موقع الصراط ... الموضوع : الأبعاد السياسية والحركية لثورة الإمام الحسين (ع)-1<br>العامل السياسي
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأبعاد السياسية والحركية لثورة الإمام الحسين (ع)-1
العامل السياسي
 
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 8 / محرم / 1437 هـ
     
  بقلم آية الله المرحوم الشيخ محمد مهدي الآصفي
حينما نستعرض كلمات الإمام الحسين ( عليه السلام ) ومواقفه ، حين تولّى ( يزيد ) الأمر بعد أبيه ( معاوية ) ، ودُعِيَ الإمام من قبل عامل يزيد على المدينة إلى البيعة ، إلى أن هبط الإمام أرض كربلاء ، ووقف بها في مواجهة جيش بني أُميّة ، نجد عاملين اثنين كانا السبب الباعث على الخروج والثورة على الحُكم الأمَوي ، والذي انتهى إلى استشهاد الإمام ( عليه السلام ) في وقعة الطف .
الأول : العامل السياسي .
الثاني : العامل الحركي .
لابدّ لنا من أن ندرس هذين العاملين في كلمات الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، في هذا المسير ( من المدينة إلى كربلاء ) ؛ لنستطيع أن نُقدِّم تفسيراً وافياً ودقيقاً لحركة الإمام وثورته .

العامِل السياسي :
ونبدأ بدراسة العامل السياسي في هذه القضيَّة .
كان أوّل شيء اهتمّ به يزيد بن معاوية بعد أن تولّى الخلافة من بعد أبيه ، هو فرض البيعة على الحَرمين الشريفين . وكان الحرمان الشريفان يُعتبران نقطتي الثقل السياسي في إعطاء الشرعيّة ، أو سلب الشرعيّة من مركز الخلافة في الشـام .
وأكثر ما كان يهمّ يزيد من أمر البيعة ثلاثة أشخاص : الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وعبد الرحمان بن أبي بكر ، وعبد الله ابن الزبير .
ولذلك فقد كانت بيعة الحرمين الشريفين أوّل ما فكر فيها يزيد بن معاوية ، بعد أن تولّى الأمر في الشام . ولا شكّ أنّ أمر الحسين ( عليه السلام ) كان يشغل بال الخليفة الجديد ومُستشاريه من بني أُميّة أكثر من أيّ شخص آخر . وكان معاوية قد سعى من قبل لأخذ البيعة من الحسين ( عليه السلام ) بولاية العهد لابنه يزيد فلم يفلح .
وكان من جواب الإمام الحسين ( عليه السلام ) له ـ حين دعاه إلى قبول ولاية العهد لابنه يزيد ـ : ( وهيهات هيهات يا معاوية ، فضحَ الصبحُ فَحْمة الدُجى ، وبهرَتْ الشمسُ أنوار السرج ، ولقد فضَّلتَ حتّى أفرطـت ، واستأثرتَ حتّى أجحفتَ ، ومنعتَ حتّى مَحَلت ، وجُزتَ حتّى جاوزتَ ، ما بذلتَ لذِي حقٍّ من اسم حقّه بنصيب ، حتّى أخذ الشيطانُ حظَّه الأوفر ، ونصيبَه الأكمل .
وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد ، من اكتماله وسياسته لأُمّة محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) ، تريد أن تُوهِم الناس في يزيد ، كأنَّك تصف مَحجوباً ، أو تنعَت غائباً ، وقد دلَّ يزيدُ من نفسه على موقع رأيه ، فخُذ ليزيد فيما أخذ فيه ، من استقرائه الكلاب المُهارشة عند التهارش ، والحَمام السِبق لأترابهنّ ، والقِيان ذوات المعازِف ، وضربِ الملاهي ، تجده باصراً . ودَع عنك ما تحاول ، فما أغناك أن تلقى الله من وِزرِ هذا الخلْق بأكثر ممّا أنت لاقيه .
فو الله ما برحت تقدح باطلاً في جَور ، وحنقاً في ظلم ، حتّى ملأت الأسقِية . ما بينك وبين الموت إلاّ غمضة ، فتُقدِم على عملٍ محفوظ في يومٍ مشهود ، ولاتَ حين مَناص ) (1).
فلمّا مات معاوية وتولَّى يزيد الأمر ، كان أوّل ما فكَّر فيه أن يأخذ البيعة من الحسين ( عليه السلام ) ، فكتب في ذلك إلى عامله المدينة ( الوليد بن عتبة ) (2)، فامتنع الحسين ( عليه السلام ) امتناعاً شديداً في قصّة طويلة ، يذكرها الطَبرى (3)، وابن أعثم (4)، وغيرهما من المُؤرِّخين .
فقد قال الحسين ( عليه السلام ) لمروان ، وكان حاضراً ذلك المجلس ، وكان يحثّ الوليد ألاّ يترك الحسين حتّى يأخذ البيعة منه في ذلك المجلس ، وإلاّ فيضرب عنقه ، فقال له الإمام الحسين :
( ويلي عليك يا ابن الزرقاء * ، أتأمر بضربِ عُنقي ؟! كذبتَ والله .والله ، لو رام ذلك أحد من الناس ، لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك ، فرُم ضرب عُنقي إن كنت صادقاً ) .
ثُمّ أقبل الحسين ( عليه السلام ) على الوليد بن عتبة فقال :
( أيّها الأمير ، إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومُختلف الملائكة ، ومحلّ الرحمة ، بنا فتح الله وبنا يختم ، ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المُحترَمة ، مُعلِن بالفسق ، ومثلي لا يُبايع مثله ) (5).
وعندما خرج الحسين ( عليه السلام ) من عند الوليد ، لامَهُ مروان على ذلك لَوماً شديداً ، فقال له عامل يزيد :
( ويحك ، أتُشير عليّ أن أقتل الحسين ؟! فو الله ما يسرّني أنّ لي الدنيا وما فيها ، وما أحسب أنّ قاتله يلقى الله بدمه إلاّ خفيف الميزان يوم القيامة ) .
فقال له مروان مُستهزئاً :
( إن كنتَ إنّما تركت ذلك لذلك ، فقد أصبتَ ) (6).
وقد كان موقف الإمام ( عليه السلام ) في الامتناع من البيعة ليزيد موقفاً واضحاً ، لا يشكّ فيه أحد ، وكلمات الإمام في مواقف مُتعدِّدة ـ في مسيرة من المدينة إلى كربلاء ـ توضِّح هذه الحقيقة .
يقول الإمام ( عليه السلام ) لمحمّد بن الحنفيّة ( أخيه ) :
( يا أخي ، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأً ولا مأوىً ، لما بايعتُ والله يزيد بن معاوية أبداً ) (7).
وخطب الإمام يوم عاشوراء في جيش بني أُميّة فقال :
( ألا وأنّ الدَعيّ بن الدَعيّ قد رَكزَ بين اثنتين ، بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة . يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون ، وحجورٌ طابت وطَهرتْ ، تُؤثر مصارع الكرام على طاعة اللئام ) (8).
وقال لأخيه عُمَر الأطرف ، عندما دعاه إلى أن يتجنَّب مُجاهَدة يزيد :
( إنّي لا أُعطي الدَنيَّة من نفسي أبداً ، ولتلقينّ فاطمة أباها ، شاكيةً ممّا لقيَت ذرّيّته من أُمّته ) (9).
وعندما خرج الإمام ( عليه السلام ) يوم عاشوراء ، ليقاتل جيش ابن سعد بنفسه ، كان يرتجز ويقول :
الموتُ أوْلى من ركوبِ العَارِ *** والعارُ أوْلى من دخولِ النارِ (10)
فلم يكن الإمام ـ إذن ـ ليبايع يزيد مهما يكن من أمر .
ومن طرف آخر ، لم يكن يزيد ليترك الإمام ( عليه السلام ) من دون بيعة مهما تكن النتيجة .
وقد كان الإمام الحسين ( عليه السلام ) يُؤمن بهاتين القضيّتين معاً ، فلا سبيل إلى بيعة يزيد مهما يكن من أمر ، ولا يمكن أن يتركه يزيد من دون بيعة أيضاً ، وكانت النتيجة المُترتّبة على هذين الأمرين واضحة للإمام كلّ الوضوح ، لا يشكّ فيها لحظة واحدة .
وقال الإمام لأصحابه ، حينما أرادوا الخروج من الحجاز إلى العراق : ( وأيم الله ، لو كنتُ في جُحر هامَّة لاستخرجوني ) (11).
ولمّا علم عبد الله بن جعفر أنّ الحسين يريد الخروج إلى العراق ، كتب إليه يدعوه إلى البقاء ، فكتب إليه الحسين ( عليه السلام ) :
( والله يابن عمّي ، لو كنتُ في جُحر هامّة من هوام الأرض لاستخرجوني حتّى يقتلوني . والله يابن عمِّ ، لَيعدينَّ عليّ كما عدَتْ اليهودُ على السبت ) (12).
وفي رواية أُخرى ، يرويها الشيخ المفيد في الإرشاد عن الإمام ( عليه السلام ) بنفس المضمون :
( والله لا يَدَعوني حتّى يستخرجوا هذه العَلقة من جَوفي ، فإذا فعلوا ، سلَّطَ الله عليهم مَن يذلّهم ، حتّى يكونوا أذلّ فِرَق الأُمم ) (13).
إذاً فلم يكن للإمام الحسين ( عليه السلام ) غير طريق واحد ، وهو الشهادة ؛ فإنَّ يزيد لا يقبل من الإمام بغير البَيعة ، والحسين ( عليه السلام ) لا يعطي البَيعة ليزيد ، مهما تكن الأسباب ، فلا طريق للحسين إلاّ الشهادة ، ولابدّ أن يكون الحسين ( عليه السلام ) عازماً على الشهادة ، حين خرج من الحجاز إلى العراق .

الخيار الثالث : وكان هناك طريق آخر ثالث ، اقترحه عليه بعض الناصحين ، رفَضه الإمام رفضاً قاطعاً ، وهو : أن يبتعد عن ساحة المعركة ويعتزل الناس ، ويذهب بعيداً إلى اليمن ، أو إلى بعض شُعَبِ الجبال ، ويحتجب عن الناس ، فيكون قد حقّقَ الغاية ، وهو الامتناع عن البيعة ليزيد ، دون أن يُعرِّض نفسه وأهل بيته وأصحابه للأذى والهلاك من قِبَل يزيد ووُلاته وعُمّاله .
يقول ابن الأثير : لمّا عزم الحسين ( عليه السلام ) على الخروج من الحجاز إلى العراق ، جاءه ابن عبّاس فقال :
( يا ابن العمّ ، إنّي أتصبّر ولا أصبر . إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال . إنّ أهل العراق قوم غُدَّر ، فلا تقربنّهم . أقِم في هذا البلد ( مكّة المكرّمة ) ، فإنّك سيّد أهل الحجاز ، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا ، فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوّهم ثُمّ أقدِم عليهم ، فإن أبَيتَ إلاّ أن تخرج ، فسِر إلى اليمن ؛ فإنّ بها حصوناً وشعاباً ، وهي أرض عريضة طويلة ، ولأبيك بها شيعة ، وأنت عن الناس في عُزلة ) (14).
وكان ممّن يحمل هذا الرأي أخوه محمّد بن الحنفية ؛ إذ جاء إلى الحسين ( عليه السلام ) ، لمّا عزم على مغادرة المدينة بأهل بيته ، فقال له ـ كما يروي ابن الأثير ـ :
( يا أخي ، أنت أحبّ الناس إليَّ ، وأعزّهم عليّ ، ولستُ أدّخِر النصيحة لأحدٍ من الخلْقِ أحقّ بها منك .
تَنَحّ ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت ، وابعث رسُلك إلى الناس ، فإن بايعوا لك ، حمدت الله على ذلك ، وإن أجمع الناس على غيرك ، لم يُنقِص الله بذلك دِينك ولا عقلك .
قال الحسين ( عليه السلام ) : فأين أذهب ؟ قال : انزل مكّة ، فإن اطمأنّت بك الدار ، فبسبيل ذلك ، وإن نأَتْ بك لحِقتَ بالرمال وشُعَب الجبال ، وخرجت من بلد إلى بلد ، حتّى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ) (15).
وفي العراق ، اقترح الطرمّاح بن عدي على الإمام ، أن يمتنع عن جيش يزيد بن معاوية بمعاقِل طَيّ المنيعة ، فقال للإمام : فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به ، حتّى ترى من رأيك وتستبين لك ما أنت صانع ، فسِر حتّى أُنزلك مناع جبلنا ، الذي يُدعى ( أجا ) . امتنعنا والله به عن ملوك غسّان ، وحميَر ، ومن النعمان بن المُنذر ، ومن الأسود والأحمـر . والله أن دخل علينا ذلّ قط ، فأسير معك حتّى أُنزلك القرية ) (16).
إلاّ أنّ الإمام ردّ هؤلاء جميعاً من دون تردّد ، لا لأنّه كان يشكّ في صدْقهم ونُصحهم له ، ولا لأنّهم كانوا موضع ارتياب وشكّ عند الإمام ، ولكن ؛ لأنّ هؤلاء لم يكونوا يفهمون الإمام ورأيه وموقفه بالشكل الصحيح .
فلم يكن همّ الإمام فقط أنّه لا يُبايع يزيد ، وألاّ يَضع يده في يد ابن معاوية ، ولو كان الإمام يكتفي بهذا الحدّ ما كلّفه ذلك كثيراً ، فما كان أيسر على الإمام أن يعتزل الناس ويغادر الحجاز إلى بلدٍ ناءٍ من هذه البلاد النائية ، الّتي نصحه بها أخوه محمّد ، وابن عمّه عبد الله بن عبّاس ، أو نصحه بها الطرمّاح بن عديّ .
إلاّ أنّ الإمام لم يكن يكتفي بهذا الموقف السلبي في أمر خلافة يزيد بن معاوية ، ولم يكن هذا الموقف السلبي في رفض البيعة إلاّ وَجهاً واحداً من وجهَي الموقف ، أمّا الوجه الآخر ، وهو الأهمّ ، والذي كلَّف الإمام نفسه وأهل بيته وأصحابه وشيعته ، فهو إعلان هذا الرفض على المَلأ من المسلمين .
وهذا الإعلان ، هو الّذي أغضب بني أُميّة وأثارهم ، فقد اعتبروه تحدّياً صارخاً لسُلطانهم وحُكمهم ، وخروجاً على حُكمهم وسلطانهم ، ولم يكن بنو أميّة يتحمّلون شيئاً من ذلك في أيّام سطوَتهم وسلطانهم وزهوِّهم . وكان الإمام الحسين ( عليه السلام ) يتوخّى من هذا الإعلان مطلباً سياسيّاً ، لم يكن يتحقّق لولا إعلان الرفض ، وهو : إسقاط شرعيّة خلافة بني أُميّة في نظر العامّة من المسلمين .
فقد كانت الخلافة ـ رغم كلّ السلبيّات الّتي أحاطت بها إلى هذا الحين ـ تتمتَّع بالشرعيّة في نظر الأكثريّة من المسلمين ، وكانت هذه الشرعية تُمكِّن بني أُميّة من رقاب المسلمين ، وتَشلّ عمل ودَور المعارضة ، وتُعطي للنظام الأموي قوّة ومقاومة كبيرة .
وأخطر من هذا كلّه ، أنّ هذه الشرعيّة كانت تُمكّن بني أُميّة من إدخال الانحرافات الجاهليّة ـ الّتي جاء بها بنو أُميّة معهم إلى الحكم ـ إلى الإسلام ، فيمسّ الخطر عندئذٍ الإسلام ، وتكون مصيبة المسلمين مُصيبتَين : مصيبة في حياتهم ونظام أمورهم ، ومصيبة أُخرى ، أكبر وأخطر ، في دينهم .
وكانت هذه النقطة الثانية تشغل بالَ سيّد الشهداء أكثر من أيّ شيء آخر ، فقد بدأ هذا الانحراف يتسرّب إلى هذه النقطة بالذات . يُشير الإمام ( عليه السلام ) في كلامه مع مروان بن الحكم ، صبيحة الليلة الّتي خرج فيها الإمام من بيت الوليد ، رافضاً البيعة ، حيث التقى مروان بالإمام في الطريق فنصح الإمام بالبيعة ليزيد ، فقال الإمام لمروان :
( على الإسلام السلام ، إذ بُليَت الأُمّة براعٍ مثل يزيد . ولقد سمعتُ جدِّي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) يقول : الخلافة مُحرَّمة على آل أبي سفيان ) (17).
إذن ، كان الإمام يخشى أكثر ما يخشى على الإسلام ـ بالذات ـ من أن يدخل عليه ما جاء به بنو أُميّة إلى الحكم ، من انحراف وفساد ، وإذا كان لا يُمكن إسقاط الخليفة وانتزاع السلطان منه ، فإنّ من المُمكن انتزاع الشرعيّة من الخلافـة ، وتجريد الحُكم الأموي من الشرعيّة التي كان يحرص عليها حُكّام بني أُميّة .
ومثل هذا الأمر يتطلّب موقفاً صريحاً مُعلَناً في رفض البيعة ، والامتناع عن قبول خلافة يزيد من جانب الإمام في وَسطِ الرأي العام الإسلامي حينذاك ، وهذا ما عمد إليه الحسين ( عليه السلام ) عندما رفض البيعة ، ورفض أن يُخفي موقفه السلبي هذا ، ويعتزل الوسط السياسي إلى بعض الشعاب والوديان والجبال ؛ ليسلم بنفسه وأهل بيته وأصحابه من ملاحقة حُكّام بني أُميّة .
لقد كان الإمام يُخطِّط ليجعل من موقفه هذا موقفاً سياسيّاً صارخاً ، واحتجاجاً في وجه حُكّام بني أُميّة ، وإعلاناً لسحب الثِقة والشرعيّة من حُكّام بني أُميّة ، وإعلام الأُمّة كلّها بذلك ، وهذه بعض النماذج من كلمات الإمام ومواقفه الصريحة في هذا الصدَد :
أوّلاً : غادر الإمام المدينة إلى مكّة ليلاً بجميع أهله ، وسار على الجادّة الّتي يسلكها الناس ، فقال له ابن عمّه مسلم بن عقيل : ( لو عَدلنا عن الطريق وسلكنا غير الجادّة ، كما فعل عبد الله بن الزبير(18)، كان عندي الرأي ، فإنّا نخاف أن يلحقنا الطلب . فقال له الحسين ( عليه السلام ) :
( لا والله يا ابن عمِّ ، لا فارقت هذا الطريق أبداً ، أو أنظر إلى أبيات مكّة ، أو يقضي الله في ذلك ما يحبُّ ويرضـى ) (19).
ثانياً : دخل الإمام مكّة بصورة علنيّة ، مُتحدّياً بني أُميّة . ويصف الخوارزمي نزول الحسين ( عليه السلام ) بمكّة فيقول : ( وكان قد نزل بأعلى مكّة ، وضرب هناك فسطاطاً ضخماً ، ثُمّ تحوّل الحسين إلى دار العبّاس ، وحوّلها إليه عبد الله بن عبّاس ، فأقام الحسين مُؤذّناً يُؤذِّن ، رافعاً صوته ، فيُصلي بالناس ) (20).
( دخل الحسين إلى مكّة ففرح به أهلها فرحاً شديداً ، وجعلوا يختلفون إليه بكْرَة وعشيّة ، واشتدَّ ذلك على عبد الله بن الزبير ؛ لأنّه قد كان طمع أن يُبايعه أهل مكّة ، فلمّا قدم الحسين شقَّ ذلك عليه ، لكنّه كان يختلف إليه [ إلى الحسين ] ، ويُصلِّي بصلاته ، ويقعد عنده ، ويسمع من حديثه ، وهو ـ مع ذلك ـ يعلم أنّه لا يُبايعه أحد من أهل مكّة والحسين بن علي بها ؛ لأنّ الحسين عندهم أعظم في أنفسهم من ابن الزبير ) (21).
وكان عمرو بن سعيد الأشدق يومئذٍ عامل يزيد على مكّة ، فهاب الحسين وهرب إلى المدينة ، وكتب إلى يزيد بأمر الحسين ، يقول الخوارزمي : ( وهاب ابن سعيد أن يميل الحُجّاج مع الحسين ، لِما يرى من كثرة اختلاف الناس إليه من الآفاق ، فانحدر إلى المدينة ، وكتب بذلك إلى يزيد ) (22).
ثالثاً : تتَّفق المصادر التاريخيّة أنّ الحسين ( عليه السلام ) خرج من مكّة إلى العراق يوم الثامن من ذي الحجّة ( يوم التروية ) ، عندما كان الحُجّاج يتوجَّهون إلى عرفات ، استعداداً ليوم عرفة ، وقد أثار خروج ابن بنت رسول الله يوم التروية ـ من بين الحُجّاج ـ إلى العراق انتباه عامّة الحُجّاج ، الّذين كانوا قد أمّوا البيت الحرام من مختلَف الآفاق ، فهذا ابن بنت رسول الله يحلّ من العمرة ، ويُغادر مكّة في وقت يتوجَّه فيه الحُجّاج إلى عرفات لأداء الحَجّ .
ولا نحتاج إلى تأمُّل طويل لنكشف أنّ طريقة الحسين ( عليه السلام ) في الخروج من المدينة إلى مكّة ، ثُمّ مقامه في مكّة ، ثُمّ مغادرته لها إلى العراق ؛ كان بهدف التعبير والإعلان عن رفْضه للبيعة .
ولو كان الإمام يريد أن يتجنَّب البيعة فقط ، دون تنبيه وإلفات الرأي العام الإسلامي لهذا الموقف السياسي ؛ لما احتاج إلى كلّ هذه الخطوات التي كلَّفته ، وكلَّفت أهل بيته وأصحابه كثيراً ، وأثارت عليه سُخط بني أُميّة وغضبهم . ولقد كان بنو أُميّة يكتفون من الحسين ( عليه السلام ) ـ في أغلب الظنِّ ـ أن يحتجب ويبتعد عن الرأي العام ، ويخرج إلى ثَغر بعيد من ثغور المسلمين ، بعيداً عن الأجواء السياسيّة ، لكنّ الحسين أبى أن يبايع إباءً قاطِعاً ، وأبى أن يخرج إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين ، ويترك الساحة السياسيّة والاجتماعيّة ومسؤوليَّته الشرعيّة ، وإليك النصّ الذي يبيِّن اتّجاه هذه الساحة :
هناك نصّ يرويه الطبري عن عقبة بن سمعان بهذا الشأن ، وعقبة هذا كان قد رافق الحسين ( عليه السلام ) من المدينة إلى كربلاء ، ولم يَفته شيء من كلمات الإمام وإشاراته ومواقفه .
يقول ابن سمعان : ( صحبتُ حسيناً ، فخرجتُ معه من المدينة إلى مكّة ، ومن مكّة إلى العراق ، ولم أُفارقه حتّى قُتِـل ، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكّة ، ولا في الطريق ، ولا بالعراق ، ولا في عسكر ، إلى يوم مقتلـه ، إلاّ وقد سمعتُها .
لا والله ، ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون ، من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ، ولا أن يسيِّروه إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين ، ولكنّه ، قال : ( دعوني ، فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس ) (23).

الخيارات الثلاثة :
إذن ، كان أمام الإمام الحسين ( عليه السلام ) خيارات ثلاثة :
الأوّل : أن يُبايع يزيد بن معاوية .
الثاني : أن يُغادر الساحة السياسيّة ووَسط الرأي العامّ إلى ثَغرٍ ناءٍ من ثغور المسلمين . حتّى لا يكون خطراً على الحكم الأموي .
ونكتشف من كلمة عقبة ابن سمعان أنّ هذا الخيار كان أيضاً ممّا يطرحه عليه بنو أُميّة ، على شكلِ الإبعاد والإقصـاء ، كما فعَل عثمان بن عفّان بأبي ذَرّ من قبل .
وهذه الطريقة من الإقصاء عن الساحة السياسيّة ؛ لتعطيل المعارضة وإفشال دورها ، كان معمولاً بها في تلك الأيّام . وكلمة عقبة بن سمعان واضحة أيضاً في ذلك : ( أن يُسيِّروه إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين ) .
وأمّا الناصحون للإمام ، فكانوا يقترحون عليه أن يختار هذا الشقّ ، ويختار الجهة الّتي يعتزل فيها الساحة السياسيّة ، دون أن يُسيّروه إليها .
ومهما كان من أمر ، فقد رفض الإمام هذا الخيار من بني أُميّة ، ومن مُحبِّيه ، ورفض أن يترك الساحة ويعتزلها ، ولم يقتصر في أمر رفض البيعة على هذا الحدِّ السلبي ، الّذي كان لا يرفع التكليف الشرعي والمسؤوليّة عن عاتقه . فقد كان الإمام يُصرُّ على أن يُترَك لشأنه ليذهب ـ كما يقول عقبة بن سمعان في كلمته ـ في هذه الأرض العريضة مُعلِناً عن رأيه في يزيد ، ورفضه لبيعته ، وعاملاً بتكليفه الشرعي في الحُكم الأموي ، وهذا ما كان يرفضه بنو أُميّة رفضاً قاطعاً ، وقد عبَّرَ الإمام عن ذلك لأصحابه ، حينما أراد الخروج من الحجار إلى العراق بقوله :
( والله لو كنتُ في جُحر هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني ) (24).
الثالث : هو خيار المواجهة والشهادة . وقد اختاره الإمام ـ بالذات ـ من بين هذه الخيارات .
ومن كلمات الإمام في كربلاء ، أمام جيش ابن سعد :
( لا والله ، لا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفرّ فرار العبيد ) (25).
فلا يُعطيهم يده للبيعة ، إعطاء الذليل ، وهو الخيار الأوّل الّذي تحدّثنا عنه ، ولا يفرّ فرار العبيد ، وهو الخيار الثاني الذي أقترحه عليه بنو أُميّة ، لإلغاء دوره وتعطيل موقفه ، عن خُبثٍ ومَكْر ، واقترحه عليه بعض الناصحين له عن عدمِ وعي .
وهذا هو العامل الأوّل لثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

الهوامِش:
(1)الإمامة والسياسة : ص186 ، ط مصر ـ 1969م .
(2)الفتوح ، لابن أعثم : 5 / 10 . وتاريخ الطبري : 7 / 316 .
وقد ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسية : ( أنّ عامل المدينة حينذاك كان خالد بن الحكم ، كتب إليه يزيد يطلب منه أن يأخذ البيعة من الحسين ( عليه السلام ) ) ، كتابه الإمامة والسياسة : ص203 .
(3)الطبري : 7 / 216 ـ 219 ، ط ليدن .
(4)الفتوح : 5 / 10 ـ 19 ، ط حيدر آباد ـ 1968م .
(*) الزرقاء : هي جدّة مروان ، وكانت من البغايا المومِسات ذوات الرايات .
(5)الفتوح لابن أعثم : 5 / 18 .
(6)الإمامة والسياسة : ص 205 .
(7)الفتوح ، لابن أعثم : 5 / 32 . والمقتل ، للخوارزمي : ص188 . ومقتل المقرّم : ص134 ، ط 2 النجف 1956م . ونفس المهموم ، للشيخ عبّاس القمّي : 74 .
(8)إثبات الوصيّة ، للمسعودي : 142 ، ط النجف ، الحيدريّة .
(9)اللهوف : ص15 ، ط صيدا .
(10)نفس المهموم : ص353 ، تحقيق الشيخ رضا أُستادي ، 1405 هـ ـ قم .
(11)الطبري : 7 / 276 . الكامل لابن الأثير : 4 / 28 .
(12)الفتوح لابن أعثم : 5 / 116 . مقتل الخوارزمي ، ط المفيد ـ قم : 8 / 2 ، باختلافٍ يسير .
(13)الإرشاد ، للشيخ المفيد : ص206 . وفي رواية ابن الأثير في الكامل : 4 / 39 ( حتى يكونوا أذلّ من فرام المرأة ) أو ( الأُمّة في بعض الروايات ) .
وفرم المرأة : الخرقة الّتي تستعملها المرأة في الحيض .
راجع كذلك : بحار الأنوار : 44 / 375 .
(14)الكامل لابن الأثير : 4 / 38 ـ 39 ، دار صادر ـ بيروت 1965 .
(15)الكامل لابن الأثير : 4 / 16 ـ 17 .
(16)تاريخ الطبري : 7 / 304 . وكذلك كتاب نفس المهموم للشيخ عبّاس القمّي : ص194 . وكذلك المقتل للسيّد عبد الرزاق المُقرّم : ص200 . وكذلك بحار الأنوار : 44 / 369 ، دار إحياء التراث ـ بيروت ، 1983م .
(17)اللهوف للسيّد ابن طاووس : 13 . والفتوح لابن أعثم : 5 / 24 . مقتل الخوارزمي : 184 ـ 185 .
وليس في المصدرين الأخيرين عبارة ( ولقد سمعتُ جدّي رسول الله ) . ومقتل المُقرّم : ص130 .
(18)تنكّب عبد الله بن الزبير عند مغادرة المدينة الجادّة العامّة التي يسلكها الناس . راجع : الطبري : 7 / 219 ـ 220 . وكذلك الإرشاد للمفيد : ص203 ، مكتبة بصيرتي ـ قم .
(19)الفتوح لابن أعثم : 5 / 34 ـ 35 . وكذلك مقتل الخوارزمي : ص189 . وكذلك الطبري : 7 / 232 .
(20)مقتل الخوارزمي : ص190 .
(21)الفتوح لابن أعثم : 5 / 36 ـ 37 .
(22)مقتل الخوارزمي : ص190 .
(23)تاريخ الطبري : 7 / 314 .
(24)الطبري : 7 / 276 . وكذلك الكامل : 4 / 38 .
(25)مقتل المُقرّم : 256 ، وقد أورد النص بعض أرباب المقاتل بصيغة ( ولا أقرّ لكم إقرار العبيد ) . وكذلك مثير الإحزان : 62 ، ط النجف ـ الحيدريّة ، 1386 .
وفي رأينا أنّ النصّ الأوّل أرجَح وأوفق إلى موقف الإمام .

المصدر: كتاب في رحاب عاشوراء للشيخ الآصفي

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com