موقع الصراط ... الموضوع : العداوة (1)
 
الأحد - 30 / رمضان / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العداوة (1)  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 25 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  من محاضرات العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله
fadllolah نعالج هذه المرّة مظهراً من المظاهر اللاأخلاقيّة التي تقتحم الحياة الإنسانيَّة، أعني العداوةفي مفهومها النفسي، وهي حالة نفسيَّة سلبيَّة ضدّ الآخر، بحيث تنفيه وترفضه في نفسه أو في موقعه أو في مصالحه، وتتحرّك نحوه بطريقة تدميريَّة في مختلف الأعمال والأقوال والمواقف، فهي عقدة في الفكر والشّعور، وحركة عدوانيّة في الواقع والموقف. وقد تنشأ من اختلاف الفكر والعقيدة في المبدأ أو التّفاصيل، وتتعاظم في المسألة الدينيّة والمذهبيّة والعرقيّة، وتتنوّع في تأثيراتها في الأمور الشخصيَّة أو القوميَّة، على مستوى المصالح المتضادَّة أو المشاكل المتنافرة التي لا يتَّسع فيها الموقع للطرفين أو لمصالحهما معاً، فتنتهي المسألة إلى المغالبة والمنازعة والمنافرة، وقد تتحوّل الأحاسيس والمشاعر والمشاكل المعقّدة إلى حالة من الضّيق النفسي، أو الارتباك الواقعي، أو التعقيد العملي، فيؤدّي ذلك إلى الحرب، وسفك الدّماء، وتدمير الحياة بمظاهرها العمرانيّة والحيويّة والسياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة، في عمليّة سقوط للإنسان وللحياة.

إبليس: العدوّ الأوّل:
وقد كانت أوّل عداوة عرضت على الإنسان في بداية خلقه، هي عداوة إبليس لآدم، باعتباره صورة للإنسان؛ هذا المخلوق الجديد الّذي أكرمه الله، وخلقه قبضة من الطّين ونفخة من روحه، وأمر الملائكة بالسّجود له، تحيّةً له، وتعظيماً لله في إبداعه للسرّ الوجودي المميّز في خلقه، وأمر إبليس ـ الّذي كان يعيش مع الملائكة ـ بالسّجود، {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}[1]، فيما كان الكبر الَّذي قاد إبليس إلى الحسد، هو العقدة التي تحركت في نفسه، وتحولت إلى موقف رافض للامتثال لأمر الله، الذي لا ينسجم مع نظرته العرقية إلى أصله، من دون التفات إلى أنّ عناصر الخلق تابعة لإرادة الله في حكمته، مما منحها من الخصائص المتنوّعة، بحيث يفضّل أحد الأشخاص في بعض جوانبه، ليتميَّز الآخر عنه في جوانب أخرى، بحيث لا يتحوَّل التفضيل إلى شيء في المطلق، بل في المحدود على أساس النسبيَّة، الأمر الَّذي يجعل الشخص خاضعاً لنقاط الضّعف والقوّة في وجوده. ولكن البعض قد يستغرق في الجانب المميّز البارز في شخصيّته، من دون النظر إلى الجانب المماثل المميّز في شخصيّة الآخر، لتتوازن النظرة، ويعتدل الموقف، وينطلق العدل في الحكم.
وهكذا، بدأت العقدة في نفس إبليس، تأكل قلبه، وتشغل عقله... ثم تعقّدت أكثر عندما طرده الله من الإقامة في الجنّة، {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}[2]، وكان ذلك جرحاً في كبريائه، وسقوطاً في حسده، وغلبةً لهذا المخلوق الجديد عليه، وفكّر كيف يثأر لنفسه ليتغلّب عليه: {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[3]، واترك لي الفرصة ـ والكلام لإبليس ـ لأؤكّد تفوّقي على هذا المخلوق الجديد، ولأنفّس عن عقدتي منه.
وكانت حكمة الله أن يعيش الإنسان في تجربته الفكرية والعملية، حالة الصراع بين الخير والشرّ، والحقّ والباطل، ويحقّق تجربة الانتصار على إبليس بعقله وإرادته، ليؤكّد قيمته الإنسانية في عناصرها الإيجابية الفاعلة، وليكون الاختيار هو الطّابع الذي يطبع شخصيّته، ليكون ثباته عن إرادة، وسقوطه عن اختيار، وهكذا كانت إرادة الله، {قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ}[4]، وكان له ما أراد، لا كرامةً له عند الله، ولكن لحكمة دقيقة أرادها الله تعالى.

خطّة إبليس للثّأر:
وهنا، أعلن إبليس عن خطّته في الثّأر لنفسه، ليخرج آدم وذرّيته من الجنّة كما خرج منها، وليغويهم فيبعدهم عن الحقّ، كما سقط هو في الغواية في تجربته الفاشلة، {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي}، وأبعدتني عن ساحة رحمتك، {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}، لأبعدهم عنه، وأوسوس لهم، ليختاروا السير في خطّ الانحراف، {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}[5]، لأنني ـ والكلام لإبليس ـ أملك من القدرات الّتي منحتني إياها في عناصر ذاتي، الوسائل والأساليب التي تنفذ إليهم في أفكارهم ومشاعرهم وغرائزهم، فأوسوس لهم، وأُزيّن الباطل بصورة الحقّ، والشرّ بصورة الخير، فيسقطون في التجربة كما سقطت، ويستكبرون كما تكبّرت، ويحيدون كما حدت، ويبتعدون بتأثير ذلك عن شكرك الفكري والعملي، بابتعادهم عن مواقع طاعتك، فيخرجون من الجنّة كما خرجت، وبذلك، تشعر عقدتي بالرّاحة والاطمئنان…
وأراد الله أن يعلن له غضبه على هذه النفسية الخبيثة العدوانية السيئة التي تزيده بعداً عن الله، {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً}، ليبيّن له أنّه قد يبلغ ما يريده في البعض، ولكنّه لن يحقّق كلّ ما يريد، وسيلاقي الّذين اتّبعوه ما يلاقيه هو من العذاب والطّرد من رحمة الله، {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ}[6].
وبقي آدم وزوجه في الجنّة، وأصدر الله لهما النصيحة، وحذَّرهما من إبليس الّذي أعلن لهما العداوة في استكباره وحسده، {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ}، وسيبدأ خطَّته العدوانيّة في إخراجكما من الجنّة بوسوسته، {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}[7]، لأنّ الجنة هي دار النعيم التي لا بؤس فيها، {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}[8]، وستفقدان ذلك كلّه إذا نجح إبليس في تجربته معكما.
ولكنَّ المشكلة أنَّ الله خلق آدم طيّباً، صافياً في نفسه، منفتحاً على الآخر، فلا يخطر في باله أنّه يفكّر في السّوء، أو يضمر الشّرّ، أو يتحرّك معه بطريقة عدوانيّة، أو أنه يغشّه في حديثه معه. كانت التَّجربة تنقصه، لأنه لم يدخل فيها، وكانت نقطة الضعف كامنة في داخل نفسه، {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}[9]، ولذلك، كان معرّضاً للنسيان، وكان يفتقد العزيمة الصلبة القوية، {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}[10].
وكانت حكمة الله أن يدخل آدم وزوجه التّجربة في موقعهما هذا بشكل حادّ، لتتصلَّب شخصيَّتهما بفعل تأثيرها الإيجابي في الإطلال على الواقع الجديد في الخلفيّات الخفيّة الكامنة في شخصيّة الآخر، فيما يخفيه من النيّات السيئة والخطط الشّريرة، ليتعلّما أن يأخذا جانب الحذر فيما يقدّم إليهما من كلماتٍ تأخذ عنوان النّصيحة في الظّاهر، وتخفي معنى الغشّ في الباطن.
لقد كانا في المحضن الإلهيّ في عين الله، الذي أراد لهما أن يعيشا التجربة الأولى في عمليَّة تدريبيَّة حاسمة، كأسلوب إلهيّ من وسائل التربية والتعليم التي أراد الله لعباده وأوليائه الصّالحين أن يأخذوا بها، ليستعينوا بها على مهمّتهم المستقبليّة في حمل الرّسالة وأدائها بقوّة ووعي وحذر، ولا سيَّما في مواجهة التحدّيات الصعبة التي تقابلهما في ساحة الصّراع الصّعب.. وكانت النَّصيحة الإلهيّة: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ}[11]، وكان هذا الاستثناء في الأكل من هذه الشّجرة، هو مفتاح التّجربة الجديدة الَّتي يمكن لإبليس أن ينفذ منها إليهما، مستغلاًّ طيبتهما وبساطتهما وفقدانهما للتَّجربة الاجتماعيَّة.

تنفيذ الخطّة:
وهكذا، دخل إبليس على خطّ آدم وحوّاء، وهما في استغراقهما في حالة الصّفاء النفسي الذي لا كدر فيه، والطيبة الإنسانيّة التي لا خبث فيها، والبساطة الروحيَّة التي لا تعقيد فيها، والعفويّة الحركيّة التي لا حذر فيها، {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا}، ليكتشفا سرّ هذه المنطقة الحسّاسة من جسديهما، وليكون ذلك وسيلة لاكتشاف الأسرار الخفيّة في الجسد، ولتحريك بعض نقاط الضعف الإنساني الكامنة فيها، {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}[12]، فليس هذا النهي نهياً مولوياً تعبّدياً تؤدّي مخالفته إلى غضب الله، ولكنَّ المسألة هي أن في هذه الشَّجرة يكمن سرّ القدرة على الانتقال من حالة البشر إلى حالة الملك، وسرّ الخلود الذي يمنحكم سرّ البقاء، والتخلّص من حالة الفناء في نهاية العمر، ولذلك، فلا مشكلة في أكلكما من هذه الشجرة، ولن يطردكما الله من رحمته إذا خالفتما هذا النهي الإرشادي ـ لا المولوي ـ لأنكما في تحوّلكما إلى شخصية الملك، ستقومان بالاستغراق في عبادة الله، كما يستغرق الملائكة في ذلك بإخلاص واستمرار، وإذا حصلتما على الخلود، فسيكون خلودكما خلوداً في طاعة الله ورضوانه.
ولما رأى منهما التردّد في الاستجابة له، لأنهما كانا لا ينفتحان على حالة المخالفة لله، ولا سيّما بعد تحذيره لهما من إبليس الذي قد يخرجهما من الجنّة، بادر إلى القسم بالله إنّه لمن الناصحين، {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}[13]، وكان هذا القسم كافياً للاستغراق في معناه الرّوحي، فهل يمكن لأحد أن يكذب في الحلف بالله، ولا سيّما أن العرض الذي عرضه عليهما كان يأخذ مظهر النصيحة.. وهكذا، شغلهما عن التفكير في النتائج، وعن الحذر من هذا المخلوق الشيطاني، {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}، وسقطا في التجربة بفعل هذه الخديعة الخبيثة، {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ}، وواجها ـ عندئذٍ ـ الموقف الصّعب أمام الله، {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}[14]، فكيف نسيتما هذا التحذير؟ وكيف غفلتما عن عداوته وعن الحقيقة العدوانيّة في علاقة العدوّ بعدوّه، فإنه لا يمكن أن يكون ناصحاً له، لأنه لا يريد له الخير، بل يعمل على إيقاعه في الشّرّ، وتوريطه في أكثر من مشكلة، وأنه لا يمتنع من الحلف بالله كاذباً لإتمام خطّته، لأنه لا يخاف من الله في ذلك؟
ورجعا إلى الله في حالة من النّدم العميق، {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا}[الأعراف: 23]،ما ورَّطنا في هذه التجربة السلبيّة التي لا تلتقي بمصلحتنا في حاضرنا ومستقبلنا، وتلك هي الخطيئة التي نستغفرك منها، فقد عصيناك في نهيك الإرشادي، فلم نقبل نصيحتك فيما هو الأولى بنا أن نقبله، واستسلمنا للغشّ الإبليسي الذي جاء بصورة النصيحة في غفلة منّا ونسيان، فاغفر لنا ذلك، فنحن نحبّك، ونوحّدك، ونعبدك، ولا نشرك بعبادتك أحداً، فأعطنا العذر يا ربّنا فيما أودعته من نقاط الضّعف فينا، واغفر لنا، فإنَّ غفرانك هو سرّ السّعادة والنجاح والفلاح في وجودنا ومستقبل أمرنا، {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، الذين يرون أنَّ خسارة محبتك ورضوانك هي الخسارة العظمى.
وخرجا من الجنّة، كما خرج إبليس منها، ولكنَّ الفرق بينهما وبينه، أنّه خرج منها بسبب عصيانه وتمرّده على الله، وتكبّره، وحسده لآدم. أمّا هما، فلم يخالفا أمر الله إلا من خلال حالة الغفلة والنّسيان لنهي إرشاديّ في خطّة عمليّة تدريبيّة، في الوقت الّذي كانا في موقع العبوديَّة الخالصة الصّالحة المخلصة، وفي موقف التّوبة الخاشعة الخاضعة المبتهلة إلى الله، الراجعة إليه، المنفتحة على مستقبل طاعته ورضوانه. وهكذا، أوحى الله للجميع: {وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}[15]، فقد أريد لكم أن تعيشوا في الأرض، فقد خلق الله آدم ليكون خليفته في الأرض، {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[16]، وكانت هذه الدورة التدريبيّة هي الوسيلة التي يهبط فيها إلى الأرض، ليمارس فيها دوره في الخلافة من بعد التجربة الصعبة التي تعلّم منها درساً نافعاً في مستقبل أمره وعلاقته بإبليس، ولتبقى الجنة هاجسه الحبيب في كلّ ما يفكّر فيه أو يقوله أو يعمله.
وبدأت العداوة بين الإنسان والشيطان، فالإنسان يعادي في الشيطان خططه العدوانيّة التآمرية التي يصدُّه فيها عن الصّراط المستقيم، ويبعده عن الله، ويمنعه من الدّخول إلى الجنة من جديد، والشيطان يعادي الإنسان للتّنفيس عن عقدته، لأنه خرج من الجنة، وطرد من رحمة الله بسببه، عندما تحركت عقدته التي عصى فيها ربه.. وكانت نهاية المطاف أن ينزل آدم إلى الأرض في آفاق رحمة الله ورضوانه، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}، انفتح فيها على ربّه في ابتهالاته الروحيّة بكلّ إخلاص العبد لربه في مستقبل الطاعة المطلقة لله، {فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[17].

عداوة مستمرّة:
وهكذا، أراد الله للإنسان أن يبدأ تجربته في الأرض في خطّ المسؤوليّة، على أساس الالتزام برسالة الله التي يريد الله أن يهدي الإنسان بها ليهتدي به، ويواجه الشيطان الذي يخطّط لإبعاده وإضلاله عنها.. وهنا، يؤكّد الله النتائج الإيجابيّة للآخذين بهدى الله في رسالته، فيدخلهم الجنّة خالدين فيها، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وفي المقابل، النتائج السلبية للكافرين بآيات الله والمكذّبين بها، فيدخلهم النار خالدين فيها.. وهكذا، أسدل الستار على المشهد الـغيبي الذي رافق خلق الإنسان، وتجربة إبليس هذه، والدورة التدريبية التي خضع لها آدم وزوجه، وسقوطهما في التجربة، ونزولهما ـ مع إبليس ـ إلى الأرض، ليبدأ الصراع.
ويؤكّد الله للإنسان شخصيَّة العدوّ في الشيطان الذي يتمثّل إبليس عنوانه الكبير، وليمتدّ في ذرّيته وجنوده، وقد تكرَّر الحديث في أكثر من آية: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}[18]، وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}[19]، وقوله كذلك، {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}[20]، وقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[21]، ويتأكّد تحذيره لبني آدم من خلال تذكيرهم بالتّاريخ الأوّل عندما كان أبواهم في الجنّة، فأخرجهما منها، وقرّر أن يمنعكم منها بإبعادكم عن سبيل الله الذي يقودكم إليها، {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}[22]، ويحذّرهم من خطوات الشيطان الّتي تمثّل وسائله وخططه وبرامجه ووساوسه وتسويلاته وتزييناته، الّتي تثير أمام الإنسان الضباب الكثيف في تصوّراته، والصّور الخادعة في حركاته، والمشاعر القلقة المعقّدة في أحاسيسه، ليكون الإنسان واعياً لذلك كلّه، بما منحه الله من عقل وشعور، وبما أنزل عليه من وحي، وبما أكَّده في ذاته من إرادة، وبما خطَّط له من برامج ومن مناهج، وشرع له من شريعة، ليصل من خلال ذلك إلى رضوانه، وليتخلَّص به من خطر الحركة العدوانية الشيطانية في أوضاعه الخاصّة والعامّة، وهو ما أورده الله في عدّة آيات، منها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[23]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}[24]، وكذلك: {وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}[25]...
فقد تحدّث الله عن اتّباع خطوات الشيطان، والاستسلام له في السّير في خطّه، أنه نوع من العبادة التي نهى الله عباده عنها، لأنها تبتعد بهم عن الحق الذي فيه صلاحهم ونجاتهم، وتقترب بهم من الباطل الذي فيه فسادهم وهلاكهم، وتبعدهم عن عبادة الله التي هي الصراط المستقيم الذي ينفتح بهم على مواقع القرب من الله، والارتفاع إلى درجة رضوانه، وذلك هو قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}[26]. وتتمثَّل عبادة الإنسان للشّيطان، بالخضوع المستغرق فيه، في سقوط الإرادة أمام وساوسه وتوجيهاته، وفي الانسحاق النفسيّ أمام مكائده وتأثيراته.
وقد ورد في الحديث المأثور عن الإمام الباقر(ع): "من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدّي عن الله، فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدّي عن الشيطان، فقد عبد الشيطان"[27]. إنَّ الله يحذّر الناس من الخضوع للشّيطان، بتحريك عقولهم في دراسة النتائج السلبيّة المتمثّلة في الإضلال، والابتعاد عن الحقّ، والدّخول في جهنّم، بينما تتمثَّل النتائج الإيجابيّة في عبادة الله، التي تربطهم بالهدى في الخطّ وفي المنهج وفي الغاية الكبرى، وهي رضوان الله والدّخول في جنّته.
وسائل إضلال الإنسان:
وتتنوَّع الآيات القرآنيّة في أكثر من حديث، لتتحدّث عن وسائل الشيطان وخططه وخطواته ووساوسه الّتي يحاول أن يضلّ بها الإنسان، تنفيساً لعقدة عداوته، فنقرأ في قوله تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً * لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً *وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً *يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً}[28]. وإنها الخطَّة الَّتي تخطّط لتدمير عباد الله من الناحية الفكريّة والنفسيّة والعمليّة، وتدفعهم إلى الاستغراق في الأماني والوعود المعسولة، التي تتمثل في الأوهام التي لا ترتكز على واقع. وفي قوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[29]، وفي قوله تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}[30]، وقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً}[31]، وفي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}[32]، إلى غير ذلك من الآيات التي تريد للإنسان أن يكون واعياً حذراً لما يخطّط له الشَّيطان بطريقة خفيَّة، وذلك بالانفتاح على وحي الله الذي جاء به الرسل، والتعرف إلى واقع نفسه والناس من حوله، ودراسة كلّ نقاط الضّعف والقوّة في شخصيَّته، وتؤكّد في الوقت نفسه، أنَّ الشيطان لا يملك القوَّة والسلطان على عباد الله الصّالحين، الذين يستحضرون إيمانهم بالله والتزامهم بدينه في وجدانهم الفكريّ والعمليّ، فلا يسقطون أمامه، وذلك هو قول الله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}[33]، وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}[34]، ويعترف الشّيطان بهذه الحقيقة في قوله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ}[35]، فالشيطان لا يشلّ قدرة الإنسان، فيمنعه من التّفكير المتّزن والرّأي السّديد والاختيار الحرّ، بل يحاول أن يغيّر له الصّورة الحقيقيَّة بالكثير من الوسائل الخادعة الّتي تخدع بصره وتعمي بصيرته، ما يبعده عن التركيز بسوء اختياره.
وقد أكَّد الله للإنسان أنَّ كيد الشّيطان لا يلغي للإنسان إنسانيّته، وذلك قوله تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}[36]، وبذلك، فإنَّ الإنسان يملك حماية نفسه من عدوّه، بالمزيد من التَّفكير العميق، والوعي المنفتح، والإيمان القويّ، والبصيرة النافذة، والإرادة الصّلبة، والانفتاح على الله في خطّ الثقة به، والاستقامة به، وتوحيده في كلّ شيء.

*ندوة الشام الأسبوعيّة، فكر وثقافة

[1] [الأعراف: 11، 12].
[2] [الأعراف: 13].
[3] [الأعراف: 14].
[4] [الأعراف: 15].
[5] [الأعراف: 16، 17].
[6] [الأعراف: 18].
[7] [طه: 117].
[8] [طه: 118، 119].
[9] [النساء: 28].
[10] [طه: 115].
[11] [الأعراف: 19].
[12] [الأعراف: 20].
[13] [الأعراف: 21].
[14] [الأعراف: 22].
[15] [البقرة: 36].
[16] [البقرة: 30].
[17] [البقرة: 37، 38].
[18] [يوسف: 5].
[19] [البقرة: 208].
[20] [الكهف: 50].
[21] [فاطر: 6].
[22] [الأعراف: 27].
[23] [البقرة: 168، 169].
[24] [البقرة: 208].
[25] [الزخرف: 62].
[26] [يس: 60 ـ 62].
[27] الكافي، الشيخ الكليني، ج 6، ص 435.
[28] [النساء: 117، 121].
[29] [البقرة: 268].
[30] [النمل: 24].
[31] [الإسراء: 53].
[32] [المائدة: 90، 91]. [33] [الحجر: 42].
[34] [النحل: 99].
[35] [إبراهيم: 22].
[36] [النساء: 76].


المصدر: موقع البينات ومجلة الندوة العدد التاسع
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com