موقع الصراط ... الموضوع : فوائد المجالس الحسينية
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  فوائد المجالس الحسينية  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 20 / ربيع الأول / 1437 هـ
     
  بقلم: سكينة الربيعي
من الأمور التي حث عليها أهل البيت (ع) حثّاً شديداً هو إقامة المآتم الحسينية، وإحياء واقعة عاشوراء، والاهتمام بكل تفاصيلها، وذكر كل حيثياتها، فعن الصادق (ع) قال وهو يخاطب أحد أصحابه وهو الفضيل بن يسار، قال (ع): أتجسلون وتتحدثون؟
قال: نعم، جعلك فداك، قال (ع): إن تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا، يا فضيل، من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه، ولو كانت أكثر من زبد البحر(1).
بل إن هناك روايات تؤكد أن الأئمة (ع) من بعد الحسين أقاموا المآتم وبكوا على الحسين (ع)، ودعوا الشعراء إلى إنشاد الشعر في مصيبة الحسين (ع)، فقد روي أن الإمام الرضا (ع) كان يستقبل الشعراء والمعزين كاستقباله لدعبل يدير المأتم بنفسه ، كما روى عنه ذلك إبراهيم بن أبي محمود، يقول:
(قال الرضا (ع): إن المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال، فاستحلت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حرمتنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترعَ لرسول الله (ص) حرمة في أمرنا، إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام.
ثم قال: كان أبي إذا دخل المحرم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين (ع))(2).
هذه الروايات وغيرها تؤكد على إحياء شعيرة كربلاء وإعادة مصابها، والبكاء على قتيلها الحسين الشهيد (ع).
السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا كل هذا الحث والتأكيد من قبل أهل البيت (ع) لإحياء واقعة كربلاء؟
وما هو الهدف من إحيائها، وإعادة ذكراها في كل عام؟
بل ما هو الغرض والفائدة المترتبة على إقامة هذه المآتم أو المجالس؟
يمكن أن نجيب على هذه التساؤلات بعدة نقاط، قد تلخص لنا بعض فوائد المجالس الحسينية منها:
1- إقامة المجالس وإحياء ذكرى عاشوراء هو إحياء للثورة الحسينية وتخليد لقيمها التي من أجلها ثار الحسين (ع) وضحى بنفسه وبعياله وبأهله وأصحابه، فالحسين (ع) كان طالباً للإصلاح، وثائراً من أجل إحقاق الحق ودحض الباطل، ورفض الظلم، والأمر بالمعروف، ثار من أجل إقامة شريعة الله والحفاظ على القيم التي ترقى بالإنسان وتجعله خليفة لله تعالى في الأرض.
ففي كربلاء تتجسد كل معاني الخير... وتشع الفضيلة... ويشرق العدل... وفي كربلاء يسمو الإنسان.. وترتفع راية الحق، وينهزم الباطل، وفي كربلاء لا تبحث عن قيمة أو فضيلة إلا ورأيت لها تجسيداً حياً... وواقعاً نابضاً بالصدق فيها، نجد التضحية.. الإباء.. الصدق.. الإنسانية.. السمو.. الكرم.. التفاني في سبيل الحق وهكذا.. ولو أن نكتب كل قيم الثورة الحسينية لما استطعنا أن نحصيها عدداً، ولكن هذه القيم التي ذكرت هي غيض من فيض وهي قطرة من بحار العشق الحسيني الذي سما، فارتقى بالإنسان إلى أعلى مدارج الكمال.
نعود إلى حديثنا في فائدة المجالس فنقول إن من خلال إقامة المجالس تتجسد كل هذه القيم وفي إحيائها إحياء لروح الإنسان.. ورقي به وبمجتمعه فالمجالس تؤكد هذه القيم وتبرزها وتجعلها أمام أيدي الناس ليستلهموا منه، ويعيشوا روحها، ويدركوا عظمتها.
2- نشر الإسلام: ومن الفوائد التي نستلهمها من المجالس الحسينية هو أن هذه المجالس من خلالها يمكن نشر مفاهيم الإسلام وإيصالها إلى عامة المجتمع.
فمجالس الحسين (ع) يحضرها كل فئات المجتمع وفيها تطرح الكثير من القضايا والمفاهيم الإسلامية، بل إن بعض الخطباء يطرحون حتى المسائل الفقهية، فالمجالس الحسينية مدرسة عظيمة ينهل من عطائها الجميع، وفيها تزدهر المفاهيم الإسلامية وتطرح للناس بأساليب مختلفة، وهنا يبرز كلام الإمام الرضا (ع) ويتجلى معناه فعن أبي الصلت الهروي قال:
(سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (ع) يقول: رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقلت: وكيف يحيي أمركم، قال: يتعلم علومنا، ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا)(3).
3- إحياء المجالس هو إحياء الثورة ورفض الظالمين على مر التأريخ، فالإمام الحسين (ع) ثار بوجه طاغية عصره، وفرعون زمانه، ليعلم الأجيال أن الرضوخ للظلم عار، وأن الحق لا بد وأن يرتفع حتى وإن كان ثمنه الدماء الزاكيات، فإقامة المجالس هو استمداد لرفض الظلم لذلك حث عليه الأئمة (ع) ليتعلم الأجيال من مدرسة الحسين التي في كل عام تفتح أبوابها لعشاقها بأن رفض الظلم هو أنشودة الأحرار التي يتغنون بها ليصموا آذان الطغاة، ولذلك نجد في التأريخ أن كل الطغاة حاولوا إخماد هذه المجالس فحاربوها وسعوا بكل ما أوتوا من قوة لأجل إطفاء نورها ولكن (يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)(4).
4- المجالس الحسينية عِبرة وعَبرة، فهي توقد المشاعر وتؤجج العواطف، وتلهب القلوب ففي الوقت الذي يأمر أهل البيت (ع) شيعتهم بأن يبكوا الحسين ويتعاطفوا مع قضيته يأمروهم بأن يسيروا على نهجه، ويتبعوا خطه من خلال إقامة المجالس التي تحيي ذكره فهم (ع) يوازنون بين العاطفة التي تؤجج المشاعر، وبين العقل الذي يسير في المسار الصحيح، ويسلك الدرب الذي يوصله إلى الأهداف العظيمة، والغايات السامية، فالعاطفة إذا توجهت بالشكل الصحيح سوف تدفع الإنسان إلى سلوك الوجهة الصحيحة في الحياة؛ لذلك نرى حث أهل البيت (ع) على تأجيج العواطف والبكاء على الحسين (ع)، فقد ورد في الرواية:
(كنا عند أبي عبد الله الحسين (ع)، ونحن جماعة من الكوفيين، فدخل جعفر بن عفان على أبي عبد الله (ع)، فقربه وأدناه، ثم قال: يا جعفر، قال: لبيك جعلني الله فداك، قال: بلغني أنك تقول الشعر في الحسين (ع) وتجيد؟ فقال له: نعم جعلني الله فداك، قال: قل، فأنشدته صلى الله عليه فبكى ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته ثم قال: يا جعفر، والله لقد شهدت الملائكة المقربون ها هنا يسمعون قولك في الحسين، ولقد بكوا كما بكينا وأكثروا، ولقد أوجب الله لك يا جعفر في ساعته الجنة بأسرها، وغفر الله لك، قال: ما من أحد قال في الحسين (ع) شعراً، فبكى وأبكى إلا أوجب الله له الجنة وغفر له).
5- المجالس محل لتلاقي المؤمنين واجتماعهم وتحابهم وتعاطفهم، وفي هذا الأمر صلاح للمجتمع، وقوة للمذهب وصلاح لأمر الناس، فالملاحظ أنه في هذه المجالس وعندما يلتقي المؤمنون تشيع روح المحبة والإخاء والتعاطف بينهم، فيصبحوا كالجسد الواحد، وبالطبع فإن القرآن الكريم والسنة المطهرة أكدوا على مثل هذه التجمعات الإيمانية واللقاءات الأخوية بين أطياف المجتمع ليصيروا يداً واحدةً وروحاً واحدةً تمثل الإسلام وتحيي شعائر، (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)(5).
هذه بعض الفوائد التي تستفيدها من المجالس الحسينية هناك كثير من الفوائد الأخرى لنزول البركة والتأسي وذكر مصائب أهل البيت (ع) التي تهون علينا مصائبنا و...الخ من الفوائد الأخرى التي لا يسع المجال لذكرها الآن.
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الفوائد إنما تترتب على المجالس الواعية والهادفة والتي تبرز القضية الحسينية بأبهى صورة... وأعظم شكل باعتبار أن هناك بعضاً من المجالس قد تشوه حقيقة هذه النهضة ولا تبرزها بشكلها الناصع وأهدافها العظيمة.

الهوامش:
(1) بحار الأنوار: ج 44 ، ص 282 .
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) سورة التوبة.
(5) سورة الحج.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com