موقع الصراط ... الموضوع : مَدخل إلى منهجٍ لنقد الغرب<br> قراءة في دراسات الشهيد الصّدر
 
الإثنين - 28 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مَدخل إلى منهجٍ لنقد الغرب
قراءة في دراسات الشهيد الصّدر
 
   
  كتب بتاريخ : السبت - 25 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ مازن المطوري
mazen يومَ رُغبَ إليَّ أن أكتبَ مقالاً يتناول نقد السيّد محمد باقر الصّدر للفكر الغربي أحسستُ بكبير الأزمة التي تحكمنا في تعاطينا مع الغرب، ذلك أن تعاطينا مع الغرب تغلب عليه نظرةٌ ضيّقةٌ، فضلاً عن حاكمية الخيار السياسي، ومن نتائج ذلك الأحكامُ التعسّفيّة التي نَسِمُ بها الأفكار والتجارب والرؤى التي قدمتها شعوب غرب المعمورة. ولعلّ المنشأ في ذلك كلّه هو ما سوف أُشير إليه في مطلع هذه المقال، أعني مشكلة غياب المنهج وعدم الوضوح في الرؤية، فضلاً عن الشعور بالخوف والريبة إزاء كلّ فكرة يُصَدّرها لنا الغرب، وهذا بدوره ناشئ عن عوامل لسنا بصددها.
بناءً على ذلك وجدت أنّنا لسنا بحاجة لتظهير نقد السيد الصدر لفكر الغرب بقدر ما نحتاج إلى تظهير المنهج الذي انطلق منه الصدر في نقده، وإلى طريقة التعامل التي مارسها في أعماله الفكرية وهو يتناول مقولات مفكّري الغرب، والغاية التي كان يسعى لأجلها. فبدلاً من الوقوف مليّاً عند نقد الصدر لاقتصاد الغرب أو لفلسفته أو مقولات الأخلاق والسياسة وحركة التاريخ، الحريّ بنا الوقوف عند المنهج في ذلك النقد، وهكذا كان.
وعلى وفق ذلك جاءت هذه الأوراق التي أعترف بنقصها وحاجتها للمراجعة والتتميم، فلا يدعي الكمال سوى مغرور أو صاحب (أنا) منتفخة. وأعني بـ(الأنا) هنا بمدلولها الأخلاقي وليست بالمدلول الذي يتحدث عنه الصدر، عندما جعلها عنواناً في بعض حلقات مشروعه الفكري: (فلسفتنا)، (اقتصادنا)، حيث كان يشير بها إلى الهوية والعودة إلى الذات.
فإذن هذه الأوراق مدخل لنقد الصّدر للغرب ولا تدخل في تفاصيل نقده، فلذلك قصّة أخرى تحتاج جهوداً كبيرةً ممن لهم رسوخ في الفهم.

ما هو المنهج الأسلم في قراءة الغرب ونقده؟
من الصعوبة بمكان الإجابة عن هذا التساؤل، والانسياق خلف الأجوبة الجاهزة والعفوية يوقعنا -كما فعل بالكثيرين - في منزلقات ووديان تخلّف آثاراً مدمّرة، لا تقتصر تداعياتها على الفكر وإنّما تمسّ الواقع بالصميم.
إن التعاطي مع فكر الغرب ونقده يمثّل إشكاليّة كبيرة في عالمنا الإسلامي، ولا تقف هذه الإشكالية عند بُعدٍ من أبعاد مُنْتَجِ الغرب، بل تمتد لتشمل كل الأبعاد: السياسية والاقتصادية والفلسفية والاجتماعية، ولا تنحصر كذلك في فئة من الناس دون أخرى، بل تشمل الاتجاه الديني كما تشمل غيره.
لعلّ المطالعة الاستقرائية للكتابات التي تعاطت مع فكر الغرب توقفنا على اتجاهات ثلاثة انطلقت في تعاطيها مع المنجز الغربي بأبعاده المختلفة من إشكالية مزمنة، هي أزمة الهوية وعقدة الشعور بالنقص:
1- ينظر أصحاب الاتجاه الأول للغرب ككل غير قابل للتفكيك والتجزئة، فهو هوية واحدة موحّدة، تمثل عنوان الغازي المستعمر، الذي تجب مجافاتُه والقطيعةُ معه، والتعامل مع عطاءه بحذر الشعوب المقهورة.
2- بينما ينظر أصحاب الاتجاه الثاني رؤية معاكسة للاتجاه الأول وإن اتفقوا في الانطلاق من أزمة الهوية، حيث يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى ضرورة التعامل مع هوية الغرب الواحدة الموحدة بوصفها كلاً غير قابل للتجزئة والتفكيك، ولكنه المنقذ المستنير الذي يجب اتّباعه حذو القذّة بالقذّة، فحتى نواكب حياة (البشر) لا بد لنا من الأخذ بكل إنجازاته ومنتجه مأخذ الوالِهِ لفُضْلى الحياة.
وقد تمثّل هذا الاتجاه في كتابات قطاع كبير في العالم الإسلامي من الذين دعوا إلى اللحوق بركب حضارة الغرب على كافة الأصعدة، حتى عرفوا بدعاة التغريب. والأسماء في ذلك كثيرة ومعروفة فلسنا بحاجة لاستعراضها أو نقل نصوصهم. ففي تصور هؤلاء الباحثين أن المرجع الوحيد لخروج البلاد العربية والإسلامية من واقعها المرير والمتخلّف في شتى المجالات هو اللحوق بالغرب، واعتبار مفاهيمه الملاذَ الآمن في ذلك النهوض المنشود، فالحداثة والتحديث والتنمية والنهضة في فكر هذا النمط من الناس يجب أن تكون امتداداً للغرب، وهو مرجعية كل ذلك.
وقد أثبتت الوقائع والأحداث أن هذا النمط من التفكير طوباوي وبعيد عن واقع الشعوب الإسلامية سيسيولوجياً وتاريخياً. ذلك أن جزءاً كبيراً من حداثة الغرب تحقق عن طريق استعمار الشعوب وقهرها ونهب ثرواتها وامتصاص دماءها، ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يحدث في العالم الإسلامي. وفضلاً عن ذلك فإن أفكار وتجارب الغربيّين تشكلت في أرض ثقافية مناسبة لها وبالتالي فلا يمكن تعميمها على كل الشعوب والبلدان، ومما يشهد على ذلك أن نفس الشعوب والدول الغربية مختلفة بينها فيما يرتبط بالممارسة والتجارب السياسية والاقتصادية ومنظومات القيم والأفكار وإن جمعتها اُطر عامة.
3- انطلق الاتجاه الثالث من نفس أزمة الهوية التي صدر منها الاتجاهان الآخران، ولكنه - وهو اتّجاه احتل مساحة واسعة في العالم الإسلامي- دعا إلى تجزئة عطاء الغرب ومنجزه، فلم ينظر للغرب ككل لا يقبل التجزئة، وإنما دعا إلى الأخذ بمنجزاته العلمية والتكنولوجية والحياتية ونبذ عطاءه وتجربته السياسية والاجتماعية والقيميّة.
وبتعبير آخر: إن أنصار هذا الاتجاه التفكيكي دعوا إلى نبذ كلّ ما يرتبط بمقولة العقل العملي وما ينبغي وما لا ينبغي فعله من مُنتَج الغرب. في إطار هذا الاتّجاه كتب سيّد قطب قائلاً:
(إن اتجاهات الفلسفة بجملتها، واتجاهات علم النفس بجملتها - عدا الملاحظات والمشاهدات دون التفسيرات العامة له- ومباحث الأخلاق بجملتها، واتجاهات التفسيرات والمذاهب الاجتماعية بجملتها - فيما عدا المشاهدات والمعلومات المباشرة، لا النتائج العامة المستخلصة منها، ولا التوجهات الكليّة الناشئة منها- إن هذه الاتجاهات كلها في الفكر الجاهلي قديماً وحديثاً، متأثرة تأثيراً مباشراً بتصورات اعتقادات الجاهلية، وقائمة على هذه التصورات، ومعظمها - إن لم يكن كلها- يتضمن في أصوله المنهجية عداءً ظاهراً وخفياً للتصور الديني جملة، وللتصور الإسلامي على وجه خاص...
إن حكاية أن الثقافة تراث إنساني لا وطن له ولا جنس ولا دين هي حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية دون أن تتجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية الميتافيزيقية لنتائج هذه العلوم، ولا التفسيرات الفلسفية للإنسان نفسه ونشأته وتاريخه، ولا إلى الفن والأدب والتعبيرات الشعرية جميعاً، ولكنها فيما وراء ذلك إحدى مصايد اليهودية العالمية..)(1).
وهكذا نجد أتباع هذا الاتجاه يقرّرون أن الإنسان فيما يرتبط بمقولات العقل العملي لا بدّ أن ينبذ فكر الغرب وهويته ومنتَجه، أما فيما سوى ذلك من علوم ومنجزات وتقنيات فلا ضير من الأخذ بها وإقامة الحياة عليها.
ومن الواضح لنا ونحن نستعرض هذا الاتجاه المفكِّك بين مُنْتَج ومُنْتَج لواعية واحدة أنه لا يصدر عن تأسيس واضح ومنهج مؤسّس، وإنما هاجس الهوية والعاطفة، فضلاً عن الغيرة الدينية والأخلاقية - وهي محمودة على كل حال- تلعب دوراً كبيراً في هذا التعاطي التفكيكي مع منجز الغرب.

المنهج الأسلم:
لم يرتض الشهيد الصّدر كلّ المناهج المتقدمة في التعاطي مع فكر الغرب، ذلك أن الأخذ بتلك المناهج يجر المشاكل الكثيرة، فضلاً عن افتقارها لأساس منهجي ثابت وهوية تنطلق منها، وإنما رأى أن المنهج الأسلم في التعاطي مع فكر الغرب لا بد أن يكون المنطلق فيه الإنتاج الداخلي وإبراز الأنا الفكري، وكما سار على ذلك في مختلف مؤلفاته. فالقاعدة التي ينطلق منها الصدر في تعاطيه مع نتاج الغرب لا تتضمن أزمة هوية، وإنما ينطلق من مسلّمة أن الإنتاج المعرفي الداخلي هو السبيل الوحيد والصراط السّوي لتحقيق هويتنا، وأن التعاطي النقدي والحواري مع فكر الآخرين هو الذي يجتاز عقدة الشعور بالدونية أمامهم. ففي تشخيص الصدر أن أزمة المعرفة في العالم الإسلامي تكمن في غياب الإنتاج الداخلي الذي يحقق الذات، فضلاً عن استيراد مناهج الآخرين ورؤاهم المنتَجَة ضمن الإطار المناسب لمناخاتهم.
وعلى وفق هذه المسلّمة سار الشهيد الصدر في مشروعه الفكري في مختلف كتاباته التي تناول فيها بالنقد والتحليل والتمحيص رؤى وأفكار الغرب كـ: فلسفتنا واقتصادنا والاُسس المنطقية للاستقراء، والسنن التاريخية في القرآن الكريم، وغيرها.

إشكالية التبعية المنهجية:
فضلاً عن تشخيصه لأزمة الهوية التي عانت منها اتجاهات التعاطي مع فكر الغرب، وضمور الذات، رأى الصدر في توجهات أخرى حاولت الخروج عن منتَج الغرب أنها لم تستطيع أن تنفذ بجلدها عن مشكلة الوقوع في شراك الغرب مجدداً بسبب التبعية في المنهج، فاستيراد المنهج، حتى مع اختلاف المادة والتجربة التي تصاغ به، والواقع الذي يكون مسرحاً لتطبيقه، لا يغيّر من واقع المشكلة وجوهرها شيئاً، وإنما يعني الوقوع في مركب الأزمة نفسها: الهوية/ الدونية/ التبعية.
وقد عالج الشهيد الصدر إشكالية المنهج في كتابات متعدّدة سيّما في كتابيه القيّمين (اقتصادنا) و(الأسس المنطقية للاستقراء). وفي خصوص الأخير فقد قدم منهجاً في الابستمولوجيا ألقى بظلاله على مختلف صنوف المعرفة، الدينية واللاهوتية، والفلسفية وقضايا العلوم، وحقّ له أن يتربّع على عرش المعرفة إلى جانب المناهج والنظريات الأخرى، كما سنأتي على ايضاحه مجملاً.
وعلى مستوى المنهج الاقتصادي رأى الصدر أن تجارباً سياسية عديدة في داخل العالم الإسلامي حاولت الاستقلال عن التبعية السياسية الغربية، وعن سيطرة الاقتصاد الأوربي الذي يمتص خيراتها، وذلك من خلال الاعتماد على القدرات الذاتية في التطوّر الاقتصادي، والتغلّب على مظاهر التخلّف المتعددة، والسير في طريق التنمية الشاملة، ولكنها من الناحية العملية فضلاً عن النظرية، لم تستطع أن تخرج عن الفهم الغربي للمشكلة في أبعادها المختلفة السياسية والاقتصادية، فسلكت نفس المنهج الأوربي سيّما في الاقتصاد.
وبسبب من هذا السلوك والتبعية المنهجية، وجدت هذه التجارب نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الأخذ بالاقتصاد الحر القائم على الأساس الرأسمالي، وإما الأخذ بالاقتصاد الاشتراكي. فذهبت تجارب صوب الأخذ بالاقتصاد الحر بسبب نفوذه في عالم الحياة، ورأت في شيوعه في دنيا الغرب مبرّر نجاح، فيما جنحت تجارب أخرى للأخذ بالاقتصاد الاشتراكي لأنها وجدت فيه النقيض للاقتصاد الأوربي، وهو ما يدعمها في كفاحها في سبيل التخلص من السلطة السياسية التي تحكم البلدان الرأسمالية.
أما نتيجة هذه التجارب فكانت أن وجدت نفسها في أحضان الهيمنة الغربية التي فرّت منها، والسبب في ذلك يرجع بحسب تشخيص الصدر إلى التبعيّة في المنهج، فضلاً عن الفشل في مجال التطبيق لكلا المنهجين الاقتصاديين في هذه التجارب السياسية.
وعلى مستوى التبعية في المناهج السياسية والتي أعادت حركات التحرّر السياسي والنهضة في البلاد الإسلامية لأحضان الغرب، في الوقت الذي حاولت فيه التخلّص من تلك التبعية، فقد تمثلت في تلك التجارب التي اتّخذت من القومية العربية شعاراً لها. ذلك أن أصحاب هذه التجارب، وبسبب الشعور النفسي الذي عاشته الشعوب الإسلامية تجاه الاستعمار وما استتبعه من شك وريبة واتهام وخوف وتوجّس من كل شيء يمت للغرب بصلة، ناتج عن تاريخ مرير وطويل في الكفاح ضد الاستعمار والاستغلال، أصابهم الانكماش من كل شيء يرتبط بدول الاستعمار حتى فيما يتعلق بالجانب التنظيمي الحياتي في البلاد الأوربية مهما كان صالحاً وجيداً في نفسه ومنفصلاً عن الاستعمار سياسياً.
وقد أفرز هذا الانكماش عدم تفاعل أصحاب تلك الحركات التحرّرية مع كل النظام الحياتي والتنظيمي في الغرب، ووجدوا أن يقيموا نهضتهم التحرّرية وكيانها على نظام لا يمت لبلاد أوربا والاستعمار بصلة، فاتخذوا من القومية فلسفةً وقاعدةً في البناء الاجتماعي والتنظيم السياسي. ولكنّهم لما وجدوا أن القومية ليست سوى رابطة دم ولغة وتاريخ ولا تتضمن أيّة فلسفةٍ أو دلالات عقيدية، وإنما هي بطبيعتها حيادية تجاه مختلف الفلسفات والمذاهب الاجتماعية والرؤى المذهبية والدينية، عمدوا إلى صياغة تلك القومية بوجهة نظر عن الكون والحياة تفلسف لهم القومية وتجعلها صالحة للتنظيم الاجتماعي والسياسي، ولذا نادوا بالاشتراكية العربية.
وهنا عادت هذه التجارب إلى نفس النقطة التي هربت منها، ذلك أن وَسم التجربة بالاشتراكية العربية لا يعبّر إلا عن زيف ظاهري وشكلي، أما المضمون والجوهر فهو التبعية للغرب في رؤيته السياسية، إذ أن توصيف الاشتراكية بالعربية لا يغيّر من واقع الاشتراكية شيئاً، الاشتراكية التي هي واجهة الأجنبي، ومجرّد إضافة كلمة العربية للاشتراكية لا يميزها عن الاشتراكية السوفياتية أو الصينية أو الكوبية أو غيرها من الاشتراكيات، لأن المضمون واحد.
وهكذا نجد أن هذا التخبط في التجارب الاقتصادية والسياسية ناجم عن إشكالية في المنهج المتبع، وهذه الإشكالية تتمثّل في التبعية للغرب واقعاً وتطبيقاً على الرغم من أن المنطلق والمبتغى هو الخروج من إطار التبعية السياسية والاقتصادية للغرب(2).
أما على مستوى العلوم الطبيعية والتجريبيات واللاهوت، فقد ابتكر الشهيد الصدر نظرية ومنهجاً جديداً جعل التعاطي مع العلوم التجريبية في مصافّ واحد مع اللاهوت والميتافيزيقيا، بحيث يكون الأساس المنطقي للإيمان بالطبيعيات نفسه مبرراً للإيمان بالله تعالى والغيب والميتافيزيقيا، ورفض أحدهما يستلزم رفض الآخر، كما شرح ذلك مفصلاً في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء.

عقلانية الصدر/ قيمة العقل:
وحتى نستكمل هذه النقطة المتعلقة بالمنهج ودوره في النتائج، لا بد من الإشارة ونحن بصدد الحديث عن الأسس المنطقية للاستقراء إلى أن السيد الصدر في كتاب (فلسفتنا) أشار إلى المنهج الذي يبرز (الأنا) الفكري ويحقّق الهوية هو المنهج العقلي والطريقة العقلية في التفكير(3)، وهذا هو المراد بعقلانية الصدر، بمعنى اعطاءه قيمة للعقل ومدركاته، سواء في مجال البحث الميتافيزيقي واللاهوتي، أو في مجال البحث الابستمولوجي (نظرية المعرفة)، وكذلك فيما يرتبط بالتحليل الاجتماعي والتاريخي. ذلك أن بعض المفكرين المسلمين الذين تعاطوا مع فكر الغرب قد وقعوا في إشكالية منهجية عندما تصوروا أن منهج التفكير العام في الإسلام هو المنهج الطبيعي التجريبي، وقد نسبوا ذلك للقرآن الكريم بوعي وبغير وعي، ودون أن يلتفتوا إلى أنهم يسايرون المناهج المادية التي ترفض الميتافيزيقيا والألوهية.
أما السيد الصدر في تعاطيه مع فكر الغرب فلم يجد حرجاً في إعلان أن منهج الإسلام العام وطريقته في التفكير هي الطريقة العقلية، على الرغم من أن المعرفة الغربية في العصور المتأخرة شهدت كساداً في المنهج العقلي فيما صار التمركز باتجاه المنهج التجريبي، كما ولم يجد حرجاً في إعلان أن مفهوم حضارتنا عن العالم والوجود مفهوم إلهي، بالرغم من أن توجهاً كبيراً في الغرب انتهى من تأليه الإنسان إلى مسألة موت (الإله).
فهذه التداعيات في دنيا فكر الغرب لم توجد هزّةً في نفس الصدر كما أوجدتها في نفوس آخرين من الكتّاب العرب والمسلمين، عندما صرّحوا أن البحث في الإلهيات والميتافيزيقيا ينحصر باستخدام المنهج الحسي التجريبي الذي يستخدم في مجال اكتشاف الطبيعة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ادّعوا أن المنهج القرآني في الإلهيات ينحصر بقراءة الطبيعة وعالَم الخَلق.
فالسيد الصدر وعلى الرغم من أنه قد أسس منطقياً لمنهج البحث الطبيعي والتجريبي، وجعل هذا البحث مع مسألة الألوهية يمتلكان أساساً منطقياً واحداً، بنحو يقف الباحث فيهما على مفترق طرق؛ فإما الإيمان بهما معاً، وإما رفضهما معاً، ولا يمكن التفكيك في الإيمان، إلا أنه ومع ذلك كله بقي مصرّاً على المنهج العقلي في التفكير والمفهوم الإلهي للعالم والوجود.
وعلاوة على ذلك، فالسيد الصدر وفي إطار بحثه اللاهوتي عن مسألة إثبات الصانع، قد أشار عند حديثه عن الدليل الفلسفي على إثبات الصانع، إلى أن القرآن الكريم - وخلافاً لأولئك النفر من المفكرين المسلمين- تناول هذا الدليل الفلسفي وقضاياه في عدد من آياته(4).
فعقلانية الصدر تكمن في إعطاء قيمة للعقل ولمدركاته وأنها تحظى بالثقة، ولم يتزعزع هذا الايمان بالعقلانية عند الصدر بالرغم من ولوجه صلب البحث في التأسيس لمنطق التجريب والاستقراء.
وبتعبير آخر إن الصدر لا يرى ذلك الانفصام الذي أوجدته العدمية بين الايمان والمعرفة، وذلك بإعطاء قيمة للعقل ومدركاته البديهية من جهة، وبالتأسيس لمنطق الاستقراء العلمي من جهة ثانية.
ومن كل ما تقدم يمكننا أن نقول: إن هناك نقطتين أساسيتين ومرتكزين اثنين في تعاطي الصدر مع فكر الغرب ومنجزه الحضاري وصرحه الفكري، تتمثلان في تجاوز أزمة الهوية وعقدة الشعور بالنقص والانبهار، والاستقلال في المنهج، ليتجاوز بذلك إشكالية التبعية المنهجية.
وعلى وفق ذلك فعندما نتحدث عن نقد الصدر للغرب، فإننا نتحدث عن العقلانية التي يشترك فيها الصدر مع الحداثة، بمعنى إعطاء قيمة للعقل ولمدركاته والوثوق بها، وكذلك عن العودة للذات وإبراز الأنا، بكل ما يعنيه ذلك الإبراز من استخدام العقل وتفعيل قيمته وحركيته، فضلاً عن نقد الآخر نقداً حراً يتجاوز أزمة الهوية والانبهار.

بين الأصالة النقدية والنزعة التلفيقية:
في إطار تفاعل المفكرين العرب والمسلمين مع فكر الغرب ظهرت تيارات فكرية متعددة، قامت في جوهرها على أساس التوفيق والتلفيق بين الموروث العربي الإسلامي من جهة والمنتج الغربي من جهة ثانية، اعتماداً على المناهج الوضعية في صياغة وبلورة المفاهيم، فضلاً عن المنهج، فبرزت في ظل هذا التدافع والتفاعل تيارات اليسار الإسلامي التي تقاسمتها توجهات مختلفة كتوجهات الدكتور على شريعتي وتوجهات الدكتور حسن حنفي والدكتور محمد عمارة في حقبة زمنية معينة، وغيرهم.
وإلى جانب ذلك برزت تيارات حاولت التوفيق بين الماركسية والإسلام، فيما ظهرت توجهات حاولت صياغة فلسفة وجودية عربية كما تجلى ذلك في مساعي الدكتور عبد الرحمن بدوي.
وواضح أن التلفيق بين الأفكار والمنتَجات المختلفة البيئة الثقافية والفضاء المعرفي الذي ولدت فيه، لا يقوم على منهج واضح، بقدر ما يقوم على تهجين للفكر ينتج تضخماً في الكلمات وخواء في المعنى، فضلاً عن المجازفات الفكرية والتشوهات المعرفية والعقيدية التي تحصل بسبب النزعة التلفيقية.
في قبال ذلك كله، كان منهج السيد الصدر أبعد ما يكون عن النزعة التوفيقية والتلفيقية، وإنّما اعتمد النقد كأساس. فالصدر كان قد حدد في الأصل اطاراً معرفياً للطرح الإسلامي عقيدة وفكراً، منطلقاً في ذلك كله من مفاهيم الإسلام ذاته كالتوحيد وخلافة الإنسان وعقيدة المعاد، وطرح في ضوء هذه المفاهيم علاقة الفكر بالتاريخ والمجتمع، مؤصلاً للواعية في علاقتها مع حركة التاريخ، ونقد العقل، ومناهج العلوم الإنسانية واللاهوتية.
فالسيد الصدر وخلافاً لآخرين من تيار المحدَثين، كأمثال محمد عابد الجابري وعبد الله العروي وعبد الرحمن بدوي ومحمد أركون وفؤاد زكريا وطيّب تيزيني، وغيرهم، ولج اُفقاً جديداً في ميدان البحث الفلسفي والفكري بشكل عام، فلم يستخدم مفاهيم الحداثة والفلسفة الغربية في دراسته للتاريخ والتراث الإسلامي والعقيدة الدينية الإسلامية، فابتعد بذلك بالتاريخ والدين عن مذاهب الوجودية والماركسية والبنيوية وغيرها من تمظهرات الفلسفة الغربية، لإيمانه باختلاف الفضاء النموذجي لكل ميدان.
إن منهج الصدر في دراساته المتنوعة قد اتسم بالأصالة والأمانة للميدان الذي مارس النشاط الفكري والثقافي فيه، ولم يخرج لنا مزيجاً تلفيقياً لا ينتمي للتراث ولا للمعاصرة، كما نرى في أعمال الكثيرين والإصدارات المتتابعة الظهور كل يوم، فالصدرُ لم يصدر في طرحه لعلاقة الفكر الإسلامي بالفكر الغربي من موقع العاطفة، ولا الانفعال أو الانبهار والتبعية والتقليد مفاهيماً ومنهجاً، وإنما كان يصدر في كل ذلك عن تأسيس وتأصيل علمي ونقدي.

إبراز الأنا ونقد الآخر:
أسلفنا أن توجه السيد الصدر في تعاطيه مع فكر الغرب قائم على مسلّمة أن الإنتاج الداخلي (إبراز الأنا) هو المنهج الأسلم والطريقة الفضلى في التعاطي مع فكر الغرب، وأن هذا الإبراز هو الذي يتجاوز أزمة الهوية، أما عقدة الشعور بالدونية أمام الآخرين فتجاوزها يكون من خلال التعاطي النقدي والحوار الفكري مع الآخر. وعلى أساس هاتين الركيزتين سار الشهيد الصدر في مشروعه الفكري وفي مختلف مؤلفاته، التي تناول فيها المشروع الحضاري بأبعاده المختلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفلسفية والخلقية وغيرها.
ومن الواضح أن إبراز (الأنا) الحضاري في الإسلام ونحن أمام نصوص متناثرة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، إبرازاً في مختلف المجالات، يتطلّب احاطة وشمولية وجهداً نظرياً تنوء به العصبة أولو القوة، وقد عمل الشهيد الصدر في هذا الميدان وهو الفارس الوتر، وأخرج لنا أعمالاً سارت في هذين الخطين المتوازيين: إبراز الأنا، ونقد الآخر، كما نلاحظ ذلك في كل من: فلسفتنا، اقتصادنا، الأسس المنطقية للاستقراء، الإسلام يقود الحياة، السنن التاريخية في القرآن الكريم. ففي هذه الأعمال قدم لنا الصدر التصورات الإسلامية المتكاملة الأسس في شتى المواضع التي تناولها بحثاً وتعميقاً وتأصيلاً، وأعطانا نظريات متكاملة في مقومات النهوض الحضاري، حتى أضحى المنظر الرائد للنهضة الإسلامية.
لقد انتقل الصدر في كتاباته من التعامل مع الإسلام كنصوص إلى عرضه كنظرية متكاملة، ذلك أن المجتمع المسلم في عصر نزول الوحي التشريع والنص قد عرف الإسلام من خلال تطبيق تشريعاته وتعاليمه على أرض الواقع، حتى فيما يرتبط بالجوانب الاجتماعية، والجوانب الأخرى ذات الدلالات العامة. فالرسول صلى الله عليه وآله لم يطرح الإسلام كنظريات عامة وإنما طرحه من خلال تطبيق خارجي وتشريعات حسب الحاجة ومتطلبات الحياة الجديدة التي عاشها المجتمع المسلم والتي كان يقودها بنفسه، ولذا لم يكن المجتمع أو آحاد المسلمين بحاجة إلى تصور النظرية والإحاطة بأبعادها المختلفة. ولكن في مثل زماننا وبعد انحسار الإسلام عن مسرح الحياة والتطبيق، ومواجهة الإنسان المسلم لمختلف النظريات المذهبية والعقائدية والأيديولوجيات المختلفة، صارت ضرورة ملحة إلى عرض الإسلام كنظرية متكاملة، وكذا لأجل مواجهة النظريات المختلفة، وهذا ما عمل عليه السيد الصدر في كتاباته المختلفة، فقد أراد أن يطرح التصورات الإسلامية المتكاملة في المجالات المختلفة التي تناولها، فإبراز الأنا يتطلب القيام بكل هذا المجهود النظري والفكري الدقيق. وقد جمع السيد الصدر وهو يعمل على هذا المجهود بين الريادة العلمية وسحر البيان وعمق الطرح.
أما نقد الآخر، فهو مجهود يحتاج لاستيعاب فكر الآخر استيعاباً شاملاً ودقيقاً، وكذا عرضاً أميناً واعياً وبالاستناد لمصادره، ومن ثم نقده وتسجيل الملاحظات عليه في إطار ذلك الفكر ومنهجه، وليس في إطار منهج الخصم الفكري (الأنا).
وبعبارة أخرى: إن نقد الآخر يتطلّب نقده في مرتكزاته الأساسية وبناه التحتية، وكذا من خلال إبراز تهافته الداخلي وبيان اللوازم الباطلة له، بحيث لو اطّلع عليها أصحاب ذلك الفكر لما وسعهم الالتزام بتلك النتائج واللوازم الباطلة.
وهذا يعني أن نقد الآخر يقتضي المرور بمرحلتين: مرحلة النقد المبناني من خلال نقض أصل الرؤية والأساس الفكري، ومرحلة النقد البنائي من خلال بيان التداعيات والآثار السلبية واللوام الباطلة لفكر الآخرين ورؤاهم.
وبتتبّع الاعمال الفكرية للصدر نجده قد سار في سعيه لإبراز الأنا ونقد الآخر، وفق هذه الخطّة بأمانة ودقّة عالية، فعلى مستوى ارجاع الأفكار لأصحابها وبالاستناد لمصادرهم، نجده قد أولى عناية فائقة في مؤلّفاته بالرجوع لمصادر الآخر الأساسية، أو لمصادر المؤمنين بذلك الفكر حتى لو لم يكونوا من مؤسسه وروّاده، ولم ينقل فكرة عن خصومه الفكريين بالمعنى والمضمون، بل كان يعمد إلى إثبات نصوص الأفكار، كما ولم يعمد في مقام استعرض أفكار الآخرين بالاستعانة بمصادر خصومهم كما يفعله كثيرون، فهذا ليس من الأمانة العلمية في شيء ومخالف للقواعد الأخلاقية.
كما ابتعد الصدر وهو يمارس نقد الآخر عن الاسقاطات النفسية ومناقشة النوايا وخبايا النفوس، إذ معرفة النوايا أمر لا يطلع عليه إلا علّام الغيوب، وإنما اعتمد على الواضح والصريح من أفكارهم المبثوثة في كتاباتهم ومصادرهم.
أما استيعاب فكر الآخرين وعرضه، فقد كان السيد الصدر اُعجوبة في ذلك، حتى يخيّل للقارئ وهو يطالع عرض الصدر للماركسية واستيعابه لها أنه ماركسي من الطراز الأول ومن كبار مفكريها، وهكذا فيما يرتبط ببقية المذاهب الفكرية والفلسفية.
وفيما يرتبط بالنقد المبنائي والبنائي، نجد السيد الصدر وهو يستعرض المذاهب الفكرية المتعددة يعمد أولاً إلى نقد أركان وأسس تلك المذاهب، ثم ينتقل إلى النقد البنائي الداخلي من خلال بيان التداعيات والآثار واللوازم الباطلة لتلك الأفكار، وقد سار على هذه الطريقة في نقده لكل الأفكار التي تناولها في اعماله الفكرية.

الحفر في نُظُم الحضارة:
إن عمليتي نقد الآخر وإبراز الأنا (العودة إلى الذات)، بكل ما تتضمنانه من تأصيل منهجي ونظري، تتلخّصان في كونهما المعبّر التفصيلي عن نُظُم الحضارة وأسسها. إذ من الواضح أن الحضارة - أي حضارة- تتقوّم بأربعة نُظُم أساسيّة: النظام العقلي والفكري، والنظام الاقتصادي، والنظام السياسي، والنظام الخُلُقي، وفي كل نظام من هذه النُظُم توجد شبكةٌ مترابطةٌ من العلاقات.
وجوهر عمليتي نقد الآخر وإبراز الأنا التي اضطلع بها الصدر تتمثل في أنه أراد إبراز نُظُم الحضارة الإسلامية وأسس قيامها، فيما نقد الآخر الغربي في أساس حضارته من خلال دراسة نظمه السياسية والاقتصادية والخلقية والعقلية.
من هنا يتّضح لنا أن الصدر كان بصدد مشروع نهضوي كبير سعى له في أعماله الفكرية المختلفة، فقد رام من وراء مجهود الفخم تقديم بديل حضاري من حيث النظم والمرتكزات عن حضارة الغرب، فضلاً عن نقده لنظم تلك الحضارة كما سنتعرف على ذلك بشكل مجمل في القادم من حديث:
1- النظام الاقتصادي:
على مستوى النظام الاقتصادي سعى الصدر لنقد النظام الاقتصادي الغربي (نقد الآخر) ومن ثم الى تقديم نظام اقتصادي إسلامي كفيل بمعالجة المشاكل التي يعانيها ذلك النظام (إبراز الأنا). وقد خص لهذا المشروع كتابه الكبير والقيّم (اقتصادنا)، فكتاب اقتصادنا كما عرّفه الصدر: دراسة موضوعية تتناول بالنقد والبحث المذاهب الاقتصادية للماركسية والرأسمالية والإسلام في اُسسها الفكرية وتفاصيلها.
وقد جعل الكتاب في قسمين: خص القسم الأول منه لنقد الآخر الغربي في أسس نظاميه الاقتصاديين المعروفين الاشتراكي والرأسمالي، من خلال دراسة نقدية لكل من المذهبين في أسسها ونظريتيهما دراسة علمية مستوعبة. فقد درس الماركسية في نظريتها المادية التاريخية والأسس التي تقوم عليها، ودرسها لما هي مذهب اقتصادي يقوم على أساس الاشتراكية ثم الشيوعية.
وكذا فعل مع الرأسمالية، فقد درسها في خطوطها المذهبية العامة، مركّزاً نقده على النظام الاقتصادي الرأسمالي.
وبعد انتهائه من دراسة هذين النظامين والمذهبين، عقد البحث للحديث عن معالم النظام الاقتصادي البديل (إبراز الأنا)، أعني المعالم العامة للنظام الاقتصادي الإسلامي، فتحدث عن الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي وعن علاقات التوزيع وانفصالها عن شكل الإنتاج، وفضلاً عن حلول المشكلة الاقتصادية من وجهة نظر الإسلام.
أما ثاني القسمين، فقد خصّه الصدر بعملية اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي، في ضوء تشريعات الإسلام ومفاهيمه وأحكامه التي ترتبط بالحقل الاقتصادي والثروة، وقد أبدع الشهيد الصدر في هذا الجزء ابداعاً قلّ نظيره.
وقد أقام الصدر جهده النظري في اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام على أساس عمليتين مترابطتين: الأولى تجميع عدد من التشريعات والمفاهيم الإسلامية التي يمكنها أن تلقي الضوء على عملية اكتشاف المذهب الإسلامي في الاقتصاد. والثانية تفسير تلك المجموعة من التشريعات والمفاهيم تشريعاً نظرياً موحداً يبرز المحتوى والمضمون المذهبي للاقتصاد الإسلامي(5).
من كل هذا يتضح لنا أن الصدر على مستوى النظام الاقتصادي الذي هو نظام أساس من نظم الحضارة، سار في خطين متوازنين: نقد الآخر وإبراز الذات.
2- النظام السياسي:
فيما يخص النظام السياسي، فقد أولاه السيد الصدر كذلك عناية وهو ينظّر لمشروعه أعني العودة إلى الذات مع نقد الآخر. ولا يخفى ان النظام السياسي في الحضارة يقوم على مجموعة من العناصر تتمثل في القانون ومؤسسات الدولة والأسرة وما أشبه بكل ما فيها من تفاصيل.
وقد تناول الشهيد الصدر النظام السياسي في كثير من عناصره في كتابات متعددة، أبرزها السلسلة التي صدرت في ستّ حلقات بعنوان: الإسلام يقود الحياة، والتي تناول فيها اللبنات الأولى لنظام الحكم والإدارة والدستور ودور الإنسان والأمة في الحياة السياسية، ومنابع القدرة في الدولة الإسلامية، ومُجلياً آفاق التحرك في البناء والتنمية.
وكذلك تحدث عن بعض عناصر النظام السياسي في سلسلة مقالاته التي كان يكتبها بعنوان (رسالتنا)، فضلاً عن بحثه لعقيدة الإمامة في الفكر الإسلامي الإمامي وترابطها الوثيق مع النظام السياسي، وكذا تناول جوانب وعناصر أخرى في مختلف كتاباته المتنوعة كمقدمة فلسفتنا وبعض مواضع اقتصادنا.
والسيد الصدر كما لا يخفى على القارئ الكريم صاحب تحرّك سياسي رسالي ختمه بالشهادة على أيدي زمرة الحكم البعثي في العراق عام 1980م.
وفي النظام السياسي سار الشهيد الصدر على خطّته المرسومة بوضوح: العودة إلى الذات وإبراز الأنا مع نقد الآخر، ذلك أن نقد الغرب في فكر السيد الصدر يسير جنباً إلى جنب مع إبراز الأنا والعودة إلى الذات.
3- النظام العقلي:
النظام العقلي واسع العناصر، وتتشابك فيه أنماط مختلفة من السلوك الفكري، فيندرج فيه السلوك العقلي بمعناه الخاص، وكذا العلوم والآداب والفنون.
وفي خصوص هذا النظام فالسيد الصدر ثري جداً، فقد تحدث عن كثير من عناصر النظام العقلي على مستوى نقد الآخر وإبراز الذات في كتابيه القيّمين: فلسفتنا والأسس المنطقية للاستقراء، فضلاً عن دراساته في علم أصول الفقه ومحاضراته الفلسفية التي كان يلقيها على تلاميذه.
ففي كتاب فلسفتنا سار الصدر في خطّي إبراز الأنا ونقد الآخر في حقلين مهمّين هما نظرية المعرفة (الابستمولوجيا) ونظرية الوجود (الانطولوجيا) والذي عبّر عنه بالمفهوم الفلسفي للعالم. وفي القسم الثاني تحديداً ركّز على نقد الماركسية ونظريتها المادية بشأن المفهوم الفلسفي للعالم، وإن كان تعرّض كذلك للمفهوم المادي الأوسع للعالم والوجود.
أما في الأسس المنطقية للاستقراء، فقد أجملنا الحديث عنه سابقاً، وقلنا إن السيد الصدر قد انطلق من معالجة إشكالية الاستقراء الناقص إلى ابتكار منهج جديد ونظرية بديعة في دراسة الطبيعيات والتجريبيات وألقى بظلاله على اللاهوت. فقد جعل التعاطي مع العلم التجريبي في مصاف واحد مع اللاهوت والغيب، من خلال إبراز أساس منطقي مشترك في الاثبات، بنحو يكون الأساس المنطقي للإيمان بالعلوم الطبيعية والتجريبيات نفسه مبرراً منطقياً للإيمان بالغيب والميتافيزيقيا، وأن رفض أحدهما يستلزم رفض الآخر، على تفصيل يطلب من كتاب الأسس المنطقية للاستقراء.
والصدر في كل ذلك ما حاد عن طريقته في العودة إلى الذات وإبراز الأنا ونقد الآخر، فضلاً عن التأسيس المنهجي السليم.
4- النظام الخُلُقي:
النظام الخلقي لا يقل سعة في عناصره عن النظام العقلي، فهو يشمل الدين والأخلاقي بكل ما يعنيه هذان المفهومان من تشعّب ومظاهِر. وقد أولى الصّدر هذا النظام اهتماماً في كتاباته المتعددة، منها محاضراته في التفسير الموضوعي التي تحدث فيها عن السنن التاريخية في القرآن الكريم، فقد تناول في هذه المحاضرات الحديث عن جوانب مختلفة من النظام الخلقي، فتحدث عن عناصر المجتمع وعلاقاتها، ودور الإنسان في حركة التاريخ، والمثل الأعلى وما يمثله من منطلق لبناء الإنسان، وعن انهيار الأمم والحضارات وأسبابها، ودور العلاقات الاجتماعية في حركة التاريخ.
كما تحدث في مقالات طبعت مع تلك المحاضرات عن الحرية وأبعادها ورؤية الاتجاهات المختلفة فيها، وهو موضوع يتداخل في النظامين السياسي والخلقي، وكذا عن العمل الصالح من منظور الإسلام والرأسمالية والماركسية.
وكذلك تحدث عن عناصر أخرى من النظام الخلقي في كتابات أخرى من قبيل: نظرة عامة في العبادات، البحث الذي ألحقه بكتابه الفقهي الفتاوى الواضحة، ففي هذا البحث تطرق إلى كون العبادة بما تمثله من التزام خُلُقي حاجة إنسانية ثابتة، وعوامل ذلك الثبوت، والملامح العامة للعبادات في الإسلام. هذا فضلاً عن دراساته الفقهية المتنوعة والتي تناول فيها الكثير من عناصر النظام الخلقي والسلوكي.
إن دراسة كل نظام من نظم الحضارة هذه تحتاج لدراسة مفصّلة ومسهبة، وهي خارجة عن غرضنا، وما نريد التأكيد عليه هنا أن السيد الصدر في نقده للغرب الفكري سار في خطين متوازيين: نقد الغرب في أسس حضارته، إضافة لإبراز الأنا والعودة إلى الذات فيما يرتبط بأسس الحضارة الإسلامية ونهضتها، فالصدر كان يضطلع بمشروع حضاري كبير، برّز في أعماله المختلفة أسس ذلك المشروع بشكل موضوعي وحواري نقدي.
إن نقد الصدر لنظم الحضارة الغربية وإبرازه في مقابل ذلك لنظم النهوض الإسلامي، قد كسر تلك الثنائية التي صارت معبودة في كتابات من يعرفون بالمتنورين في العالم الإسلامي، عنيتُ بذلك ثنائية القديم والجديد، والتراث والمعاصرة، والتي استُلت من الرؤية الغربية للتاريخ والتراث، وهي ثنائية قضت بأن تكون الحضارة الغربية بعاداتها وقيمها وخصوصياتها مرجعية كونية يجب على كل الشعوب الاندماج في مساراتها وسياقاتها وتتبع كل خطواتها وآثارها، وهذا يعني وفق المنطق الذي يطرحه الصدر أن مفاهيم القديم والجديد والتقدّم مفاهيم نسبية وليست كونية عابرة للحدود والقارات وكل الأوضاع الثقافية والقيم المختلفة حول العالم.
لقد أراد السيد الصدر من كل ذلك التأكيد على أن التنمية والتقدم والنهوض يرتبط بالوجود وإبراز الأنا والذات، وهذا الإبراز والرجوع إلى الذات سبيله الإنتاج الداخلي سيّما المعرفي، فهو السبيل الوحيد لتحقيق هويتنا ووجودنا والقاعدة التي تنطلق منها نهضتنا الشاملة، وليس القطيعة مع الآخر، أو الاندماج فيه كلياً، أو التلفيق والتفكيك بين منتَج ومنتَج.
إن فشل الكثير من النماذج (التقدمية) ذات المنشأ والأصول الغربية في العالم الإسلامي، يرجع حسب تحليل الصدر في مقدمة كتاب (اقتصادنا) إلى التناقض بين نماذج التقدم المقترحة وواقع الشعوب الإسلامية، بمعنى أن هناك تناقضاً بين الأدوات الفكرية للتحليل وعلاج الأزمات والحلول المقترحة وبين الواقع النفسي والفكري والسيسيولوجي للشعب المسلم، كان هو السبب في فشل النماذج التقدمية والتحديثية، ذلك أن من أهم عوامل نجاح القوانين والتشريعات والنماذج المقترحة التي تتخذ لتنظيم الحياة الاجتماعية احترامُ الناس لها وتجاوبهم العاطفي والنفسي مع أهدافها، وإيمانهم بحقها في التنفيذ والتطبيق، وهذا ما لا يتوفر في مثل هذه النماذج، ولذا حصلت قطيعة وتناقض بين الواقع والمشاريع(6).
أما نموذج الحل المقترح بحسب الصدر، فهو اكتشاف الذات والعودة إليها، فهوية الشعب الحقيقية هي المنطلق في النهوض.

تواصل نقدي:
لعلّ من أبرز التداعيات المترتبة على رؤية الاتجاهين الأول والثالث المتقدمين بداية الحديث في هذا المقال، هو القطيعة، وصيرورة العالم الإسلامي في عزلة تامة عن أفكار ومشاريع وأنظمة وتجارب الشعوب الأخرى بخيرها وشرّها. ومثل هذه القطيعة تعني فيما تعنيه أن نعيش في نفق مظلم ونعود للعصر الحجري، على أن الظروف الموضوعية وتداعيات الواقع، وإفرازات العولمة لا تسمح بمثل هذه القطيعة، وأي عاقل يرضى أن نرفض كل خبرات ومشاريع الآخرين وتجاربهم الغنيّة في الحياة والفكر والممارسة؟
إن رؤية السيد الصدر المبتنية على إبراز الذات ونقد الآخر في أنظمته ومفاهيمه ورؤيته، لا تتضمن مثل تلك القطيعة، وإنما تعني التواصل النقدي والحواري بين ذاتين، فنقد الصدر لحضارة الغرب بكل أنظمتها ومفاهيمها لا يعني السكون ورفض الحركة والتغيير والتنمية والتقدم، وإنما يعني رفض رؤية معينة في التغيير والتقدم، الرؤية القائمة على أساس النظر للتغير بنفسه كغاية نهائية وقيمة عليا، ولم تؤسس حركتها ونظامها في صيرورة الحضارة على القيم الروحية والأخلاقية التي تحفظ التغيير من الانحراف.
العَماءُ في حداثة الغرب هو المرفوض من جانب الصدر، وهذا العماء ناشئ عن فصل الفكر في الغرب وفي نظم حضارته عن الميتافيزيقيا وعن الأخلاق. ومثل هذا الفصل جاء نتيجة طبيعية لإخفاقات متكررة بُلي بها الغرب في إقامة أساس تبنى عليه عالمية الأخلاق وكونيتها، إذ أن مطالعة سريعة لتاريخ تيارات الفكر في عالم الغرب توقفنا على تلك الإخفاقات، فيوم كان فيه الفكر الأرسطي سائداً في الغرب أخفق في بناء أخلاق كونية على أساس مفهوم الطبيعة البشرية أو على ماهية الإنسان، وكذلك الحال في التيارات اللاحقة التي أرادت جعل الواقع أو التاريخ مصدراً للقيم الأخلاقية، وحتى التيارات الغربية التي جعلت من الدين أساساً في البناء الأخلاقي فشلت في ذلك، ومرجع ذلك بنظر الصدر إلى أن الدين في دنيا الغرب وبالأخص الدين المسيحي ليس صالحاً لكل زمان ومكان حتى ينتج قيماً أخلاقية كونية(7).
فالصدر في نقده للغرب منهجاً ونُظُماً لا ينطلق من موقف القطيعة مع كل نتاج الغرب كما هو الحال في كثير من التوجهات السلفية، وإنما ينطلق من منهج إبراز الذات والهوية مع نقد الآخر وتقديم الحل، ومثل هذا النقد وذلك الابراز وإن أوجد قطيعة إبستمولوجية، بمعنى وجود اختلاف في الطرح والمنهج والهوية، إلا أنه لا يعني رفض منتج الآخر من موقع القطيعة، وإنما يرى الصدر أننا مع إبراز ذاتنا عن طريق الإنتاج الداخلي فإننا لا نهاب الحوار النقدي مع الآخر والتواصل العقلاني مع منتَجه، لأننا في مثل هذه الحال لا نصدر عن أزمة هوية أو عقدة الشعور بالدونية إزاء الآخرين، وعند ذلك سأخذ ونرفض من منتَج الآخر من دون أية عقدة أو أزمة.
إن الصراع الفكري والنقد الفلسفي الذي خاضه الصدر تجاه الفكر الغربي ليس صراعاً تدميراً أو لنفي عطاءات الآخرين، وإنما هو حوار نقدي لاستيعابه في إطار مبدأ (التعارف) القرآني، يستهدف قيادة البشرية نحو القيم الإلهية والأخلاقية.

القيمومة الغربية:
ربط السيد الصدر في كتاباته وأعماله الفكرية بين نقد الأساس الفكري والحضاري للغرب وبين قيمومته العملية على شعوب العالم، فبعد أن توقّف مليّاً ناقداً نُظُم الحضارة في الغرب رتّب على ذلك أن الفكر الغربي لا يمتلك قيمومة على بني الإنسان حتى يعمل على اخضاعهم لنظامه الفكري وقيمه وتجاربه وطريقته في الحياة، مركّزاً على التناقض بين حضارة الغرب وقاعدتها الفكرية.
ومرجع هذا التناقض إلى أن الحضارة الغربية نابعة من واقع الإنسان الغربي نفسه، وبالتالي فهي محدّدة بحدود التجربة التي عاشتها شعوب الغرب، في حدود الزمان والمكان والشروط الموضوعية والاقتصادية والسياسية، التي تمخّضت عنها تلك الحضارة، ومن ثمّ فمهما امتلكت حضارة الغرب من تفوّق مرحلي على بقية الشعوب إلا أن ذلك لا يبرّر لها منطقياً أن تنتزع إرادة الإنسان والسيطرة عليه بالقوة في سبيل تطويره، ولا ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على شتى البلدان لأجل اجبارها على الأخذ بنظمها ورؤاها في إدارة الحياة.
إن الشعوب الأخرى من وجهة نظر الصدر فيما لو توفرت لها شروط موضوعية للنهوض، وبدأت تتحرك ذاتياً ومارست تجاربها، فمن الممكن ان تكتشف حقيقة حضارية أكبر من الحقيقة التي وصلتها شعوب الغرب، فاكتشاف الشعوب الغربية ضمن ملابسات معينة ومن خلال شوطها الاجتماعي لحقيقة حضارية قامت عليها نهضتها لا يعني اكتشاف الحقيقة المطلقة، فمثل ذلك أمر لا تدعيه حضارات البشر.
وهنا يركّز الصدر في نقده للغرب على هذا التناقض بين واقع الغرب وقاعدته الفكرية، فالغرب في واقعه يمارس سياسية فرض قيمه وطريقته في الحياة وكانه يفترض سلفاً حقانيتها المطلقة وكونيتها، بينما نظرياً لا يمكنه اثبات ذلك الشمول أو الكونية ولا التدليل عليها، ولكن برغم ذلك تجد الغرب في واقعه يمارس القوة في سبيل أن تنتهج الشعوب المختلفة طريقته في الحياة، بينما لو فسح المجال لكل شعب أن يمارس تجربته الذاتية وتفاعَل في تلك التجارب الذاتية ضمن شروط مختلفة وملابسات اقتصادية وسياسية وفكرية وروحية، لكان بالإمكان أن يصل لحقيقة أكبر وأفضل مما وصلها الغرب(8).
والصدر في هذا النقد للقيمومة والممارسة الغربية لا ينطلق من موقف سياسي، وإنما ينطلق من موقف إبستمولوجي ويمارس تحليلاً سيسيولوجياً، ذلك أن الإيمان بنسبية المعرفة ومحدودية التجارب، وبالتالي نسبية قيم الحضارة مع سلوك نشرها في الشعوب المختلفة بمختلف الوسائل، يعبّر عن إمبريالية ثقافية واستعمار بواجهات مختلفة، تصطبغ بالعولمة.
(فمن غير المنطقي أن حضارة تقول بأنني اكتشفت الحقيقة من زاويتي وضمن شروط وملابسات، لكن هذه الحقيقة التي اكتشفتها من زاويتي وشروطي وملابساتي، اُريد أن أفرضها على شعوب العالم، بينما هذه الشعوب بالإمكان أن تكتشف حقيقة من جوانب وزوايا أخرى، وقد تكون هذه الكشوف الأخرى في التجربة التاريخية للبشر، قد تكون نافعة في سبيل تصعيد الحياة الإنسانية ككل فيبقى هنا نوع من التناقض، التناقض العقلي في موقفهم. صحيح أن هناك احتمالاً آخر، وهو أنه بالإمكان أن هذا الشعب الآخر لو ترك فسوف يضيع وسوف يستمرّ في الضياع، ولكن هذا مجرد احتمال. طبعاً الاحتمال موجود، ولكن هذا الاحتمال الآخر هو الأقوى؛ لأنه هو الذي يساعد عليه التاريخ. والذي ينظر إلى تاريخ شعوب العالم، وإلى حركة التاريخ يرى بأن الحقيقة لن تنكشف من قبل شعب واحد، ولم تكن الحقيقة في وقت من الأوقات محتكرة لشعب واحد، أو مكتشفة من قبل شعب واحد، جميع شعوب العالم تقريباً ساهمت في الحقيقة التاريخية ككل، كل شعب خلال حضارته وخلال وجوده ودخوله على مسرح التاريخ أعطى جانباً من الحقيقة، وكوّن جزءاً من التاريخ الذي هو الأساس لحياة الإنسان اليوم. فالشيء الأقرب احتمالاً سوف يكون مانعاً عن فرض القيمومة لشعب على شعب بالقوة. ولو جمّدنا المواهب والعطايا والطاقات الخام الموجودة في هذه الشعوب وفرضنا عليهم بالقوة أن يعملوا عملنا، ويعيشوا اقتصادياً وسياسياً كما نعيش سياسياً واقتصادياً، فإننا سوف نجمّد حركة هذه الشعوب. وكذلك يمكن ان تكتشف هذه الشعوب أخطاءنا، وبالتالي نصبح متخلّفين عنها حضارياً، فهل نقبل قيمومة هذه الشعوب بالقوة؟)(9).
ويسوق السيد الصدر مثالاً على أن القاعدة الفكرية الغربية محدودة وبالتالي لا يمكن اعطاءها صفة الكونية برغم أن الغربيين يمارسون الاطلاقية عملياً في سياساتهم. يقول: أنجلز كتب في ضدّ دوهرنك يعتذر - كأنَّ كاتباً انتقده على قوله: إن الديالكتيك ينطبق على كلّ شيء حتى على الرياضيات، وكونه طبّق الديالكتيك على الرياضيات حيث قال: إن الاعداد السالبة والموجبة تمثّل نفياً وإثباتاً حينئذ ذاك الكاتب قال بأن أنجلز يجهل معنى الموجبة والسالبة وإلا ما معنى أن الاعداد الموجبة تمثل إثباتاً والأعداد السالبة تمثل نفياً- وهو يعتذر في هذا الكتاب ويقول ما معناه: إنّي قد تسرّعت في دعوى أن الديالكتيك ينطبق على كلّ شيء وعلى الرياضيات، ومطالعاتي في الرياضيات قليلة، ولذا لا أستطيع أن أجعله في هذا الميدان. ولكنّي حينما حاولت هذا كنت متأكداً من ان الديالكتيك ولا أزال متأكداً بشكل من الأشكال بأنه ينطبق على كلّ شيء.
طبعاً إن قصده أن الديالكتيك ينطبق على كل أنواع التطبيقات، وذلك لأنه عاش ومارس الفترة التاريخية التي عاشها في أوربا في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر. هذه ثلاث قرون أصبح واضحاً لكل ذي عينين إلا أن يكون أعمى، أنها عاشت التناقض، الفلاحون يتعاركون مع الإقطاعيين، العمّال يتعاركون مع أصحاب المعامل، إن الحياة تناقض وصراع، إذن فيجب أن يكون الكون كلّه صراعاً؛ لأن الحياة مظهر من مظاهر الكون؛ يعني: إن أنجز اكتشف جانباً من الحقيقة ضمن شروط خاصة جداً، ضمن فترة معينة من تاريخ كائن حي في منطقة معينة على الكرة الأرضية، وفي زمان معين في هذه الحدود الزمانية والمكانية التي لا تزيد عن ثلاثمئة سنة، وفي أوربا كان التناقض هو الذي حرّك المجتمع، تناقض في الطبقة الحاكمة.
حينئذ جرّد من هذا نظرية ملأت كل أبعاد الزمان والمكان، وكل الأرض والكون إلى أن جاءت إلى الرياضيات وإلى الأعداد الموجبة والسالبة. هذا طبعاً يعتبر خطأ علمياً، لأن الحضارة التي تحترم نفسها لا تدعو إلى نوع من التعميم المطلق قطّ، وإنما تقول: أنا اكتشفت الحقيقة من خلال زاوية معلومة معينة، ليست أكثر من هذا المقدار. إذاً أنا حينما اكتشفُ هذه الحقيقة من خلال هذه الزاوية، فإذاً إن آلافاً من الطاقات التي اُجمّدها والتي أفرض رأيي عليها والتي احجرها لأمنعها من النمو الطبيعي، ومن منافع الصعود بشكل آخر غير هذا الشكل الذي أنا صعدت به، إذاً ما ذا يدريني أني بهذا لم أقصر معالم تصور بشريّة كبيرة جداً؛ ولو نظرنا إلى هذا ككلّ يصبح شيئاً معقولاً وتصبح مؤاخذة لهذا التفكير لا جواب عليها من وجهة النظر الغربية(10).

مع الحداثة الغربية:
برغم أن الصّدر في أعماله الفكرية التأسيسية قد أوجَد قطيعة معرفية (إبستمولوجية) مع فكر الغرب بالمعنى الذي تقدمت الإشارة إليه، ونقد القيمومة الغربية، إلا أنه تواصل مع الحداثة الغربية في مقولاتها الأساسية كالعقلانية والحرية وغيرهما، ولكن ليس بمدلولاتها الفكرية عندهم، لأنه كان قد انتقد نُظُم الغرب الفكري، وإنما تواصل معها كمقولات تعبّر عن أبعاد خلافة الإنسان على الأرض، وعلاقة هذه الخلافة بحركة المجتمع والتاريخ، وما يتطلبه ذلك من فاعلية عقليّة وفضاءٍ حرٍ في الممارسة.
فالفكر الإسلامي كما رآه الصدر لا يتقاطع مع هذه المقولات ولا يرفضها بالمطلق، وإنما يتحفظ على طابعها المادي المنقطع الصِّلة عن الغيب والإيمان بالله تعالى والمحدِّدات الدينية والأخلاقية، إذ أن مقولات الحداثة في الرؤية الصّدريّة إن جاز التعبير ترتقي على المفهوم الضّيق لها في رؤية الغرب والمحدود بحدود الزمان والمكان، لترتفع للارتباط بصفات الله وأسمائه تعالى.
فالتقدم في رؤية الغرب على سبيل المثال شأن مادي صِرف، فيما هو في المفهوم الإسلامي عن التقدم علاوة على ميدانه المادي، يرتفع ليضم التقدم في المجالات الروحية والقيمية والأخلاقية للإنسان، والتقدم بهذا المفهوم أمر لا يمكن للرؤية الضيقة أن تتحمّله.
إن تعاطي الصدر مع مقولات الحداثة يختلف اختلافاً جذرياً عن تعاطي دعاة التحديث في العالم الإسلامي، فالصدر لا يتعامل مع ثنائية إما رفض الحداثة كما جرى عليه جماعة، وإما تحديث الإسلام كما عليه آخرون، وإنما المسألة تكمن في ردّ قيم الحداثة إلى حجمها الطبيعي، بمعنى ردّها إلى ظروفها التاريخية ومناخاتها الثقافية التي ولدت فيها، وعند ذلك سنجدها قيماً نسبية لا يمكن توصيفها بالكونية والعالمية، ذلك أن اعتبارها قيماً كونية يعبّر عن خلل منهجي وقع فيه دعاة التحديث في العالم الإسلامي، فهذه الكوننة لقيم الحداثة يعني تجاوز الظروف والسياقات والتاريخ والملابسات، ومن ثم الوقوع في أسر التلفيق والتوفيق، فضلاً عن خطأهم في تحجيم قيم الإسلام والشريعة بعد رؤيتهم الاطلاقية لمقولات الحداثة. وهذا المعنى بالتحديد يعود بنا إلى حديث الصدر عن المحالات التي رامت التوفيق بين الاشتراكية والقومية، أو بين الاشتراكية والعربية والإسلام.

نقد الفكر الإسلامي:
لا ينبغي أن نختم هذا المدخل دون أن نشير إلى أن نقد الصدر للغرب الفكري يسير جنباً إلى جنب مع نقد الفكر الإسلامي، ذلك أن إبراز الأنا والعودة إلى الذات أمر غير متيسّر بل ومتعذّر دون الدخول في عملية نقدية للفكر الإسلامي. ونقد الصدر للفكر الإسلامي يتمثل في نقد الممارسات وتاريخ المسلمين، فضلاً عن نقد الأفكار والرؤى والاجتهادات ومناهج التفكير الإسلامي.
فعلى مستوى نقد تاريخ الممارسات الإسلامي أكد الصدر في أكثر من دراسة تاريخية له على انحراف السياسيات والممارسات التي تولتها الحكومات الإسلامية غير المعصومة، وأكد في مواقع مختلفة من تلك النتاجات على أن تلك الممارسات والحكومات مفتقدة للوعي الإسلامي الأصيل وتمثيله، فضلاً عن افتقادها للشرعية الدينية. ويرى الصدر أن النظرية الإسلامية لم تطبّق بأيدي أصحابها الحقيقيين، وإنما طبّقت بيد أعداءها الداخليين، ولذا كان مثل هذا التطبيق بالنسبة للنظرية الإسلامية يمثل انحرافاً كبيراً، كانت له تداعيات متعددة انعكست على الفكر الإسلامي وعلى صورة الإسلام.
وقد أكد الصدر هذا المعنى كثيراً في محاضراته عن أهل البيت عليهم السلام، والتي طبعت في جزء مستقل من سلسلة آثاره بعنوان: أئمة أهل البيت عليهم السلام ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية، وكذلك أكده في مقالات أخرى ضمها الجزء المعنون بـ(ومضات) من سلسلة تراثه الفكري القيّمة.
هذا على مستوى نقد التأريخ الإسلامي وسلوك المسلمين، وأما فيما يتعلق بنقد الأفكار والمناهج، فالصدر صاحب عقل اجتهادي متحرك، قدّم لمناهج التفكير الإسلام والاستنباط الفقهي والديني إضافات نوعية مهمّة، سواء فيما يتعلق بنقده لرؤية التيار الأخباري وتأكيده على قيمة العقل في مقام الاستنباط، أم في نقده وتقويمه للكثير من الرؤى الفقهية وتعاطيه مع أدوات الاجتهاد والواقع، وخروجه عن أسر بعض المقولات التي تكبّل حركة الاجتهاد، وتخضع الباحث لنتائج المحيط الفكري والاجتماعي الذي يعيش فيه.
لا اُريد الاسهاب في تناول هذا الموضوع، فقد كتبت عنه دراسات متعددة مختلفة سعة وضيقاً وعمقاً، وإنما اُريد الإشارة في هذه الأفكار المفتاحية إلى أن نقد الصدر للغرب الفكري يسير بوتيرة ثابتة مع نقد الفكر الإسلامي وتحديث التفكير الديني، فهو الطريق الموصل لإبراز الأنا الفكري وتظهير الذات. بمعنى أن الجهل بالإسلام من جهة، وعدم معرفة الغرب بصورة صحيحة ونقدية واعية من جهة ثانية، يقودنا إلى جهالة مضاعفة، وأبسط تداعيات تلك الجهالة فقداننا لأصالة هويتنا وابتعادنا عن جمال تلك الهوية واستسلامنا لفوضى عارمة، ولعلّ ما نعيشه هذه الأيام بعض صورها ومظاهرها. ولسنا ندري إلى ما ستؤول إليه فاجعتنا!

الهوامش:

(1) معالم في الطريق، سيّد قطب: 127- 129، بتصرّف، دار الشروق، الطبعة الشرعية السادسة 1399هـ- 1979م.
(2) اقتصادنا، محمد باقر الصدر: 17 فما بعدها، المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر- قم، الطبعة الأولى 1424هـ .
(3) فلسفتنا، محمد باقر الصدر: 62، المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر- قم، الطبعة الأولى 1424هـ .
(4) المرسِل والرسول والرسالة، الفتاوى الواضحة، محمد باقر الصدر: 56- 57، المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر- قم، الطبعة الأولى 1423هـ .
(5) اقتصادنا: 411.
(6) ومضات، مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق، النظام الإسلامي مقارناً بالنظام الرأسمالي والماركسي، محمد باقر الصدر: 100، المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر- قم، الطبعة الأولى 1428هـ.
(7) المدرسة القرآنية، محمد باقر الصدر، الدرس العاشر، المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر- قم، الطبعة الرابعة 1428هـ.
(8) ومضات: 200- 201.
(9) ومضات: 201- 202.
(10) ومضات: 202- 203.

المصدر: مجلة الاستغراب، العدد الأول
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com