موقع الصراط ... الموضوع : من تاريخ النفاق والارتداد-4-
 
الأحد - 28 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من تاريخ النفاق والارتداد-4-  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 22 / محرم / 1437 هـ
     
  بقلم العلامة السيد مرتضى العسكري
hilfee المنافقون في غزوة تبوك(1):
في السنة التاسعة من الهجرة أمر النبي أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمن عسرة وجدب، وشدة من الحر، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على ما هم عليه، وكان رسول الله (ص) قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وورى بغيرها إلا ما كان في غزو تبوك، فإنه أعلم الناس مقصدهم لبعد الطريق وشدة الحر، وقوة العدو؛ ليتأهبوا لذلك فتجهزوا على كره، وقال رسول الله (ص) للجد بن قيس أحد بني سلمة، وكان من رؤساء المنافقين: (يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر(2))، فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتنني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجباً بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله (ص)، وقال: (قد أذنت لك)، ونزلت فيه: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)(3) أي سقطوا بالفتنة لتخلفهم عن رسول الله (ص).
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر، فأنزل الله فيهم: (وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون) الآية (4).
وجاءه المعذرون من الأعراب يعتذرون إليه فأذن لهم أن يتخلفوا عنه وضرب عبد الله بن أبي عسكره أسفل من رسول الله، فلما سار رسول الله تخلف عنه عبد الله بن أبي في من تخلف من المنافقين وأهل الريب.
وأشار رهط من المنافقين إلى رسول الله، وقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً، والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال، وقال رسول الله لعمار: أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا، فلما قال لهم عمار ذلك أتوا رسول الله يعتذرون إليه، فقالوا: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب وخافوا أن تنزل فيهم آية فنزلت فيه:
(يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون، ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعفُ عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض...) الآيات(5).
وضلت ناقة رسول الله في بعض الطريق، فخرج أصحابه في طلبه، فقال رسول الله لأصحابه وفيهم عمارة بن حزم(6): إن رجلاً قال إن محمداً يخبركم الخبر من السماء، وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي في شعب كذا قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا فأتوه بها، فرجع عمارة إلى رحله، فأخبرهم بحديث رسول الله وكان المنافق زيد بن اللصيت من يهود بني قينقاع قد قال هذه المقالة في رحل عمارة، فأخبر عمارة بأن زيداً هو هو الذي قالها، فقالم عمارة يطأ عنقه وهو يقول: في خيمتي داهية ولا أدري، أخرج عني يا عدو الله(7).

قصة العقبة:
ولما قفل رسول الله (ص) راجعاً إلى المدينة مكر به أناس من المنافقين وائتمروا به أن يطرحوه من عقبة (هرشي)(8) فلما بلغها أمر منادياً فنادى: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، وأمرهم أن يسلكوا بطن الوادي، وأمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة يقودها، وأمر حذيفة أن يسوق خلفه، فبينا رسول الله (ص) يسير في العقبة إذ سمع حس القوم قد غشوه، فغضب، وأمر حذيفة أن يردهم، فرجع إليهم، فجعل يضرب وجوه رواحلهم فانحطوا مسرعين حتى خالطوا الناس، فقال لحذيفة: هل عرفت أحداً من الركب الذين ردتتهم، قال: يا رسول الله، عرفت راحلة فلان وفلان...
فلما أصبح قال لأسيد بن حضير: أتدري ما أراد البارحة المنافقون وما هموا به؟ إذا أظلم الليل قطعوا أنساع راحلتي ونخسوها حتى يطرحوني عن راحلتي، فقال له أسيد: يا رسول الله، قد اجتمع الناس ونزلوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي هم بهذا فيكون الرجل الذي يقتله من عشيرته، فإن مثل هؤلاء لا يتركون حتى متى نداهنهم، وقد صاروا اليوم في القلة والذلة وضرب الإسلام بجرانه، قال: إني أكره أن يقول الناس: إن محمداً لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه، فقال: يا رسول الله وهؤلاء ليسوا بأصحابك، قال: أوليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: بلى ولا شهادة لهم، قال: فقد نهيت عن قتل أولئك.
ومرض عبد الله بن بي بعد تبوك، ومات فجاء ابنه إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وأصلي عليه وأستغفر له، فأعطاه قميصه فلما فرغ منه آذن به النبي فجاء ليصلي عليه فجذبه عمر، وقال: أتصلي عليه وقد فعل كذا وكذا يعدد أيامه، فلما ألح على النبي قال له: (يا عمر، تأخر عني، إني قد خيرت فاخترت قد قيل لي استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت.
ثم صلى عليه النبي ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه ثم نزلت: (ولا تصلي على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره، إنهم قوم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون)(9) الآية 84 من سورة التوبة.
مرتضى العسكري

الهوامش:
(1) تبوك: موضع بين الشام والمدينة وتبوك اثنتي عشر مرحلة. ياقوت.
(2) بنو الأصفر ملوك الروم أو الروم.
(3) التوبة 9/49 .
(4) التوبة 9/81-82 .
(5) سورة التوبة 9/61-68 .
(6) أنصاري خزرجي عقبي استشهد باليمامة، اسد الغابة: 4/48 .
(7) سيرة ابن هشام 4/169-184، وطبقات ابن سعد /165-168، وعيون الأثر 215—220، والطبري ، والبحار 6/794-814، وابن الأثير 2/106-108 ح.
(8) تسمية العقبة بهرشي في البحار 8/22 نقلاً عن إرشاد القلوب، وهرشي هضبة على ملتقى طريق الشام وطريق المدينة إلى مكة. ياقوت.
رواها أحمد في مسنده ج5/453، وأوردها ملخصة من إمتاع ص 477-478، وراجع البحار 6/618 و 627 .
(9) سيرة ابن هشام 4/210-11 / والبخاري كتاب اللباس باب لبس القميص ج4/18، وج3/92، وج1/165، ومسند أحمد ج1/15، وجص/18، وسنن ابن ماجة كتاب الجنائز باب الصلاة على أهل القبلة الحديث 1523، والبحار 6/621 و694، و8/207 و 235 و282، وفي بعضها: إن رسول الله أفهمه أنه كان يدعو عليه ويلعنه.

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد التاسع عشر
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com