موقع الصراط ... الموضوع : من هدى القرآن-7
 
الأحد - 28 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من هدى القرآن-7  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 2 / صفر / 1437 هـ
     
  بقلم السيد محمد جمال الهاشمي
[تكملة تفسير قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)]
وقدمت الآية العبادة على الاستعانة، فقالت: إياك نعبد وإياك نستعين؛ لأن العبادة وسيلة والاستعانة غاية، إن الإنسان يربط نفسه بالله بعبوديته ليستحق إعانته، إن العبد لا يستعين بغير مولاه، ومن العدالة أن يعين المولى عبده إذا استعان به... أما موضوع الاستعانة فهو الذي لا يتمكن عليه غير الله، إن الإنسان يستعينه في الوصول إلى مقصد الإنسانية، والذي لا يستحصل إلا بالعلم الصحيح والعمل الصالح، وهما لا يتحققان إلا بتوفيقه وعنايته، إن الوصول إلى تلك الغاية من أشق الأعمال وأشدها، إن في طريقها تنتثر العثرات والعقبات وأهمها النفس ورغباتها المجرمة التي لا يطفيها إلا الموت، وما دامت النفس تقف في طريق السالك إلى الحقيقة فإن الوصول إلى القمر بلا صاروخ ذري أقرب إلى الإنسان من الوصول إلى الحقيقة المنشودة.
ولا بأس بأن نلحق ببحثنا موضوعين لهما صفة قريبة بالبحث، الأول موضوع زيارة الأئمة الطاهرين وتقبيل أضرحتهم المقدسة، فقد كثرت حولها القالة ممن تغريه المظاهر وتهزه الظواهر، فيخال بأن الشيعة تعبد الإمام وزياراتها وطقوسها في الخشوع والخشوع ألوان جديدة للعبادة، وبما أنا قد ذكرنا في أول البحث بأن العبادة هي التي يشرعها المعبود ويرسلها بوسيلة أنبيائه إلى البشر ليتقربوا بها إليه، فكل عمل سواها لا يكون عبادة أبداً، ولا شكّ بأن الإسلام على اختلاف مذاهبه ينهى عن عبادة غير الله، فزيارة العتبات المقدسة وما احتوتها من الطقوس والأدعية والأذكار ليست إلا مظاهر للخشوع والخضوع لا ينحصر بالله، فالشعب يخضع للقانون، والولد يخضع لوالده، والزوجة تخضع لزوجها، والخضوع نوع من التكريم والتقدير، والتقدير موضوع يستحقه من قام بخدمة إنسانية عامة أو خاصة، ولا شك بأن من تتشرف العتبات المقدسة بوجودهم لهم من الخدمات الإنسانية في الأرض ومن المنزلة الرفيعة في السماء ما يحق لكل مؤمن وإنسان أن يقدسهم ويحتفل بآثارهم، وقد ورد عن النبي (ص) بأنه كان يزور قبر أمه ويخشع أمام تربتها، كما ورد عن علي أمير المؤمنين (ع) بأنه كان يزور قبر النبي، ويخشع أمام تربته الطاهرة، فالخضوع للمشاهد المشرفة لا يعد في العبادات بل هو نوع من التعظيم والتكريم تقدسه الإنسانية وتبيحه سيرة النبي والأئمة من خلفائه سلام الله عليهم أجمعين.
أما الموضوع الثاني فهو سجود الشيعة على تربة سيد الشهداء (ع) في صلاتهم، والذي يطبل له الرعاع من غير الشيعة بلا وعي ولا تفكير، ظناً منهم بأن الشيعة تعبد التربة كما يعبد الوثني صنمه مع أن السجود عند المسلمين أجمع ومنهم الشيعة لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، ولا يتحقق السجود الشرعي عند الشيعة إلا على التراب أو على ما لا يؤكل ولا يلبس، وتربة سيد الشهداء عليه السلام ليست إلا قطعة من الأرض الطاهرة يحملها الشيعي معه ليسجد على الأرض الطاهرة من الأقذار في صلاته، وليست لتربة كربلاء خصوصية من ناحية السجود أبداً، نعم هناك معنوية روحية في هذه التربة مقدسة حيث تنقل المسلم وهو في عالمه الروحي إلى موقف هذا البطل الخالد الذي أجاب داعي الإسلام في ظرف لم يجد الإسلام غيره مجيباً في المسلمين، فوقف وقفته الجبارة وضحى بكل وسائل حياته وبحياته أيضاً ضحاها كلها في سبيل دحر زحف الإلحاد والاستهتار الذي جهزه يزيد بن معاوية بكل عناصر الفتح، ووقف بنفسه وأولاده وعياله وأصحابه أمام ذلك التيار المجنون كابحاً إياه بحياته وحياة أولاده وأصحابه، حتى ارتد التيار بشهادته مخذولاً ورجع الإسلام مرة ثانية، يوجه التأريخ في سيره الزمني، والإسلام لا زال يلاقي من قوى الكفر والاستهتار مثل هذه الكوارث إلا أنه يصمد امامها لتتحطم طاقاتهم في صخرته الجبارة والتي ليست إلا عناية الله المتجلية في عهده الكريم بقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
ولا يخفى أن المذهب الجعفري لا يرى في التربة الحسينية إلا ما يراه في ساير تراب الأرض فيشترط فيها الطهارة من الأقذار كما يشترط فيها الملكية، فلا يصح السجود على التربة الملوثة ولا على التربة المغصوبة، حيث إنها قطعة من الأرض يحملها الشيعي معه للسجود.

(اهدنا الصراط المستقيم)
الهداية هي الإرشاد الرفيق اللطيف، ولذلك يختص بالخير دون الشر.. والصراط هو الطريق الواسع الواضح وأصله السراط بالسين، من باب سرط اللقمة أي ابتلعها، وهكذا الطريق الواضح يحتضن السالك لينسرح به إلى مقصده المنشود، وكأنه يلتقمه في ذلك الانسراح.. وفي لفظة الصراط قرائتان بالسين والصاد، فمن قرأ بالسين راعى المادة الأولى للكلمة، ومن قرأ بالصاد راعى الطباق والقران بين الصاد والطاء.
وصيغة الأمر هنا لم تستعمل في معناها الحقيقي، والذي هو الأمر والحكومة، وإنما استعملت في الاستجداء والاستعطاف بقرينة المقام، حيث صدرت من الأدنى إلى الأعلى.
واختلفت في الصراط المستقيم مباني المفسرين، ومرجع اختلافهم اختلاف الروايات الواردة في تفسيره، فمن قائل بأنه القرآن، ومن قائل بأنه الإسلام، ومن قائل بأنه النبي (ص) والأئمة القائمون مقامه بعده، ومن قائل بأنه الطريق إلى معرفة الله، والطريق إلى الله يختلف في الدنيا والآخرة، فطريقه الدنيوي الإمام (ع) وطريقه الأخروي الجسر الممتد على طرفي شفير جهنم، والذي ينحصر به العبور إلى الجنة، ومن قائل بأنه ولاية علي والأئمة الميامين من ولده عليهم السلام.
أما نحن فلا يهمنا هذا الاختلاف الصوري بعد اتحادها في المنبع والمجرى، ومن وحدتهما نلمس وحدة المعنى، ولكي نفهم المعنى القرآني للصراط المستقيم يلزمنا أن نفهم معناه اللغوي لأنه يرتبط بالمعنى القرآني في المبنى والمعنى.

(للبحث صلة)
محمد جمال الهاشمي

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العددان11-12
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com