه باباً إلا ازداد في نفسه عظمة، وعلى الناس استطالة وبالله غروراً، ومن الدين جفاء …)(1)
يقول علماء الأخلاق: إن سبب الكبرياء عند بعض العلماء أمران:
أولاً: اشتغاله بما يسمى علماً، وليس هو بعلم حقيقي، وإنما العلم الحقيقي ما يعرف العبد به نفسه، ليعرف ربه، أو أحكام شريعته، وهذا يورث الخشية والتواضع، دون الكبر والأمن من مكر الله؛ ولذا قال الله تعالى: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) (فاطر:28) … فأما ما وراء ذلك كعلم الطب، والحساب، واللغة والشعر، والنحو , وفصل الخصومات , وطرق المجادلة (بل حتى علوم الدين كالأصول، والفقه ،وعلوم القرآن وغيرها …) إذا لم يكن طلبها لله تعالى ، وطلبها للدنيا ، ونيل المنزلة الاجتماعية والسياسية، فإنها ستؤدي إلى امتلاء نفسه: تيهاً، وخيلاء، وإعجاباً، وتميزاً على الناس. إن العلم الذي يورث التواضع هو العلم بالله تعالى، واسمائه، وصفاته، وأحكامه ،ومعرفة مقام الربوبية ،وحقيقة العبودية لله تعالى شريطة أن يكون طلبه لله؛ لأجل امتثال أمره تعالى .
الثاني: إن من يطلب العلم وهو ملوث النفس، خبيث السريرة، وسيئ الخلق فإنه كالأرض السبخة لا يزيدها نزول المطر إلا عفونة، وخشونة وملوحة، كذلك العلم إذا حصل لنفس ملوثة فلا تزداد إلا كبراً، وغروراً، وإعجاباً وتطاولاً على الناس، واغتراراً بالله، وجفاءً من الدين، وتلك هي سنة الله تعالى فإن القرآن الكريم الذي هو نور الله في أرضه ،عندما ينزل على الناس فإن له تأثيران متعاكسان حسب طبيعة النفوس المتلقية له فبمقدار ما يزيد المؤمنين نوراً، وشفاءً ورحمة يزيد الظالمين خسارة. يقول تعالى: ((وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً)) (الإسراء:82) والسب في ذلك أن نفوس الظالمين أصبحت سوداء مظلمة، كثيفة درنة لا تقبل النور؛ ولذلك فإن على طالب العلم أن يبدأ بتزكية نفسه وتهذيبها أولاً، ثم يطلب العلم ثانياً وبدون ذلك سيعطي طلب العلم نتيجة عكسية .
يقول الإمام الخميني (قده): (وكما رأينا أيضا كيف كان للعلم تأثير السوء في بعض طلبة العلوم الشرعية النقلية، وكيف أنه زاد من فساد أخلاقهم، فأصبح ما كان ينبغي أن يكون سبباً لفلاحهم وصلاحهم سبباً لهلاكهم ولجرهم نحو الجهل والمماراة والتعالي والختل)(2) ولئلا يقع طالب العلم في هذه الهاوية المهلكة يقول (قده): (يجب على طلاب العلوم الدينية، والسالكين لهذا السبيل المحفوف بالمخاطر، أن يكون أول ما يضعونه بعين الاعتبار، إصلاح أنفسهم أثناء الدراسة، ويقدموه مهما أمكن على كل شيء؛ لأنه أوجب كل الواجبات العقلية والفرائض الشرعية وأصعبها)(3)

ثانياً: العبادة:
إن قيمة العمل عند الله تعالى بمقدار ما تكون الدوافع سليمة خالصة لله تعالى فبسلامة الدوافع يسلم العمل، ويكون مقبولاً عند الله تعالى ، والعكس صحيح، فإذا لم يكن العمل خالصاً مخلَصاً لله تعالى. فإن الإنسان يحس بأن له فضلاً ومرتبة بذلك العمل، وبتلك العبادة يتميز على الآخرين، وحينئذ يصاب بالغرور ، والخيلاء، والترفع على الناس، وربما يجره- والعياذ بالله - إلى المنة على الله تعالى فضلاً عن الترفع على أمثاله، وبذلك يقع في التيه والإعجاب حتى يصل به الأمر إلى احتقار القادمين إليه، والمتقربين منه، والطالبين فضله، بل حتى المتفضلين عليه .
(روي أن رجلاً في بني إسرائيل، يقال له: خليع بني إسرائيل؛ لكثرة فساده مر برجل آخر، يقال له: عابد بني إسرائيل، وكانت على رأس العابد غمامة تظله فلما مر الخليع به، فقال الخليع في نفسه: أنا خليع بني إسرائيل، وهذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعل الله يرحمني فجلس إليه، فقال العابد في نفسه: أنا عابد بني إسرائيل , وهذا خليع بني إسرائيل كيف يجلس إليَّ ؟! فأنف منه، وقال له: قم عني فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع , وأحبطت عمل العابد)(4)
وهذه الحكاية مصداق لما قاله الإمام الخميني (قده): (ربما يتفق أن السالك يسقط من الأوج الأعلى إلى أسفل السافلين بنظرة واحدة تحقيريه إلى عبد من عباد الله، ولا يستطيع جبران هذا السقوط في السنين المتوالية)(5)

ثالثاً: التكبر في النسب والحسب:
قد يكون الحسب الشريف، والنسب المنيف أحد دواعي التكبر وأسبابه عند الإنسان؛ لأنها قد تجعله يحس بعلو رتبته على الآخرين في حالة من حالات: الانفعال ، أو العصبية، أو الافتخار، أو العجب، وإذا لم يسعفه الإيمان بالله عز وجل قد يصر عناداً واستكباراً، ولعل هذا العامل هو الذي أَصّل الروح القومية المتعالية عند بعض الشعوب، وقد يغفل المؤمن في لحظة من لحظات الانفعال، فتظهر على لسانه فلتة فينادي الآخرين الذين يختلف معهم في النسب، أو اللون بنداء مهين مزري…
عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (قاولت رجلاً عند النبي (ص) فقلت له: يا بن السوداء، فقال النبي (ص): (يا أبا ذر طف الصاع(6) طف الصاع ليس لابن بيضاء على ابن سوداء فضل). قال أبو ذر: فاضطجعت، وقلت للرجل: (قم فطأ على خدي)(7)
(وروي إن رجلين تفاخرا عند رسول الله (ص), فقال أحدهما للآخر: أنا فلان ابن فلان فمن أنت لا أم لك؟ فقال النبي (ص): افتخر رجلان عند موسى(ع) فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة، فأوحى الله إلى موسى، قل للذي افتخر: كل التسعة من أهل النار، وأنت عاشرهم)(8)
وأول من فتح باب الفخر بالنسب إبليس حين (اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لأصله، فعدو الله إمام المتعصبين وسلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبية ، ونازع الله رداء الجبرية، وأدرع لباس التعزز، وخلع قناع التذلل)(9) عندما افتخر على آدم بأصله، فقال: أنا ناري وأنت طيني فأنا أفضل منك فالمتفاخر بالنسب مقتدي بإبليس ومقلده .

رابعاً: التكبر بالـمال:
للمال تأثير على نفس الإنسان، حيث إن الإنسان بطبعه إذا أحس بالغناء والاستغناء يصيبه الطغيان، يقول تعالى: ((إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)) (العلق:6-7) ومعنى ذلك إن الإنسان عندما يرى نفسه غنياً يشعر بالقوة والتفوق على الآخرين، وحينئذ تنتفخ أوداجه ،ويتعالى شعوره بالاستعلاء على الآخرين، وخير واقعة في ذلك قصة الرجلين الَذَيَّن دخلا بستان الغني منهما، فأحس الغني أن له فضلا ًعلى صاحبه بما تحمل أشجاره من أثمار فأصابه العجب وراح يفتخر على صاحبه، فيقول: ((أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً)) (الكهف:34) فهنا أحس بالتفوق على صاحبه بكثرة المال، وعدد الأفراد ، فراح يتعالى ويطغى حتى صار يشعر بأن هذا المال سيجعل له فضلاً في الآخرة عند الله، وسيجد عنده تعالى خيراً منها فنسي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي منحه إياها ، ولو شاء أن يسلبها منه لفعل، ولكن بريق المال أنساه مواهب الله سبحانه وتعالى ولهذا أخذ يفتخر ويستكبر، ويستعلي على صاحبه بدلاً من أن يشكر الله على نعمه!
إن استكبار الإنسان بأمواله دليل على نقصان عقله؛ لأن المال وحده لا يمكن يسعد الإنسان، ولربما يملك المال صاحبه، ولم يملكه هو، فيتحول إلى عذاب شديد في الدنيا، وعقاب وبيل، في الآخرة، والمال لا يدوم عند أحد فقد ينقلب الغنى بين ليلة وضحاها فقيراً وبالعكس.
جاء في كتاب حبيب السير : (إن عمرو بن ليث خرج مع ثمانين ألف مقاتل مجهز لقتال الأمير إسماعيل الساماني الذي كان معه عشرة آلاف مقاتل خيالة ولكن لما دقت طبول الحرب، وارتفع صوت النفير، أصابت فرس عمرو بن ليث وحشة فتقدم به فجأة، وبلا اختيار إلى صفوف الأعداء فاستطاع الأمير إسماعيل بدون خوض أية معركة أن يتغلب عليه، ويحبسه في خيمته، وينقل: أن عمرو نظر ذلك اليوم إلى أحد الخدم فدعاه، وشكى له الجوع. فأحضر له في الحال قطعة من اللحم، وحيث لم يكن يوجد قدر وضعها في سطل الفرس، وأشعل النار، وانصرف إلى عمله، وصدفة جاء كلب ومد رأسه في السطل فأحترق لسانه بحرارة الحساء، ولما أراد ان يخرج رأسه سريعاً علقت عروة السطل في عنقه فذهب به راكضاً، ولما رأى عمرو هذا المنظر ضحك فسأله أحد الحراس عن سبب ضحكه، فقال: اليوم يشتكي طباخي إذ أن ثلاثمائة واسطة نقل تنقل أدوات طبخنا بمشقة، وها أنا الآن أرى كلباً قد نقلها بسهولة)(10)
وقال محمد بن عبدالرحمن الهاشمي: (دخلت على أمي يوم الأضحى وعندها امرأة في أثواب دنسة.
فقالت: أتعرف هذه ؟
قلت: لا.
قالت: هي عناية أم جعفر البرمكي فسلمت عليها .
وقلت لها: حدثيني ببعض أمركم.
فقالت: أذكر لك جملة فيها عبرة لمن اعتبر لقد هجم علي مثل هذا اليوم وعلى رأسي أربعمائة وصيفة ، وأنا أزعم أن ابني جعفر عاق لي، وقد أتيتكم اليوم اسألكم جلد شاة بشعار ودثار)(11)
وهناك أمور أخرى قد تسبب التكبر كالجمال، وكثرة الأتباع والأنصار والتلاميذ، والغلمان ،والعشيرة، والأقارب، والجنود … أعاذنا الله من الغرور والغفلة، ونسيان النعمة .

الهوامش:
(1) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 2/35.
(2) الإمام الخميني، آداب الصلاة: 44 , ط: مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني.
(3) الإمام الخميني، الأربعون حديثاً: 347.
(4) الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: 6/239.
(5) الإمام الخميني، الآداب المعنوية: 166.
(6) قوله (ص): (طف الصاع لم تملؤوه) من العبارات العجيبة عن هذا المعنى، يريد أن كلكم قاصر عن غاية الكمال، تشبيها بطف المكيال، وهو أن يقارب الامتلاء من غير أن يمتلئ. يقال: طف المكيال وطفافه إذا أريد به هذا المعنى، وهو ضد الطلاع. الشريف الرضي، المجازات النبوية: 281.
(7) الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: 6/243.
(8) نفس المصدر.
(9) نهج البلاغة خطبة: 192 .
(10) السيد عبد الحسين دستغيب، الذنوب الكبيرة: 2/141.
(11) الشيخ محمد تقي التستري، نهج الصباغة: 14/173.

المصدر: كتاب دراسات أخلاقية في ضوء الكتاب والسنة
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com