موقع الصراط ... الموضوع : من تاريخ النفاق والارتداد-3-
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من تاريخ النفاق والارتداد-3-  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 1 / محرم / 1437 هـ
     
  بقلم العلامة السيد مرتضى العسكري
hilfee موقفه في غزوة المريسيع:
بلغ رسول الله (ص) أن بني المصطلق يجمعون له فخرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع(1)، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وقتل منهم من قتل.
وبينا رسول الله على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جهجاه بن مسعود(2) يقود فرسه، وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين.
فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حدث فغضب، وقال: ما رأيت كاليوم مذلة والله إني كنت لكارهاً لوجهي هذا، ولكن قومي قد غلبوني، قد فعلوها، قد نافرونا وكاشرونا في بلادنا، وأنكروا منتنا، والله ما أعدنا وجلابيب(3) قريش هذه كما قال الأول: (سمّن كلبك يأكلك)، والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفاً يهتف بما هتف به جهجاه وأنا حاضر لا يكون لذلك مني غبر، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضاً للمنايا فقتلتم دونهم، فأيتمتم أولادكم، وقللتم وكثروا.
فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله (ص)، وذلك عند فراغ رسول الله من عدوه، فأخبره الخبر وعنده نفر من المهاجرين والأنصار، فتغير وجهه ثم قال: يا غلام، لعلك غضبت عليه؟ قال: لا والله، لقد سمعت منه.
قال: لعله أخطأ سمعك؟ قال: لا يا نبي الله.
قال: فلعله شبه عليك؟ قال: لا والله لقد سمعت منه يا رسول الله.
فقال عمر بن الخطاب: مر بن عباد بن بشر(4) فليقتله، فقال له رسول الله (ص): فكيف يا عمر؟ إذاً تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، لا ولكن أذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله يرتحل فيها فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أبي إلى رسول الله (ص)- حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع- فحلف بالله ما قلت ما قال، ولا تكلمت به، وأنب جماعة من الأنصار زيد بن أرقم، فقال: إني لأرجو أن ينزل الله على نبيه حتى تعلموا أني كاذب أم غيري.
فلما سار رسول الله لقيه أسيد بن حضير(5)، وسلم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله (ص): (أوما بلغك ما قال صاحبكم عبد الله بن أبي)، قال: وما قال؟ قال: (زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل)، قال: فأنت يا رسول الله، والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله أرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكاً.
ثم مشى رسول الله بالناس يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً، وإنما فعل ذلك رسول الله ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي.
ونزلت سورة المنافقين في ابن أبي ومن كان على رأيه، فلما نزلت أخذ رسول الله (ص) بإذن زيد بن أرقم ثم قال: (هذا الذي أوفى لله بإذنه).
وكان عبادة بن الصامت قبل ذلك قال لابن أبي رأيت رسول الله يستغفر لك، فلوى رأسه معرضاً، فقال له عبادة: والله لينزلن في ليّ رأسك قرآن يصلى به.
ومر عبادة بابن أبي- عشية راح رسول الله (ص) من المريسيع، وقد نزل فيه القرآن- فلم يسلم عليه، ثم مر أوس بن خولى، فلم يسلم عليه، فقال: إن هذا لأمر قد تمالأتما عليه.
فرجعا إليه، فأنبآه وبكتاه بما صنع، وبما نزل من القرآن اكتذاباً لحديثه، فقال: لا أعود أبداً.
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي(6) الذي كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله ابن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلاً فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخروج ما كان لها من رجل أبر بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله يمشي في الناس، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله (ص): بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله لعمر بن الخطاب- حين بلغهم ذلك من شأنهم-: (كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته أقتله لأرعدت آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته، فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله (ص) أعظم بركة من أمري)(7).
ونزلت في قصة ابن أبي في المريسيع سورة المنافقين بأسرها، وقال الله عز اسمه فيها:
(بسم الله الرحمن الرحيم * إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ(8) * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ(9) *سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا(10) وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)(11) الآيات.
وكان خاتمة هذه القصة أن عجل عبد الله بن عبد الله [بن] أبي السير حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، ودخل الناس، حتى جاءه أبو عبد الله، فقال: وراءك! فقال: ما لك! ويلك! فقال: والله لا تدخلها أبداً إلا أن يأذن رسول الله ولتعلمن اليوم من الأعز ومن الأذل، فرجع حتى لقي رسول الله (ص) فشكا إليه ما صنع ابنه، فأرسل إليه أن خل عنه حتى يدخل المدينة ففعل، فقال: أما إذا جاء أمر رسول الله (ص) فنعم.

الهوامش:
(1) المصطلق هو جذيمة بن سعد، وهم من بني خزاعة من الأزد من القحطانيين، الجمهرة، ونهاية الأرب للقلقشندي ص 270، و(المريسيع) ماء بقديد، وقديد موضع قرب مكة بينها وبين المدينة قريباً من عشرين ومائة ميل، راجع ابن سعد في ذكره غزوة المريسيع، وياقوت في لغة قديد.
(2) هكذا ورد في سيرة ابن هشام وغيره من السير وفي تراجم الصحابة جهجاه بن قيس أو ابن سعيد توفي في خلافة عثمان، راجع: أسد الغابة: 1/307، والإصابة: 1/254.
(3) الجلباب أزار يشتمل به فيغطي الجسد، وهو من خشن اللباس يلبسه الفقراء، وكان المهاجرون لما هاجروا- على ما هم عليه من الخلة والعيلة- كان ذلك أكثر لباسهم فيما يرى، فجعل المنافقون يسمونهم (الجلابيب) كناية عن فقرهم وفاقتهم وغربتهم، وجعلوا ذلك نبزاً وتهزؤاً، وقيل: إن كفار قريش بمكة كانوا يلقبون به أصحاب رسول الله.
(4) عباد بن بشر الأوسي، قتل يوم اليمامة، أسد الغابة 3-100 .
(5) أسيد بن الحضير الأنصاري والأشهلي توفي في عصر عمر، الإصابة 1-64 .
(6) كان اسمه الحباب، فسماه رسول الله عبد الله، قتل يوم اليمامة في السنة الثانية عشرة، أسد الغابة 3-197 .
(7) سيرة ابن هاشم ج3/334-337، وطبقات ابن سعد 2/64-65 أوردها مختصراً، والطبري 3/64-67 بالتفصيل، وفي عيون الأثر 2/93-95، وإمتاع الأسماع 1/199-205، والبحار 6/703-709 أوفى تفصيلاً من جميع المصادر المذكورة.
(8) إشارة إلى ذهاب ابن أبي إلى رسول الله وتكذيبه زيداً.
(9) إشارة إلى قول عبادة بن الصامت لابي أبي: (اذهب إلى رسول الله يستغفر لك وليه رأسه). (10) إشارة إلى قول ابن أبي على ماء المريسيع المار ذكره.
(11) لقد أجمع المفسرون وأصحاب السير على نزول سورة المنافقين في شأن ابن أبي راجع البحار 6/704-705 عن تفسير فرات ابن إبراهيم الكوفي، والبخاري في تفسير سورة المنافقين ج3/135-136 و2/178 باب ما ينهى من دعوى الجاهلية من المناقب، ومسلم باب صفات المنافقين ج8/119 ومجمع البيان 5/290-296 والدر المنثور ج6/222-226، وقد أشار إليهما أحمد في مسنده ج4/303 و370 باختصار وبإيجاز في ص 368 وكذلك في 3/392 .

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العددان 11-12
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com