موقع الصراط ... الموضوع : العوامل المؤثرة في بناء العلاقات الاجتماعية
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العوامل المؤثرة في بناء العلاقات الاجتماعية  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 14 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  كما أنَّ للإنسان جنبةً عقلائيةً, فإنَّ له جنبةً عاطفيةً، ولا شك أنَّ العواطف النبيلة لها دور كبير في التقارب بين الناس, فهي تفتح القلوب, وتشرح الصدور أمام الإنسان، وبالعكس فإنَّ التعامل الجاف له مردودات سلبية على تلك الروابط.
ويمكننا تقسيم العوامل في بناء العلاقات الاجتماعية إلى قسمين: قسم منها له تأثير إيجابي، والآخر له تأثير سلبي.
أما القسم الأول: فهو الذي يجذب إليه مشاعر الإنسان، ويثير إحساس الخير في الآخرين, ولهذا على العامل في تغيير المجتمع أن يعمل على خلق دوافع الخير في الآخرين, ونقصد بدوافع الخير: يقظة الروح واندفاعها إلى كل عمل يعود عليها وعلى المجتمع بالفائدة بصورة ذاتية، ولا شك أنَّه متى وجد دافع الخير عند الإنسان تشوق إلى فعله, وتحرك نحو إيجاده, وإذا أردنا أن نوجد ذلك في نفوس الناس فلا بد أن نوجده أولاً في نفوسنا، فإنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، يقول أمير المؤمنين (ع): (احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك)
وهذا هو المنطلق الأساس في التغيير الاجتماعي, فإنَّ الإنسان مهما بلغ من قوة في وعظه وإرشاده إذا لم يزكِّ ذاته من جميع الخبائث لا يمكن أن يؤثر في الآخرين أو يكون تأثيره محدوداً، ثم يأتي بعد ذلك دور الأسلوب الأمثل والطريق الأسلم لزراعة الخير في نفوس الناس، ولا بد أن تعرف أن الإنسان لا يندفع إلى فعل شيء، ويبدع فيه إلا إذا كان ذلك الشيء يعود عليه بفائدة مادية أو معنوية, فإنَّه ((لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ))
وبعبارة أخرى: إنَّ كل شيء لا يحقق للإنسان إشباع ذاته, وتحقيق أناته لا يندفع إليه إلا مكرهاً، وحينئذٍ لا يمكن أن يبدع فيه، ويعطي نتيجة مرضية، فلا (يمكن تكليف الإنسان أن يتحمل مختاراً مرارة الألم دون شيء من اللذة في سبيل أن يلتذ الآخرون، ويتنعموا, إلا إذا سلبت منه إنسانيته, وأعطي طبيعة جديدة لا تتعشق اللذة، ولا تكره الألم، وحتى الألوان الرائعة من الإيثار التي نشاهدها في الإنسان ونسمع بها عن تأريخه تخضع في الحقيقة أيضاً لتلك القوة المحركة الرئيسية: (غزيرة حب الذات). فالإنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه, وقد يضحي في سبيل بعض المثل والقيم.. ولكنه لن يقدم على شيء من هذه البطولات ما لم يحس فيها بلذة خاصة, ومنفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن إيثار لولده وصديقه, أو تضحيته في سبيل مثل من المثل التي يؤمن بها)
وقد عالج الإسلام هذه المسألة حيث فسر الحياة الدنيا تفسيراً واقعياً، وإنَّها (كمقدمة تمهيدية إلى حياة أخروية, يكسب الإنسان فيها من السعادة على مقدار ما يسعى في حياته المحدودة هذه)
وقد استعمل القرآن الكريم الترغيب كوسيلة دفع إلى فعل الخير، واعتبره ضماناً لمستقبله الأخروي، وبذلك حقق للإنسان إشباع دوافعه الذاتية من خلال تطمينه بعودة كلما يفعله من خيرٍ إليه، واستعمل أسلوب الترهيب كوسيلة زجر عن كل فعل يتنافى مع المصالح الإنسانية وقيمها الأخلاقية والاجتماعية.
وبذلك (يوسع من ميدان الإنسان, ويفرض عليه نظرة أعمق إلى مصالحه ومنافعه، ويجعل من الخسارة العاجلة ربحاً حقيقياً في هذه النظرة العميقة, ومن الأرباح العاجلة خسارة حقيقية في نهاية المطاف)
((وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ))
((وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ))
((مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا))
((وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ))
((يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ ِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ))
وبهذا التأكيد على عودة كل ما يقدمه الإنسان إليه ((إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)) استطاع أن يخلق الدافع في نفس الإنسان لفعل الخير. والسر في هذا التأكيد أنَّ النفس الإنسانية شحيحة فلا تعطي حتى تأخذ, وبذلك حل التعارض بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة, وسخر المصلحة الشخصية لأجل المصلحة العامة من خلال ربط العقيدة بالنظام، وبها عالج أعظم المشاكل الاجتماعية.
ولا بد أن نشير أنَّ الذي يحرك الإنسان لفعل الخير ليست الدوافع المادية كما تذهب إليه المذاهب المادية، وإنما الذي يحركه أيضاً الدوافع المعنوية، فهي أكثر قوة، وأبقى أثراً في النفس من الدوافع المادية, ولهذا فهناك كثيرٌ من الجوانب المعنوية تخلق دوافع الخير في نفوس الناس.
وبعد هذا يمكننا أن نذكر أهم العوامل المؤثرة في تقوية الروابط الاجتماعية، والتي تدفع الآخرين إلى الخير والإحسان، وهي:
أ- شكر الآخرين على أعمالهم ومواقفهم:
إنَّ الإنسان بطبعه يحب أن يكون لعمله قيمةٌ واعتبارٌ وأثرٌ طيبٌ في نفوس الآخرين حتى لو لم يعد عليه بنفع مادي، فعندما يحس بإمتنان الناس ورضاهم عن أعماله فإنَّ ذلك يدفعه إلى مواصلة عمله والإبداع فيه، وهذا أثرٌ مهم من آثار الشكر في نفوس الآخرين، أما عندما يحدث العكس فإنَّه سيكون عامل تثبيط العزائم, وتعطيل للهمم فـ(إنَّ روحية عدم الشكر من الآخرين يورث الإنسان خسارة لا تعوض, ذلك أن الإنسان إن كان يبخل عن شكر خدمات الآخرين وتوددهم وعجز عن الثناء عليهم والتمجيد بهم حتى مع علمه بأهمية أعمالهم وأتعابهم التي تحملوها, لم يبدِ أولئك للمرة الأخرى أية رغبة في خدمته وحل مشكلته)
(إن الإنسان إذا لم يسمع كلمة الشكر على ما يتحمله من جهد وتعب أصبحت الحياة عليه صعبة جداً)
ومن هذا المنطلق وردت روايات كثيرة توحي بوجوب شكر المحسن على إحسانه، وربطت بين شكر الخالق وشكر المخلوقين، فعن الإمام الرضا (ع): (من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله عز وجل)
وعن عمار الدهني قال: (سمعت علي بن الحسين (ع) يقول: إنَّ الله يحب كل قلب حزين، ويحب كل عبد شكور، يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده يوم القيامة: أشكرت فلاناً؟ فيقول: بل شكرتك يا رب، فيقول: لم تشكرني إذ لم تشكره، ثم قال: أشكركم لله أشكركم للناس)
ويقول أمير المؤمنين (ع): (من لم يشكر الإنعامَ فليُعَدَّ من الأنعام)
إنَّ شكر المحسن على إحسانه اعتراف له بالجميل على أعماله، وهذا دافع مهم من الدوافع التي تدفع الإنسان إلى عمل المزيد من الإحسان، وأساس مهم من أسس تقوية العلاقات الاجتماعية بين الناس؛ لأنَّ الشكر يشد الإنسان إلى أخيه ويربط بين قلبيهما.
ب - المشاركة الوجدانية :
قلنا إنَّ الجنبة العاطفية في الإنسان واسعةٌ جداً, وتمتد إلى مختلف المجالات, ولذا فإنَّ مشاركة الآخرين بأفراحهم وأتراحهم يشعرهم بمكانتهم عند المشارِك لهم, ومن هنا فإنَّ من العوامل المؤثرة في التجاذب الاجتماعي أن نشارك الآخرين في مشاعرهم، ونشعرهم بالروح الأخوية التي تربطنا بهم, وقد مثل رسول الله (ص) التآلف والتناغم في المشاعر بين المؤمنين بالجسد الواحد الذي إذا تألم منه عضو تألمت سائر الأعضاء، وهذا من أدق وأعظم الأوصاف في الترابط الروحي بين المؤمنين، يقول (ص): (مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم، وتراحمِهم، وتعاطفِهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)
ويقول الإمام الصادق (ع): (المؤمنون في تبارِّهم, وتراحمِهم، وتعاطفِهم كمثل الجسد إذا اشتكى تداعى له سائرُهُ بالسَّهر والحُمَّى)
إنَّ مشاركة الآخرين بآلامهم يخفف من وطأة الألم عندهم، ومشاركتهم في أفراحهم يوسع من دائرة السرور، ويجعله عاماً, ولعلَّه من هذا المنطق أكَّد الإسلام على استحباب إدخال السرور على قلوب المؤمنين، وجعله من أحب الأعمال إلى الله، يقول رسول الله (ص): (من سرَّ مؤمناً فقد سرَّني، ومن سرَّني فقد سرَّ الله)
ويقول الإمام الصادق (ع): (لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمن سروراً عليه أدخله فقط بل والله علينا، بل والله على رسول الله (ص) )
وعن رسول الله (ص) أنَّه قال: (أحبُّ الأعمال إلى الله سرور تدخله على المؤمن تطرد عنه جوعته، أو تكشف عنه كربته)
وهكذا مشاركتهم في آلامهم وأحزانهم وتفريج الشدائد عنهم له نفس الدور, وهذه المشاركة قد تتحقق بكلمة أو موقف, أو معونة، أو دمعة، كل ذلك له دور كبير في تخفيف حدة اللوعة والألم؛ لأنَّ المصاب عندما يجد من يشاركه في مصابه تخف مصيبته.
والمشاركة الوجدانية حالة إنسانية يتجاوز فيها المرء ذاته، ويعبر إلى المحيط الاجتماعي الرحب، فَيُذَوِّبُ (الأنا) ويبرز ضمير (نحن) يقول العلايلي: (فهذا الشعور في حدوده تستوي عليه الإنسانية في حدودها. فإنه لولا المشاركة الوجدانية التي تخفف من حدة أنانيته الجارفة, لكان الناس أسوأ أثراً من أي حيوان. وهو بين الأنانية والغيرية في متجاذب شديد من الشر والخير والباطل والحق, إذا انتصر أحد الشعورين تبعه لازمه بدون تخلف أو إنفكاك؛ ولن تجد رجلاً فاضلاً أو مدلاً بخليفة إلا وعنده أوفى قسط من هذا الشعور السامي.
وأنا لا أفهم فرقاً بين الإنسانية والغيرية - مشاركة الناس في شعورهم- ولعل الإسلام هو الدين الوحيد الذي أقام كل تعاليمه الروحية والزمنية على أساس من هذا الشعور, وزاد مبالغة في اعتداده أنه جعله قاعدة الإيمان)
إذن فالمشاركة الوجدانية تقارب النفوس, وتمازج القلوب، وبها تتناغم الأرواح من خلال الشعور المشترك بين الإنسان والإنسان، فهي إذن عامل مهم ووسيلة فعالة في توثيق العلاقات الاجتماعية.
ج- الاهتمام بالناس :
الاهتمام بالناس كلمة جامعة لكل أنواع الرعاية الإنسانية تشمل: الاحترام والتقدير, والعون والتعاون, وقضاء الحاجات، وهذا العامل من أهم العوامل التي تجذب القلوب، وتسحر النفوس، يقول دل كارينجي: (تعلمت من خبرتي الشخصية أن المرء يستطيع كسب اهتمام وتعاون أشهر الناس، وذلك بأن يبدي اهتمامه الشديد بهم)
وليس الاهتمام بالمرء عامل جذب له وحسب, وإنما هو عامل دفع كبير لتقديم الخدمات الاجتماعية بطيب نفس وارتياح, يقول الكاتب الإسلامي السيد مجتبى اللاري: (وإنَّ للتقدير من الأثر والفعالية العجيبة ما يمكنه أن يمنح المجتمع الذي يغط في سبات: حياة جديدة، وأن يحرك عجلاته لنشاطات حيوية حديثة أخرى, مع أن التقدير يعد أبسط دواء لأدواء الفرد والمجتمع)
وأفضل دليل على أهمية هذا العامل هو أخلاق الرسالة الإسلامية التي برزت بشكل واضح للجميع في سيرة رسول الله (ص), فقد كان يبدي الاحترام والتقدير لكل من يجالسه ويلتقيه, فقد روى لنا التأريخ أنَّه (ص) كان (إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع, ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه)
وهذه الأخلاقية العظيمة كانت على حد سواء مع كل الناس: الفقير والغني, والقوي، والضعيف, والشريف, والوضيع, ومن هنا كانت قريش تُحَذِّر من الالتقاء به خوفاً من تأثيره، وأما في مجالسه فقد كان يقسم لحظاته بين جلسائه حتى لا يحسب أحدٌ أنَّ أحداً أكرم منه عليه. تلك هي أخلاق الرسالة في الاهتمام بالناس؛ ذلك لأنَّ الاهتمام بهم يفتح قلوبهم إلى من يهتم بهم، ومن حقائق الطبيعية البشرية السليمة أنَّ الإنسان دائماً يفتش عمَّن يجد نفسه في قلبه ووجدانه.
بقي علينا أن نشير أنَّ الاهتمام المؤثر بالناس هو ما كان مجرداً عن المصالح الذاتية, والمطالب الشخصية, فالخدمة التي تقدمها، والاحترام الذي تبديه, والخلق الفاضل الذي تتعامل به لا يكون مؤثراً إذا كان يخفي وراءه مصلحة, أو مطلباً ذاتياً, وإنما المؤثر ما كان نابعاً عن صدق, وإخلاص, وسلامة طوية, مجرداً لله وفي سبيل الله تعالى، وما أجمل ما يقوله الخبير الاجتماعي دل كارنيجي: (فإن أردنا أن نكسب الأصدقاء, يجب أن ننسى أنفسنا ونفكر بهم فقط وبمساعدتهم)
والخلاصة إن من أهتم بالناس كسب محبتهم. ومن أحترمهم احترموه ومن أكرمهم أكرموه يقول أمير المؤمنين (ع): (من استهانَ بالرجال قَلَّ) و(من اهتمَّ بك فهو صديقك)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com