موقع الصراط ... الموضوع : التبليغ الإسلامي (2)<br> في المجال التطبيقي
 
السبت - 11 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التبليغ الإسلامي (2)
في المجال التطبيقي
 
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 1 / محرم / 1437 هـ
     
  بقلم العلامة الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي
عبد الهادي الفضلي وبعد هذه الاشارة القصيرة إلى اعمال المسلمين افرادا ومجتمعات ودولا، في مجال التبليغ الإسلامي، ننتقل إلى ما يهدف اليه البحث من دراسة التبليغ الإسلامي، تطبيقيا، في ميداني الحوزات العلمية الامامية والمرجعيات الدينية الشيعية.

الحوزات العلمية
ان نمط التعليم في الحوزات العلمية هو اقدم انماط التعليم الإسلامي، وكان يعرف بـ «حلقات الدرس المسجدية»، لان بدايته كانت، من حيث المكان، في مسجد النبي(ص) في المدينة المنورة، ثم منه امتد إلى المساجد الإسلامية الاخرى في مختلف البلدان الإسلامية.
وعرفت بعض المدن الإسلامية، بوصفها مراكز كبيرة لهذا اللون من الدراسة، كالبصرة والكوفة وبغداد والنجف في العراق، وقم ومشهد واصفهان وطهران في ايران.
وحاليا يوجد مركزان كبيران للشيعة الامامية في العالم، هما:
1- الحوزة العلمية في النجف الاشرف في العراق.
2- الحوزة العلمية في قم المقدسة بايران. وهي، حاليا، اكبر من سابقتها، من حيث عدد الطلبة وعدد الاساتذة وآليات الدراسة، وذلك بسبب مواتاة الظروف المساعدة، وعدم مواتاتها لرصيفتها في النجف.
وتقسم الدراسة في الحوزات العلمية الامامية إلى ثلاث مراحل:
1- مرحلة دراسة المقدمات:
ويراد بالمقدمات العلوم الالية التي تعد مساعدة وممهدة للتخصص في فقه اهل البيت(ع). ويدرس فيها الطالب علوم العربية: الصرف والنحو والبلاغة، والعلوم العقلية: المنطق والكلام. وتتم الدراسة من خلال الكتب المقررة وبطريقة شرح العبارة.
2- مرحلة دراسة السطوح:
ويراد بذلك الدراسة السطحية التي لا يعتمد فيها الاستدلال الا بمقدار ما يمهد لحضور الطالب البحث الخارج، وهذه التسمية جاءت في مقابل البحث الخارج الذي يعتمد فيه الاستدلال التفصيلي. ويدرس فيها الطالب: الفقه واصول الفقه، من خلال الكتب المقررة، وبطريقة شرح العبارة أيضاً.
3- مرحلة البحث الخارج:
سمي هذا البحث بالخارج لان الدراسة هنا تكون خارج الكتب، اي ليس من خلال كتاب مقرر كما في المرحلتين السابقتين.
وسمي بالبحث لان الاستاذ، هنا، لعدم الزامه بكتاب مقرر، عليه ان يلزم بطريقة البحث العلمي في اعداد مادة الدرس من مختلف مصادرها.
وتعتمد الدراسة في هذه المرحلة على طريقة المحاضرة.
وقد مر على هذا اللون من الدراسة اكثر من الف عام، تغيرت فيها الكتب الدراسية المقررة، ولم تتغير فيها الطريقة، كما لم تتغير فيها العلوم المقررة لا حذفا ولا بالاضافة، اي انها حافظت على اصالة البرنامج التعليمي الموروث، ولم تعط الاهتمام المطلوب لمتطلبات المعاصرة.
اقول هذا لان الغاية من هذه الدراسة هي اعداد المعلم الإسلامي والمبلغ الإسلامي.
ومن غير شك ان التعليم، وكذلك التبليغ، تختلف وسائلهما واساليبهما باختلاف الاعصار والامصار حسب مقتضياتهما في اتباع افضل طريقة في تحقيق الغاية من التعليم والغاية من التبليغ.
ومن هنا ينبغي اعادة النظر في ما ينبغي اعادته فيه من شؤون الحوزات كالمواد العلمية والكتب الدراسية وطرق التدريس.
كما ينبغي ايجاد ادارة تتولى شؤون التنظيم وشؤون التعليم.
وان يكون من التنظيم:
- اشتراط الشهادة الثانوية او ما يعادلها في القبول.
- تحديد مدة الدراسة.
- تقييم مستوى الطالب علميا عند تخرجه، وتزويده بالوثيقة التي تثبت ذلك.
ولابد، هنا، من التركيز على مسالة مهمة، وهي بيان الهدف من الدراسة، لأنه الشأن المهم الذي يرتبط بموضوعنا (التبليغ الإسلامي).
اننا، اذا رجعنا إلى ادلة الجامعات، وهي الاصدارات التي تعطي صورة عن الجامعة اداريا واكاديميا، سوف نقرا في اولى صفحاتها بيان الهدف من الدراسة في الجامعة، بينما لا نجد اي شيء من هذا في الحوزات لا تحريريا ولا شفهيا، ذلك ان الطالب يدخل الحوزة ويواصل دراسته لعدة سنوات ثم يخرج منها، وهو لم يعرف من قبل اساتذته او غيرهم من المسؤولين والمعنيين في الحوزة بالهدف من دراسته، وكل ما يفهمه هو انه سيكون امام مسجد، والاجابة عن الاسئلة الشرعية التي توجه إليه.
وقد طرحت السؤال الآتي: «ما هو الهدف من دراستك؟» على عدد من خريجي الحوزات العلمية يمثلون العينة الكافية للاطمئنان إلى اجاباتهم، ولم اتلق اجابة من احد تقول: انه التبليغ الإسلامي.
ولا أخال أن هناك مؤسسة تعليمية لا هدف لها، او لا يعرف أبناؤها ما هو هدفها.
ان الذين يكنون كل الحب وبإخلاص، وكل التقدير وبوفاء، لهذه المؤسسة العلمية العظيمة بعراقة اصالتها ووفرة عطائها، ليرجون ان يعمل القادرون من ابنائها على تطويرها إلى ما هو افضل، وعلى التاكيد، وبكل تركيز، على بيان الهدف من الدراسة، وعلى اعداد الطالب اعدادا وافيا يهيئه للقيام بهذه المسؤولية الشريفة والعظيمة، واعني بها مهمة التبليغ الإسلامي.
وقد قرات غير محاضرة مطبوعة لسماحة المرجع القائد آية الله العظمى السيد الخامنئي يدعو فيها اساتذة الحوزة في قم والمعنيين فيها إلى ذلك، بما يفرض علينا الاستجابة لدعوته والتجاوب معه، لأنه، واقول هذا بكل ثقة، الرائد الذي لا يكذب أهله، والقائد الذي ارتفع إلى مستوى مسؤوليته، حقق الله على يديه، وبمساعدة المخلصين من رجالات الحوزة العلمية بقم المقدسة، ما يصبو اليه الجميع من تطوير واقع الحوزة إلى ما هو أرفع وأنفع.

المرجعيات الدينية
المرجعية، عندنا، معاشر الإمامية، مصطلح خاص مأخوذ من كلمة «مرجع» على هيئة المصدر الصناعي. والمرجع، هو الآخر، مصطلح خاص، يراد به الفقيه العادل الذي يرجع اليه في امور التقليد لأخذ الاحكام الشرعية الفرعية منه والعمل على وفقها.
والمرجع، عندنا، يمثل النيابة العامة عن الامام المهدي(ع) في الوظائف الاتية:
- الافتاء.
- القضاء.
- الحكم.
وهذا المعنى يفرض ان يكون النائب عن الإمام واحداً كما كان الإمام في كل عصر واحداً.
من هنا، ولعلاج قضية تعدد المرجعيات، قلت في أحاديث لي سابقة: على الأمة، وعن طريق علمائنا المجتهدين العدول، اختيار واحد من المؤهلين للمرجعية بتوافره على المواصفات الآتية:
- الاجتهاد.
- العدالة.
- القدرة على القيادة لإدارة شؤون الناس.
وبأية طريقة مشروعة من طرق الاختيار.
ومهمة المرجع هي رعاية مصالح الأمة إن كان حاكماً، والدفاع عنها إن لم يكن حاكماً.
وفي وقتنا الراهن، ولأسباب قائمة ولدتها الظروف قسمت المرجعية إلى قسمين:
- مرجعية قيادة، وهي التي تحدثنا عنها في اعلاه.
- ومرجعية تقليد، وهي ان يبقى المجال مفتوحا امام الفقهاء العدول الاخرين ليقلدوا من قبل عامة الناس في شؤونهم الخاصة، كالعبادات والمعاملات في حدود ما هو مدون في الرسالة العملية بصيغتها الموروثة، وفي الوقت نفسه عليهم ان يخلوا أمر الإفتاء في الشؤون العامة، وتحديد المواقف في القضايا التي تهم الجميع، للمرجع القائد.
قلت بهذا التقسيم وتوزيع الادوار ليكون ذلك تمهيدا عند زوال الاسباب المشار اليها لتوحيد المرجعية، ذلك أن من أخطر إفرازات التعدد تضارب الموقف في القضايا العامة بما يهز مصالح المسلمين ويضر بها، وقد يستغل من قبل من يريد السوء بنا.
وليست ببعيدة منا قضية المشروطة والمستبدة، واقرب منها تصادم الراي بعد انبثاق الثورة الإسلامية المباركة في ايران في مسالة الحكم عند غيبة امام العصر بين السلب والايجاب، وما ادت امثال هذه اليه مما ينبغي الا يكون.
هذه واحدة مما اردت الإلماح إليها بدافع الحب والوفاء ومن باب إن الرائد لا يكذب أهله.
ومن المراجع الذين عاصرناهم وكانوا ذوي اهتمام بقضية التبليغ نذكر:
- السيد محسن الحكيم (ت 1390هـ) فقد كان يحث طلابه من على منبر درسه على ذلك، وكان يصرح أن من لا يقوم بالتبليغ لا يحق له ان يأكل من حق الإمام.
وقام في مجال التبليغ بالأعمال الاتية:
1- تأسيس مدرسة العلوم الإسلامية لتخريج مبلغين يتحلون بمتطلبات المعاصرة، من حيث النظرة إلى واقع الحياة، ثم التعامل مع الحياة من خلال فهمهم لواقعها، ومن حيث التزود بالثقافة المساعدة على ذلك. وقد كانت هذه المؤسسة العلمية تحت إشراف السيد محمد باقر الصدر علمياً.
2- إرسال مبلغين، يومي الخميس والجمعة، إلى مختلف القرى والارياف العراقية يقومون بإمامة الجماعة والقاء المحاضرات والاجابة عن الاسئلة الشرعية التي توجه اليهم.
3- بعث مبلغين، خلال شهر رمضان، للقيام بالأعمال نفسها المذكورة في أعلاه.
4- فتح مكتبات دينية في مختلف المساجد والحسينيات المنتشرة في المدن والقرى والارياف للمطالعة، ولتكون مركزاً للتثقيف عن طريق القاء المحاضرات وعقد الندوات واقامة الدورات التعليمية خلال العطلة الصيفية.
5- ملء الاماكن التي لم يكن يوجد فيها مبلغ بالوكيل الثابت وغير هذه.
- السيد الخوئي (ت 1413هـ).
من اهم ما قام به بناء مؤسساته المعروفة في لندن ونيويورك وغيرهما لتكون مراكز تبليغ ومنتديات تثقيف.
- الامام الخميني (ت 1409هـ).
من ابرز اعماله واعظمها في هذا المجال هو:
1- إقامة الدولة الإسلامية في ايران التي اعطت مهمة التبليغ الزخم القوي بما احدثته من ثورة ثقافية اسلامية، والتي توسعت توسعا استقطبت به انظار العالم، وذلك على يد نائبه السيد الخامنئي مد الله في عمره الشريف.
2- دفعه أهل العلم الحوزويين ليكونوا بمستوى رسالة الثورة الإسلامية ومتطلبات المعاصرة، حتى رأينا الكثير منهم يسهم إسهاماً فاعلاً في مجال التبليغ من طريق إثراء الفكر الإسلامي بكتاباته وخطاباته وحواراته.
3- إرسال مبلغين إلى مختلف انحاء العالم في افريقيا واوروبا واستراليا وامريكا وكندا.
الشهيد الصدر (ت 1400هـ).
كان (قده) يحمل هم التبليغ والمبلغين، وجل نتاجه الفكري اسهم في عملية التغيير في اسلوب التبليغ ووسائله وتربية المبلغين، ومن ذلك:
1- رسالته العلمية (الفتاوى الواضحة) التي غير فيها تبويبا وطريقة عرض واسلوب تعبير، لتكون في متناول اكبر عدد ممكن من المستفيدين منها.
2- تربيته العشرات من اهل العلم وتوزيعهم على مختلف الاماكن في العراق ليكونوا النمط الجديد في الوكلاء، من حيث القيام بمختلف اعمال التبليغ المقررة والمتاحة والمثمرة.
وقد كان هذا النمط أنموذجاً موفقا في تطوير واقع التوكيل والتمثيل إلى مستوى يقتدى به.. وغيرها.
أما الثانية والاخيرة فهي قضية الوكالة، واعني بها تلك التي تعطى من المرجع إلى من يعينه وكيلا عنه في بلد ما لقبض الحقوق المالية الشرعية.
ولي هنا ملاحظتان مما يرتبط بموضوعنا «التبليغ الإسلامي»، وهما:
1- ان الوكالة، وان كانت لقبض المال ولا يشترط فيها اكثر من توافر الامانة في الوكيل، ولهذا قد يوكل المرجع من هو من غير أهل العلم كالتجار، الا ان المرتكز في اذهان الناس انها شهادة توثيق، ووثيقة تمثيل ديني، وهذا يتطلب من المرجع ان ينص فيها على مهمة التبليغ الديني وإلزام الوكيل القيام به في حدود المقدور، وعلى افضل وجه ممكن.
اقول هذا لان اكثر الوكالات الصادرة من المراجع، ممن عاصرناهم سابقا ونعاصرهم الان، ليس فيها النص على ذلك.
وان كان هذا الاهمال لم يأتِ عن قصد من المراجع، الا انه ينبغي الا يكون، لان الذي ينبغي ان يكون هو النص على التبليغ قبل ذكر التوكيل، وان يذكر باعتباره اهم ما يجب ان يقوم به الوكيل، وانني على يقين بان المراجع سوف يقدرون هذه الملاحظة ويدرجون الامر في اولويات اعتباراتهم ومهماتها.
2- إن من الوكلاء من هو ملء السمع والبصر في عمله وتقواه، وفي مستوى المسؤولية في مجال التبليغ، وله اعمال وادوار في هذا المضمار تذكر له فتقدر وتشكر. ومنهم، وللأسف، من هو ليس كذلك.
ولأجل الخروج من عهدة المسؤولية أمام الله تعالى لا بد من وضع ضوابط وحدود لذلك.
وقد يكون من حلول المشكلة الإقلال من إعطاء الوكالات والتشدد عند منحها.
وكما كان علينا أن نعيد النظر في وضع الحوزات العلمية، علينا ان نعيد النظر في تعدد مرجعيات القيادة، وكذلك في امور الوكالات.


المصدر: مجلة المنهاج العدد 22
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com