موقع الصراط ... الموضوع : العالم بلا عمل
 
الخميس - 24 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العالم بلا عمل  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 0 / صفر / 1437 هـ
     
  بقلم: آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
sheraze مما لا شك فيه أن لطلب العلم تبعات ومسؤوليات عديدة، ولكن مع كثرة هذه التبعات فإنها لا تساوي شيئاً أمام بركاته.
وأشد ما يخيف الإنسان ويقلقه أن يتحمّل مصاعب طلب العلم، ويعاني في سبيل ذلك الأمرّين دون أن يحصد بركاته، وعندها سيكون مثل هذا الإنسان كمثل الحمار الذي يحمل أسفاراً على ظهره لا يعلم منها شيئاً.
وقد شبّه العالم بلا عمل في بعض الأمثال بأنه (كالشجر بلا ثمر) أو (كالسحاب بلا مطر) أو (كالشمعة التي تحرق نفسها لتضيء أطرافها ولكنها تفنى وتزول) أو (كالحيوان الذي يدير الطاحونة فإنه يمشي ساعات طويلة دون أن يقطع أيّة مسافة بل يبقى دائماً يدور حول نفسه)، وما إلى ذلك من التشبيهات التي يوضّح كلّ واحد منها جانباً من جوانب النقص حينما لا يُقرن العلم بالعمل.

العالم بلا عمل في كلام المعصوم:
وقد حملت الروايات بشدة على مثل هؤلاء العلماء الذين لا يعملون بما يعلمون.
1- ففي رواية عن الرسول (ص) أنه قال: (من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً)(1).
2- وعن أمير المؤمنين علي (ع) أنه قال: (العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه)(2).
3- وفي رواية أخرى عن رسول الله (ص) يعتبر العالم الذي لا يعمل بوجب علمه غير جدير بهذا اللقب حيث يقول: (لا يكون المرء عالماً حتى يكون بعلمه عاملاً)(3).
4- وليس أفضل من العالم الذي يعمل بعلمه دون أن يستفيد من مزايا العلم ذاتياً ومادياً، فقد ورد عن أمير المؤمنين في خطبة له على المنبر: (أيها الناس إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون، إن العالم العامل بغيره، كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم والحسرة أدوم)(4).

حينما يصبح الذئب راعياً:
ومثل هؤلاء العلماء سيكونون بلاءً على المجتمع ووبالاً عليه، وسينتهي المجتمع الذي علماؤه من هذا القبيل إلى مصير خطير.
يقول الشاعر:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها***فكيف إذا الرعاة لها ذئاب!
5- ونقرأ عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: (يعني بالعلماء من صدق فعله قوله، ومن لم يصدق فعله قوله فليس بعالم)(5).
منهج الدعاة إلى الله يقوم على أساس العمل أولاً ثم القول، فالداعية إلى الله يبلّغ بعمله قبل قوله.
6- في الحديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع): (كونوا دعاة الناس بأعمالكم ولا تكونوا دعاة بألسنتكم)(6).
التأثير العميق للدعوة العملية يأتي من قدرة مثل هذه الدعوة على فتح منافذ قلب السامع، فالسامع يثق بما يقوله الداعية العامل، ويرى أن هذا الداعية مؤمن بما يقول وأن ما يقوله صادر عن القلب، والكلام الصادر عن القلب ينفذ إلى القلب، وأفضل دليل على إيمان القائل بما يقوله هو العمل بقوله قبل غيره، كما يقول علي (ع):
7- (أيها الناس إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها)(7).
8- في حديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع): (من أشد الناس عذاباً يوم القيامة من وصف عدلاً وعمل بغيره)(8).

صلاح وفساد الأمة:
قال النبي (ص): (صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي، وإذا فسدا فسدت أمتي، فقيل: يا رسول الله، من هما؟ قال: الفقهاء والأمراء).
وذكر المحدث القمي في (سفينة البحار) حديثاً بعد نقله لهذا الحديث مروياً عن رسول الله (ص) أنه قال: (تكلم النار يوم القيامة ثلاثة: أميراً، وقارئاً، وذا ثروة من المال، فتقول للأمير: يا من وهب الله له سلطاناً فلم يعدل، فتزدرده كما تزدرد الطير حب السمسم، وتقول للقارئ: يا من تزين للناس وبارز الله بالمعاصي، فتزدرده، وتقول للغني: يا من وهي الله له دنيا كثيرة واسعة فيضاً وسأله الحقير اليسير قرضاً، فأبى إلا بخلاً، فتزدرده)(9).

إذا صار العالم في خدمة الجبابرة:
إن الخطر الأكيد الذي يهدد المجتمعات الإنسانية هو خطر المثقفين والعلماء الذين يسخرون معارفهم للفراعنة والجبارين لأجل أهوائهم وميولهم الدنيوية (والإخلاد إلى الأرض) ويضعون كل طاقاتهم الفكرية في سبيل الطاغوت الذي يعمل ما في وسعه لاستغلال مثل هذه الشخصيات لإغفال وإضلال عامة الناس.
بعد عصر النبي الكريم (ص) إلى يومنا هذا نجد أمثال بلعم بن باعوراء وأبي عامر الراهب وأمية بن الصلت، يضعون علومهم ومعارفهم ونفوذهم الاجتماعي من أجل الدرهم والدينار أو المقام، أو لأجل الحسد، تحت اختيار المنافقين، وأعداء الحق والفراعنة أمثال بني أمية وبني العباس وسائر الطواغيت.
ويمكن معرفة أولئك العلماء من خلال أوصاف أشارت إليها الآيات القرآنية، فإنهم ممن نسي ربه واتبع هواه، وهم ذوو نزوات سخروها للرذيلة بدل التوجه نحو الله وخدمة خلقه، وبسبب هذا التسافل فقدوا كل شيء ووقعوا تحت سلطة الشيطان ووساوسه، فسهل بيعهم وشراؤهم، وهم كالكلاب المسعورة التي لا ترتوي أبداً، ولهذه الأمور ترك هؤلاء سبيل الحقيقة وضلوا عن الطريق حتى غدوا أئمة الضلال.
ويجب على المؤمنين معرفة مثل هؤلاء الأشخاص والحذر منهم واجتنابهم.

الهوامش:
(1) المحجة البيضاء: 1/125-126 .
(2) نهج البلاغة، الكلمات القصار (366).
(3) أصول الكافي، ج1، باب استعمال العلم، حديث 226.
(4) أصول الكافي: ج1، باب استعمال العلم، الحديث 6.
(5) أصول الكافي، ج1 (باب صفة العلماء/حديث رقم 2).
(6) سفينة البحار، مادة (عمل).
(7) نهج البلاغة، الخطبة 175.
(8) تفسير نور الثقلين: 1/64 .
(9) سفينة البحار مادة (أمر).

المصدر: كتاب الكشكول الأخلاقي لآية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com