موقع الصراط ... الموضوع : وصية الشيخ الحر العاملي
 
الخميس - 28 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  وصية الشيخ الحر العاملي  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 27 / ربيع الأول / 1437 هـ
     
  بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين..
الحمد لله على جزيل نواله، والصلاة والسلام على محمد وآله.
أما بعد، فهذه وصية لطيفة وموعظة شريفة، ونصائح نافعة، وفوائد جامعة، ألفها الفقير محمد بن الحسن الحر العاملي لولده محمد رضا الحر عند فراقه إياه متوجهاً إلى زيارة حجج الله (ع) وفقه الله لمراضيه، وجعل مستقبله خيراً من ماضيه، فينبغي له بل يجب عليه تدبر معانيها، والعمل بما فيها، فكلها مما يهدي إليه صحيح العقل، ويدل عليه صريح النقل، فأقول:

أوصيك أيها الولد السعيد وفقك الله:

أولاً: بالإخلاص في جميع العبادات، وأهمها: طلب العلم وتعلمه وتعليمه، فينبغي أن يكون قصدك بجميع تلك الأقسام رضاء الله والتقرب إليه وطاعته وامتثال أمره، وإياك والرياء، فإن الرياء شرك بالله، فلا تقصد بشيء من ذلك رضاء أحد من الناس، ولا تحصيل شيء من النفع الدنيوي، وتفكر في قوله تعالى: ((من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب)).
واعلم أن الناس لا خير فيهم يعتد به، فاقبل بقلبك على الله، فقد روي: ((من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء)).
والأحاديث في مدح الإخلاص وذم الرياء أكثر من أن تحصى ودلالة العقل والاعتبار مؤيدة لتلك الأخبار.

وثانياً: ببذل الجهد في العبادات، من تعلم العلوم الشرعية، وتعليمها وكثرة المطالعة والحفظ والتفهيم، ومذاكرة العلماء ومجالستهم وسؤالهم والمواظبة على الصلاة الواجبة في أول أوقاتها والمندوبة من النوافل المرتبة وغيرها، وخصوصاً صلاة الليل، وصلاة جعفر، وتلاوة القرآن، وكثرة الدعاء، وذكر الله من التهليل والتحميد والتسبيح والتكبير والاستغفار، والصلاة على محمد وآله، والتوبة، والصوم الواجب والمندوب، والتصدق وإطعام الطعام، وسقي الماء، والزيارات، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وزيارة المؤمنين، وقضاء حوائجهم، وإدخال السرور عليهم، وفعل المعروف، وجهاد النفس، ومنعها من المحرمات والمكروهات وتضييع الأوقات، وأمرها بصرف جميع الحركات والسكنات إلى أنواع العلم والعبادات.

وثالثاً: بالاعتقاد والاهتمام بالعلوم النافعة المأمور بها، وهي: النحو، والصرف، والمعاني، والبيان، واللغة، والفقه، والحديث، والتفسير، فعليك بتعلمها وتعليمها، ومطالعة كتبها وحفظ مسائلها وقواعدها، فإنها تشتمل على جميع ما يحتاج إليه من المطالب الدينية وأكثر العلوم المشهورة سوى ما ذكر من المستحدثات والمخترعات، وما وصل في زمان المأمون إلى المسلمين من علوم الحكماء والفلاسفة المتقدمين، وفي العلوم السابقة خصوصاً علم الحديث ما يغني عنها بل هو أوثق منها فقد اشتملت أخبار الأئمة الأطهار (ع) على جميع ما يحتاج إليه الناس، بل على ما يزيد على قدر الحاجة والكفاية من الأدلة العقلية والنقلية والمطالب الدينية والدنيوية.
عليك بكثرة تتبع كتب الحديث، وقد أجزت لك روايتها عني بالطرق المعروفة، وقد ذكرت بعضها في آخر وسائل الشيعة، وباقيها في كتب الرجال والإجازات، وفي كتب العلم المذكورة فوائد وأدلة موافقة للأحاديث، فهي مؤيدة لها، فتصلح حجة ودليلاً إلزامياً لأهل الباطل، ولعل ذلك مطلب مؤلفيها منها، ولكن فيها شبهات وتمويهات وتدليسات وتلبيسات ينبغي بل يجب الحذر منها والاحتراز عنها.
ورابعاً: بحسن العشرة للناس، فإنه لا بد من الاختلاط بجماعة كثيرين لأن الإنسان مدني بالطبع لا يمكن أن يعيش وحده، بل يحتاج إلى مساعدين ومعاونين، فينبغي عشرتهم بحسن الخلق، وحلاوة اللسان، والإكرام والإحسان، والعفو عن المسيء، ومداراة الصغار، وأداء الحقوق، والمكافآت على المعروف، والشفقة على الإخوان، واجتناب سوء الخلق وخبث اللسان، فقد روي في الحديث: ((من خاف الناس لسانه فهو من أهل النار))، وروي: ((شر الناس من أكرمه الناس اتقاء شره)).
وينبغي أن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، وتكف الأذى عن الناس ولا تؤذهم بيدٍ ولا لسان، ولتكن همتك في المعروف والإحسان لا في الأذى والظلم.

وخامساً: بحفظ النفقة ومعرفة وجوه الإنفاق، وليكن من غير إسراف ولا تقتير ((ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً)) ((والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً)).
وينبغي التقدير والاختصار، واجتناب التقتير والتبذير فإن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، و((لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً))، وفي الحديث: ((ضمنت لمن اقتصد أن لا يفتقر))، والبخل شر من الأشرار.

وسادساً: بتدبر العواقب، فلا تفعل شيئاً بغير تأمل، ولا تقل شيئاً بغير فكر وتدبر، وعليك بالاستشارة والاستخارة عند الأمور المهمة التي يخشى من عواقبها، من لم يستشر يندم، وعليك بالتوكل على الله وإياك الإفراط في الحذر فإنه يدعو إلى الجبن.
وفي الحديث: ((قرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان)).
واصرف العزم والهمة إلى الأمور المهمة، ففي الحديث: ((ما ضعف بدن عما قويت عليه النية)).
وروي: ((من طلب شيئاً وجدّ وجد، ومن قرع باباً ولجّ ولج)).
والإفراط والتفريط في كل شيء مذمومان، وخير الأمور أوسطها.

وسابعاً: بملازمة الأوراد والأدعية المأثورة، وكثرة مطالعة كتب العبادات والدعاء وحفظ أكثر الأدعية والمواظبة عليها، وخصوصاً الأدعية المختصرة، وسائر أدعية الصباح والمساء، وتعقيبات الصلاة وأدعية المهمات ودفع المخاوف، وينبغي الاعتناء والاهتمام بالدعاء فإنه وسيلة عظيمة، بل هو أقوى الوسائل إلى حصول المطالب، فليطلب الإنسان كل ما يريده من الله، وليتوكل عليه، وليسعَ به وليحسن ظنه بربه فإن ذلك أنفق الأشياء، وليغتنم الدعاء وطلب الحوائج من الله في الأوقات الشريفة كشهر رمضان وليلة الجمعة ويومها ويوم الغدير، وفي المشاهد المشرفة خصوصاً مشهد الحسين (ع) فإن الله عوضه من قتله أن جعل الشفاء في تربته، وإجابة الدعاء تحت قبته، والأئمة التسعة من ذريته، وأن لا تعد أيام زائريه من أعمارهم، وينبغي أن يكون الإنسان الطالب من الله والإلحاح في الدعاء فإنه أقرب إلى الإجابة.

وثامناً: بالصبر على البلاء، والرضا بالقضاء والقدر، فقد روي الصبر.
ولا بد من انكشاف البلاء والشدة فإن الله مع الصابرين، ومدح الصبر وذم الجزع في الأخبار المتواترة.

وتاسعاً: ببذل الجهد في جهاد النفس، ودفع وساوس الشيطان عنها، وصرف الأفكار الفاسدة والهموم الدنيوية عن القلب بقدر الإمكان والتوجه إلى الآخرة، ومهمات الدنيا الضرورية المأمور بها شرعاً، وجهاد النفس واجب، فإن النفس لأمارة بالسوء، فإنها تميل إلى البطالة والراحة وتضييع العمر والاشتغال بالشهوات الدنيوية واللذات البدنية والأمور السخيفة الدنيوية فيجب متابعة الشرع والعقل ومخالفة الهوى والنفس، ففي ذلك الفوز في الدنيا والآخرة، ((وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى)).

وعاشراً: بصرف جميع الحركات والسكنات إلى قصد القربة والعبادة، فتقصد بالأكل دفع ضرر الجوع، وحفظ صحة البدن، وتحصيل القوة للعلم والعبادات، ونحو ذلك الشرب والنوم وسائر الحركات والسكنات، فإن الأعمال بالنيات.
وعليك يا بني بالرجوع إلى وصايا النبي والأئمة (ع) والعمل بما فيها.
وفقك الله تعالى لذلك بمحمد وآله الطاهرين.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com