موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : لماذا لا نرتضي غير الإسلام
 
الثلاثاء - 9 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  لماذا لا نرتضي غير الإسلام  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 4 / محرم / 1437 هـ
     
  بقلم الدكتور داود سلمان العطار

من شاء أن يدرك النسبة بين حكم ونظام شرعة الله- عز وجل- وأنه أنزله لإسعاد عباده وبين ما وضع الإنسان لنفسه من أنظمة وقوانين فعليه أن يدرك النسبة بين جبار السماوات والأرض وعالم الغيب والشهادة وبين إنسان يعيش على سطح ذرة من هذا الكون الفسيح.
ونحن المسلمين لا نرتضي غير الإسلام لأن مصدر تشريعه هو الله تعالى: المحيط بكل شيء علماً.
والإنسان- كل الإنسان- مهما كرس حياته وجاس خلال الأقطار والأمصار كيما يلم بأسرار الطبيعة وحياة البشر، ومهما أوتي- بنفسه- من حول وعلم وقوة، لم يؤتَ إلا قليلاً، وأقل قصوره: أنه جاهل- لذاته- بما سيكون قبل أن يكون، والله وحده عالم الغيب والشهادة، فكيف يستطيع أن يخط نهج الإنسانية، وسبيل السعادة للأجيال القادمة، وضمان الحياة الرغيدة لهم في قانون-يشرعه هو- كامل شامل جامع لكل المصالح مانع لكل المفاسد، وهو جاهل- كل الجهل- بسنة الله في تطور العالمين، بل هو لا يدري ما يكسب غداً، ولا يدري بأي أرض (يموت)!!؟
وهنا يكمن سر تبدل القوانين الوضعية المستمر بين آونة وأخرى من جهة، وامتناع تطبيقها في البلدان وبين الأقوام المختلفة والمتباينة من جهة أخرى، وما من يوم يمضي إلا ونسمع تعديلات في كافة القوانين الوضعية في العالم اليوم بعد أن يتبين للمنفذين لها زيفها وفسادها وفقدانها عنصر البقاء.
غير أن باري الكون والحياة والإنسان حين شرع نظام الإسلام قد وسع علمه وسلطانه السماوات والأرض، ولم يخفَ عليه شيء وإن كان مثقال حبة من خردل في السماوات أو في الأرض (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض...)، ولقد أحاط بكل جوانب الحياة والإنسان، فشرع في نظام الإسلام لكل مشكلة من مشاكل الحياة والإنسان حكماً فيه كل مصلحة لسعادة الفرد والمجتمع والحياة وهو مانع لكل مفسدة تحل بالإنسان والمجتمع والحياة، كيف لا وهو وحده العليم بسنته في تطور العالمين، وهو الذي دبر وقدر كل شيء فأحسن وأتقن تدبيره وتقديره.
وهنا تتجسد علة بقاء نظام الإسلام وحكمه صالحين للتطبيق والتحقيق لإسعاد البشر في كل زمان ومكان وعلى مر العصور وتوالي الأجيال وتفرده بمميزات منها أولاً: طبيعة أحكامه:
نظرة بريئة من المكابرة والعصبية العمياء إلى أي حكم من أحكام الإسلام تتجلى فيه بكل وضوح المثل العليا والقيم السامية وجميع المصالح المادية والروحية التي هي ضالة الإنسان الداعي وهدفه السامي منذ فجر الحياة، اقتحم من أجلها الأهوال والمخاطر وخاض من أجل تحقيقها المعارك والحروب، وهذه المثل والقيم والمصالح التي أودعها الله في أحكام النظام الإسلامي ليست متنافرة يعارض بعضها البعض أو يمتنع بعضها لوجود البعض الآخر بل على العكس فهي متكاملة متتامة متجانسة تجمعها (القدرة المطلقة) و(العلم المطلق) و(الكمال المطلق) التي تفرد بها الشارع المقدس- جل شأنه-.
فالصلاة لو تدربنا بأحكامها لوجدناها- وهي فرض من فروض العبادات- ليست معراجاً يسمو بها المؤمن (بروحه) في مدارج الإيمان، ويعلو حيث تصفو نفسه من كل شائبة من شوائب الشرك أو الخرف أو الذل أو غير ذلك فحسب... بل هي (تحرير) للإنسان من كل قوى المادة وسلاطين الأرض وجبابرتها، وانقطاع للواحد الأحد القاهر فوق عباده، وهي (وقاية) للجسم وطهارة ونظافة له من كل دنس وضر، وهي (رياضة) للبدن، و(تقويم) أمثل لسلوك الفرد والمجتمع، وهي (صراط) أبلج لتهذيب وتشذيب الأخلاق والسيرة والسريرة حين تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهي... الخ.
والحج وإن كان (إحراماً) و(تلبية) و(تهليلاً وتكبيراً) و(طوافاً) و(سعياً) و(تشريعاً) و(نحراً) و(تقصيراً) وغير ذلك من المناسك لكنه في الوقت ذاته (توحيد) للمسلمين من شتى ديارهم ومختلف ألسنتهم وألوانهم، و(اجتماع) على مستوى أكبر للمسلمين ليتداولوا في الآراء، ويتعاونوا في السراء والضراء، (وليشهدوا منافع لهم)، وهو (مساواة) فعلية، و(إزالة) لكل تزايل وتنابز وتمايز بين سيد ومسود، وحاكم ومحكوم، وغني وفقير، وشرقي وغربي... الخ، وهو (مشهد) من مشاهد النشور يوم يبعث الله الناس من الأجداث، وهو... الخ.
وما ظهر في الصلاة والحج يظهر في كل حكم من أحكام الإسلام سواء في العبادات أو المعاملات أو غيرهما.
فالنظام الإسلامي كامل شامل، وأحكامه متماسكة، يتمم ويكمل بعضها البعض في تحقيق السعادة للإنسانية الشقية بالقوانين الوضعية، وتيسير رغد العيش لها، والسمو بالإنسان إلى حيث يليق به، فأحكام العبادة لها أقوى وشيجة بأحكام العقوبات، وأحكام الصحة والمطعومات والملبوسات لها أمتن علاقة بأحكام الأخلاق والآداب، وهكذا لا نجد حكماً [من] أحكامه يعالج مشكلة أو ناحية من مشاكل ونواحي الحياة والإنسان إلا وله أشد الروابط ببقية الأحكام، وعلى هذا لا يمكن فصل النظام الاقتصادي فيه عن النظام الاجتماعي، كما لا يمكن عزل منهج الحكم والسياسة عند تطبيقه عن القاعدة الفكرية للمبدأ، ذلك لأن نظام الإسلام وحكمه كل لا يتجزأ، وعلى هذا: لا يمكن أن يبقى المسلم مسلماً وهو يطبق غير الإسلام نظاماً في الاقتصاد أو الاجتماع أو القضاء... أو أن يساس بحكم ما أنزل الله به من سلطان.
وثانياً: مساوقته لطبيعة البشر والحياة.
إن فطرة الإنسان وغرائزه ومتطلباته العضوية قوى كامنة فيه، وكل نظام لا يسبر غورها ولا يخبر طبيعتها، لا تنقاد له مطلقاً، ولا يستطيع إخضاعها لسلطانه دائماً. فإذا حاد فيها أو ضادها: انفجرت وعصفت بأحكامه وتركتها هشيماً تذروه الأيام والأعوام.
وإذا أطلق لها العنان ولم يكبح جماحها ويروضها انطلقت بالإنسان نحو هاوية الهلاك والدمار وأحلته وقومه دار البوار.
والنظام الإسلامي- لأنه تشريع العليم الخبير- لم يتنكر في أي حكم من أحكامه لفطرة الله التي فطر الناس عليها كالنظام الاشتراكي، ولم يغالِ في إشباعها، ويهمل جانب العدالة الاجتماعية والمصلحة الإنسانية كالنظام الرأسمالي.
ولكنه تكفلها بالعناية والرعاية والتقويم وسلك سبيلاً وسطاً.
فهو في نظامه الاقتصادي- مثلاً- لم يلغِ حق المالكية الخاصة بل أقره وصانه واعتبره ضرورة ووضع حد القتل لمنكر كل ضرورة؛ لأن المالكية والاختصاص فطرية في الإنسان، ولكنه لم يتركها رهن الشهوات، والنزوات، بل حددها بحدود، وقيدها بقيود، ونظمها فأحسن تنظيمها، فاستجاب بذلك للفطرة الإنسانية من جهة، وكفل العدل الاجتماعي والاستقرار والتضامن الإنساني من جهة أخرى، وفي آن واحد.
وكذلك في مسألة الزواج- مثلاً- لم يمنعه لأنه حاجة طبيعية في الإنسان وضروري لحفظ النوع، ولم يطلقه فيخرج إلى حد العبث والفساد وهلاك البلاد والعباد، فتضطرب حياة الفرد، ويتقوض نظام العائلة، ويتهدم كيان المجتمع بل أولاها عناية فائقة، ودبرها فأتقن تدبيرها حين وضع لها شروطاً وأحكاماً لمشاكلها جميعاً تتفق مع طبيعة الإنسان- كل إنسان- وفي كل زمان ومكان، وتنفي كل فساد أبد الآبدين.
وهكذا يساوق نظام الإسلام في كل حكم من أحكامه فطرة الإنسان، ويقومها خير تقويم في إطار التكافل الاجتماعي والتآخي الإنساني وداخل نطاق حرية الفرد وسعادته.
وثالثاً: مروره بتجربة عملية باهرة:
لا جرم أن الإسلام- نظاماً وحكماً- مر بتجربة عملية ناجحة امتد أمدها قروناً طويلة حين شع في نفوس أبنائه الصالحين، وحملوه رسالة عالمية إلى أمم الأرض، فرغدوا في العيش، وسعدوا في الحياة، وارتقوا بالإنسانية إلى قمة الكرامة، وذروة المجد والسعادة، أما سواه من الأنظمة والمبادئ الوضعية الغابرة منها والمعاصرة فلقد درجت عليها السنون والقرون وما ازدادت البشرية منها إلا شقاء وبلاء، وما أدنتها إلا من التدهور والانحطاط، وما أبعدتها إلا عن الراحة والاطمئنان.
وهذه النظم الوضعية منها ما تحقق فشلها عند محاولة تطبيقها، فبقيت نظريات وأفكاراً، ولم تخرج إلى عالم الواقع رغم تمسك معتنقيها بها، واتخاذهم شتى الأساليب لتحقيقها ولكن... بلا جدوى وبدون طائل كالشيوعية التي نادى بها (مزدك) و(هيجل) وطورها ووسعها (ماركس)، فقد خاب (لينين) عندما حاول تطبيقها بالرغم من عمليات (التطهير)، وأخفق (ستالين) في إخراجها للواقع الحي رغم (سوره الحديدي) الذي ضربه مدة دكتاتوريته الرهيبة، ورغم (موجات الاستئصال) التي شنها خصومه، وفشل (خروشوف) في تحقيقها رغم مكائد (السلم والصداقة والتعايش) ورغم أساليب الغدر والانتقام.
فلم تستولِ (البروليتاريا) على الحكم في الدول الاشتراكية كما يهدفون ويدعون، ولقد تصرم نصف قرن على (اكتوبر)!! ولم يقضِ على رأس المال فيها منه واستغلاله بصورة (رسمية) جشعة في المصالح العامة!! ولم تأمم (وسائل الإنتاج) بل سخرت الفئة المتحكمة أفراد الشعب لإدارتها لقاء قوت لا يغني ولا يسمن من جوع، ولم يقضِ على (الطبقات) فلا يزال هناك عامل المنجم المنكود، وفلاح (اكلولوخوز) والمنبوذ في مخيمات السخرة بجانب المترفين في الكرملين.
ومن تلك النظم الوضعية ما طبق (بتطور) كالنظام الرأسمالي، ولكنه في كل أطواره وجميع أجوراه ما حقق إلا الظلم الاجتماعي، وما طبق إلا استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وما أشاع إلا الجشع والطمع، وما أباح إلا (اللصوصية القانونية) والاعتدائية الرسمية، وما أدى إلا إلى استعمار البلدان الآمنة، واستعباد الشعوب المطمئنة.
وها هو يسحب- بعد طول متاهة- أذيال الخيبة والفشل الذريع ويشق طريقه نحو الاضمحلال والزوال.
أما الإسلام:
فما أن أشرق: إلا وهزم الجاهلية، وأنزل الطواغيت من صياصيهم، وقوض قلاع الجبابرة المستبدين، وفك أسار الضعفاء والمضطهدين، وحرر الإنسان من عبودية الأوثان، وأطلق سراح العبيد (بصورة علمية لا نظرية ووفق نظام واقعي لا خيالي ولا مثالي)، وساوى السوج بالبيض، وأزال الحدود والفوارق الطبقية والقبلية والوطنية والإقليمية، وأجزل للمرأة حقوقها، وفصل واجباتها، وطبق العدل وأشاع المساواة، وأسبغ الحرية السامية الكاملة، ووحد الإنسانية في حدود كرامة الفرد وحريته مع ضمان المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية، ثم بين علاقات الفرد والمجتمع والدولة ونظم الأنظمة المختلفة للناس أجمعين في شتى ميادين الحياة، وحدد معالم السياسة ومنهاج الحكم، وأصول الاقتصاد وأسس الاجتماع، وفروض العبادات، ومكارم الأخلاق والآداب، فأخرج الناس من الظلمات إلى النور برسالته الجبارة، هذه التي أولدت العالم حياة حرة كريمة، غيرت مجرى التأريخ، وشأت بالإنسانية شأواً سامقاً بعيداً خلال ثلاثة وعشرين ربيعياً.
أمن العقل بعد هذا أن ندع الإسلام ونستمطر جهام الرأسمالية الديمقراطية وهي برق خلب يلمع ولا ينفع؟؟!
أم من الإنصاف أن نتركه ونسترفد الاشتراكية أو الشيوعية وهي سراب كاذب لا يسمن ولا يغني من جوع؟؟!
(والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً).

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد التاسع
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com