موقع الصراط ... الموضوع : دور الدعاء في الحياة
 
الأحد - 30 / رمضان / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  دور الدعاء في الحياة  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 19 / ربيع الأول / 1437 هـ
     
 

ما هو دور الدعاء في البناء الأخلاقي والروحي للمسلم؟ وأيهما أفضل: قراءة القرآن أم الدعاء؟ وهل يجوز تكرار الآية أو الآيات؟

الجواب:
الدعاء فيه جانبان: الأول أنك تتحدث مع الله وتبتهل إليه وتشهده على إخلاص العبودية له، ما يجعلك تتقرب إليه وتعيش في قربه كأي إنسان تعيش معه وبقربه، وتشعر مع ذلك بحاجتك إلى الله من خلال فقرك المطلق أمامه، والجانب الثاني، أن معاني الأدعية، وخصوصاً الأدعية القرآنية، وأدعية النبي (ص)، وأدعية الأنبياء، وأدعية الأئمة (ع) هي مدرسة ثقافية واجتماعية وأخلاقية وسياسية ونفسية، وعلينا عندما نقرأ الدعاء أن نشعر بأننا ندخل مدرسة الدعاء، فمثلاً عندما يتحدث أن الله سبحانه وتعالى عن موسى (ع) أثناء هربه من فرعون، وهو يقول: ((رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير)) يعني يريد أن يقول: إنني يا ربّ لا زلت أعيش الفقر في غناك، والإنسان عندما يظهر فقره وحاجته إلى الله وقت الشدة، فكأنما يستمد من الله الغنى والقوة، وعندما التقى مع شعيب (ع) دعا ربه دعاء سياسياً، ولا بد لكل السياسيين أن يتمعنوا في هذا الدعاء: ((قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين))، بمعنى أنك يا رب أنعمت عليّ وأعطيتني الراحة والطمأنينة والاستقرار، وسأشكرك على نعمك هذه، وبأنني لن أكون ناصراً لأي مجرم من خلال ظلمه للإنسان؛ لأن الإنسان يجب أن يعطي عهداً لله بالشكر على نعمه بطريقة الوقوف أمام كل الظالمين والمجرمين.
وهناك دعاء للإمام زين العابدين (ع) يقرأ في ليلة (عرفة) والجمعة، وربما هو موجود في دعاء يوم الأضحى في (الصحيفة السجادية) يقول فيه: ((وقد علمت أن ليس في حكمك ظلم، ولا في نقمتك عجلة، وإنما يعجل من يخاف الفوت)) بمعنى أن الذي يستعجل إنما يستعجل لأنه يفوته هذا أو ذاك، فيحاول اللحاق به، ((ويحتاج إلى الظلم الضعيف))؛ لأن القوي لا يظلم، والظالم عندما يظلمك فإنما يخاف منك، لأنه يعيش ضعفاً أمامك، فيحاول أن يظلمك حتى يتفادى ما لديك من قوة.
وهذه هي فكرة أساسية نستنبطها من خلال هذه الأدعية التي تكرّس هذه المفاهيم، وهي تشير إلى الظواهر الاجتماعية والسياسية فضلاً عن الأطر العقيدية والمعرفة الإلهية، وكلمات الأئمة (ع) هذه بعضها من بعض، فالإمام الباقر (ع) هو تلميذ أبيه الإمام زين العابدين (ع)، وعندما يتحدث عن الناس الذين يستعرضون عضلاتهم وينتفخون ويمشون مشية الخيلاء، يقول (ع): ((ما من امرئ يتيه - والتيه يعني الخيلاء - إلا لذلة يجدها في نفسه))، فمن يستكبر ويستعرض عضلاته، ويتمايل ويتخايل أمام الناس، فذلك يمثل تغطية لعقدة نقص موجودة.
لذلك نقول لكم- أيها الأحبة- إذا أردتم ان تفهموا أهل البيت (ع) فعليكم أن تدرسوا تراثهم وتتعمقوا فيه، وأن لا يقتصر حبكم لهم على الدمعة، وإن كانت إنسانية طبيعية، لأنهم ليسوا فقط دمعة، بل هم بسمة الفرح في ثغر الرسالة، فعلينا أن ندرسهم، وكما يقول الإمام (ع): ((حدثوا الناس بمحاسن كلامنا)).
فالدعاء مدرسة روحية وعقلية وثقافية واجتماعية وسياسية في بعض الحالات، وعلينا أ، نعيش الدعاء بوعي ككتاب نقرأه من الأول والآخر، فبالدعاء نشعر كأننا نخاطب الله، ولذا قلت لكثير من الناس، عندما تحس بالتعب والانكسار تكلم بذلك مع الله بلا أية مشكلة وبدون رسميات، فعليك أن تعيش الدعاء مع الله في أي مكان، لأنك تدعو الله وهو القريب إليك، وهو سبحانه يقول: ((وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)) فالله سبحانه حنون عطوف رحيم ولا حواجز بيننا وبينه.
وأما قصة الأفضل؛ هل هو قراءة القرآن أو الدعاء، فإن الأفضل أن نقرأ القرآن ونفهمه، وأن ندعو بدعاء القرآن وغيره، فالقرآن يعطينا روح الرسالة وفكر الرسالة ويعرفنا الله، ونقرأ الدعاء حتى نعيش مع الله، أما بالنسبة لترديد آية أو آيات معينة عدة مرات وما يسمى بالختومات، فإذا كانت الآية معبّرة، فلا مانع من تكرارها، على أن لا يكون التكرار مجرد لقلقة لسان، بل نفهمها ونعيش معناها في تكرارها على طريقة (هو المسك ما كررته يتضوّع).

السيد محمد حسين فضل الله
المصدر: مجلة الندوة: 14/526-528.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com