موقع الصراط ... الموضوع : من معالم شخصية الحسين (ع)
 
الإثنين - 28 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من معالم شخصية الحسين (ع)  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 1 / صفر / 1437 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
jameel لا شكَّ أنَّ جميع معالم الكمال قد تجسَّدت في رسول الله (ص) وأهل بيته (ع)؛ فحينما يتأمل الإنسان في شخصيّته يجدها في ذروة الكمال من جميع أبعادها الفكرية، والروحية، والأخلاقية، والاجتماعية... ولا عجب في ذلك؛ فقد اصطفاهم الله لنفسه، واستخلصهم لدينه، ((إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))(1).
ولكن مما يؤسف له أنّنا في مجالسنا ومحافلنا نركّز على الجانب المأساوي من حياتهم، لا سيما حياة الإمام الحسين (ع)، تلك الشخصية ذات الأبعاد الكثيرة، والصفات الحسنة الغزيرة بالحسن، والجمال، والكمال... والأحرى بنا أن نعي الأبعاد الأخرى كغزارة العلم، وسمو الأخلاق، وقوّة الإرادة، والعزم، والتصميم، وروح التحدّي للظلم، والهدفية السامية في الحياة.
ولنقف قليلاً عند بعض الخصال التي تحلّى بها الحسين (ع)، وبرزت في شخصيته، فكان إسلاماً يتحرّك على الأرض ويجسّده.

1- إيمانه وثقته بالله تعالى: ومن هذا المَعْلَم تفرَّعت كلّ المعالم في شخصية الحسين (ع)، فما ظهر عليه من سموّ خلقي، وصلابة في الحق، وصمود في المواقف الحرجة ما هي إلا إفراز من إفرازات الإيمان بالله تعالى، والحب له، والتفاني في سبيله... وكان يؤكّد هذا المعنى قولاً وفعلاً، فقد روي عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: ((خرج الحسين بن علي (ع) على أصحابه، فقال: أيها الناس، إنّ الله جلّ ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه))(2).
وهي دعوة لتعميق المعرفة العقائدية، وترسيخ الإيمان بالله تعالى في النفوس؛ لأنّ الإيمان هو الحياة الحقيقية؛ ولهذا نراه وهو في أشدّ المواقف حراجة وضيقاً حيث حشود العساكر تزحف عليه يرفع طرفه إلى السماء، وهو يقول:
((اللهُمَّ، أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذُلُ فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلتُه بك، وشكوتُه إليك، رغبةً مني إليك عمّن سواك، ففرّجته وكشفته، وأنت وليّ كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كل رغبة))(3).
ونحن حيث نتأمّل في هذا الدعاء نجد فيه الذوبان الكامل، والفناء المتناهي في الإيمان بالله وحبّه، وأكثر من ذلك حين يهوي على الأرض مضرّجاً بدمائه، رافعاً طرفه إلى السماء، مناجياً ربَّه:
((صبراً على قضائك يا رب، لا إله سواك، يا غياث المستغيثين، ما لي رب سواك، ولا معبود غيرك، صبراً على حكمك، يا غياث من لا غياث له))(4).
ولم يعرف التأريخ شخصاً يذبح ولده على صدره، ويبقى صامداً لا ينهار، ويبقى متماسكاً، ويملأ كفَّه من دم وليده، ويرميها إلى السماء قائلاً: ((هَوَّنَ ما نزل بي أنّه بعين الله تعالى، اللهُمَّ لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح))(5).
وحين يخترق السهم المسموم حلقه الشريف نراه قائلاً: ((بسم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا قتيل في رضى الله))(6).
والمتأمّل في دعائه (ع) في يوم عرفة يجد أبعاد الإيمان متجسّدة كلّها في هذا الأثر الشريف، ولا سيما في بعض المقاطع، ننقل بعضها تبرّكاً: ((ماذا وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك، لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغي عنك حولاً))(7).
ولقد ذهب بعض المفكرين بأنّ مفتاح شخصية الحسين (ع) تتبلور في حسّ الحماس والحسّ الملحمي في عظمته، وشدّة بأسه، وصموده، وتقديسه، وقد نسي أنّ الحماس هو إفراز من إفرازات الإيمان، فالإيمان بالله والحب لله هو مفتاح شخصية الحسين (ع) الذي كان يقول: ((عميت عينٌ لا تراك عليها رقيباً)).
فكلّ خطوةٍ خطاها، وكلّ نفس تنفسه، وكلّ كلمةٍ نطق بها، وكلّ ضربة سيفٍ وطعنة رمحٍ تلقّاها، وكلّ استغاثةٍ استغاث بها كانت لله خالصة... لذلك كان لحركته هذه البركة، ولكلماته هذه الحرارة، ولثورته هذه الديمومة... وهكذا ما كان لله ينمو...

2- قوّة الإرادة: لقد واجه سيد الأحرار (ع) في حركته مقاومة من جميع الناس إلا أصحابه والمشفقين عليه كعبد الله بن عباس، ومحمد بن الحنفية، وأم سلمة وغيرهم من الذين وقفوا ناصحين مشفقين، باكين ونادبين، وبين التهديد من الأعداء، والإنذار بالخطر المحدق به مع قلّة الأنصار، وتراجع كثيرين من الذين التحقوا به... ولكن رغم ذلك كله لم يلتوِ، ولم يثنِ من عزمه، ولو قيد أنملة، وكان يجيب كل واحد منهم بمقدار ما يفهم ويعي... وسار متحدّياً يواجه دولة تسيطر على أكثر بقاع الأرض... وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلّ على إرادة جبّارة، وعزيمة صلبة، والإرادة والعزيمة هي سرُّ الإنسان الرائد، والكادح إلى الله تعالى، فالإرادة الحسينية لا نظير لها في عالم الوجود إلا ما عرف من إرادة جدّه (ص) الذي قال لقريش:
((والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته))(8).
وإرادة أبيه (ع) القائل: ((واللهِ لو أُعْطيتُ الأقاليمَ السَّبْعَةَ بما تحتَ أفلاكِها، على أن أعصيَ اللهَ في نملةٍ أسلبها جلبَ شعيرةٍ ما فعلتُهُ))(9).
فعلى إرادة الحسين (ع) تحطّم جميع ما حيك من مؤامرات؛ لتحريف الإسلام، بل ولدفنه.

3- العزّة والإباء: لقد حطّم الحسين (ع) الرقم القياسي في إبائه وعزّته، فما عرفت البشرية بعد رسل الله رجلاً رفع شعار الكرامة الإنسانية، وأبى الخنوع والذلّ كالحسين (ع)، فإذا نظرنا إلى أباة الضيم في التأريخ لا بدّ وأن نضع الحسين (ع) في القمة، وما أجمل قول ابن أبي الحديد: ((سيّد أهل الإباء، الذي علّم الناس الحميّة، والموت تحت ظلال السيوف، اختياراً له على الدنيّة، أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)؛ عُرض عليه الأمان وأصحابه، فأنف من الذل، وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان؛ إن لم يقتله، فاختار الموت على ذلك.
وسمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلويّ البصريّ، يقول: كأنّ أبيات أبي تمام في محمّد بن حُميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين (ع): [من الطويل]
وقد كان فوت الموت سهلاً فَرَدَّهُ*** إليه الحفاظُ المرُّ والخلُقُ الوعرُ
ونفسٌ تعاف الضَّيمَ حتى كأنّه*** هو الكفرُ يوم الرَّوع أو دونَه الكفرُ
فأثبت في مستنقع الموت رجلَهُ*** وقال لها: من تحت أخمصك الحشرُ
تردّى ثيابَ الموت حُمراً فما أتى*** لها الليل إلا وهي من سُنْدُسٍ خُضْرُ))(10)

ولهذا وقف متحدّياً الدنيا بأسرها مصرّحاً بأن العزة والإباء فوق كلّ الاعتبارات مهما كان الثمن غالياً، فقد روي عن الإمام السجاد (ع) أن الحسين عرض عليه التسليم لابن زياد، فخطب قائلاً: ((ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت، وحجورٌ طهرت، وأنوف حميّة، ونفوس أبيّة: من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام))(11).
وقد علّق ابن أبي الحديد على قوله: ((وهذا نحو قول أبيه (ع): إنّ امرأ أمكن عدوّاً من نفسه، يعرق لحمه، ويفري جلده، ويهشم عظمه، لعظيمٌ عجزه، ضعيف ما ضُمّت عليه جوانح صدره؛ فكن أنت ذاك إن شئت؛ فأما أنا فدون أن أعطي ذلك ضربٌ بالمشرفيّة تطير منه فَراش الهام، وتطيح السواعد والأقدام))(12).
وأدقّ عبارة في بيان العزّة والإباء الحسيني ما نطق به صلوات الله عليه وسلامه متحدّياً به جيش ابن زياد قائلاً: ((لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد... يا عبادَ الله، إنّي عذت بربّي وربّكم أن ترجمون، أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب))(13).
والإباء الحسيني إباء لله وفي الله، فهو ليس من جنس الأباة الآخرين الذين يخشون الذلّ على أنفسهم، أما الحسين (ع) فيخشى أن يذلّ عباد الله الذي فيه توهين لدين الله، ومضى أبي الضيم لله وفي الله، ورحم الله السيد الحلي إذ يقول(14): [من الطويل]
لقد مات لكن ميتة هاشمية*** لهم عرفت تحت القنا المتقصّدِ
كريم أبى شمَّ الدنيَّة أنفُه*** فأشممه شوك الوشيج المسدّدِ
وقال: قفي يا نفسُ وقفةَ وارد*** حياض الردى لا وقفة المتردّدِ
فآثر أن يسعى على جمرة الوغى***برجل ولا يعطي المقادة عن يد

4- الحلم: والحلم من المعالم البارزة في شخصية الحسين (ع) ومن أبرز خصائصه، ومما روي عن عصام بن المصطلق أنّه قال: ((دخلت المدينة، فرأيت الحسين بن علي (ع)، فأعجبني سمته ورواؤه، وأثار من الحسد ما كان يخفيه صدري لأبيه من البغض، فقلت له: أنت ابن أبي تراب؟ فقال: نعم، فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إليَّ نظرة عاطف رؤوف، ثم قال: ((أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ)) ، ثم قال لي: خفّضْ عليك، استغفر الله لي ولك، إنّك لو استعنتنا لأعنّاك، ولو استرفدتنا لرفدناك، ولو استرشدتنا لرشدناك)).
قال عصام: ((فتوسّم مني الندم على ما فرط مني، فقال: ((قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ))(16)، أمن أهل الشام أنت؟ قلت: نعم، فقال: ((شِنْشِنَةٌ أعرفُها من أخزم))(17)، حيانا الله وإيّاك، انبسط إلينا في حوائجك، وما يعرض لك تجدني عند أفضل ظنّك إن شاء الله تعالى)).
قال عصام: ((فضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، ووددت لو ساخت بي، ثم سللت منه لواذاً، وما على الأرض أحب إليَّ منه ومن أبيه))(18).
وهنا سرّ العظمة في الخلق الإلهي - الذي تجلّى في الحسين (ع) - حيث استطاع أن يقلب العداوة إلى محبة، ويكشف عن معدن الرسالة، ويجسّد له الخلق الإلهي بكلّ أبعاده، فكان بحقّ مصداقاً لقوله تعالى: ((وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ))(19).

5- كثرة عبادته، وشدّة تقواه: من أبرز صفات أهل بيت العصمة (ع) بعد الإيمان هو الجانب العبادي؛ فما من حركةٍ، ولا سكنةٍ في حياتهم إلا بقصد العبادة والطاعة لله تعالى، بتجردٍ، وإخلاصٍ لا تشوبه شائبة، والدليل على ذلك أنّ أغلب الآيات التي نزلت في أهل البيت (ع) بدأت بأدوات الحصر كـ(إنما)، ودلالتها أنّ أعمالهم كلّها خالصة مجردة لله تعالى.
وقد عرف عن الحسين (ع) أنّه كان أعبد أهل زمانه، يقول المؤرخون: إنّه عمل كلّ ما يقربه إلى الله، فكان كثير الصلاة، والصوم، والحجّ، والصدقة، وأفعال الخير جميعها، فكان أكثر أوقاته مشغولاً بالصلاة، وقد قيل لولده علي بن الحسين (ع): ((ما أقلّ ولد أبيك!))، فقال (ع): ((العجب كيف وُلِدْتُ له، وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء؟! وحجَّ خمساً وعشرين حجةً راجلاً))(20).
وأروع صور العبادة ما تجلّى من الحسين (ع) وأصحابه في ليلة العاشر من المحرّم، فكان لهم دوي كدوي النحل بين قارئ للقرآن، وبين راكع وساجد، وأروع من ذلك أنّه أقام الصلاة في ميدان المعركة حتى استشهد بعض أصحابه الذين كانوا يصدّون السهام عنه بصدورهم، وكان سلام الله عليه شديد الخوف من الله تعالى، فقد قيل له: ((ما أعظم خوفك من ربك؟)) فقال (ع): ((لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف الله في الدنيا))(21).
وقد شهد له بذلك حتى مخالفوه، فقد تحدّث ابن الزبير عن عبادة الإمام (ع) قائلاً: ((أما والله لقد قتلوه، طويلاً بالليل قيامه، كثيراً في النهار صيامه))(22).
وكان صلوات الله عليه يؤكد أنّ: ((من عبد الله حقَّ عبادته آتاه الله فوق أمانيه وكفايته))(23).
وعبادة الحسين (ع) كانت عبادة الأحرار الذين يعبدون الله شكراً، ويطلبون رضاه دون سواه، فقد كتب إليه (ع) رجلٌ: ((يا سيّدي، أخبرني بخير الدنيا والآخرة))، فكتب إليه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد؛ فإنّه من طلب رضا الله بسخط النّاس كفاه الله أمور النّاس، ومن طلب رضا النّاس بسخط الله وكله الله إلى النّاس، والسّلام))(24).

6- السموّ العلمي: لقد أجمع المؤرخون، وعلماء السير أنّ أهل البيت (ع) أعلم الناس بعد جدِّهم رسول الله (ص)، والحسين (ع) قد نهل من أصفى منابع العلم من مهبط الوحي على جدّه (ص)، وأبيه أمير المؤمنين (ع) باب مدينة علم رسول الله (ص)، وتلقّى القرآن غضّاً طرياً؛ ولهذا جاء في الخبر عن رسول الله (ص) أنّه قال في الحسين والحسين (ع): ((أنّهما كانا يغرّان العلم غرّاً))(25)، وقال ابن عباس: ((إنّه [الحسين (ع)] من أهل بيت النبوة، وهم ورثة العلم))(26).
ولذلك كان مرجع الناس في حلّ معضلاتهم العلمية، وكان المسلمون يرجعون إليه في مسائل الحلال والحرام، ويأخذون منه أحكام الإسلام، وآداب الشريعة كما كانوا يرجعون إلى أبيه(27)، وقد اتّخذ من مسجد رسول الله (ص) منطلقاً لنشر الإسلام، وكان له فيه مجلس واسع يتلقّى الناس منه فيوضات الوحي، فعن أبي سعيد الكلبي قال: ((قال معاوية لرجل من قريش: إذا دخلت مسجد رسول الله (ص)، فرأيت حلقة فيها قوم كأنَّ على رؤوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد الله مؤتزراً على أنصاف ساقيه ليس فيها من الهُزّيلا شيء))(28).
وقال عثمان بن عفان في الحسن والحسين (ع) وعبد الله بن جعفر: ((أولئك فطموا العلم فطماً، وحازوا الخير والحكمة))(29).
وكما وصفه يزيد بن مسعود النهشلي حين كتب إليه الحسين (ع) يستنصره: ((وهذا الحسين بن علي ابن بنت رسول الله (ص)، ذو الشرف الأصيل، والرأي الأثيل، له فضلٌ لا يوصف، وعلمٌ لا ينزف))(30).
وقد كان يدافع عن الإسلام، ويصون حرماته من كلّ مفترٍ كذاب، ومن ذلك موقفه من نافع بن الأزرق الذي تحدّى ابن عباس أثناء حديثه قائلاً: ((يا ابن عباس، صف لي إلهك الذي تعبده))، فأطرق ابن عباس طويلاً مستبطئاً بقوله، فقال له الحسين (ع): ((إليَّ يا ابن الأزرق، المتورّط في الضلالة، المرتكن في الجهالة أجيبك عما سألت عنه))، فقال: ((ما إيّاك سألت فتجيبني))، فقال له ابن عباس: ((مه عن ابن رسول الله (ص)؛ فإنّه من أهل بيت النبوة (ع) ومعه من معدن الحكمة))، فقال له: ((صف لي))، فقال (ع) له: ((أصفه بما وصف به نفسه، وأعرفه بما عرف به نفسه، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب غير ملتزق، وبعيد غير مقص، يوحد ولا يتبعض، لا إله إلا هو الكبير المتعال))، فبكى ابن الأزرق بكاءً شديداً، فقال له الحسين (ع): ((ما يبكيك؟))، قال: ((بكيت من حُسن وصفك))، قال (ع): ((يا ابن الأزرق، إنّي أخبرتُ أنَّكَ تكفّر أبي وأخي وتكفّرني؟)) قال له نافع: ((لئن قلت ذاك لقد كنتم الحكّام ومعالم الإسلام، فلما بدّلتم استبدلنا بكم))(31).
قال العلايلي: ((الأخبار عن الحسين (ع) في هذا الباب أكثر من أن تحصى، ولقد كان يجيء بالمدهشات في الفُتْيا، وما إليها من العلم، حتى قال فيه ابن عمر (ض): إنّه يغرُّ العلم غراً))(32).

الهوامش:
(1) آل عمران: 33-34.
(2) الشيخ الصدوق، علل الشرائع: 1/56.
(3) الشيخ المفيد، الإرشاد: 233.
(4) المقرم، مقتل الحسين (ع): 297.
(5) المصدر نفسه: 286.
(6) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: 4/120.
(7) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 98/226 .
(8) سيرة ابن هشام: 1/285 .
(9) نهج البلاغة: 374، خطبة: 223.
(10) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 3/249.
(11) السيد ابن طاووس، الملهوف على قتلى الطفوف: 156.
(12) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 3/250 .
(13) الشيخ المفيد، الإرشاد: 2/98.
(14) ديوان السيد حيدر الحلي: 1/71-72.
(15) الأعراف: 199-202.
(16) يوسف: 92.
(17) الشنشنة: الخليقة والطبيعة، وهو مثل يضرب للرجل يشبه أباه، ينظر: جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري: 1/459 .
(18) المحدث القمي، سفينة البحار: 2/705-706.
(19) ابن عبد ربه، العقد الفريد: 3/114.
(20) فصلت: 34.
(21) مناقب آل أبي طالب: 4/76.
(22) تاريخ الطبري: 5/475 .
(23) الريشهري، ميزان الحكمة: 6/2382، ح/11712 .
(24) الشيخ الصدوق، الأمالي: 151، وترتيب الأمالي للمحمودي: 6/563 .
(25) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: 9/367 .
(26) الشيخ الصدوق، التوحيد: 80 .
(27) ينظر: القرشي، حياة الإمام الحسين (ع): 1/135 وما بعدها.
(28) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: 41 /179، والهزيلي: المزاح والهذيان وعمل اللعابين.
(29) الشيخ الصدوق، كتاب الخصال: 136.
(30) الملهوف على قتلى الطفوف: 111.
(31) تفسير العياشي: 2/363-364.
(32) العلايلي، الإمام الحسين: 126 .

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب، للشيخ جميل الربيعي، الفصل التاسع
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com