موقع الصراط ... الموضوع : آفات إقامة العزاء على سيد الشهداء (ع)-3<br> (الكذب، والبدعة في كيفية إقامة شعائر العزاء)
 
الأحد - 16 / شعبان / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  آفات إقامة العزاء على سيد الشهداء (ع)-3
(الكذب، والبدعة في كيفية إقامة شعائر العزاء)
 
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 5 / محرم / 1437 هـ
     
  بقلم الشيخ محمد الريشهري
محمد الريشهري [الآفة الخامسة]
۵. الكذب
يعدّ الكذب على اللّه ورسوله وأهل البيت عليهم السلام من أقبح الكذب وأخطره(1)، حيث يعتبر من الكبائر ويؤدّي إلى بطلان الصوم(2).
إنّ قُرّاء المراثي الحسينيّة الذين ينسبون كلاماً مّا إلى اللّه أو إلى أهل البيت عليهم السلام دون الاستناد إلى حجّة شرعية، لا يعدّون من خدام الإمام الحسين عليه السلام وذاكريه فحسب، بل عليهم أن يعلموا بأنّ عملهم كبيرة من الكبائر.
ومن الصعب على الكثير من الناس أن يصدّقوا هذه الحقيقة، وهي أنّ بعض قرّاء المراثي يسردون مصائب كاذبة! إلّا أنّه يجب الاعتراف ـ وبكلّ أسف ـ بهذه الحقيقة المرّة، بل ينبغي البكاء على هذه المصيبة الكبرى التي ابتُلي بها تاريخ عاشوراء أكثر من مصيبة عاشوراء نفسها؛ ذلك لأنّ هذه المصيبة توجب تضييع النهضة الحسينية المقدّسة! ولإيضاح هذا الإجمال يمكنكم الرجوع إلى كتاب اللؤلؤ والمرجان الذي ألّفه المحدّث النوري في عام (۱۳۱۹ هـ. ق)، وكتاب الملحمة الحسينية للاُستاذ الشهيد المطهّري، وسنُلقي فيما يلي نظرة سريعة إلى هذين الكتابين من هذا المنظار.

الكذب في قراءة المراثي في العصور السابقة
يمكن القول بأنّ آفة الكذب دخلت ساحة قراءة المراثي منذ تأليف كتاب روضة الشهداء ؛ أي حوالي سنة ۹۰۰ للهجرة، واتّسعت رقعة هذه الآفة تدريجيّاً بحيث إنّ المحدّث النوري شعر بخطر انتشار هذه الآفة في أوائل القرن الرابع عشر، ممّا دعاه إلى تأليف كتابه اللؤلؤ والمرجان(3) باقتراح من أحد علماء الهند، حيث يبيّن في بدايته الدافع الذي دفعه لتأليف الكتاب قائلاً:
إنّ سماحة العالم العامل الجليل الفاضل الكامل.. السيّد محمد مرتضى الجونبوري الهندي أيّده اللّه تعالى شكا لي كراراً ـ من الهند ـ القرّاء ومنشدي المراثي في تلك البلاد، حيث يجرؤون على الكذب، ويصرّون على نشر الأكاذيب والأباطيل، بل إنّهم كادوا أن يُجوّزوها ويعتبروها مباحة وخارجة عن دائرة العصيان والقبح لأنّها سببٌ لإبكاء المؤمنين! وقد أمرني بكتابة شيء في هذا المجال على سبيل الموعظة والجدال بالتي هي أحسن، علّها تؤدّي إلى تنبيههم وكفّهم عن هذه القبائح. ويبدو أنّ سماحته يظنّ أنّ المدن المقدّسة في العراق وإيران آمنةٌ من هذه المصيبة وأنّها غير ملوّثة بالكذب والافتراء، وأنّ هذا الفساد في الدين منحصر في تلك البلاد، غافلاً عن أنّ نشر الخراب تمتدّ جذوره في مركز العلم وحوزة أهل الشرع في العتبات المشرّفة، فلو أنّ أهل العلم لم يتسامحوا في ذلك وميّزوا الصحيح من السقيم والصدق من الكذب في كلام هذه الطائفة، ونهوا هؤلاء عن قول الأكاذيب، لما بلغ الفساد هذا المبلغ(4)!
ويقول المحدّث النوري في موضعٍ آخر من كتاب اللؤلؤ و المرجان :
إنّ سكوت المتمكّنين يؤدّي إلى تجرّؤ وعدم مبالاة هذه الطائفة العديمة الإنصاف، حتّى في المراقد الشريفة، وخاصّة مشهد سيّد الشهداء أرواحنا وأرواح العالمين له الفداء..، فإنّهم يعمدون في غالب الأوقات ـ وخاصّة في الأسحار التي هي أوقات البكاء والاستغفار ـ إلى أنواع الأكاذيب العجيبة، وأحيانا الألحان المطربة، ليلقوا بأجواء قاتمة على ذلك الحرم النوراني(5).

نموذج من المراثي الكاذبة من وجهة نظر المحدّث النوري:
والآن نلفت الانتباه إلى بعض النماذج من هذه الأكاذيب المختلقة في المراثي والتي ذكرها المحدّث النوري في كتاب اللؤلؤ والمرجان:
۱. ما اُضيف إلى قصّة قدوم الطبيب لعلاج الإمام عليّ عليه السلام وهو على فراش الشهادة:
نقل عن حبيب بن عمرو أنّه وفد على أمير المؤمنين عليه السلام بعد إصابته على رأسه الشريف، وكان الأشراف ورؤساء القبائل وشرطة الخميس(6) حاضرون عنده، أنّه قال :
وما منهم أحدٌ إلا ودمع عَينيه يترقرق على سوادها حزنا على أمير المؤمنين عليه السلام، ونظرت إلى أولاده وقد أطرقوا برؤوسهم، وما تنفّس منهم متنفّسٌ إلّا وظننت أنّ شظايا قلبه تخرج من أنفاسه.
يقول حبيب : فجمعوا الأطباء، وجاء أثير بن عمر برئة شاة فنفخها وأدخلها في الجرح، فلمّا أخرجها رأى عليها أجزاءً من دماغ أمير المؤمنين عليه السلام، فسأله الحاضرون، فخرس وتلجلج لسانه.
فعرف الناس ويئسوا فأطرقوا برؤوسهم، وكانوا يبكون بهدوء لئلّا تسمع النساء، سوى الأصبغ بن نباتة الذي لم يطِق صبراً دون أن شرق بعبرته وبكى بصوت عالٍ، ففتح الإمام عليه السلام عينيه وبعد كلمات قال حبيب : فقلت : يا أبا الحسن، لا يهولنّك ما ترى، وإنّ جرحك غير ضائر فإنّ البرد لا يزيل الجبل الأصمّ، ونفحة الهَجير لا يُجّفف البحر الخضَمّ، والصِّلّ يقوى إذا ارتعش، والليثُ يَضرى إذا خُدِش.
فأجابه الإمام عليه السلام بجواب سمعته اُمّ كلثوم فبكت، فطلبها عليه السلام، فدخلت على أبيها ـ ويبدو من هذا النقل أنّها جاءت أمام الجميع ـ وقالت :
أنت شمسُ الطالبيّين، وقمر الهاشميّين، دسّاسُ كُثبها المُترصِّد، وأرقمُ أجمتِها المتفقّد، عِزُّنا إذا شاهت الوجوه ذلّاً، جمعنا إذا الموكبُ الكثير قَلّا. إلى آخره.
وللأسف فإنّ هذا الخبر المسجّع المقفّى الذي تسرّ النفس لسماعه، ليس له أصلٌ! ونحن لا نجد شيئاً من هذه الكلمات أبداً في كتاب الثقة الجليل عاصم بن حميد، مع أنّه نقل خبر عمرو(7)! كما ذكر أبو الفرج في مقاتل الطالبيّين(8) علاجَ أثيرِ بن عمر لأمير المؤمنين دون هذا التفصيل والتعليقات(9).

  ۲. إتيانُ أبي الفضل بالماء لسيّد الشهداء عليه السلام أيام طفولته:
النموذج الثاني للأكاذيب في قراءة المراثي، يتمثّل في القصّة التي ذكرها المحدّث النوري في كتابه باعتبارها نموذجاً آخر من اختلاق الأكاذيب، ويقول الشهيد المطهّري : إنّي سمعتها كراراً. وهذه القصّة المنتحلة هي :
كان أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على المنبر، فطلب الحسينُ ماءً، فأمر أميرُالمؤمنين قنبراً بأن يأتي له بالماء، وكان العبّاس طفلاً آنذاك، فلمّا سمع بعطش أخيه أسرع إلى اُمّه وجاء بالماء في قدحٍ وضعه على رأسه، وكان الماء يتصابّ من جوانبه، فدخل المسجد على هذه الهيئة، فلمّا رآه أمير المؤمنين بكى وقال : اليوم هكذا وفي يوم عاشوراء كذا، ثمّ ذكر شيئاً من مصائبه....(10)
وبعد أن يشير المحدّث النوري إلى هذه القصّة المختلقة، يقول في الاستدلال على انتحالها :
كانت هذه القصّة في الكوفة طبعاً، ولو كانت في المدينة لكانت في بداية خلافته عليه السلام ؛ ذلك لأنّه لم يكن له منبر أو مسجد قبل ذلك. وكان عمر أبي عبد اللّه عليه السلام آنذاك يربو على الثلاثين، وإظهار الإنسان العطش في ذلك المجلس العامّ والتكلّم أثناء الخطبة مكروه أو حرام، وهو لا يتناسب مع منصب الإمامة، بل مع الدرجة الاُولى من العدالة، بل مع العادات والآداب الإنسانيّة المتعارف عليها(11).
ويضيف المحدّث النوري ـ من أجل بيان انتحال هذه القصّة ـ أنّه لمّا كان حبل الكذب قصيرا، فإنّ منتحلَ هذه القصّة ذكر أنّ أبا الفضل طفلٌ صغير من جهة، وقال من جهة اُخرى أنّه كان في معركة صفّين ـ التي حدثت بعد سنتين أو ثلاث سنوات من هذه الحادثة ـ يأخذ بالأعداء ويقذفهم نحو الأعلى ويشطر كلّ من يعود إلى الأرض إلى نصفين، وقد قذف كذلك ثمانين شخصا، بحيث إنّه عندما قذف الشخص الثمانين لم يكن الشخص الأوّل قد عاد بعدُ!!
۳. أخذ زينب عليها السلام العهد من حبيب بن مظاهر:
ومن النماذج الاُخرى للروايات الكاذبة قولهم:
كانت السيّدة زينب عليها السلام تسير بين الخيم ليلة عاشوراء بسبب همّها وغمّها وخوفها من الأعداء؛ من أجل تقصّي أحوال الأقارب والأنصار، فرأت حبيب بن مظاهر وقد جمع الأصحاب في خيمته، وأخذ عليهم العهد أن لا يدعوا أحداً من بني هاشم يخرج للقتال قبلهم، وبعد تفصيل طويل عادت تلك المخدّرة مسرورةً، فلمّا قربت من خيمة أبي الفضل رأته قد جمع بني هاشم خلف خيمته وهو يأخذ العهد منهم أيضاً بأن لا يدعوا أحداً من الأنصار يخرج إلى ساحة المعركة قبلهم، فدخلت المخدّرة مسرورةً على أبي عبد اللّه عليه السلام وتبسّمت، فتعجّب من تبسّمها وسألها عن السبب، فأخبرته عمّا رأته... إلى آخر الخبر. وكان منتحل هذا الخبر ذا مهارةٍ فائقة في هذا الفنّ(12).
۴. تفقّد الإمام الحسين عليه السلام لأحوال زين العابدين عليه السلام يوم عاشوراء:
يقول المحدّث النوري :
نقلوا بحرقة وتألّم أنّ الإمام الحسين عليه السلام عاد الإمام زين العابدين عليه السلام وهو في فراشه، وذلك في يوم عاشوراء بعد استشهاد جميع أهل البيت والأصحاب، فسأل زينُ العابدين أباه عمّا انتهى إليه الأمر مع الأعداء، فأخبره بأنّه انتهى إلى الحرب، فسأله عن عددٍ من الأصحاب ذاكرا أسماءهم، فأجابه بأنّهم قُتلوا الواحد تلو الآخر، حتّى بلغ بني هاشم وسأل عن عليٍّ الأكبر وأبي الفضل، فأجاب بنفس القول السابق، وقال: اِعلم أنّه لم يبق في الخيام من الرجال أحدٌ غيري وغيرك.
وهذه هي خلاصة القصّة، علماً أنّ لها الكثير من الحواشي، وهي تصرّح بأنّه عليه السلام لم يكن يعلم أيَّ شيء عن حال الأقرباء والأنصار وساحة الحرب منذ نشوب المعركة حتّى بقاء الإمام وحيداً(13)!
۵. قصّة فرس الإمام الحسين عليه السلام
يقول المحدّث النوري أيضاً:
وهناك خبرٌ عجيب يتضمّن طلب الإمام عليه السلام ـ عند خروجه إلى ساحة القتال ـ مَن يُقدّم له الجواد ليركبه، ولم يكن أحدٌ يأتي به، فجاءته زينب به وأركبته، وجرت بينهما حوارات كثيرة ذكرها الخطباء ووردت مضامينها في الأشعار العربية والفارسية أيضاً، ويحاولوا بذلك إثارة المشاعر بها، وهي تستحقّ البكاء حقّاً ولكن لا على هذه المصيبة العديمة الأصل، بل على افتراء مثل هذا الكذب الواضح على الإمام عليه السلام فوق المنابر، وعدم نهي اُولئك المتمكّنين من النهي بسبب جهلهم، أو لحاظهم النقص في بعض الشؤون(14)!
۶. قصّة زفاف القاسم:
يذكرُ المحدّث النوري أنّ أوّل من كتب هذه القصّة هو الملّا حسين الكاشفي في كتاب روضة الشهداء(15)، وكما قال الاُستاذ المطهّري فإنّ أصل القصّة منتحَلٌ قطعا(16)، إذ كيف ننسب إلى الإمام أنّه قال عند قتال الأعداء وعندما لم يكونوا يفسحون له المجال للصلاة : أتمنّى أن أرى زفاف ابنتي واُزوّجها هنا من ابن أخي واُقيم حفل الزفاف؟!
۷. نسبة شعر أبي الحسن التهامي إلى الإمام الحسين عليه السلام:
نظم أبو الحسن التهامي (المتوفّى ۴۱۶ هـ. ق) قصيدة في رثاء ابنه قال فيها:
يا كَوكبا ما كانَ أقصَرَ عُمرَهُ***وَكَذا تَكونُ كَواكِبُ الأَسحارِ(17) يقول المحدّث النوري :
إنّ هذا الشعر يُنسب بصراحة إلى الإمام الحسين عليه السلام، حيث يصرّح بعض الخطباء بأنّ الإمام الحسين عليه السلام أنشده وهو عند رأس عليّ الأكبر، وقد رأيت في بعض الكتب الجديدة نسبة هذا البيت إلى الإمام عليه السلام مع بعض الأبيات الاُخرى من تلك القصيدة(18).
۸. مجيء زينب عليها السلام إلى جسد أخيها في موضع قتله:
نسب بعض قرّاء المراثي إلى السيّدة زينب عليها السلام أنّها جاءت في اللحظات الأخيرة إلى أخيها : ورأته يجود بنفسه، فرمت بنفسها عليه وهي تقول: أنت أخي، أنت رجانا، أنت كهفنا، أنت حمانا... إلخ. وقد اعتبر المحدّث النوري هذه القصّة من أكاذيب قرّاء المراثي أيضاً(19).
۹. لم يتعرّض أهل البيت للسبي قبل عاشوراء !
يقول المحدّث النوري أيضا في كتابه المذكور :
وهنا خبر لطيف يستند إلى مقدّمات تزيل احتمال الكذب من أذهان السامعين ويرفعون سنده إلى أبي حمزة الثماليّ المسكين!! ويفيد هذا الخبر بأنّه جاء ذات يوم إلى بيت الإمام زين العابدين عليه السلام وطرق الباب، فخرجت جارية، وعندما عرفت أنّه أبو حمزة حمدت اللّه على وصوله كي يواسي الإمام؛ لأنّه غاب عن وعيه في ذلك اليوم مرّتين، فدخل وواساه بأنّ الشهادة لهم عادة، فقد استُشهد جدّه وعمّه وأبوه وعمّ أبيه، فأيّده في الجواب وقال: لكن لم يقع أحدٌ منّا في الأسر ! ثمّ تحدّث بعض الشيء عمّا جرى على عمّاته وأخواته عند السبي(20).
۱۰. كيفية حضور الإمام الصادق عليه السلام في مجلس العزاء:
وينقل المحدّث النوريّ خلاصةَ قصّةٍ منتحلة اُخرى عن قرّاء المراثي، حيث يصرّحون بأنّ سندها ينتهي إلى هشام بن الحكم أنّه قال :
في أيّام تواجد الإمام عليه السلام في بغداد كنت أحضر عند الإمام تلبية لطلبه ذلك، وفي يومٍ من الأيّام دعاني بعض الشيعة لحضور مجلسِ عزاءٍ حسينيٍّ أقامه، فاعتذرت بأنّه يجب أن أكون حاضراً عند الإمام عليه السلام، فقال: اِستأذِن! فقلت : لا ينبغي أن نذكر هذا الموضوع أمامه فهو لا يطيقه، فقال: تعال من دون استئذانٍ! قلت : إذا فعلت ذلك فسوف يسألني في اليوم التالي فاضطرّ إلى إخباره. وأخيراً وبعد إصراره الشديد ذهبت به إلى ذلك المجلس.
وفي اليوم التالي عند حضوري في خدمة الإمام الصادق عليه السلام، سألني الإمام عن السبب في عدم حضوري يوم أمس، وبعد تكرار السؤال اضطررت إلى إخباره، فقال الإمام عليه السلام : أنت تظنّ أنّني لم أكن هناك (أو أنّني لا أحضر مثل هذه المجالس)؟! فقلت: لم أركم هناك؟! قال: عندما خرجت من الحجرة ألم تر شيئاً في موضع الأحذية؟ فقلت : رأيت ثوبا مطروحا على الأرض ! فقال عليه السلام : هذا أنا، حيث كنت قد غطّيت رأسي بالعباءة ووقعت على الأرض(21)!

الكذب في قراءة المراثي في العصر الحاضر:
لا يُعلم مدى تأثير جهود المحدّث النوري في محاربته ظاهرة الكذب في إنشاد المراثي، إلّا أنّ وضع قراءة المراثي في عصرنا الحالي إذا لم يكن مؤسفاً أكثر ممّا وصفه المحدّث النوري، فإنّه ليس بأفضل منه.
وكتاب حماسة حسيني (الملحمة الحسينية) للاُستاذ الشهيد المطهّري، يمثّل جهداً جديداً لمحاربة الأكاذيب في قراءة المراثي في زمانه، حيث يقول حول انتشار هذه الآفة في عصرنا الحالي :
اذا أردنا أن نجمع المراثي الكاذبة التي تُقرأ الآن، فلعلّها ستؤلّف عدّة مجلّدات، كلّ منها يضمّ خمسمئة صفحة(22)!
وسنستعرض فيما يلي عدداً من المراثي الكاذبة التي سمعها الشهيد المطهّري بنفسه في مجالس العزاء :
۱. دعاء ليلى لعليٍّ الأكبر:
هناك قصّة مُختلَقة منسوبة إلى الإمام الحسين عليه السلام تفيد بأنّه لما ذهب عليّ الأكبر إلى ساحة المعركة قال الإمام لزوجته ليلى : (اذهبي وادعي لولدك في الخلوة...)، وقد شاعت هذه القصّة بين قرّاء المراثي منذ عصر المحدّث النوري(23)، فيذكر الاُستاذ المطهّري هذه القصّة باعتبارها نموذجاً من تحريف أحداث عاشوراء قائلاً :
من النماذج الاُخرى للتحريف في أحداث عاشوراء والتي أصبحت من أشهر القضايا، ولا يوجد كتاب تاريخ واحد يشهد بها، هي قصّة ليلى اُمّ عليٍّ الأكبر. نعم، اُمّ علي الأكبر تُدعى ليلى، إلّا أنّه لم يَذكُر المؤرّخون ـ ولو مؤرّخٌ واحد ـ أنّ ليلى كانت في كربلاء! ولكن تأمّلوا كثرة المصائب التي تُذكر حول ليلى وعليّ الأكبر، ومصيبة حضور ليلى عند جسد عليٍّ الأكبر ! حتّى إنّني سمعت هذه المصيبة في مدينة قم في مجلس اُقيم باسم آية اللّه البروجردي، لكنّه لم يكن حاضراً في هذا المجلس. وأنّه لمّا ذهب عليّ الأكبر إلى ساحة القتال، قال الإمام عليه السلام لليلى : إنّي سمعت جدّي يقول : دعاء الاُمّ مستجابٌ في حقّ ولدها، فاذهبي إلى الخيمة الفلانيّة وانشري شعرك، وادعي لولدك، عسى اللّه أن يعيد لنا هذا الولد سالماً!
أوّلاً : إنّ ليلى لم تكن في كربلاء كي تفعل ذلك.
ثانياً : إنّ هذا المنطق ليس هو منطق الإمام الحسين في كربلاء أساساً، بل إنّ منطق الحسين في يوم عاشوراء هو منطق التضحية.
وقد ذكر المؤرّخون أنّ الإمام عليه السلام كان يعتذر لكلّ شخص يستأذنه بنحوٍ من الأنحاء، سوى عليّ الأكبر حيث قالوا : استأذن في القتال أباه فأذن له. أي إنّه سمح له بمجرّد أن استأذنه. وما أكثر الأشعار التي نظّمت في ذلك! ومن جملتها هذا البيت :
خيز اى بابا از اين صحرا رويمنك بسوي خيمة ليلا رويم
أي: (انهض يا بني فلنغادر هذه الصحراء، ولنتوجّه إلى خيمة ليلى)(24).
۲. نذر ليلى لرجوع عليّ الأكبر سالماً:
يقول الشهيد المطهّري في معرض ذكر قصّة مجعولة هي الاُخرى من نسج الخيال :
وهناك نموذج آخر للمصائب المنتحلة، وهو عجيب للغاية، وهو ما سمعته في مدينة طهران، وفي بيت أحد علماء هذه المدينة الكبار، حيث كان أحد القرّاء يقرأ مصيبة ليلى، فسمعت منه شيئاً لم أسمع بمثله طيلة عمري ؛ حيث قال :
بعد أن ذهبت السيّدة ليلى في تلك الخيمة ونشرت شعرها، نذرت أن تزرع طريق كربلاء وحتّى المدينة ريحانا إن أعاد اللّه ُ عليّاً الأكبر سالماً ولم يُقتل في كربلاء ! أي أنّها نذرت أن تزرع ثلاثمئة فرسخ بالريحان! وبعد أن قال ذلك، رفع صوته قائلاً :
نَذرٌ عَليَّ لَئِن عادوا وإن رَجَعوا***لَأَزرَعَنَّ طَريقَ التّفت رَيحانا
وقد دفعني هذا الشعر العربي إلى أن أبحث عن مصدره، وقد بحثت بالفعل، فاكتشفتُ أنّ هذا التّفت (الطفّ) الذي ذُكر في هذا الشعر ليس هو كربلاء، بل هو منطقة ذات علاقة بقصّة ليلى ومجنون، حيث كانت ليلى تسكن في تلك المنطقة وهذا الشعر لمجنون العامري قاله لليلى، في حين أنّ ذلك المنشد كان يقرؤه لليلى اُمّ عليٍّ الأكبر وكربلاء!!
فلو كان في هذا المجلس مسيحيّ، أو يهوديّ، أو إنسانٌ لا دين له، وسمع هذه الترَّهات، ألا يقولون : ما هذه الخزعبلات التي تملأ تاريخهم؟ فهم لا يدركون أنّ هذا الشخص هو الذي اختلق هذه القصّة، بل يقولون : العياذ باللّه كم كانت نساؤهم عديمات الإحساس بحيث كنّ ينذرن مثل هذه النذور ؛ كأن يزرعن الطريق من كربلاء وحتى المدينة بالريحان(25)!
۳. قصّة امرأة عجوز توجّهت لزيارة الإمام الحسين عليه السلام في زمان المتوكّل:
يقول الاُستاذ المطهّري :
قبل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة كنت قد ذهبت إلى إصفهان، وكان فيها رجل فاضل، هو المرحوم الحاج الشيخ محمّد حسن النجف آبادي أعلى اللّه مقامه، فذهبت إليه ونقلت له مصيبة كنت قد سمعتها حديثاً في أحد الأماكن ولم أكن قد سمعتها حتّى ذلك الوقت. وَاتّفق أن كان الشخصُ الذي كان يقرأ هذه المصيبة مدمناً على الأفيون، وقد أنشد هذه المصيبة وأبكى الناس كثيرا. وهي قصّة امرأة عجوز كانت قد خرجت لزيارة الإمام الحسين في عهد المتوكّل، وكان النظام الحاكم يمنع الناس من زيارته، فكانوا يقطعون الأيدي، حتّى بلغ الأمرُ بهم أنّهم اقتادوا هذه المرأة وألقوها في البحر، فنادت المرأة وهي على ذلك الحال بأعلى صوتها : يا أبا الفضل العبّاس! وعندما كانت في حالة الغرق جاء فارس وقال لها: أمسكي بركاب فرسي، فأمسكت به، ثمّ قالت له : لماذا لم تمدّ إليَّ يدك لاُمسك بها ؟ فأجاب قائلاً : ليست لي يد ! فضجّ الناسُ بالبكاء.
وقد نقل المرحوم الحاج الشيخ محمّد حسن تاريخ هذه القضية قائلاً : إنّه كان مجلس عزاء ذات يوم في مقربة من السوق، حوالي مدرسة الصدر (وكانت هذه الحادثة قد وقعت قبله، ونقلها عن أشخاص موثوقين) وكان من أكبر مجالس العزاء في إصفهان ؛ حتّى إنّ المرحوم الحاج الملّا إسماعيل الخواجوئي الذي كان من كبار علماء إصفهان كان حاضراً فيه. وكان هناك خطيب معروف يقول: بأنّني كنت آخر الخطباء في هذا المجلس وكان هناك خطباء آخرون أيضا، فكانوا يستعرضون مهارتهم في إبكاء الناس. وكان كلّ شخص يأتي يفوق من سبقه في الإبكاء، ثمّ يجلس بعد قراءته الرثاء في المجلس كي يرى فنّ الخطيب التالي له. واستمرّ المجلس حتّى الظهر، وأظهر كلُّ خطيبٍ كلّ ماكان يمتلكه من قدرات، فأبكوا الناس.
يقول ذلك الخطيب المعروف: ففكّرت فيما يجب أن أفعله، فاختلقت هذه القصّة في ذلك المجلس نفسه، وصعدت المنبر وحكيتها وتفوّقت على الجميع. وفي عصر ذلك اليوم ذهبتُ إلى مجلسٍ آخر كان في منطقة (چهار سوق) فسمعت الخطيب الذي ارتقى المنبر قبلي يحكي القصّة نفسها! ثمّ شيئاً فشيئاً كُتبت في الكتب ثمّ طُبعت(26)!


جذور الكذب في الرثاء من وجهة نظر المحدّث النوري
والآن يجبُ أن نتتبّع جذور هذه الأكاذيب، ولماذا يكذب البعض بكلّ بساطة على اللّه والرسول والأئمّة من أجل إبكاء الناس على مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، وبذلك يحرّفون تاريخ عاشوراء الحافل بالمفاخر؟! يرى المحدّث النوري أنّ هناك عاملَين رئيسين أدّيا إلى اختلاق الأكاذيب في المراثي:
۱. تجويز الكذب في التعزية!
نقل المحدّث النوري قدس سره أنّ الهدف من تجويز الكذب في إقامة العزاء على الإمام الحسين عليه السلام ـ كما يقول بعض مختلقي الأكاذيب ـ هو : أنّ الأحاديث التي توصي بالإبكاء على مصيبته عليه السلام مطلقة، وبناءً على ذلك فإنّ كلّ ما يؤدّي إلى بُكاء الناس حَسنٌ وإن كان كذباً. وتدلّ أرضيّة صُدور هذه الروايات على أنّ ما ورد في ذمّ الكذب وإن كان في غاية الاعتبار يختصّ بغير ذكر مصائب أبي عبد اللّه !(27)
ويُضيف الاُستاذ المطهّري بعد نقل هذا الموضوع عن المحدّث النوري قائلاً :
وهو نفس الكلام الذي اختلقه المعاصرون في مذهب (ميكافيلي)؛ وهو أنّ الغايةُ تبرّر الوسيلة!(28)
ويجيب المحدّث النوري على هذا الكلام قائلاً:
لقد أباح المستدلّ بكلامه هذا ارتكاب أنواع الكبائر، بل جعلها مستحبّة، وفسح المجال الواسع للفسّاق للسير باتّجاه تلك المعاصي ؛ ذلك لأنّ الأخبار الدالّة على فضل ومدح إدخال السرور على قلب المؤمن وقضاء حوائجه والاستجابة لطلبه والسعي من أجل إنجاحها، أضعاف الأخبار الدالّة على استحباب الإبكاء، وعلى هذا فإنّ أيّ فاسقٍ أراد والتمس أن يقبّل وجه امرأة رآها أو... فإنّه يُستحبّ لهذه المرأة أن تجيبه إلى ذلك وتسلّم نفسها بمقتضى أخبار استحباب إدخال السرور، أو أخبار استحباب قضاء الحاجة وغير ذلك!(29)
۲. التسامح في أبواب الفضائل والقصص والمصائب:
الموضوع الآخر الذي يُعدّ من وجهة نظر المحدّث النوري العامل الرئيسي الثاني في اختلاق الأكاذيب في قراءة المراثي، هو التمسّك بسيرة العلماء القاضية بنقل الروايات الضعيفة في مؤلّفاتهم، والتسامح في قبول الروايات ونقلها في أبواب الفضائل والقصص وخاصّة المصائب.
وبعد إيضاح هذه الشبهة بالتفصيل يكتب قائلاً :
إنّ هذا الكلام ليس سوى مغالطة، والعلماء النزيهون الذين يسلكون الطرق المستقيمة ويتّبعون موازين العدل، لا ينقلوا من كتابٍ لا يعرفون صاحبه، وكذلك من كتابٍ مؤلّفُه لا يبالي في نقل الخبر الضعيف أو لا يُفرّق بين الخبر الضعيف والقوي، ولا يميّز بينهما في النقل(30).
وعلى أيّ حال، فلا شكّ في أنّ التسامح في نقل الفضائل والقصص والمصائب لا يجيز اختلاق الأكاذيب وإسناد أيّ موضوع ذكر في الأبواب والمواضيع المذكورة في أيّ كتاب، إلى أهل البيت عليهم السلام.

الجذور الأصلية للكذب في قراءة المراثي:
يبدو أنّ ما اُشير إليه في تتبّع جذور اختلاق الأكاذيب في قراءة المراثي، هو في الحقيقة ذريعة للمختلقين لا جذوره الأصلية.
ذلك لأنّ من كان له أدنى معلومات دينية يعلم بأدنى تأمّل أنّ الإسلام لا يجيز إعداد الأرضية للبكاء على الإمام الحسين عليه السلام والذي هو مستحبّ، من خلال الكذب الذي هو كبيرة من الكبائر، أو أن ننسب أيّ موضوع مكتوب أو غير مكتوب إلى أهل البيت عليهم السلام دون دراسة وتحقيق.
ونحن نرى أنّ جذور اختلاق الأكاذيب في قراءة المراثي، تتمثّل في اُمور اُخرى تمتدّ جذور هذه المعاذير فيها أيضاً، وهذه الاُمور عبارة عن:
أ ـ الجهل:
لو علم بعضُ خطباء المنابر أنّ ما يذكرونه للناس لا أساس له لاجتنبوا ذكرهُ بالتأكيد، إلّا أنّهم يفتقرون إلى المعرفة الصحيحة بتاريخ عاشوراء، كما أنّهم لا يكلّفون أنفسهم عناءَ التحقيق والبحث، ولهذا تراهم يعمدون إلى توظيف أيّ موضوع يرونه في كتابٍ ما أو يسمعونه من شخصٍ ما، إذا ما رأوه مثيرا لعواطف الناس، دون التأمّل في صحّته أو سقمه.
وبناءً على ذلك، فإنّ الخطوة الاُولى لإصلاح وتنقيح الرثاء، تتمثّل في تعليم الخُطباء وإحياء روح البحث والتحقيق فيهم، وكذلك اطلاعُهم على ما هو المعتبر من مصادر تاريخ عاشوراء وغير المعتبر منها.
ب ـ الاستغلال السيّئ لِلِسان الحال:
إنّ استعمال لسان الحال في الخطابة الحسينيّة ممّا لا إشكال فيه إذا توفّر فيه شرطان، بل هو في الحقيقة نوعٌ من التوظيف للفنّ والمهارة في ذكر المصيبة :
الأوّل : أن يمتلك خطيب المنبر القدرة على تحديد حال الشخص الذي يريد أن يبيّن لسان حاله، وهذه القدرة لا تتحقّق إلّا إذا كان الراثي يمتلك المعلومات الكافية عن هدف النهضة الحسينية، وتاريخ عاشوراء، والخصوصيّات الروحية للشخص الذي يريد أن يتحدّث عن حاله.
الشرط الثاني : أن لا ينسب الخطيب كلاماً إلى الإمام الحسين عليه السلام وأهل البيت، بل عليه التصريح بأنّ ما يقوله هو من استنتاجاته.
وللأسف فإنّ الكثير من قرّاء المراثي ينسبون إلى الإمام وأهل بيته بعض القضايا التي صيغت بقالب الشعر دون الالتزام بالشرطين المذكورين، في حين أنّها لا حقيقة لها. ويبدو أنّ الاستغلال السيّئ للسان الحال في قراءة المراثي هو من أسباب تسرّب الكذب إلى المقاتل المكتوبة.
وعلى سبيل المثال : البيت المعروف المنسوب إلى الإمام الحسين عليه السلام :
إن كانَ دينُ مُحَمَّدٍ لَم يَستَقِم***إلّا بِقَتلي يا سُيوفُ خُذيني
لا إشكال فيه من ناحية المضمون، إلّا أنّ نسبته إلى الإمام الحسين عليه السلام هي نسبة كاذبة، فإنّه بيتٌ من قصيدةٍ لأحد الشعراء العرب، ويدعى الشيخ محسن الهويزي المعروف بأبي الحبّ الكبير، نظمها في رثاء الإمام الحسين عليه السلام وجاء فيها:
أعطَيتُ رَبِّيَ مَوثِقاً لا يَنتَهي***إلّا بِقَتلي فَاصعَدي وَذَريني
إن كانَ دينُ مُحَمَّدٍ لَم يَستَقِم***إلّا بِقَتلي يا سُيوفُ خُذيني
هذا دَمي فَلتُروَ صادِيَةُ الظُّبا***مِنهُ وَهذا لِلرِّماحِ وَتيني(31)
ومن البديهي أنّ الشاعر نظم هذه الأبيات باعتبارها لسان حال الإمام، إلّا أنّها انتشرت شيئاً فشيئاً باعتبارها من كلام الإمام.
وكذلك، العبارة الشهيرة المنسوبة إليه عليه السلام :
إنَّ الحياةَ عقيدةٌ وجهادُ.
وهذه العبارة هي شطر من بيت نظمه الشاعر المعاصر أحمد شوقي،(32) والبيت هو:
قِف دونَ رَأيِكَ فِي الحَياةِ مُجاهِدا***إنَّ الحَياةَ عَقيدَةٌ وجِهادٌ(33)
وممّا يجدر ذكره أنّ هذا البيت كان شعار صحيفة (الجهاد) المصرية(34).
ج ـ السعي من أجل بيان مصائب جديدة!
إنّ تحوّل الخطابة الحسينيّة إلى مهنةٍ من جهة، مع اتّحاد طراز مجالس العزاء والمستمعين لها من جهة اُخرى، يستوجبان بشكل طبيعي أن يسعى الخطباء دوماً من أجل اكتشاف مصائب جديدة حول وقعة كربلاء، ولمّا كانت مصائب كربلاء محدودة على الرغم من عظمها، فإنّ السعي من أجل العثور على مصائب جديدة يُهيّئ الأرضيّة لنفوذ أنواع الأكاذيب والمعلومات الضعيفة في هذا المجال.
فلأجل مواجهة هذا الخطر يجب أن يحلَّ الإبداعُ في استعراض المصائب التي ذُكرت في المصادر المعتبرة، محلّ السعي من أجل إيجاد مصائب جديدةٍ.
د ـ حبّ الدنيا:
يُعدّ حبّ الدنيا من أهمّ وأخطر جذور الكذب في مجال الخطابة الحسينيّة، فقد جاء في حديث عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله :
حُبُّ الدُّنيا رَأسُ كُلِّ خَطيئَةٍ، ومِفتاحُ كُلِّ سَيِّئَةٍ، وسَبَبُ إحباطِ كُلِّ حَسَنَةٍ(35).
الجدير بالذكر هو أنّ أنواع الدوافع غير الإلهية في الخطابة، (سواء كانت هي الحصول على الدخل المادّي أو تحقيق الشهرة والشعبية أو غير ذلك)، هي من حبّ الدنيا، وما لم يُعالَج هذا المرض الخطير وما لم يحصل الإخلاص للخطباء الحسينيّين، فإنّ جميع المساعي لإصلاح هذا المرض سوف تكون عقيمة ولا تجدي نفعاً.

[الآفة السادسة]
۶. البدعة في كيفية إقامة شعائر العزاء:
إنّ الآفات التي ذكرناها حتّى الآن كانت تهدّد مضامين مجالس العزاء على سيّد الشهداء، وهناك عددٌ من الآفات ذات علاقة بشكل العزاء وكيفيّته.
وكما هو معلومٌ فإنّ العبادات من الناحية الفقهية ـ سواء الواجبة أو المستحبّة ـ توقيفيةٌ ؛ بمعنى أنّ أصل العبادة وكيفيتها يجب أن يتمّ إثباتهما بواسطة الأدلّة الشرعية، وإلّا فإنّ العمل الذي يؤدّى باعتباره عبادة دون دليل شرعيّ يعدّ بدعةً، وليس مَنهيّا عنه فحسب، بل هو محرّمٌ أيضا.
وإنّ استحباب إقامة العزاء على سيّد الشهداء ثابتٌ وفق الأدلّة الأكيدة والمُسلّم بها، ونظراً إلى آثارها وبركاتها الفردية والاجتماعية فإنّها تعتبر من أفضل العبادات. وأمّا فيما يتعلّق بكيفية أداء هذه العبادة، فإنّ المعيار هو كونها من مراسم العزاء التي كانت متداولة في عصر صدور الروايات المتعلّقة بشعائر إقامة العزاء، بل يمكن القول إنّ إطلاق هذه الروايات يشمل أنواع شعائر العزاء المتداولة في العصور المختلفة أيضاً، شريطة أن يصدُق على ما هو شائع منها إقامة العزاء، وأن لا يؤدّي إلى الاستهانة بمذهب أهل البيت، وأن لا يقترن بعمل محرّم. وبناءً على ذلك، فإنّ ما أصبح رائجا في عدد من مجالس العزاء بالتدريج، مثل: استخدام الآلات الموسيقية والألحان المطربة، وتشبّه الرجال بالنساء، وكذلك ضرب الرؤوس بالقامات (السيوف)، كلّ ذلك يُعدّ بدعةً في إقامة شعائر العزاء. وخاصّة ضرب الرؤوس بالقامات، حيث أدّى في عصرنا الحاضر إلى استغلاله في الإعلام المضادّ لمذهب ومدرسة أهل البيت عليهم السلام والاستهانة بها، يقول سماحة قائد الثورة آية اللّه الخامنئي في هذا المجال :
إنّ (ضرب الرؤوس) بالقامات هو من المحرّمات... ولا يمكن السكوت إزاء هذا العمل الخاطئ المتمثّل في أن يعمد البعض إلى حمل القامات ليضربوا بها رؤوسهم ويريقوا الدماء، فأيّ شيء في هذه الممارسة عزاء؟! نعم ضرب الرؤوس بالأيدي هو من العزاء، ولهذا تلاحظون الذين تحلّ بهم مصيبة ما، يضربون رؤوسهم وصدورهم بأيديهم. وهذا السلوك هو من علامات العزاء، ولكن أين رأيتم حتّى الآن شخصاً يضرب بالسيف على رأسه بسبب فقده أعزّ الأشخاص عليه؟ أين العزاء في هذه الممارسة؟!
إنّ ضرب الرؤوس بالقامات هو تقليد منتحل ومن الاُمور التي لا علاقة لها بالدين، ولا شكّ في أنّ اللّه لا يرتضي القيام بمثل هذه الممارسات، ولقد كان علماء السلف مكتوفي الأيدي، ولم يكن بإمكانهم أن يقولوا إنّ هذا العمل خاطئ ومخالف للإسلام، ولكنّ اليوم يوم حكومة الإسلام ويوم تجسّد الإسلام. وعلينا أن لا نقوم بعمل يؤدّي إلى تشويه صورة أفراد المجتمع الإسلامي الأفضل ـ أي المجتمع المحبّ لأهل البيت عليهم السلام الذي يفتخر باسم ولي العصر أرواحنا له الفداء وباسم الحسين بن عليّ عليهما السلام وباسم أمير المؤمنين عليه السلام ـ وطرحهم باعتبارهم مجموعة من الخرافيين العديمي المنطق في نظر المسلمين وغير المسلمين في العالم... إنّ هذا بدعة دون شكّ(36).
وكلمتنا الأخيرة في هذا المجال هي أنّ ثقافة عاشوراء إن قُدّمت للعالم كما هي ودون تحريف، فإنّها تتمتّع بقدرة إعجازيّة من شأنها أن تُنهي نظام الهيمنة والاستكبار في العالم، وبذلك فإنّ الاُمّة الإسلاميّة سوف لا تكون هي المتحرّر الوحيد من ظلم الطغاة ومصّاصي الدماء في العالم، بل سيتحرّر جميع المستضعفين، كما قال قائد الثورة الإسلامية آية اللّه الخامنئي :
إنّ الحسين بن عليّ عليه السلام بإمكانه اليوم أن يُنقذ العالم بشرط أن لا تُشوّه صورته بواسطة التحريف(37).
وأنا لا أنسى أبداً تلك الليلة التي دعا فيها قائد الثورة الإسلاميّة خلال عهد رئاسته للجمهورية، أوّلَ قائد لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي إلى منزله، وكان يحضر هذا الاجتماع عددٌ من العلماء والمسؤولين في البلاد، فسأل أحد الحاضرين الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي: إلى أيّ مدى أنت واثق من نجاحك في طريقك؟
ورغم أنّه كان من أتباع المذهب السنّي، إلّا أنّه قدّم جواباً حيّر الجميع وأدهشهم، فقد قال :
نحن لا نُفكّر في هذا الموضوع أساساً! ولكنّنا نرى نجاحنا وانتصارنا في اختيار طريق الحسين بن عليّ عليه السلام، وهدفنا هو أداء الواجب الإلهي!
وعلى أيّ حال، فإنّ جميع الأتباع الحقيقيّين لأهل البيت والمحبّين الواعين لسيّد الشهداء مسؤولون عن الحفاظ على ثقافة عاشوراء الأصيلة أمام مؤامرات الأعداء العامدين وتحريف الأصدقاء غير العامدين، ولكن لا شكّ في أنّ مسؤولية مراجع التقليد، والمثقّفين، وعلماء الدين الواعين، والخطباء، والكتّاب، والخطباء الملتزمين، أكبر وأعظم : (ثُمَّ لَتُسْئلُنَّ يَوْمَـئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)(38).

الهوامش:
1. راجع : كتاب اللؤلؤ والمرجان (المقام الرابع) للتعرّف على أقسام الكذب.
2. راجع : الكافي : ج ۲ ص ۳۴۰ ح ۹.
3. يقول الاُستاذ المطهّري حول هذا الكتاب: رغم أنّه كتاب صغير، إلّا أنّه ممتاز للغاية.. وأنا لا أتصوّر أنّ هناك كتاباً فصّل القول حول الكذب وأنواعه كما نرى في هذا الكتاب، وربّما لا يوجد لهذا الكتاب نظير في العالم (حماسة حسيني (بالفارسيّة) : ج ۱ ص ۱۹).
4. لؤلؤ ومرجان (بالفارسيّة) : ص ۴.
5. المصدر السابق : ص ۳۲۱.
6. الشُّرطة : الجند والجمع شُرَط ؛ وهم أعوان السلطان والولاة، وأوّل كتيبة تشهد الحرب، وتتهيّأ للموت، سُمّوا بذلك لأنّهم جعلوا لأنفسهم علامات يُعرفون بها للأعداء (مجمع البحرين : ج۲ ص۹۴۲) والمراد هنا نُخَبه وأصحابه عليه السلام المتقدّمين على غيرهم من الجند. والخميس : الجيش، سُمّي به لأنّه مقسوم بخمسة أقسام : المقدّمة والسابقة والميمنة والميسرة والقلب. وقيل : لأنه تُخمّس فيه الغنائم (النهاية : ج۲ ص۷۹) وراجع : موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : ج۲ ص ۳۱۲.
7. راجع : الاُصول الستّة عشر (أصل عاصم بن حميد): ص ۱۷۸ ح ۱۴۰.
8. راجع : مقاتل الطالبيين: ص ۵۱.
9. لؤلؤ ومرجان (بالفارسيّة) : ص ۲۶۰.
10. المصدر السابق : ص ۲۹۹.
11. المصدر السابق.
12. المصدر السابق : ص ۲۶۴ وراجع : معالي السبطين : ج۱ ص۲۰۹.
13. المصدر السابق : ص ۲۶۴ وراجع : الدمعة الساكبة : ج۴ ص۳۵۱.
14. المصدر السابق : ص ۲۶۷ وراجع : روضة الشهداء : ص ۳۲۱ ـ ۳۲۹.
15. المصدر السابق: ص ۲۸۸.
16. حماسة حسيني (بالفارسيّة) : ج ۱ ص ۲۸.
17. الدرّ النضيد : ص۱۸۹.
18. لؤلؤ ومرجان (بالفارسيّة) : ص ۲۹۸.
19. المصدر السابق: ص ۲۶۸ وراجع : تظلّم الزهراء : ص۱۳۱ ومعالي السبطين : ج۲ ص۲۲.
20. المصدر السابق.
21. المصدر السابق : ص ۲۶۹، ويضيف المحدّث النوري قائلاً : (لم أحفظ هذه القصّة بالدقّة ولهذ فقد أكون قد حرّفتها بعض الشيء، وهو خبرٌ مفصّل ومُبكٍ إلى حدٍّ كبير، ويا ليته كان ذا أساسٍ أو كان يحتمل الصدق).
22. حماسة حسيني (بالفارسيّة) : ج ۱ ص ۱۸.
23. لؤلؤ ومرجان (بالفارسيّة) : ص ۱۵۳.
24. حماسة حسيني (بالفارسيّة) : ج ۱ ص ۲۵ - ۲۷ وراجع : أسرار الشهادة : ج ۲ ص ۵۱۴.
25. حماسة حسيني (بالفارسية) : ج۱ ص۲۵ ـ ۲۷.
26. المصدر السابق : ج ۱ ص ۴۹.
27. راجع : لؤلؤ ومرجان (بالفارسيّة) : ص ۲۷۲ (التنبيه الرابع).
28. حماسة حسيني (بالفارسيّة) : ج ۱ ص ۴۸.
29. لؤلؤ ومرجان (بالفارسيّة) : ص ۲۷۳ وراجع : حماسة حسيني (بالفارسيّة) : ج ۱ ص ۴۹.
30. راجع: لؤلؤ ومرجان (بالفارسية): ص 277-302 .
31. راجع : مستدركات أعيان الشيعة : ج ۳ ص ۱۹۱.
32. لملاحظة تحقيق علمي في هذا المجال راجع : چشمة خورشيد (مجموعه مقالات)
33. الموسوعة الشوقية (دار الكتاب العربي): ج3 ص 228 .
34. الجهاد: اسم جريدة يومية صباحية كان صاحبها محمد توفيق الدياب، وصدرت سنة 1931م، وكانت تنطق بلسان حزب الوفد المصري، وطبعت إلى سنة 1938م.
35. إرشاد القلوب: ص ۲۱ وراجع : الدنيا والآخرة في الكتاب والسنّة : ص ۲۱۰ ح۵۷۸.
36. كلمة سماحة آية اللّه الخامنئي أمام مجموعة من رجال الدين من محافظة (كهكيلوية وبوير أحمد) على أعتاب شهر محرّم الحرام سنة ۱۴۱۵ق (۱۷ / ۳ / ۱۳۷۳ هـ.ش ).
37. كلمة سماحته في لقائه مع العلماء والوعّاظ على أعتاب شهر محرّم سنة ۱۴۱۶ ق (۳ / ۳ /۱۳۷۴ هـ. ش).
38. التكاثر: ۸.

المصدر: موسوعة الإمام الحسين (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ، المجلد السادس
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com