موقع الصراط ... الموضوع : الدعوة إلى الحوار
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الدعوة إلى الحوار  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 17 / محرم / 1437 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
الشيخ جميل الربيعي ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون))(1)
ترسم لنا الآية الكريمة منهجاً متكاملاً في الحوار مع أهل الكتاب، وتوضح الأسلوب الهادئ الرزين لإيقافهم على الحقيقة وبيانها لهم، وسد الأبواب عن اللعب بالألفاظ الخداعة التي توهم البسطاء، فهي (تطرح مع أهل الكتاب فكرة اللقاء على قاعدة مشتركة، لنتمكن من خلال ذلك من اكتشاف وجود لغة، وقناعات مشتركة، ومشاعر قريبة إلى بعضها البعض)(2) بدون تشنجٍ، ولا انفعالٍ، ولا تحدٍ ؛ لأجل الإفحام والإسقاط، وتعطي المؤمن قوة ثبات أمام الحالات السلبية، وتتجنب نقاط الخلاف معهم أولاً، وكأنَّها تركز قاعدة الانطلاق لغزو القلوب، ثم تبدأ عملية التطهير الداخلي؛ لتغرس فيها بذور الفكر السليم.
ونستلهم من الآية عدة مفاهيمٍ، وآدابٍِ للحوار، ومنها:
1- إنَّ الآية الكريمة تأمر رسول الله (ص) أن يخاطبهم بأحبِّ الألفاظ إلى نفوسهم؛ ولذا تخاطبهم ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ)) (وهذا الاسم من أحسن الأسماء، وأكمل الألقاب حيث جعلهم أهلاً لكتاب الله)(3) وهو من باب الإشعار بالاهتمام، والتقدير، وتلك خطوة مهمة عندما يريد المؤمن أن يشد الآخرين إلى مبدئه، وعقيدته حيث يشعرهم بأنَّ لهم مكاناً وأهمية في قلبه.
2- إنَّ الداعية إلى الله يشعر الآخرين، بأنَّه معهم سواء في الحقوق، والواجبات، وذلك ما يلوح لنا من قوله تعالى: ((تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)) (والسواء: هو العدل والإنصاف، وذلك لأنَّ حقيقةَ الإنصاف إعطاءُ النصف، فإنَّ الواجب في العقول ترك الظلم على النفس, وعلى الغير، وذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف، فإذا أنصف, وترك ظلمه، أعطاه النصف، فقد سوى بين نفسه وبين غيره، وحصل الاعتدال، وإذا ظلم وأخذ أكثر مما أعطى، زال الاعتدال، فلما كان من لوازم العدل، والإنصاف التسوية، جعل لفظ التسوية عبارة عن العدل)(4)
3- وبعد هذا يدعوهم إلى ثلاثة أمور كلها توحيد خالص لله تعالى، وهي:
أ- أن لا يشرك الجميع بالله تعالى.
ب- أن لا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً.
ج- أن لا يعبد الجميع أحداً إلا الله.
وفي هذه المطالب الثلاثة تثبت أهم قواعد التوحيد، قال الإمام الرازي: (وإنما ذكر هذه الثلاثة لأنَّ النصارى جمعوا بين هذه الثلاثة، فيعبدون غير الله وهو المسيح، ويشركون به غيره، وذلك لأنَّهم يقولون إنَّه ثلاثة: أب وابن وروح القدس، فأثبتوا ذوات ثلاثة قديمة سواء)(5)
4- والأمر الرابع الذي تشير إليه الآية الكريمة، وهي كيفية المواجهة معهم عند إصرارهم وعنادهم على الضلال، (وذلك بالإعلان عن الموقف الحق، الذي يحملهم المسؤولية من خلال تحميلهم مسؤولية الشهادة أمام الله... وعدم الانهزام أمام الحالات السلبية)(6)
ثم توضح الآية آداباً أخرى للحوار مع المخالفين لنا تتجلى في النقاط التالية:
1- في باب الحوار والمناقشة حول أيِّ مسألة من المسائل، ينبغي أن نبدأ من نقطة الوفاق، ونتجنب نقاط الاختلاف؛ لأنَّ نقاط الاختلاف تثير التشنج، والاشمئزاز في النفوس، وتخلق جواً متوتراً، يجعل البعض لا ينفتح على البعض الآخر.
2- إنَّ الآية تشير إلى أنَّ مورد المناقشة هي المفاهيم والأفكار، والعقائد؛ لأنَّها المنطلق، وفي خلافه تؤدي إلى الازدواجية والاثنينية.
3- لا تكون المناقشة في الأساليب إذا كانت شرعية مهما اختلفت، فهي تنحو منحى التكامل، لا التضاد، وبعضها يكمل البعض الآخر.
والأساليب هي نحو وضوح للسالك لها؛ ولذلك تتخذ من قبل الفرد لا من قبل الشريعة؛ لذلك يجب أن لا نطعن في أساليب الآخرين إذا لم تكن فيها مخالفة شرعية، وإنما علينا أن نبين ضعف تلك الأساليب، ونطرح البديل لها.
4- إنَّ الذين ينطلقون من نقاط الوفاق، يدل انطلاقهم على وعي كامل للمسؤولية، وإحساسٍ أمام الله تعالى في خدمة الإسلام، وبالعكس من ينطلق من نقاط الاختلاف يحاول أن يخلق الحواجز بين النفوس، ويثير البعض ضد البعض الآخر.
ولابد أن يحدد المحاور أهداف حواره، وأن تكون مبنيةً على أسس منطقية، وعقلية لنصرة رسالة الله سبحانه وتعالى، ولعل من أهم أهداف الحوار هي الدعوة إلى الله، وأعني بذلك دعوة الآخرين إلى الله سواء كانت دعوة الكافرين إلى الإسلام، أو المنحرفين عنه، أو الجاهلين به لغرض هدايتهم ، وإنقاذهم من الكفر، والجهل، والضلال، وإقامة الحجة على الخصم وإبراء الذمة أمام الله عز وجل.
ومن الأهداف الرئيسية في الحوار: الوصول إلى الحق، وترجيح الرأي الصالح من خلال الآراء التي تطرح، وتضييق هوة الخلاف، وتأليف القلوب وتقريب وجهات النظر.
ومن أهم غايات الحوار: بيان الأفكار الباطلة، والرؤى الفاسدة التي يتبناها خصوم الإسلام، والرد على الشبهات، والطعون الموجهة ضده، وإثبات الحق؛ لإقامة الحجة على المخالف، ولكشف الباطل على حقيقته؛ لتحذير الآخرين منه، ولتستبين طرق الضلال؛ لئلا يسقط الآخرون في بؤرها، يقول تعالى: ((وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين))(7)

من قواعد الحوار:
ينطلق المؤمن في كل خطوة من خطواته، لنصرة الحق طالباً وجه الله، متجرداً عما سواه، ومن هنا لابد للمحاور أن يجرد نيته لله، ويطرح أفكاره نصرة لدين الله كما في قوله تعالى: ((أن تقوموا لله)) (8) وهو الإخلاص والتجرد لإثبات الحقيقة، وطلب الحق، وهذا الشرط أساس مركزي في الحوار، فما لم يكن المحاور واضعاً قلبه على لسانه لا يمكن أن يؤثر في المقابل، فالقول الصادر لله تعالى من القلب يقع في القلب، ولا شك أنَّ العملَ يفسد بدون الإخلاص، ولا يوفق صاحبه فعندما يغيب الإخلاص ينعدم الانقياد إلى الحق، ولو كان مثل فلق الصباح ، وتحت هذا الأصل تدخل عدداً من الآداب كسلامة النية، وحسن الاستماع، والتسليم بالخطأ , والتواضع والرجوع إلى الحق, والالتزام بالأمانة العلمية,والعدل، والأنصاف، وتجنب الكذب، والمراوغة، والخداع , والسخرية، والهزأ بالطرف الآخر، وضبط الأعصاب، والهدوء ، وتلك آداب أساسية في أدب الحوار .
ومن القواعد المهمة في أدب الحوار مراجعة النفس، ومحاسبتها سواء كان على انفراد أو مع الآخرين، ((مثنى وفرادى)) ، والالتزام بهذا الشرط من العوامل المهمة التي تحفظ الإنسان من الوقوع في خداع القول، أو التعصب أو التلاعب بالألفاظ، أو تشويه وجهة نظر الآخرين، كما تحفظه من الأطروحات الساذجة، والأفكار السقيمة، وتبعده عن الغوغائية، والتقليد الأعمى.
ومن القواعد الأساسية في الحوار فهم رأي الطرف المخالف، والتأمل في أفكاره، وموازنتها مع القواعد العقلية والشرعية؛ لغرض إثبات الأدلة الشرعية، والعلمية، والتحقق من سلامتها، وتحت هذا الأصل تدخل جملة من الآداب العلمية كالبيان السليم، والعرض الرصين، والتثبت، والتوثق من سلامة الفكرة، وطلب الدليل الشرعي، والتسليم بالحق، والبدء بالأهم، وغير ذلك.

ملاحظات مهمة في أدب الحوار:
ينبغي للمحاور أن يتأمل جيداً في أحوال المخاطبين النفسية، والفكرية، والثقافية، ومراعاة ظروفهم، ومستوى ما يمكن أن يتحملوه من الأفكار ؛ لئلا يشق، ويثقل عليهم ما يطرحه من فكرة قد تلاقي رفضاً منهم.
كما ينبغي للمحاور أن لا تستبد به الحماسة، والاندفاع، والغيرة على الدين، فيندفع اندفاعاً ساخنا غير منضبط يتجاوز فيه اللياقات الأدبية ، ولذا عليه أن يتحكم في أعصابه، ليزن كلماته، فلا يطلق الكلمة قبل أن يتأمل فيها جيدا، وفي أثناء ذلك يلاحظ تأثير كلماته في وجوه المستمعين؛ ليعرف درجة القبول، والرفض، ومن هنا يجب تجنب الكلمات الخشنة، بل يجب أن يتسم الكلام بالحُسن، واللين فمن لانَ كلامه كثفت أغصانه، ولذا أمر الله عز وجل كليمه موسى (ع) أن يطرح الكلام اللين مع أعتا فراعنة الزمان في وقته: ((اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى))(9) وقد من الله عز وجل على نبيه الأطهر (ص) برحمته حين أفاض عليه من لطفه، فجعله رفيقاً في سلوكه، ليناً في كلامه ((فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين))(10)
ومن القول الحسن في الحوار تجنب التحامل على المخالف، لأنَّ ذلك يزده عناداً، وتعصباً، ولذا ينبغي الضرب على الأوتار الحساسة؛ لإثارة العواطف النبيلة في قلب المخالف؛ لأنَّ من يفتح القلوب يستطيع أن يوجه العقول، ومن هذا المنطلق ينبغي أن لا يركز الداعية المحاور على الأخطاء التي قد تقع عن جهلٍ، وحسن نية، فإنَّ الرفق، والموعظة كثيراً ما يهدي القلوب النافرة، ويؤلف بينها بعكس الزجر، والتأنيب، والتوبيخ التي تغلقها.
وأخيراً يجب على المحاور أن لا يكون هدفه الغلبة في الجدال، وإفحام المقابل بل عليه أن يجعل الإقناع، والوصول إلى الحق هو الغاية الأساسية من الحوار، ولا يقصد بذلك إلا كشف الحقيقة والاهتداء إليها في سبيل الله لا في سبيل ذاته، ونصرة رأيه، واهزام مخالفه.

الهوامش:
(1) آل عمران: 64.
(2) آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله، من وحي القرآن: 6/78.
(3) الرازي، التفسير الكبير: 8/91.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه: 8/91.
(6) من وحي القرآن: 6/80 .
(7) سورة الأنعام: 55 .
(8) سورة سبأ: 46 .
(9) طه: 43-44 .
(10) آل عمران: 159 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com