موقع الصراط ... الموضوع : من هدى القرآن-6
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من هدى القرآن-6  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 2 / محرم / 1437 هـ
     
  بقلم: السيد محمد جمال الهاشمي
(إياك نعبد وإياك نستعين) قدم ضمير الخطاب على الفعل ليدل على اختصاص العبادة والاستعانة بالله فقط، لأن تقديم الضمير على الفعل يخص الفعل بالمخاطب وينفي المجال عن غيره فيكون معنى الآية نخصك بالعبادة والاستعانة.
والعبادة من العبودية، والعبودية تجريد الإنسان نفسه من كل حرية وإنية، فالعبد لا يملك شيئاً، بل هو وما يملك لمولاه، والآية تخص عبودية الإنسان بالله فقط، ومعنى اختصاصها بالله تحررها عن غيره، فالإنسان حر بكل معنى الكلمة، فلا تجب عليه إطاعة غير الله مهما كان ذلك الغير؛ لأنه عبد خالص لله، وعبد الله لا يخشى ولا يرجو غير الله، لأنه مرتبط بسلطة تندك في عظمتها العظمات مهما استطالت، والذي يستند على مثل هذه العظمة الجبارة لا ينبغي له أن يلتفت إلى غيرها.
ولذلك تسأل لماذا اختصت عبادة الإنسان بالله فقط، والجواب: بأن العبادة ليست إلا أسمى مراتب الشكر، ولا يستحق هذه المرتبة من الشكر إلا من بلغ فضله أسمى مراتب الفضل، والله جلت عظمته منَّ على الإنسان بهذا الفضل، إذ تفضل عليه بالحياة، وكل شيء يرتبط بالإنسان يسبح في فلك الحياة، فالحياة أساس كل ما في الكون من النعم والمنن، وفاقد الحياة فاقد لكل شيء، ولذلك لزم للإنسان أن يقابل هذا الإحسان بما يناسبه من الشكر، فكانت العبادة هي الثمن المقابل له، ولا تكون العبادة أمراً اجتهادياً يقررها الإنسان كما يريده ذوقه، وإنما هي عمل يخططه المولى ويطبقه العبد، فليست الأعمال التي تراها في نفسك عبادة تكون في نظر المولى عبادة، وإنما العبادة ما يختارها ويحققها العبد، والعبادة غير الطاعة، لأن الطاعة تكون لغير الله، فالمسلمون يجب عليهم إطاعة النبي (ع) ، والولد يجب عليه إطاعة الوالد، فالنبي مطاع غير معبود، والأب كذلك، أما المعبود فهو الله فقط. كانت السورة توجه الكلام بصيغة الغيبة، فتقول: (الحمد لله) الخ، فلما وصلت إلى هذه الآية تراها تعدل عن أسلوبها الأول فتوجه الكلام بصيغة الخطاب فتقولك: (إياك نعبد)، ولهذا التنويع الخطابي علتان: لفظية، ومعنوية، أما العلة اللفظية فترجع إلى موضوع الالتفات، وسبب الالتفات رفع الكسل، وبعث النشاط، ففي تنويع الصور اللفظية ما في تنويع الأفلام المعروضة للأنظار، فكما يجذب تنويع الأفلام التفات الناظر، ويبعث في نفسه اللذة والنشاط، كذلك ترفع الصور اللفظية المتنوعة كسل القارئ والسامع، وتبث فيهما طاقة القراءة والاستماع... وأما العلة المعنوية: فهي تدرج السالك إلى الله في سيره المعنوي لأن الصلاة معراج المؤمن، والآية الأولى بمنزلة المتعلم الأول في سفره الإلهي، فهو يرى نفسه بعيداً عن المقصد، فلذلك يوجه الكلام إليه بصيغة الغيبة، فلما يتقرب إليه في سيره العبادي يرى نفسه وكأنه في حظيرته القدسية تغمره آلاؤه ونعماؤه فيوجه الشكر إليه بصيغة الخطاب.
وفي الآية نكتة بلاغية ربما تفوت القارئ وهو يستمر في قراءته، إن الإنسان وهو يقف أمام الله نراه يوجه الخطاب إلى الله بصيغة المفرد، بينما يقدم شكره إليه بصيغة الجمع، مع أن أسلوب التكريم يقتضي عكس ذلك، إن العبد ينبغي له أن يعظم مولاه، ويصغر نفسه في خطابه، والتعظيم في صيغة الجمع لا في صيغة المفرد، فلماذا ينعكس موقفه في هذا المحضر الذي لا تتناهى عظمته، إن سببه أيها القارئ المؤمن هو أن المصلي يخاطب الله بصيغة المفرد ليقدم إليه وحده عبادته، وحده لا شريك له في ذلك، فيقول له: (إياك) لكيلا يتوهم أحد شركة غيره في هذه العبادة، إن الإنسان يقف في مقام التوحيد الوجداني الذي لا يسع غير الله، والتوحيد الوجداني لا يحده ويسوره إلا التفريد في الخطاب، فلذلك بخطابه بصيغة (إياك) هذا سبب مواجهته لله بصيغة المفرد، وأما سبب تقديم نفسه بصيغة الجمع فله توجيهات كثيرة أذوقها وجهان.
الوجه الأول: إن الإنسان حينما يشاهد نفسه يقف في حظيرة الله اللا متناهية في العظمة يحس بعظمة نفسه وجلالة قدره، وإنه حاز القابلية للوقوف في هذا المقام الأقدس، فهو في مرتبة تتسامى عن الرتب المتعارفة في الأوساط البشرية، إنه يواجه الله ويخاطبه فهو في منتهى الجلالة والعظمة، فلا ينبغي له إلا أن يقدس هذه المنزلة التي تفضل بها عليه الله، ومن تقديسها أن يقدمها بصيغة الجمع التي هي رمز التكريم والتعظيم، إن في تكريمها تكريماً لمن تفضل عليه بها فلذلك يقدمها بصيغة الجمع..
والوجه الثاني: إنه وإن كان فرداً في نفسه لكنه أمة في موقفه، إنه يمثل المسلمين أجمع في هذا المقام والخطاب، فهو يتقدم بنفسه التي تمثل المسلمين أجمع، فلذلك يقدمها بصيغة الجمع.

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد العاشر
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com