موقع الصراط ... الموضوع : الآداب الإسلامية في العلاقات الاجتماعية
 
الإثنين - 3 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الآداب الإسلامية في العلاقات الاجتماعية  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 14 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  إنَّ التعامل مع الإنسان يختلف اختلافاً كبيراً عن التعامل مع الأشياء فالنفس الإنسانية خزين واسع من الإدراكات, والعواطف، والأحاسيس، والمشاعر, والأمزجة... إضافة إلى ما اعتادت عليه من العقائد, والأفكار والعادات, والتقاليد, والأعراف... فلكل واحدة من هذه المفردات تأثير على التعامل؛ ولذا فإنَّ الروابط الاجتماعية بين فردين, أو جماعتين تتأثر تأثراً سلبياً أو إيجابياً بمستوى القرب, أو البعد عن تلك المفردات, وبعبارة أخرى: إنَّ تكوين العلاقات يتأثر بمدى المساس والاستهانة بها, أو بمدى المداراة والرعاية لها؛ لأنَّ كل إنسان يريد المحافظة والاحترام لأفكاره، وعقائده, وعاداته, وتقاليده، وهذا ما تفتقر إليه العلاقة مع الأشياء؛ ولهذا فمن الحكمة إذا أراد الإنسان أن يبني علاقاته مع الآخرين فعليه أن يراعي تلك الأمور, ويتحاشى المساس بها، وحتى عملية التغير للفاسد منها يجب أن يتم وفق برنامج تدريجي مدروس؛ لئلا يصطدم بها بصورة مفاجئة، ويغلق القلوب بوجهه لأول وهلة.
وقد نبَّه إلى ذلك الإمام السجاد (ع) في حديثه مع الزهري بقوله: (وإياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره, فليس كل من تُسمعه شراً يمكنك أن توسعه عذراً)
ويقول أمير المؤمنين (ع): (خالطوا الناس بما يعرفون, ودعوهم مما ينكرون, ولا تحملوهم على أنفسكم وعلينا فإن أمرنا صعب مستصعب)
ويقول الإمام الرضا (ع) ليونس بن عبد الرحمن: (يا يونس، حدث الناس بما يعرفون، واتركهم مما لا يعرفون)
وليس معنى هذا أن يسكت الإنسان عن كل أمر قبيح يخالف الدين، والعقل، والمنطق لأجل أن تكون علاقته طيبة مع المرتكب لها، ولكن المقصود من ذلك: إنَّ أسلوب التغيير ينبغي أن يكون حكيماً وسليماً؛ ليقع موقع القبول، ولهذا ينبغي أن لا يتسرع الإنسان بطرح مفاهيم تصطدم بما اعتاد الناس عليه، فتواجه إعراضاً وصدوداً ومقاومة، ومن أجل ذلك وجدنا أنَّ سيرَ الحركة الرسالية على عهد رسول الله (ص) كانت تتبع الأسلوب التدريجي والمرحلي في تغيير العادات، والمفاهيم، والعقائد، فلم تُحرم الخمر للوهلة الأولى، وإنما مر التحريم بمراحل جعلت الحكم مقبولاً.
إنَّ الطبيعة البشرية لا تقبل التغيير حتى تقتنع بجدواه؛ ولذلك لا بدَّ أن يتجنب المُغَيِّر الرسالي أسلوب التحدي والإكراه، وفرض الرأي على الآخرين بالقوة، فإنَّ التحدي والإكراه، يغلق القلوب، ويخلق الأعداء، ولتحاشي ذلك فقد وضع الإسلام آداباً وسنناً, ورسم لها طرقاً أو أساليب توافق الفطرة، وتجذب الإنسان, راعى فيها جميع الجوانب العاطفية, والفكرية, والسلوكية، كما راعى فيها مداراة الناس بدقة؛ لتكون خطوات تمهيدية لعملية التغيير الاجتماعي. ومن هذه الآداب والسنن:
أ- الإحسان :
قال الراغب الأصفهاني: (الحسن عبارة عن كل مبهج مرغوب فيه، وذلك ثلاثة أضرب: مستحسن من جهة العقل، ومستحسن من جهة الهوى، ومستحسن من جهة الحس، والحسنة يُعَبَّرُ بها عن كل ما يسر من نعمة تنال الإنسان في نفسه، وبدنه، وأحواله، والسيئة تضادُّها)
إحدى المعالم الإسلامية في بناء العلاقات الاجتماعية هو مَعْلَم الإحسان؛ لأن الإحسان مطلوب لنفسه، ومحبوب لذاته، يقول رسول الله (ص): (جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها
ويقول أمير المؤمنين (ع) :
(بالإحسان تُمْلَكُ القلوب)
(بالإحسان يُمْلَكُ الأحرار)
(عنوان النبل الإحسان إلى الناس)
(سبب المحبة الإحسان)
(من كثر إحسانه أحبه إخوانه)
(من حسن كلامه كان النُّجْحُ أمامه)
والإحسان معنى جامع لجميع معالم الخير فلا ينحصر في جانب واحد من العطاء المادي أو المعنوي، وإنما كل ما يدخل السرور إلى القلب من أفعال الخير فهو إحسان, فعن أمير المؤمنين (ع): (كل معروف إحسان) كلمة طيبة، ابتسامة هادئة صادقة, معونة كريمة، ربتةٌ على الكتف حانية, إرشاد ونصيحة شفيقة، كل ذلك إحسان لا يستهان به، وهو طريق الإنسان إلى القلوب، فالإسلام أراد لأتباعه أن يكونوا محسنين في القول, والفعل, ولا يحق لمسلم أن يتجاوز هذا المَعْلم حتى في الهجران الذي يوحي بالقطيعة، فحتى المقاطعة للآخرين وهجرانهم ينبغي أن يكون جميلاً: ((وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً))
إذن الإسلام دين الإحسان؛ لأنَّه دين الفطرة, ولأنَّ القلوب تحب المحسنين، وتُقبل عليهم كما تقدم في الأحاديث السابقة, وإضافة إلى ما تقدم من أحاديث فقد وردت أحاديث أخرى تؤكد ما تقدم، وتحث على بذل الإحسان إلى كل الناس؛ لأنَّه أدعى وآكد على ترابط القلوب وتآلفها يقول أمير المؤمنين (ع): (وأحسن إلى جميع الناس كما تحب أن يُحْسَنَ إليك)
ويقول الإمام الصادق (ع): (وأحسن فإني لم أرَ شيئاً أشد طلباً، ولا أسرع دركاً من حسنة لذنب قديم، إن الله عز وجل يقول: ((إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين)) )
وأصرح من ذلك كله الأمر الصريح في قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى))
وقد فسر أمير المؤمنين (ع) الإحسان بالتفضل، والإحسان الاجتماعي فرع الإحسان مع الله تبارك وتعالى فمن حَسَّن علاقته مع الله وأصلحها حسن اللهُ علاقتَه مع الناس يقول أمير المؤمنين (ع): (ومن أحسن فيما بينه وبين الله أحسن الله ما بينه وبين الناس) و(من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس)
وتحسين العلاقة مع الله أو إصلاحها يعني الالتزام الجدي الصادق بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، ومعلوم أنَّ الإنسان عندما يكون مطبقاً لأحكام الله، وممتثلاً لأوامره فإنَّ ذلك سيقوده لا محال إلى حسن العلاقة مع الناس، وبذلك تكون نفسه شفافةً رقيقةً تتلقى النور وتشعه, وتلك هي سمات المحسنين من عباد الله تعالى، والتي هي من خلائق الله فإنَّ الله عز وجل من عادته الإحسان إلى جميع الخلق المحسن والمسيء.
وهكذا فلتكن أخلاق دعاة الله تعالى, عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله (ص): ألا أخبركم بخبر خلائق الدنيا والآخرة: العفو عمن ظلمك، وأن تصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، وإعطاء من حرمك)
إن الإقبال والانفتاح على الله يفتح قلوب الآخرين، ويجعلها منقادة للداعي إليه تعالى، وهذه سنة الله في خلقه ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً))
نعم يجعل للصادقين مع الله: الود والرحمة في قلوب عباد الله الصالحين؛ لأنَّهم يجسدون الأخلاق الرسالية في أقوالهم وأفعالهم يقول رسول الله (ص): (تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإنَّه من أقبل على الله تعالى بقلبه جعل الله قلوب العباد منقادة إليه بالود والرحمة, وكان الله إليه بكل خير أسرع)
ثم إنَّ الإحسان سبيل عظيم من سبل الإصلاح الاجتماعي في جميع مجالاته؛ مع الموافق والمخالف, ومع الصديق والعدو، فعن الإمام الصادق (ع) أنَّه قال : (إنِّي لأتسارع إلى قضاء حوائج أعدائي مخافة أن أردَّهم فيستغنوا عني)
ويقول أمير المؤمنين (ع): (أصلح المسيء بحسن فعالك, ودل على الخير بجميل مقالك)
(أشعر قلبك الرحمة لجميع الناس والإحسان إليهم, ولا تُنِلْهُم حيفاً, ولا تكن عليهم سيفاً)
ومن العجيب أنَّ الإحسان له تأثير كبير في نفوس الأعداء فضلاً عن الأخلاء؛ فإنَّه يقلب العداء محبة ((ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ))
هكذا يدخل الإحسان عامل جذب وتغيير نفسي, وقوة مواجهة للأحداث الصعبة, والمواقف الحرجة، (وتصدق هذه القاعدة في الغالبية الغالبة من الحالات, وينقلب الهياج إلى وداعة, والغضب إلى سكينة, والتبجح إلى حياء على كلمة طيبة، ونبرة هادئة, وبسمة حانية في وجه هائج غاضب متبجح مفلوت الزمام)
وما أروع وأجمل ما يصوره أمير البلاغة والحكمة الإمام علي (ع) حيث يقول: (الاستصلاح للأعداء بحسن المقال، وجميل الفعال أهون من ملاقاتهم ومغالبتهم بمضيض القتال)
إنَّ المؤمن لا يعادي لينتقم, ولا يتمادى في الخصومة، وإنما هدفه وديدنه العمل على إصلاح حتى عدوه، وهذا هو أدب الإسلام كما ورد عن أمير المؤمنين (ع) عندما سمع أهل العراق يسبون أهل الشام: (إنِّي أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهْدِهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به)
وبما أنَّ العلاقات الاجتماعية لا بد أن يصيبها الكدر، والخلل، والفتور, ويتبع ذلك العتاب والحساب هنا يأتي دور الإحسان ليكون عامل ربط بعد قطيعة، وعامل تصفية بعد كدورة، يقول أمير المؤمنين (ع): (عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه)
وبهذا السلوك كان أهل بيت العصمة يقلبون عداوة المناوئين محبة لهم فقد حدثنا المؤرخون أنَّ رجلاً من أهل الشام قال: (دخلت المدينة، فرأيت رجلاً راكباً على بغلة لم أرَ أحْسَنَ وجهاً، ولا ثوباً، ولا سمتاً، ولا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه، فقيل: هذا الحسن بن الحسن بن علي، فامتلأ قلبي له بغضاً، وحسدت علياً أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه، وقلت له: أنت ابن أبي طالب؟ فقال: أنا ابن ابنه، قلت: فبك وبأبيك! فلما انقضى كلامي قال: أحسبك غريباً؟ قلت: أجل، قال: فَمِلْ بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مالٍ واسيناك، أو إلى حاجة عاوناك، فانصرفت عنه وما على الأرض أحد أحبُّ إليَّ منه)
إن السلوك المتسامي على الصغائر وسفاسف الأمور لا بد له من قلب طافح بالإيمان, وأُفقٍ واسع ينظر الأمور من جميع جوانبها, ويحسب لكل كلمة, أو خطوة, أو موقف ألف حساب متوكلاً على الله, طالباً رضاه لا غير، (وهذه الدرجة درجة دفع السيئة بالحسنة, والسماحة التي تستعلي على دفعات الغيظ، والغضب، والتوازن الذي يعرف متى تكون السماحة, ومتى يكون الدفع بالحسنى درجة عظيمة لا يلقاها كل إنسان، فهي في حاجة إلى الصبر, وهي كذلك حظ موهوب يتفضل به الله على عباده الذين يحاولون فيستحقون: ((وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيم )) )
ولعظمة هذه الصفة ترى الإمام السجاد (ع) يتضرع إلى الله أن يعينه على اكتسابها، ويتوسل إليه تعالى بكلمات تفيض صدقاً، وخشوعاً، وضراعةً فيقول: (اللهم صل على محمد وآله، وسددني لأن أعارض من غشني بالنصح، وأجزي من هجرني بالبر، وأثيب من حرمني بالبذل، وأكافي من قطعني بالصلة، وأخالف من اغتابني إلى حسن الذكر، وأن أشكر الحسنة، وأغضي عن السيئة)
إذن رد السيئة بالحسنة تحتاج إلى توفيق، وتسديد من الله تعالى، ثم إنَّ للإحسان آثاراً طيبة في القلوب الطاهرة والفطر السليمة كأثر الماء في الأرض الخصبة حيث يخرج الأزهار والأوراد، ويعطي الأرض رونقاً جميلاً تسر الناظرين، وهكذا الإحسان يترك أثراً طيباً في وجدان الإنسان لا يمحى ولا يزول، يقول أمير المؤمنين (ع) : (خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، وإن غبتم حنوا إليكم)
ومن الإحسان الكلمة الطيبة، وهي التي تؤدى بصدق، ودفء, وإخلاص، ومرونة، وبلاغة تهز المشاعر, وتثير العواطف النبيلة, وتجذب القلوب، وتؤلف بينها؛ ولهذا أمر الله تعالى عباده ألا يقولوا إلا الحسن؛ ولا يتلفظوا إلا بالطيب من القول: ((وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) (وعلى وجه الإطلاق وفي كل مجال، فيختاروا أحسن ما يقال؛ ليقولوه.. بذلك يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة. فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت، وبالرد السيئ يتلوها فإذا جو الود، والمحبة، والوفاق مشوب بالخلاف ثم بالجفوة ثم العداء، والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب, وتندّي جفافها، وتجمعها على الود الكريم)
والميزان في القول الحسن هو ميزان الفطرة السليمة فالإنسان بفطرته يحب أن يسمع الكلمة الحسنة الجميلة من هذا المنطلق يقول أمير المؤمنين (ع): (ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك)
ويقول الإمام الباقر (ع): (قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإنَّ الله عز وجل يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين الفاحش المتفحش، السائل الملحف، ويحب الحيي الحليم العفيف المتعفف)
إنَّ الكلمة الطيبة دواء القلوب, ومفتاح مغاليقها, ولذلك على من أراد أن يبني علاقاته مع الناس أن يتأمل في كل كلمة يريد أن يقولها, ويختار كلماته بعناية ودقة مراعياً فيها المقام, والمشاعر، والأمزجة؛ لتكون موضع قبول, وأجمل وأحكم ما قيل في هذا الجانب ما قاله الإمام السجاد للزهري: (احفظ عليك لسانك تملك به إخوانك)
وهكذا تبقى الكلمة الطيبة ((كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ  تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا))
ولا يعني ذلك أنَّ المحسن يكتفي بالكلمة الطيبة كشعار مجرد، وإنما الكلمة المؤثرة هي التي تسيل من فيض القلوب نبعاً صافياً فمهما كانت الكلمة بليغة ولينة لا تؤدي دورها إذا لم تكن نابعة من قلب صادق حنون, وأخيراً الإحسان ليس شعاراً تلوكه الألسن إنما يشمل جلب المنافع ودفع المضار, والإعانة بالنفس والمال بل بكل شيء قدر إمكان المحسن، يقول الشيخ حسين النوري: (إنَّ الإحسان إلى المؤمن إما بسوق نفع إليه، أو بدفع ضرر عنه، وكل واحد منهما إما أن يتعلق بدينه، أو بعقله، أو بجسده، أو بعرضه، أو بماله، ولإصلاح هذه الخمسة بعثت الرسل، وشرع الدين، وقررت الحدود والموازين)
ب- التودد إلى الناس :
إنَّ أفضل رابط يؤلف بين القلوب، ويجمعها على أمر واحد, ويحركها نحو هدف واحد هو (الحب)، وهو حالة نفسية, وروحية, ووجدانية, تمزج نفسين في قالب واحد، وتصهرهما حتى تعودا، وكأنَّهما كيان واحد .
وعلاقات القلوب هي أقوى وأمتن العلاقات الإنسانية, فالجماعة المؤتلفة قلوبها على حب الله تعالى لا يمكن أن تختلف أو تتفرق, أو يقع بينهما التنافر على مصالح معينة, بل كل المصالح تذوب عندما يكون الحب صادقاً, وتزول كل الفوارق العرقية, أو الوطنية أو الاقتصادية, وتلك هي سمة الجماعة المؤمنة المعتصمة بحبل الله المجتمعة على حب الله تعالى, ومن هنا رأينا أنَّ هذا الحب هو الذي أزال كل الأحقاد والفوارق في عصر انبثاق الرسالة, وألف بين أبناء أمة كانت تتقاذفها أعاصير الجاهلية: فوارق طبقية, وعرقية, وعشائرية, وفكرية، فصهرها الحب الإلهي، وأخرج منها خير أمة عرفها التأريخ البشري جمعت بين بلال الحبشي, وصهيب الرومي, وسلمان الفارسي, وعلي بن أبي طالب القرشي وبهذا مَنَّ الله على تلك الأمة التي وصفها بأنها على شفير الهاوية ((وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا))
وهنا إشارة إلى (ما كان عليه المؤمنون في عصر التنزيل من أخوة الإيمان التي بها قاسم الأنصار المهاجرين أموالهم وديارهم، وبها كانوا يؤثِرون بعضهم بعضاً بالشيء على نفسه, وهو في خصاصة وحاجة شديدة إلى ذلك الشيء بعد ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة والبغضاء وتسافك الدماء ما هو معروف في جملته للجماهير, وفي تفاصيله الغريبة للمطلعين على أخبارهم المروية والمدونة)
ويمكننا أن نتعرف على قيمة الحب والود إذا عرفنا أنَّ الله تعالى وصف نفسه به، فسمى نفسه بـ(الودود) فهو اسم من أسمائه الحسنى، ولكل منها دلالة كبيرة, وبعد اجتماعي رسالي يقول تعالى:
((وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ))
((إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ  وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ))
(فالله تعالى مودود: أي محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فَعُول بمعنى فاعل: أي أنَّه يجب عباده الصالحين، بمعنى أنَّه يرضى عنهم)
فإذا كان لفظ (الودود) من أسمائه تعالى, ومن صفاته, والله يتودد إلى عباده بالنعم والإحسان، ويغفر زلاتهم, ويتوب عليهم, ويتجاوز عن معاصيهم، ويحب طاعتهم، وهو غني عنهم كما ورد في دعاء أبي حمزة عن السجاد (ع): (والحمد لله الذي تحبَّبَ إليَّ، وهو غني عني, والحمد لله الذي يحلم عني حتى كأنِّي لا ذنب لي)
إنَّ التحبب والتودد مع القدرة على البطش والتعذيب بل الإهلاك من أخلاق الله تعالى وسماته، وهذا له دلالة رسالية عظيمة تدل على أنَّ الله تعالى عندما يتحبب إلى عباده بالنعم والإحسان والغفران مع أنَّه غني عن طاعتهم، وآمنٌ من شرور معاصيهم، يريد بذلك إصلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة؛ ولذلك يشير تعالى أنَّه يحب: التوابين, والمتطهرين, والصابرين, والشاكرين والمحسنين... الخ، وكل ذلك دفع وتشويق للناس؛ لتحصيل هذه الملكات؛ لأنَّها تنقي القلب، وتجعله شفافاً لطيفاً يتقبل النور ويشعه, فحينئذٍ يصبح مصباحاً منيراً يمزق ظلام النفوس، ويفتح مغاليق القلوب، ويُعَبِّدُ الطريق إلى الله أمام الخلق ليخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم.
وكما أنَّ الحب يربط العبد بربه, ويقربه إليه - بل هو أسمى حالات القرب - كذلك يربط بين أبناء المجتمع، ويشد بعضهم للبعض الأخر بأقوى وأسمى الروابط، ومن هنا جعل الحب في بعض الروايات هو الإيمان أو الدين، فعن الفضيل بن يسار قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الحب والبغض، أَمِنَ الإيمان هو؟ فقال: وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟ ثم تلا هذه الآية ((حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)) )
وفي رواية أخرى بأنَّه أعظم شعب الإيمان، وأوثق عُراه، فعن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله (ص) لأصحابه: أيُّ عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، وقال بعضهم: الصلاة، وقال بعضهم: الزكاة, وقال بعضهم: الصيام، وقال بعضهم: الحج والعمرة, وقال بعضهم: الجهاد، فقال رسول الله (ص): لكل ما قلتم فضل، وليس به، ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، وتوالي أولياء الله، والتبري من أعداء الله)
تلك قيمة الحب الصادق, ومما لا ريب فيه: لا يكون الحب صادقاً بين أي جماعة أو أفراد ما لم يكن مجرداً عن المصالح الذاتية, وهذا معنى كونه لله تعالى، فعندما يكون الحب مجرداً عن أي هدف مادي أو معنوي ذاتي فإنَّه سيكون لله تعالى.
إنَّ المؤمن عندما يتحبب إلى الناس, لا يعني أن ينطلق من جنبة ضعف، أو هوان, أو مَلَقٍ لأجل التقرب لنيل مطلب نفسي دنيوي, وإنما ينطلق من روح إلهي تهدف إصلاح الناس لأجل سعادتهم ونجاتهم.
إذن التودد إلى الناس هو سبيل من سبل التغيير والإصلاح الاجتماعي، وهو حركة واعية وهادفة لمد الجسور النفسية مع الناس، وفتح قنوات الاتصال النفسية والفكرية معهم لغرض تثقيفهم وتوعيتهم بتوجيه أنظارهم إلى أسرار الكون والحياة؛ لتغيير أوضاعهم النفسية, والفكرية, والأخلاقية، ويعتمد ذلك على الانفتاح النفسي والفكري على الناس بصورة عامة مع مراعات الأولويات الأهم ثم المهم، وهذا هدف إسلامي مهم، وما لم يصل الإنسان إلى القلب ويهز أوتاره لا يمكن أن يحدث فيه تغيير أبداً، وما لم توجد الروابط القلبية لا يمكن أن تتماسك الجماعة تماسكاً صحيحاً، فإنَّ الأفكار لا تزرع في قلوب قاحلة من الحب والوداد.
ومن أجل هذا الهدف السامي نجد أنَّ أحاديث أهل بيت العصمة (ع) تؤكد على التودد إلى الناس، واعتبرته نصف العقل, يقول الإمام أبو الحسن الكاظم (ع): (التودد إلى الناس نصف العقل)
وعن أحد الصادقين (ع) قال: (إنَّ أعرابياً من بني تميم أتى النبي (ص) فقال له: أوصني، فكان مما أوصاه: تحبب إلى الناس يحبوك)
وعن الإمام الحسن (ع): (القريب من قربته المودة وإن بعد نسبه، والبعيد من بعدته المودة وإن قرب نسبه)
وعن الإمام علي (ع): (المودة قرابة مستفادة)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com