موقع الصراط ... الموضوع : لماذا لا ندين باليهودية والمسيحية مع كونهما ديانتين سماويتين
 
الأحد - 30 / رمضان / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  لماذا لا ندين باليهودية والمسيحية مع كونهما ديانتين سماويتين  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 28 / ذي الحجة / 1436 هـ
     
  س: ما تقولون في دين موسى (ع) (اليهود) ودين عيسى (ع) (النصارى) ودين محمد (ص) (الإسلام) ستقولون على حق، ولما كانت هذه الديانات السماوية الثلاث على حق إذاً فلماذا نسخ الإسلام الديانتين- اليهودية والمسيحية- وهما على حق؟ فإني أرغب ان أعتنق دين عيسى (ع) النصرانية لأنه كان على حق فما هو دليلكم العقلي والنقلي الذي يقنعني بأن الإسلام خير من المسيحية؟

الجواب: موقفك أيها السائل الكريم من الشرائع السابقة حين تتساءل قائلاً: (إذا كانت تلك الشرائع حقة فلماذا لا ندين بها بدلاً عن الإسلام، وإذا كانت باطلة فلماذا نؤمن بها) يشبه تماماً موقف شخص أعطاه الطبيب دواء على مراحل ثلاث، وحدد لكل مرحلة من حالته المرضية نوعاً خاصاً من الدواء يختلف عن النوع المخصص للمرحلة الأخرى، فاستعمل الشخص في كل من المرحلتين الأوليين دواءها المحدد ثم جاء إلى الطبيب، وهو يرفض استعمال النوع الثالث من الدواء للمرحلة الثالثة، ويصر على تكرار الدواء السابق نفسه قائلاً: إن دواء المرحلة السابقة إن كان مفيداً لي فلماذا لا أستعمله الآن، وإن لم يكن نافعاً ومفيداً، فكيف فرضت عليّ استعماله في المرحلة السابقة، ولا شك أن الطبيب سوف يجيبه على اعتراضه هذا مؤكداً أن الدواء السابق كان مفيداً ونافعاً لمرحلة معينة من حالته المرضية، أما وقد دخل في مرحلة جديدة فإن الدواء السابق أصبح غير ذي معنى بل قد يكون استعماله مضراً في هذه المرحلة الجديدة التي تتطلب نوعاً آخر من الدواء.
وهذا هو جوابنا تماماً على سؤالك عن الشرائع السابقة فإن جميع الشرائع السماوية حق لا شك فيه (آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون).
وقد تعاقبت شرائع الأنبياء وفقاً لدرجة وعي الإنسانية الروحي والخلقي، ومدى قدرتها على تحمل أعباء الرسالة السماوية، ولما كانت الإنسانية تكتسب عن طريق كل شريعة سماوية مزيداً من الوعي الروحي وفيضاً جديداً من التجربة والخبرة والقدرة على حمل أعباء الرسالة الإلهية كان من الطبيعي أن تنسخ الشريعة السابقة بشريعة جديدة تتناسب مع نمو القدرة والوعي الروحي لدى الإنسان، فكل واحدة من تلك الشرائع كانت مدرسة إلهية كبرى للإنسانية وفقاً لشروطها الفكرية وإمكانياتها، ولكن هذا لا يعني أن الإنسانية بعد أن تخطت إحدى تلك المدارس ودخلت في مدرسة إلهية أعلى يسمح لها بالتقيد مرة أخرى بالمدرسة الأولى بل هو كمحاولة الطالب الجامعي الانخراط في المدرسة الابتدائية فكما أن من الخطأ أن ينخرط الطالب الجامعي في مسلك الدراسة الابتدائية بالرغم من أنها كانت ضرورية له لفترة معينة من الزمن كذلك لا يصلح للإنسانية أن تدين بعد أن أصبحت شروطها الفكرية والروحية تتطابق مع الشريعة الجديدة التي أمر الله تعالى باتباعها بدلاً من الشريعة السابقة.
وهنا قد يتساءل أحد إذا كانت الشرائع السابقة غير ملائمة إلا لفترة معينة من حياة الإنسانية ودرجة خاصة من وعيها وقدرتها فكيف أصبح الإسلام ملائماً للإنسانية أبد الدهر مع أن مداركها وإمكانياتها في نمو مستمر، والجواب على ذلك أن الإنسانية حين جاءها الإسلام كانت قد بلغت درجة الكمال الاعتيادي في الوعي والقدرة على تحمل أعباء الرسالة، وليس لها بعد ذلك أي نمو من هذه الناحية، وإنما نمت الإنسانية في أفكارها العلمية وقدرتها على الطبيعة، وسيطرتها عليها، والأفكار العلمية والسيطرة على الطبيعة لا يدخلان في حساب الشرائع والأديان، وإنما الذي يدخل في حسابها الوعي الروحي والخلقي والقدرة على حمل رسالة مبدئية في الحياة، وقد تدرجت الشرائع طبقاً لتدرج الإنسانية في هاتين الخصيصتين حتى بلغت درجتها الكاملة اعتيادياً، فجاءتها الشريعة الإسلامية الخالدة.
ونحن حين نقارن بين إنسان اليوم وإنسان عصر البعثة المحمدية لا نجد فرقاً عاماً في الوعي الروحي والخلقي ولا في القدرة على حمل رسالة مبدئية، وعلى العكس من ذلك إذا قارنا بين إنسان عصر البعثة المحمدية والإنسان اليهودي أو المسيحي أيام موسى وعيسى فإنا نجد مدى التفاوت بين الإنسان على وجه العموم (بقطع النظر عن أفراد استثنائية هنا وهناك) فالإنسان اليهودي كان وعيه الروحي والخلقي منخفضاً إلى درجة لم يستطع أن يمسك نفسه عن عبادة العجل خلال سفرة غاب فيها نبيه عنه عدة أيام وإنسان عصر البعثة استطاع أن يحمل الرسالة المبدئية إلى العالم وينشرها في رقعة هائلة من الأرض بسرعة لم يبلغ مداها القواد المبدئيون المحدثون، والإنسان المسيحي كان متخاذلاً كأخيه اليهودي في حمل أعباء الرسالة إلى درجة أنه قام نفسه بدور الجاسوس على نبيه، وتعريف اليهود المؤتمرين على قتله بمكانه الخاص، وإنسان عصر البعثة كان لا يرضى أن تمس الرسول شوكة حتى إذا كان في ذلك حياته وسلامته، فكان طبيعياً جداً أن تختم الشرائع السماوية بشريعة الإسلام التي جاءت بمعارف التوحيد العالية على مستوى يلائم وعي الإنسانية الروحي بعد اكتماله، والتي استطاعت أن ترفع رأسها في وجه كسرى وقيصر لتقول لهما: (اسلما تسلما) ومن ورائها الجنود المبدئيون القادرون على حماية الكلمة الواعون لمغزاها ومسؤوليتهم تجاهها، ولا تزال حتى اليوم رافعة رأسها في وجه كل ظالم وجبار من أكاسرة الشرق وقياصرة الغرب صارخة في وجوههم: (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون... ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).

الأضواء

العددان 13-14
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com