موقع الصراط ... الموضوع : مفهوم الإحسان
 
الأربعاء - 27 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مفهوم الإحسان  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 20 / ربيع الأول / 1437 هـ
     
  بقلم الشهيد الشيخ كاظم الحلفي
hilfee (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكّرون).
يتصور البعض أن الإحسان هو بذل الفضل من المال فحسب، وهذا التصور خاطئ، ومنشأ الخطأ هو عدم التدبر في حقائق القرآن والتبصر في دقائق اللغة. الإحسان مشتق من أحسن ضد أساء، أي أساء في التصرف، أساء في التربية، وأساء في البيع، وأساء في الشراء، وأساء في المعالجة، وأساء في الهندسة، وأساء في البناء، وأساء، وأساء... الخ.
وأحسن في التربية، وأحسن في المعاملة، وأحسن في التدريب، وأحسن في الإنفاق، وأحسن، وأحسن... الخ.
وقد أمر الإسلام بالإحسان، الإحسان في كل عمل بإتقانه (رحم الله امرئ عمل عملاً فأتقنه)، وبالإحسان مع كل ذي شعور، (لكل كبد حرى أحر)، ولم يشأ أن يهمل هذا المفهوم العام دون تحديد وتوضيح فليس يكفي للمسلم أن يعرف من إسلامه أنه أمر بالإحسان، وإنما يجب إلى ذلك أن يبني مفاهيمه عن الإحسان على أساس الإسلام أيضاً، ويبني نظرته على أساس مدلولات الإحسان التي أعطتها الشريعة وأوضحتها في نصوصها المختلفة.
وقد بلغ من اهتمام الشريعة المقدسة بتحديد مدلول الإحسان في كل ناحية من نواحي الحياة، وعلاقة من العلاقات أنها شرحت الإحسان إلى الحيوان، وعلمت المسلم كيف يرفق به، فقد جاء في الحديث الشريف ما معناه: (إذا وصلت المنزل فابدأ بسقي دابتك وعلفها ومكان راحتها قبل نفسك، وفي حديث آخر: لا تتخذوا ظهور دوابكم منابر، ولا تحملوا عليها فوق طاقتها، ولا تجهدوها، ولا تضربوا وجوهها).
إلى كثير من تلك المناهج الشريفة التي تربي كل مسلم على حب الخير والرحمة بجميع خلق الله تعالى.
ونحن نضرب بهذا مثلاً على استيعاب الإسلام بمفهومه الإحسان لكل نواحي الحياة وألوان النشاط والعلاقات فيها، ولا نستطيع أن نستقصي المدلولات الإسلامية للإحسان جميعاً، وإنما نكتفي بعرض صور سريعة من الإحسان الذي يربي الإسلام المسلم عليه، ليجد فيه كل العواطف والمشاعر الخيرة النبيلة.
أ- أمرنا الإسلام بالإحسان إلى آبائنا لأنهم السبب الحيوي لوجودنا، ولذا نرى القرآن الكريم، يقرن الإحسان إليهما بأساس الإيمان، وهو التوحيد، إذ يقول تعالى: (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً).
وخلاصة الإحسان إليهم أن نجتنب ما يؤذيهم ونمتثل أوامرهم إلا ما كان فيه معصية لله تعالى فإنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
ب- كما يجب علينا أن نحسن إلى أولادنا بتربيتهم التربية الصحيحة امتثالاً لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، وقوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعافية للتقوى).
ج- وكذلك يجب أن لا نسيء التصرف في أموالنا، فلا نأكلها بالباطل: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون): (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً).
فلا نبخل بها (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة...) (إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً).
ولا نبذرها: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً).
بل يجب أن نسلك أحسن الطرق في صرفها: (الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما): (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).
د- وكذلك يجب أن لا نسيء إلى فقرائنا بحبس حقوقهم المفروضة علينا: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون).
هـ - بل ولا نسيء إلى مجتمعنا بتركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).
هذه نبذ يسيرة عن الإحسان وما أوسع هذا المفهوم في الشريعة السهلة السمحاء، وكل ذلك إحسان مردود إلى صاحبه: >إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم<. وإذا كان العدل ميزاناً للانتصاف فإن الإحسان مقياس للعطف والرحمة. ولتعلم بأن سيد الإحسان هو أن تكون سبباً لهداية غيرك على حد عبارته ’: يا علي، لئن يهدي بك الله رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، أو مما طلعت عليه الشمس.
وذلك أمر يسير لا يتطلب أكثر من أن تسلك أحسن أسلوب للجدل: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).

النجف الأشرف
كاظم الحلفي

المصدر: مجلة الأضواء، العددان8-9
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com