موقع الصراط ... الموضوع : لن يتأسس المجتمع على العدل الحقيقي إلا بالدين
 
الأحد - 2 / صفر / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  لن يتأسس المجتمع على العدل الحقيقي إلا بالدين  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 4 / محرم / 1437 هـ
     
  بقلم آية الله الشيخ محمد أمين زين الدين
محمد أمين زين الدين وجد الإنسان الأول، فكان الحجر الأول لبناء المجتمع الأول، وكان النواة الحيّة لنبات الأسرة الأولى، والمجتمع في بدء أمره أسرة، والأسرة في أول تكوينها فرد، ولئن كانت نشأة المجتمع متأخرة عن نشأة الفرد في التأريخ، فإن الركائز الاجتماعية قرينة للفرد في الميلاد. ومتى كان المرء ولم تكن له هذه الغرائز تضطره إلى النوع، وهذه الحاجات التي تلجئه الى الالتفاف والانضمام؟ والاجتماع - حسب مقررات علم النفس - غريزة من غرائز المرء المكينة فيه، الثابتة لعامة أفراده، اللازمة له في جميع أدواره، وللإنسان - غير هذه - مجموعة من الغرائز الاجتماعية، تتآزر على لف المجتمع، وشد أركانه، وحفظ كيانه، وعلى ذلك أسس الفرع الاجتماعي من علم النفس، وأقيمت أصوله، وقررت مناهجه، ونبغ المتخصصون فيه.
بلى، وأكثر غرائز الفرد البشري دوافع تفرض عليه الاجتماع، وأكثر ضروراته حوافز تسوقه إليه، حتى مقومات خلقه، وحتى خصائص تركيبه. لماذا منحه الله قدرة الكلام وطاقة التأثير، وقوة الفهم، وملكة التفهيم، إذا لم يكن اجتماعياً بالطبع؟
وجد الإنسان الأول، ووجدت معه علاقة الإنسان بالإنسان، وصلة الفرد بالأمة، ورابطة الأمة بالأمم، والجيل بالأجيال، حلقات من الأواصر متشابكة متماسكة كالدرع، المحكمة السرد، المتداخلة الزرد.
وجدت هذه العلاقات كلها مع وجود الإنسان في أسبق أيامه، وفي أقدم حالاته، وإن كان ضعيف الشعور بها يوم كان لا ينطلق فكره أبعد مما ينطلق حسُّه.
ومرّ الإنسان وروابطه هذه المكينة في غرائزه البعيدة عن إحساسه، يعززها من داخله بالنمو، ويدعمها من خارجه بالتوثيق والإحكام.
ومرت هي معه في تأريخه الطويل تتمدد، وتعمق آثارها، وتنداح أقطارها كلما امتد نظر المرء في العواقب، واتسع أفقه في التفكير، فأبصر وجوهاً جديدة من الحاجة، وكشف ألواناً خفية من المصلحة.
الاجتماع للإنسان فطرة وضرورة، وقد أصبح الحديث عن ذلك فجّاً، وعدت إقامة البينة لإثبات ذلك إسفافاً، ومن الذي يرتاب في ذلك من الناس؟ ومن الذي يفتقر في إثباته إلى بينة، وإلى إطالة واستقصاء في الحديث؟
وتثبيت المجتمع وضبط قواعده وضمان سلامته تستدعي أن تقرر لأفراده حقوق متبادلة، وأن توازن هذه الحقوق بتبعات متعادلة.
حقوق تصان بها الصلات أن ترث، وتبعات تعادل بها الكفة أن تميل، وأي أثر للصلة إذا هي لم تستتبع حقاً؟ وأي نصف في تشريع الحق إذا لم يوازن بتبعة؟
والمرء أثر شحيح بجبلته، ذلك أن غرائز هذا الكائن لا تقتنع بالقدر الذي يستحق، فهي تلح أبداً وتلحف ، وتهيب بالمرء حتى يستجيب، فإذا استجاب لها أول مرة كان ذلك سبباً لسعارها وتزايد إلحاحها، وهي تغلو أبداً إذا كان من شأنها أن تأخذ، وتقتر أو تمنع إذا كان من الحق أن تعطي.
المرء أثر شحيح إذا ترك لغرائزه الدنيا، ولرغباته الضارية، والاثرة والشُّح لا يعترفان بحق، ولا يلتزمان بتبعة.
ووفرة من طباع الناس وخلائقهم المكتسبة أو الموروثة، وأطوارهم في هذه الحياة، ومنازلهم المتفاوتة فيها تحبب إليهم الميل أو النشوز عما يجب وعما يحسن.
فكان من ضرورات المجتمع أن يعدَّ له نظام عتيد، يقرر فيه الحقوق، ويضبط منه الحدود، ويشد العلاقات، ويقسم الواجبات، وكان من ضروراته أن يكون لنظامه هذا وازع يمكّن له في نفوس الأفراد، وازع داخلي في كل نفس نفس، وحارس يقظ على كل فرد فرد، يرصده إذا أمن الرقيب، ويقوِّمه إذا أزاغته الاثرة، ويفل من طغيانه إذا جمحت به القوة، أو نزت به الشهوة.
ضروري للمجتمع أن يكون له نظام ثابت مطّرد، يقيم الاجتماع على أسس العدل، ويركزه على مبدأ المساواة، ويطهره من رجس الظلم، ومن دنس الاستيثار، يقيمه على العدل الكامل في كل وجهة منه، وعلى المساواة الحقيقية في كل منحى من مناحيه، وضروري له كذلك أن تكون لهذا القانون قوة عاملة حازمة تفرض احترامه، وتتولى تنفيذه، وتدأب في رعايته والتمهيد له حتى تصله بأعمق دخائل النفس، وتوصله الى أبعد جذورها.
وما قيمة قانون اجتماعي لم تكن له هذه الميزة؟
وكيف يحقق غايته الاجتماعية المطلوبة إذا لم يكن له هذا النفوذ؟
ثم أي نظام تجتمع له هاتان الخاصتان غير الدين؟ وبأي سلطان يكون له مثل هذا النفوذ غير سلطانه؟

>للبحث صلة<

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الخامس
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com