موقع الصراط ... الموضوع : مثال الفتوّة
 
الأحد - 30 / رمضان / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مثال الفتوّة  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 8 / محرم / 1437 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطاً * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً))(1).
تتحدّث هذه الآيات عن قصة شباب مؤمنين تنوّرت قلوبهم بنور التوحيد الخالص، فنهضوا رافضين العيش في أجواء الكفر والفسق والفجور مع توفّر العيش الرغيد لهم، والسعة في الجاه والسلطان؛ لأنَّ ذلك يتنافى مع عبودية الله من خلال الخضوع لعبوديّة البشر.

مَعْنى الفُتُوَّةِ:
لغةً: ((الفتى: الشباب، والفتاة: الشابة، والجمع ((الفتيان)) و((فتية)) في الكثرة والقلّة، والأصل أن يقال ((الفتى)) للشاب الحدث، ثمّ استعير للعبد، وإن كان شيخاً))(2).
فالفتوّة إذن هي مدّة الشباب للرجل والمرأة؛ فيقولون: ((فتى وفتاة))، وقد استعير هذا اللفظ للرّجل ذات الخصال الحميدة، والسمات الكريمة: كالحلم، والكرم، والشجاعة والإباء، والعفّة، والنجابة... قال القتيبي: ((ليس الفتى بمعنى الشابّ والحدث، إنما هو بمعنى الكامل الجَزْل من الرجال، يدلُّك على ذلك قول الشاعر: [من الكامل]
إن الفتى حمّال كلّ ملمة***ليس الفتى بمنعّم الشُّبّان))(3)

وفى مجمع البيان: ((رأس الفتوة الإيمان، وقيل: الفتوّة بذل الندى، وترك الأذى، وترك الشكوى... وقيل: هي اجتناب المحارم واستعمال المكارم))(4).
وعن محمد بن خالد البرقي عن أبي قتادة القمي رفعه إلى أبي عبد الله (ع) قال: ((تذاكرنا أمر الفتوّة عنده، فقال: أتظنّون أنَّ الفتوة بالفسق والفجور؟! إنما المروءة والفتوّة طعام موضوع، ونائل مبذول، وبرٌّ معروف، وأذًى مكفوف، وأمّا تلك فشطارة وفسق))(5).
وعن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه عن جده (ع) قال: ((إنَّ أعرابياً أتى رسول الله (ص)، فخرج إليه في رداء ممشّق(6)، فقال: يا محمّد، لقد خرجت إليَّ كأنَّك فتًى، فقال: نعم يا أعرابي، أنا الفتى، ابن الفتى، أخو الفتى، فقال: يا محمّد، أما الفتى فنعم، وكيف ابن الفتى، وأخو الفتى؟ فقال: أما سمعت الله عز وجل يقول: ((قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)) (7)، فأنا ابن إبراهيم، وأما أخو الفتى؛ فإنَّ منادياً نادى في السماء يوم أحد: ((لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي))؛ فعليٌّ أخي وأنا أخوه))(8).
إذن الفتوّة لا تعني مرحلة زمنية في عمر الإنسان، إنّما هي كمال يكسبه الإنسان في الفكر والأخلاق والسلوك... وقوام ذلك كما تعرضه الآيات الكريمة المتقدمة في فتية الكهف، وتتلخّص بالنقاط الآتية:
1- الإيمان بالله تعالى: فهو الذي يمنح الإنسان القوّة والاستقامة أمام مغريات الحياة الدنيا ومشاكلها وصعوباتها، بل يخلق ثورة في النفس تجعل الإنسان يتمرّد على الواقع الفاسد، ولو كان وحيداً فريداً في الدنيا كلّها؛ فلا يستوحش، ولا يتراجع، ولو وقفت الدنيا كلّها في وجهه، والإيمان الذي نقصده: هو الطاعة لأمر الله تعالى بكلّ أبعاده، والتسليم الكامل لقضائه، وقدره، ولا نقصد به (هذه العقيدة الإلهية التي يؤمن بها المسلمون فحسب، يسوقون له من الأدلّة ما لا يبقى مجالاً للتشكيك.. وإنما نعني به هذا الاطمئنان النفسي، والشعور النفسي العميق بالله الذي يصدر عنه المؤمنون في جميع أعمالهم وحركاتهم)(9)، وهذا ما أشار إليه رسول الله (ص)؛ فعن الإمام الباقر (ع) قال:
((بينا رسول الله (ص) في بعض أسفاره إذ لقيه ركب، فقالوا: السلام عليك يا رسول الله، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: نحن مؤمنون يا رسول الله، قال: فما حقيقة إيمانكم؟ قالوا: الرّضا بقضاء الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، فقال رسول الله (ص): علماء حكماء، كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فإن كنتم صادقين، فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون))(10).
2- التبصر في دين الله: حيث إنَّ الفتى المؤمن هو الذي يسعى دائماً لنيل الكمالات الروحية والأخلاقية والفكرية... ولا يتسنّى ذلك إلا لمن سعي بجد لفهم ووعي دين الله تعالى وبياناته ودلالاته وأحكامه، يقول تعالى: ((قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا))(11).
فالبصير في دينه هو الذي وعى الإسلام (على الوجه الصحيح)، والتزم به شكلاً ومضموناً، وطبَّقه على نفسه، وعالج مشاكل الحياة على ضوئه.
وخلاصة الكلام: إنَّ أهل البصائر هم الواعون للإسلام الملتزمون به، والداعون إليه بجدّ وإخلاص من دون طلب منفعة دنيوية، وبعبارة أوضح: أهل البصائر هم (النخبة الواعية للإسلام) التي تَبَصَّرت في الدين، وأبصرت الواقع، وعملت على تغييره وفق مبادئ الحق والعدل.
3- العزم والاستقامة على مواصلة السير إلى الله رغم وعورة الطريق، ومقاومة الضغوط الداخلية والخارجية، والصبر على مقاومة الباطل أين ما كان، وعند من كان، ولعلّ هذا هو مدلول قوله تعالى: ((وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ)) أي أصبحت قلوبهم ثابتة مستقرة ومطمئنة في مسيرتها لا يشوبها شك ولا ريب في صحّة مسيرتها؛ ولذلك لا تحيد عنها قيد أنملة، يقول صاحب مجمع البيان في تفسير الآية: ((وطَّنوا أنفسهم على إظهار الحق، والثبات على الدين، والصبر على المشاقّ، ومفارقة الوطن))(12).
ومثال الفتوّة الخالصة: ما أقدم عليه شابٌّ من أصحاب الإمام علي (ع) في معركة الجمل حيث وقف أمير المؤمنين (ع) داعياً لهم للتراجع عن غيِّهم، والتحاكم إلى كتاب الله تعالى، فلم يجيبوه إلا بالسهام، وطلبِ القتال، فما كان من أمير المؤمنين (ع) إلا أن (رفع مصحفاً بيده، فقال: من يأخذ هذا المصحف، فيدعوهم إلى ما فيه، وله الجنة؟ فقام غلام شابٌّ اسمه مسلم، عليه قباء أبيض، فقال: أنا آخذُه، فنظر إليه عليٌّ (ع)، وقال: يا فتى، إن أخذته فإنَّ يدك اليمنى تُقْطَع، فتأخذه بيدك اليسرى فتقطع، ثم تضرب بالسيف حتى تقتل، فقال: لا صبر لي على ذلك، فنادى عليٌّ (ع) ثانية، فقام الغلام، وأعاد عليه القول، وأعاد الغلام القول مراراً، حتى قال الغلام: أنا آخذه، وهذا الذي ذكرت في الله قليل، فأخذه وانطلق، فلما خالطهم ناداهم: هذا كتابُ الله بيننا وبينكم، فضربه رجلٌ، فقطع يده اليمنى، فتناوله باليسرى، فضربه أخرى، فقطع اليسرى، فاحتضنه، فضربوه بأسيافهم حتى قتل، فقالت أم ذريح العبديّة في ذلك:
يا ربّ إنّ مسلماً أتاهمُ***بمصحف أرسله مولاهمُ
للعدل والإيمان قد دعاهمُ***يتلو كتابَ الله لا يخشاهمُ
فخضّبوا من دمه ظباهمُ***وأمّهم واقفة تراهمُ
تأمرهم بالغيِّ لا تنهاهمُ)(13).

4- القيام والتحرّك لتوحيد الله، وتعبيد الناس إليه، وهذا من أهمّ خصائص الفتوّة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ((إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً)).
فقد ذهب بعض المفسرين أنّهم قاموا بوجه ملكهم الذي كان يدعوهم لعبادة الطاغوت، فأعلنوا التوحيد بوجهه مُتَحَدِّينَ طغيانه... فالفتى المُوَحِّد ثورة ضدّ الظلم يرفض الانصياع إلى دعاة الكفر مهما أفاضوا عليه من الإغراءات الدنيوية، ومن هذا المنطلق كانت نهضة هؤلاء الفتية واستنكارهم لعبادة غير الله تعالى، وهذا هو منتهى التوحيد الخالص والانقطاع إلى الله تعالى.
5- تشخيص الحالة السيّئة التي يعيشها المجتمع، والعمل على تغييرها، فإذا لم يستطع التغيير، وعجز عن النهوض اعتزل ذلك الواقع، وهكذا ألهم الله تعالى عباده الصالحين، فقالوا مشخصين الواقع السيّئ: ((هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً))، وإذ لم يكن لهذه العبادة دليل عقلي صحيح فهو ظلم وافتراء ((لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً)) ، فإذا كانت هذه العبادة ظلماً وافتراءً وكذباً، وجب التغيير، ولما لم تكن عناصر التغيير متوفّرة وجب عليهم الاعتزال ((وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً)) .
وليس المقصود بالاعتزال: الانهزام والتراجع، بل المقصود هو الخروج من الأجواء المتعفّنة التي لا يستطيع الإنسان فيها أن يؤدي دوره في عبادة ربِّه؛ لإيجاد البديل المناسب لذلك، وتهيئة الأرضية المناسبة لتغيير الواقع...
وفي ثورة الحسين (ع) برزت الفتوّة بأنصع وأروع أشكالها، فكانت مثال الفتوّة الكاملة الجامعة لكلّ الكمالات البشرية، وهذا ما برز في شخصية عليّ الأكبر نجل الحسين (ع) الذي كان يشبه رسول الله (ص) خَلقاً، وخُلقاً، ومنطقاً؛ ولهذا كانت كلمة الحسين (ع) في وصف ولده جامعة مانعة حيث قال حين برز علي الأكبر (ع): ((اللهُمَّ، اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك محمد (ص)، كنّا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه))(14).
ومما يشهد على صلابة وثبات إيمان علي الأكبر (ع)، وعظمته وجلاله حديث عقبة بن سمعان، قال: ((فسرنا معه [الحسين (ع)] ساعة [من خروجه من قصر بني مقاتل]، فخفق (ع)، وهو على ظهر فرسه خفقة، ثم انتبه وهو يقول: ((إنّا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين)) ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، فأقبل إليه ابنه عليُّ بن الحسين، فقال: ممَّ حمدتَ الله واسترجعتَ؟ قال: يا بنيّ، إنّي خفقت خفقة فعنَّ لي فارسٌ على فرس، وهو يقول: القوم يسيرون، والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا نُعِيَتْ إلينا، فقال له: يا أبتِ، لا أراك الله سوءاً ألسنا على الحقّ؟!، قال (ع): بلى والله الذي مرجع العباد إليه، فقال: فإنّنا إذاً ما نبالي أن نموت محقّين، فقال له الحسين (ع): جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده))(15).
هذا هو منطق الفتوّة في الإسلام: ((ألسنا على الحقّ؟))، فما دام الإنسان على الحقّ فلا ضير في ما يلاقيه من مصاعب ومشاكل حتى لو وصلت إلى بذل الدم في سبيل الله تعالى.
ولهذا كان خروج علي الأكبر على الحسين (ع) ثقيلاً مؤلماً يقول المؤرخون أنَّه (ع) رفع شيبته نحو السماء وقال: ((اللهُمَّ، اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك محمد (ص)، كنّا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه، اللهمّ، فامنعهم بركات الأرض، وإن منعتهم ففرّقهم تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً، فإنّهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا يقاتلونا ويقتلونا)).
ثم صاح الحسين (ع) بعمر بن سعد: ((ما لك! قطع الله رحمك، ولا بارك الله لك في أمرك، وسلّط عليك من يذبحك على فراشك، كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (ص))).
ثم رفع صوته وقرأ: ((إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالِمِينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))(16).
ثم حمل علي بن الحسين (الأكبر) وهو يقول :
أنا علي بن الحسين بن علي*** نحن وبيت الله أولى بالنبي
والله لا يحكم فينا ابن الدَّعي***أطعنكم بالرمح حتى ينثني
أضربكم بالسيف حتى يلتوي***ضرب غلام هاشمي علوي

فلم يزل يقاتل حتى ضجَّ أهل الكوفة لكثرة من قتل منهم... ثم رجع إلى أبيه، وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: ((يا أبة، العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوّى بها على الأعداء؟)) فبكى الحسين (ع)، وقال: ((يا بني، عزَّ على محمّد، وعلى علي، وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك، وتستغيث بهم فلا يغيثونك، يا بني هات لسانك))، فأخذ لسانه، فمصه، ودفع إليه خاتمه، وقال: ((خذ هذا الخاتم في فيك، وارجع إلى قتال عدوك، فإنّي أرجو أن لا تمسي حتى يسقيكَ جدُّك بكأسه الأوفى شربةً لا تظمأ بعدها أبداً))، فرجع عليُّ بن الحسين إلى القتال وحمل وهو يقول:
الحرب قد بانت لها حقائق***وظهرت من بعدها مصادق
والله رب العرش لا نفارق***جموعكم أو تغمد البوارق

ولما احتوشه الناس وقطعوه بأسيافهم إرباً إرباً، نادى بأعلى صوته: ((يا أبتاه! هذا جدّي رسول الله (ص) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً...))، فصاح الحسين (ع): ((قتل الله قوماً قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله، وعلى انتهاك حرمة رسول الله (ص)؟! على الدنيا بعدك العفا))(17).
أما أنت فقد استرحت من همّ الدنيا وغمّها، وبقي أبوك لهمِّها، وما أروع ما قاله الإمام كاشف الغطاء (رحمه الله) في وصف هذا المشهد المروع(18): [من الطويل]
بني على الدنيا العفا مذ تركتها***ورحت إلى دار المنى والمنايح
فأمسيتَ ما بين النبي وفاطم***وأمسيتُ ما بين العدى والكواشح
كدحت إلى الرضوان لكن تركتني***وراءك في بؤس من العيش كادح
فلست لرزء بعد ذاك بواجد***ولا بنعيم عن لقاك بفادح


الهوامش:
(1) الكهف: 13-16 .
(2) الطريحي، مجمع البحرين: 1/325.
(3) ابن منظور، لسان العرب: 15/146 .
(4) الطبرسي، مجمع البيان: 6/700.
(5) الشيخ الصدوق، معاني الأخبار: 119.
(6) ثوب ممشّق: مصبوغ بالمشق، وهو طين أحمر يستعمل للصبغ .
(7) الأنبياء: 60 .
(8) معاني الأخبار: 119.
(9) ثقافة الدعوة الإسلامية: 4/121.
(10) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/53 .
(11) الأنعام: 104 .
(12) الطبرسي، مجمع البيان: 6/700.
(13) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 9/112، وتاريخ الطبري: 4/511-512، باختلاف طفيف.
(14) الخوارزمي، مقتل الحسين (ع): 2/34 .
(15) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 44/379-380 .
(16) آل عمران: 33-34 .
(17) الخوارزمي، مقتل الحسين (ع): 2/34-36.
(18) الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، شهادة الإمام الحسين (ع): 239 .

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب للشيخ جميل الربيعي، الفصل السادس
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com