موقع الصراط ... الموضوع : الشيخ محمد أمين زين الدين ودوره في إنماء الحركة الأدبية في النجف الأشرف
 
الأربعاء - 27 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الشيخ محمد أمين زين الدين ودوره في إنماء الحركة الأدبية في النجف الأشرف  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 28 / ربيع الأول / 1437 هـ
     
  بقلم: الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي
عبد الهادي الفضلي هدف البحث:
يهدف هذا البحث – كما يومئ إليه عنوانه- إلى بيان ما قام به أستاذنا الكبير، فقيه الأدباء وأديب الفقهاء، الشيخ محمد أمين زين الدين (1333 - 1419 هـ)، من نشاط أدبي ساهم في إنماء الحركة الأدبية في النجف الأشرف، ومن أعمال إبداعية شاركت في تطوير الحركة المشار إليها.

أهمية البحث:
محمد أمين زين الدين إن الكتابة عن الشيخ زين الدين تعني الكتابة عن أستاذ مُرَبِّ مرموق من أساتذة الأجيال في النجف في حقبة زمنية كانت تمثل العصر الذهبي للنجف الأشرف علمياً وأدبياً، وقد استمرت لأكثر من خمسين عاماً تقريباً، وضمَّت علماء عظماء وأدباء لامعين.
والكتابة عنه تعني، أيضاً، الكتابة عن هذه الحقبة الحافلة بالانتاجات الكثيرة الخيرة، والمعطيات الوفيرة اليانعة.
من ها هنا تأتي أهمية الموضوع، فأهمية البحث فيه.
طريقة البحث: اعتمدت في بحثي هذا طريقة الاستقراء من واقع مشاهداتي حين زياراتي لأستاذنا الجليل، ولقاءاتي به في المناسبات وغيرها، ومدة تلمذتي عليه، ومن واقع قراءاتي لما وقع بين يديّ من نتاجه الأدبي مطبوعاً ومخطوطاً.

خطة البحث:
ويتألف هذا البحث من الموضوعات التالية:
1- لمحة عن تاريخ الحركة الأدبية في النجف الأشرف: نشأتها وتطورها.
2- تعريف موجز للأدب النجفي: خصائصه، أجناسه، عوامله.
3- شخصية الشيخ زين الدين الأدبية.
4- دوره في إنماء الحركة الأدبية في النجف.
5- دوره في تطوير الحركة الأدبية في النجف.

مصادر البحث :
1- الأعلام، خير الدين الزركلي.
2- تاريخ الأدب العربي، أحمد حسن الزيات.
3- تاريخ التشريع الإسلامي، عبد الهادي الفضلي.
4- دليل النجف الأشرف، عبد الهادي الفضلي.
5- الديوان ( المقدمة)، د. مصطفى جمال الدين.
6- سحر بابل وسجع البلابل ( المقدمة والتعليق)، الشيخ آل كاشف الغطاء.
7- شعراء الغري، علي الخاقاني.
8- طبقات أعلام الشيعة، الشيخ آغا بزرك الطهراني.
9- ماضي النجف وحاضره، الشيخ جعفر محبوبة.
10- معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال أل ف عام، د. محمد هادي الأميني.
11- موسوعة العتبات المقدسة ( قسم النجف)، جعفر الخليلي ( إعداد).
12- الموسوعة العربية الميسرة، محمد شفيق غربال ( إشراف).
13- نحو أدب إسلامي، عبد الهادي الفضلي.

الحركة الأدبية في النَّجف:
من الظواهر المعروفة في تاريخ المراكز العلمية الإسلامية في العالم انبثاق الأدب من واقع الحركة العلمية ونشأته، نمواً وتطوراً، في أحضانها. وفي الغالب يزدهر بازدهارها ويضمر بضمورها.
والنجف الأشرف، باعتباره مركزاً من المراكز العلمية الإسلامية، لم يختلف عن لداته من المراكز العلمية الإسلامية الأخرى في وجود هذه الظاهرة التي تمثل العلاقة بين العلم والأدب، في انبثاق الثاني من الأول، ونشأته في أحضانه، وفي أجواء بيئته الطبيعية والثقافية.
ومن المعروف، تاريخياً، أن بدايات وجود الدرس العلمي الديني في النجف الأشرف كانت في القرن الرابع الهجري.
إلا أن تلكم البدايات لم ترتفع إلى المستوى المساعد على انبثاق الأدب من العلم فيها، لأنها كانت بدايات صغيرة ومحدودة، وسبب هذا هو بطء حركة الهجرة إلى النجف والسكن فيه آنذاك.
وعندما انتقلت المرجعية الدينية من بغداد إلى النجف الأشرف في القرن الخامس الهجري، متمثلة بالشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، المرجع الديني للشيعة الإمامية آنذاك، حيث هاجر من بغداد إلى النجف الأشرف، وهاجر معه طلابه وأصحابه ومريدوه من رجالات الشيعة الإمامية، ازدهرت الحركة العملية، ولكن لم يقدر لها أن تتمخض عن حركه أدبيه ملازمه لها، لانشغال الشيخ الطوسي ومن معه بإرساء وتثبيت دعائم الحركة العلمية وتنظيم أوضاعها، وترتيب أحوال أساتذتها وطلابها.
وبعد وفاة الشيخ الطوسي، ضمرت الحركة العلمية في النجف، وسبب ذلك نشوء مدينة الحلة، وانتقال الحركة العلمية الإمامية إليها، فـ(( في أخريات القرن الخامس أنشأ الأمير العربي سيف الدولة منصور بن صدقة بن دبيس الأسدي الحلة)).
(( وبعد تأسيسها بقليل انقلبت الحضارة العراقية إليها، وتقدمت تقدماً باهراً حتى على الزوراء، ولا سيما بعد مزعجات التتار عليها، التي سلمت الحلة منها، وهي إلى جنبها، ثم اتسعت معارفها وتكاثرت فيها العلماء حسب اتساعها وحضارته)).
(( وبعد نصف قرن من ظهورها نبغت فيها أساطين الإمامية ونوابغ الدهر وعجائب الدوران، كإبن إدريس الحلي صاحب السرائر أستاذ نجيب الدين بن نما الحلي، وهو أستاذ نجم الملة والدين الشهير بالمحقق على الإطلاق، صاحب كتاب الشرائع، وحسبك العلامة الحلي الشهير بابن المطهر وولده فخر المحققين صاحب الإيضاح، وكثير من أمثالهم)).
(( وكانت الحلة من أول القرن الخامس إلى أربعة قرون هي دار الهجرة لطلب العلم عن الشيعة الإمامية)).
ومنذ القرن التاسع الهجري، حيث أخذ نجم الحلة بالأفول، عادت الحركة العلمية في النجف تأخذ بالنمو فالازدهار.
وعند حلول القرن العاشر الهجري، أخذ أبناء القبائل العربية بالهجرة إلى النجف الأشرف لطلب العلم في الحوزة العلمية، والمجاورة لمرقد الإمام أمير المؤمنين (ع)في مدينة النجف. والأدب، كما هو معروف، وبأشكاله الفنية، شعرية ونثرية، من السمات البارزة في حياة العرب، وقد نبغ منهم العديد من الشعراء والخطباء والكتاب، وفيهم الأفذاذ الذين اشتهروا على مستوى القطر العراقي، وعلى مستوى العالم العربي، كما فيهم النوادر الذين اشتهروا على مستوى العالم، أمثال الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، والأستاذ محمد مهدي الجواهري والسيد أحمد الصافي النجفي.
ومن أولئكم القبائل العربية التي هاجر بعض من أبنائها إلى النجف واستوطنوها خلال القرن العاشر: آل البلاغي وآل الجزائري وآل محيي الدين.
ثم توالت هجرات بقية أبناء القبائل العربية الأخرى.
ففي القرن الحادي عشر هاجر إلى النجف عوائل من آل الأعسم وآل النحوي وآل قسام.
وفي القرن الثاني عشر الهجري هاجر إلى النجف جل أبناء العشائر العربية النجفية المعروفة الآن، الذين برز منهم في العلم والأدب النخبة من الرجالات النوابغ، وهم: آل كاشف الغطاء، وآل بحر العلوم، وآل الظالمي، وآل الشيخ عبد الرسول، وآل الفرطوسي، وآل قفطان، وآل المظفر، وآل أطميش، وآل زاير دهام.
وفي القرن الثالث عشر الهجري هاجر إليهم آل الشبيبي، و آل الدجيلي، و آل سميسم، و آل السوداني، و آل مطر، و آل الغراوي، و آل الخرسان، و آل العصامي، و آل زوين وغيرهم.
وارتبطت هذه الحركة الأدبية النجفية بمثيلاتها في البلدان العربية، أمثال مصر وسورية ولبنان، وتفاعلت مع مثيلاتها الأخرى في البلدان غير العربية، وبخاصة في إيران، للرابط المذهبي بين أبناء النجف وأبناء إيران، ولأن الحوزة العلمية في النجف تضم الوفرة من العلماء والطلاب من الجالية الإيرانية.
ولا يخفى تأثير هذا التفاعل الثقافي والأدبي بين الحركة الأدبية في النجف الأشرف والحركات الأدبية الأخرى في البلدان العربية فقد مرت بنفس المراحل التي مرت بها تلكم الحركات، خلال هذه الحقبة من الزمن الممتدة من القرن العاشر الهجري حتى عصرنا هذا، وهي :
- العهد العثماني .
- عهد النقلة .
- العهد الحديث .
ففي العهد العثماني، كما هو معلوم، اعتمد الأسلوب الأدبي في الشعر والنثر، معطيات علوم البلاغة العربية التي ذكرت في أمثال كتب الزمخشري والسكاكي والتفتازاني، حيث التأكيد على اللفظ على حساب المعنى، والذهاب في تقديس اللفظة إلى حد الإسراف، حتى هيمنت على الصورة الأدبية، شعراً ونثراً، الألوان البديعية ذات الجمال المصنوع.
وقد استمرت هذه المرحة إلى بدايات القرن الرابع عشر الهجري حيث داخلت مرحلة النقلة الأدبية.
وقد كنت أطلقت هذا العنوان، (مرحلة النقلة الأدبية)، في بحث لي سابق عن هذه الحقبة الأدبية من الزمن، لخضرمة أعلامها من الأدباء بين العهد العثماني وعهد النهضة العربية الحديثة، ولتطعيم نتاجاتهم الأدبية بشيء مما عرف فيما بعد إنه من سمات الأدب العربي الحديث، بما ساعد على تحول الأدب العربي مما كان عليه في العهد العثماني إلى ما آل إليه في العهد الحديث.
ولأن الدوريات الأدبية كان لها الدور الأهم في التطورات الأدبية، لنا أن نطلق على مرحلة النقلة الأدبية عهد العروة الوثقى، المجلة الثقافية التي كان يصدرها في باريس السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده منذ عام 1884 م ، وقد (( صدر منها 18 عدداً ، وكانت لسان حال جمعية العروة الوثقى الداعية إلى عزة الإسلام وحرية العالم الإسلامي ))، وذلك بالنظر إلى انتشارها بين أبناء العرب آنذاك ، ولدعوتها للتجديد علمياً وأدبياً، وللنهضة من الجمود على القديم الذي لا قدرة له على التفاعل مع الحياة العربية الإسلامية وما يدور في فلكها من أحداث تستدعي التغيير إلى ما هو أفضل .
فقد تأثر بها جلُّ العلماء العرب المعاصرين لها ، وكان خاتمتهم في النجف الأشرف الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ( ت 1373 هـ) ، وتمثل طابع النقلة فيما نشر من شعره ، وفي كتابه الشهير الدين والإسلام ، فقد لمسنا فيهما صدى الفنون البلاغية العربية كالسجع والجناس ، وهو من القديم ، وقرأنا فيهما بعض ما أفرزته الثقافة الحديثة ، وهو من الجديد .
وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري كانت بدايات العهد الأدبي الحديث في النجف الأشرف . ولنا أن نسمي هذه البدايات بمرحلة أدب الرسالة ، المجلة الأدبية التي كان يصدرها في القاهرة الأستاذ أحمد حسن الزيّات ( ت 1388 هـ / 1968 م) ، منذ عام 1933 م حتى عام 1953 م حيث احتجبت ، ثم عادت للظهور عام 1963 م ثم بعد فترة احتجبت .
وفي عام 1351 هـ ، هاجر شيخنا زين الدين من مسقط رأسه مدينة البصرة إلى النجف الأشرف ، لإكمال متطلبات دراسته الدينية في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف ، والتقى فيها بأدبائها وحضر مجالسها الأدبية الخاصة والاحتفالات بذكريات أهل البيت عليهم السلام العامة ، واختص أدبياً بصديقة الحميم ورفيق دربه في مسيرته الأدبية الشيخ سلمان الخاقاني (1332 هـ - 1408 هـ)، واستقر في النجف مستوطناً حتى وفاته، رضوان الله عليه.
وسأعود إلى هذا بعد أن أحاول تعريف الأدب النجفي في أهم خصائصه وأنواعه وعوامله.

الأدب النجفي:
إن أهم سمه عرف بها الأدب النجفي هي الولاء لأهل البيت (ع).
ويرجع هذا إلى عاملين مهمين ساعدا على ذلك، هما:
1- وجود مرقد الإمام أمير المؤمنين (ع) في النجف.
2- وجود الحوزة العلمية في النجف، تلك الحوزة التي احتضنت فكر آل البيت (ع) عقيدة وتشريعاً.
إن هذا الولاء انعكس على الإنتاج الأدبي النجفي، فجاء أكثره في ذكر أهل البيت (ع) وإحياء ذكراهم.
إن ذلك الارتباط بأهل البيت (ع) هو السمة التي غلبت على الأدب النجفي.
أما أجناس الأدب النجفي فهي:
1- الشعر الفصيح بأنواعه المختلفة: القصيدة، الرواية، البند، التخميس، التشطير، الموشحات، الملاحم، الدوبيت، الرباعيات، الأراجيز.
2- الشعر العامي (باللهجة العراقية الدارجة) بأنواعه التالية:القصيدة، الأبوذية، الأهزوجة، الرّدَة.
3- النثر بأنواعه التالية: المقالة، الرسالة، المقامة.
4- الخطابة بأنواعها التالية: الحسينية، الوعظ، في المناسبات الخاصة والعامة.
ويكتسب النجفي الأدب من الأجواء الأدبية التي تحيط به ويحيط بها، وهي:
1- المجالس الأدبية: وكانت تعقد في المنازل ليلتي الخميس والجمعة وليالي شهر رمضان المبارك.
2- الحفلات: وتقام عادة في المناسبات، أمثال: ذكرى أهل البيت (ع)، زفاف صديق، مولود لصديق، قدوم حاج، وفاة شخصية كبيرة.
3- الجمعيات الأدبية: وذلك بما يعقد فيها من ندوات ومجالس وحفلات.
وأهم هذه الجمعيات التي أسهمت إسهاماً مباشراً وحياً في التنمية الأدبية، هي:
1- جمعية الرابطة الأدبية: أسست سنة 1351 هـ، ومن أعضائها: السيد عبد الوهاب الصافي، والشيخ محمد علي اليعقوبي، والسيد محمود الحبوبي، والشيخ جواد آل الشيخ راضي، والدكتور عبد الرزاق محيي الدين، والشيخ محمد حسن الصوري، والأستاذ محمد علي البلاغي، والشيخ علي الصغير، والشيخ عبد المنعم الفرطوسي، والسيد مصطفى جمال الدين، والسيد محمد بحر العلوم.
2- جمعية منتدى النشر: أسست عام 1354 هـ ومن أعضائها: الشيخ محمد رضا المظفر، والسيد محمد تقي الحكيم، والشيخ عبد المهدي مطر، والسيد هادي الفياض، والشيخ أحمد الوائلي، والشيخ مسلم الجابري، والسيد محمد جمال الهاشمي، والدكتور محمود المظفر، والسيد عبد الحسين الحجار.
3- جمعية التحرير الثقافي: أسست سنة 1360 هـ، ومن أعضائها: الشيخ عبد الغني الخضرمي، والسيد محمد علي عليخان، والشيخ عبد المنعم الشميساوي، والشيخ محمد حسين الصغير.
4- الدوريات الأدبية: وأوسعها شهرة وأبعدها تأثيراً، هي:
1- مجلة الهلال، لجرجي زيدان، أصدرها عام 1892 م واستمرت حتى عام وفاته 1914 م، ولا تزال تصدرها دار الهلال بالقاهرة.
2- مجلة العرفان، للشيخ أحمد عارف الزين، أصدرها عام 1909 م حتى عام وفاته 1960 م، ثم تولى إصدارها نجله الأستاذ نزار الزين.
3- مجلة الرسالة، للأستاذ أحمد حسن الزيات، أصدرها عام 1933 م حتى عام 1953 م.
وغيرها من المجلات المصرية واللبنانية والسورية.
أما الدوريات النجفية التي شاركت في النهضة الأدبية الحديثة فأهمها:
1- مجلة العلم، للسيد هبة الدين الشهرستاني.
2- جريدة الهاتف، للأستاذ جعفر الخليلي.
3- مجلة الاعتدال، للأستاذ محمد علي البلاغي.
ثم المجلات التالية:
1- الغري، شيخ العراقين آل كاشف الغطاء.
2- البيان، علي الخاقاني.
3- الدليل، عبد الهادي الأسدي.
4- البذرة، طلبة كلية منتدى النشر.
5- العقيدة، فاضل الخاقاني.
6- الشعاع، هادي العصامي.
7- العدل الإسلامي، محمد رضا الكتبي.
8- النجف، هادي فياض.
9- النجف ، كلية الفقه.
10- الأضواء، جماعة العلماء.
5- الحلبات الشعرية: وأعني بها تلك التي يتبارى فيها الشعراء بمناسبة ما، منها: ما ذكره الخاقاني في كتابه شعراء الغري، ترجمة السيد جعفر الخرسان، حيث قال: (( وآل الخراسان من الأسر النجفية العريقة... أنجبت أفذاذاً فرضوا أنفسهم على التاريخ بما نالوه من مكانة سامية في العلم والأدب والتقوى والصلاح في القرن الثالث عشر، كالعلامة السيد حسن المتوفى 1265 هـ، والذي شارك في رثائه أكثر من عشرين شاعراً بارز)).
ومنها منسابة قدوم المرجع الديني الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء من باكستان بعد حضوره المؤتمر الإسلامي المنعقد هناك عام 1371 هـ، فقد أستمر الاحتفال باستقباله الذي أقيم في مدرسته الخاصة مدة أسبوع، وساهم فيه جمع من شعراء النجف آنذاك، منهم: الشيخ عبد المنعم الفرطوسي، والسيد مصطفى جمال الدين، والشيخ محمد الهجري، والشيخ محمد حيدر.
ومنها مناسبة وفاة المرجع الديني الشيخ محمد رضا آل ياسين (ت 1370 هـ)، وكذلك شارك فيها جمع من الشعراء، منهم: الشيخ محمد تقي الجوهري، والسيد محمد جمال الهاشمي، والشيخ علي الصغير، والشيخ عبد المنعم الفرطوسي، والسيد مصطفى جمال الدين، والسيخ عبد الزهراء العاتي ، والسيد مير حسن أبو طبيخ.
وقد أصدرت مجلة البيان النجفية عدداً خاصاً بهذه المناسبة.
6- الحلقات الأدبية: منها:
1- حلقة السيد إبراهيم بحر العلوم(ت 1319 هـ)؛ يقول الشرقي: (( وهو، يعني السيد إبراهيم، أكثر رجالات الأدب المتأخرين تعهداً لمن يستفيد منه، وحرصاً على تخريج من يأخذ عنه، ولذلك كانت له حلقة تلتف حوله من عشاق مسلكه، ولا يزال الناس يذكرون حلقته هذه ويصفون في كلامه وحسن تصويره للخاطر الذي يختلج في باله حتى كأنه يشير إلى شيء محسوس في الخارج )).
2- حلقة الشيخ مهدي الحجار(ت 1385 هـ)؛ يقول الخاقاني: (( وكانت له حلقة أدبية تضم العشرات من الشباب الذين كانوا يرجعون إليه في فصل الخصومات الأدبية )).
ومما ينبغي أن يشار إليه هنا الظواهر التي جرت بمناسبة حديث الأدب، منها:
أولا: إن الشعر كان يعتمد في إسماعه الحضور على طريقة الإنشاد، وكانت لهذه الطرقة أناس مختصون يعهد بها إليهم، ثم تحول من طريقة الإنشاد إلى طريقة الإلقاء. يقول الخاقاني في كتابه شعراء الغري، (( وتولى إنشاد شعره بنفسه، ولعله أول شاب رأيناه من إخواننا أستعمل ذلك يوم أن كان مستغرباً فقد عرف بإنشاد الشعر آنذاك: الشيخ حسن سبتي والسيد خضر القزويني، ومن قبلهما الشيخ محمد شريف )).
ومن المنشدين المعروفين أيضاً السيد هاشم كمال الدين.
ثانياُ: تنظيم الاحتفالات، وذلك بوضع منصة للإلقاء وجدول بأسماء الأدباء المشاركين في الاحتفال، وتعيين عريف يقوم بتقديم المشاركين، والبدء بتلاوة آي من الذكر الحكيم، والختم بكلمة شكر.
يقول الخاقاني في ترجمة الجعفري أيضاً: (( وزاد على ذلك بأن سعى إلى قلب المجالس النجف وأنديتها إلى شكل احتفالات أدبية على طراز ما يقتضي العصر الحديث، مما هو مستعمل في مصر وسورية )).
ثالثاً: الشعر السياسي، يقول الخاقاني في ترجمة صالح الجفري، بعد المنقولة المذكورة في أعلاه: (( وإدخاله الشعر السياسي في المحافل الدينية والأندية الأدبية مما سبب تحامل الرجعيين واتهامه بشتى الاتهامات التي كانت مبتذلة آنذاك لاتخاذها سلاحاً فاشلاً ضد المتيقظين )).
رابعاً: التأثر بالأدب الفارسي، عُرف الأدب الفارسي، ولا سيما الشعر، بالظواهر التالية: عذوبة الإيقاع ودقة الألفاظ وسعة الخيال ودقة التصوير.
وعرف الأدب العربي، وبخاصة الشعر، بانعكاس طبيعة بيئة البادية على الكثير منه، تلك الطبيعة التي كانت تتمثل في فخامة الألفاظ ومتانة المعاني وعفوية الأخيلة.
مثل هذا الانعكاس في شعره تمثيلاً نموذجياً الشاعر السيد إبراهيم الطباطبائي (ت 1319 هـ)، (( ذكره الشيخ علي الشرقي في مقدمة ديوانه فقال: نشأ وفيه ميل فطري للآداب فعكف عليها في إبان شبابه، وكان مغرى بغريب اللغة وشواردها، ذا حافظة قوية للغاية، مفضلاً لأسلوب الطبقة الأولى طبقة البداوة على الأساليب الصناعية الحادثة.
(( ولم تَمْض ِبرهة حتى طار ذكره في البلاد وأشتهر في شعره بطريقته العربية الصرفة التي أحياها بعد اندراسها، حتى تألف لها حزب من أدباء العراق على عهده، وتعصب لها قوم تخرج جماعتهم عليه )).
(( وهو أكثر رجالات الأدب المتأخرين تعهداً لمن يستفيد منه، وحرصاً على تخريج من يأخذ عنه، ولذلك كانت له حلقة تلتف حوله من عشّاق مسلكة، ولا يزال الناس يذكرون حلقته هذه ويصفون لهجته في كلامه وحسن تصويره للخاطر الذي يختلج في باله، حتى كأنه يشير إلى شيء محسوس في الخارج )).
والعلاقة الثقافية بين النجف الأشرف وإيران علاقة وثيقة فالكثير من أساتذة وتلامذة الحوزة العلمية في النجف الأشرف هم من الإيرانيين.
وأيضاً، كثيراً ما يسافر الشيوخ والطلاب الحوزيون العرب إلى إيران بقصد زيارة مرقد الأمام الرضا (ع) بمشهد، ومرقد أخته السيدة فاطمة بقم، وبقصد السياحة والاصطياف والتعارف، فيلتقون هناك بالأدب الفارسي ويتعرفونه عن طريق رجالاته والمنشور من إنتاجاتهم الأدبية، ويتفاعلون مع تلك الطبيعة الموهوبة بالحسن والواهبة للشعر.
وقد بان أثر هذه العلاقة الثقافية على النتاج الأدبي النجفي، وذلك في مثل:
1- شعر أحمد الصافي النجفي (ت 1397 هـ)، فقد سافر الصافي إلى إيران وتعلم اللغة الفارسية بإتقان، وقرأ الأدب الفارسي بإمعان، فأفاد منه براعة التصوير، وانسيابية التعبير، حتى عاد نموذجاً مميزاً في شاعريته وشعره.
2- شعر علي الشرقي (ت 1384 هـ)، سافر الشرقي إلى إيران ثلاث مرات، وأفاد من سفراته هذه ما ظهر أثره على خياله الشعري.
وكما تأثر الصافي والشرقي، وهما من أعلام الشعراء النجفيين العرب، بالأدب الفارسي، تأثر شاعران نجفيان آخران، وهما من أصل فارسي بالأدب العربي، فكانا من أدباء النجف المعدودين، وهما:
1- آغا رضا الأصفهاني (ت1362 هـ)، فقد اعتبره الأستاذ الخاقاني، ممن تأثر في شعره بالشاعر المعروف صفي الدين الحلي ومدرسته (( فقد عشق البديع وأنواعه، وتأثر بالنكات الأدبية الدقيقة، ويكاد لا يخلو بيت له من ذلك)).
وفي تعليق الشيخ كاشف الغطاء على ديوان السيد جعفر الحلي: ((وللشيخ آغا رضا المذكور مع وفر حظه من العلم والفضل والتقى والصلاح حظ وافر من الأدب، وباع طويل في النظم والنشر وشعر رائق جمع بين طرافة الفرس وفصاحة العرب)).
2- أبو فضل الطهراني (ت1316 هـ)، هو الآخر فارسي الأصل، تأثر بالأدب العربي، ونظم الشعر العربي وأجاد فيه.
إن هذا التلاقح بين الأدبين العربي والفارسي كان عاملاً مساعداً على التجديد في الشعر النجفي الحديث.
خامساً: التأثر بالأدب المصري، فالصلة الأدبية بين النجف ومصر قديمة، إذ كان العرب – ومنهم النجفيون – يتابعون أخبار النهضة الأدبية الحديثة عن طريق الدوريات الادبية المصرية، أمثال الرسالة والرواية والثقافة والهلال والكاتب المصري والكتاب، وغيرها.
ثم تأكدت هذه الصلة عن طريق المبتعثين من أبناء النجف إلى القاهرة للتخصص في اللغة العربية، أمثال: الدكتور عبد الرازق محيي الدين، والدكتور مهدي المخزومي، والأستاذ إبراهيم الوائلي، فقد تأثروا بالأدب المصري الحديث، وانعكست أصداؤه على نتاجهم الأدبي.
وخير مثال يذكر هنا الأستاذ إبراهيم الوائلي، فإنك لتلمس طابع ما ذكرت في قصيدته بذكرى الإمام علي (ع) :
صهر النبوة حسبي منك إيحاء*** دنياك صوت ودنيا الناس أصداء
آمنت بالحق لم تعصف بموكبه*** هوج الخطوب ولم تفلله أرزاء
وبالصراحة أدنى ما يراد به*** للخلق أن يتساوى الذئب والشاء
يا أيها الآية العظمى ألا قبس*** من الهدى فواحشي الأفق ظلماء
أشرف على السفح وانظر كيف جانبه*** فإنه اليوم لا نبت ولا ماء
ومثال آخر أستاذنا الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، وقصيدته في تأبين شاعر القطرين مطران (ت 1949 م):
سل عن الشاعر أو خذه مثال*** تغن عن شعب جواباً وسؤال
تلتقي الأفاق في أبعاده*** وهو دون العين مرأى ومنال
ضلت الألباب عن إدراكه*** ومضت تخبط رشداً وظلال
ليس تدري أية تنسبه*** أملاك حط أم جنٌ تعالى
وبماذا تتحامى شره*** وترجى الخير منه والنوال
فلتقم للشعر يوماً جامع*** ولتبالغ فيه سوماً واحتفال
وليِنب عن كل قطر شاعر*** عرف الفضل لأهليه فقالا
شاعر القطرين بوركت صب*** وشباباً ومشيباً واكتهال
جئت والنهضة فينا طفلة*** بعد لم تبلغ فطاماً أو فصال
وتباشير حياة حرة*** شع في الوادي سناها وتلال
ورفاق عد أخوان الصف*** نفروا واستنفروا الناس عجالى
كنت في القادة منهم فكرة*** ومن الساقة إذ أعيوا كلال
تهب الفكرة لا مستجدي*** أن يقول الناس قد أفتى وقال
مصلح في غير دعوى مصلح*** ونبي لم يكلفنا امتثال
تخذ الفن له آلهة*** وحواري الفن أنصاراً وآلا
سل بيوت الفن من عمره*** وأشاع الخير فيها والجمال
وبرود الشعر من جدده*** وارتدى منها قصاراً وطوال
ورد النيل سحاباً فاستقى*** وأتى الأفاق فانهل انهلالا
كلما مر على مجدبة*** أسمعته حمد مصر فأنالا
وكان لدخول دواوين علي محمود طه: الملاح التائه وليالي الملاح التائه وأرواح وأشباح وخمر والرياح الأربع، دور واضح قرأنا أثره في شعر غير واحد، منهم: الشيخ محمد حيدر، والأستاذ صالح الظالمي، والأستاذ جميل حيدر.
كما كان لقراءة مؤلفات الدكتور طه حسين وتوفيق الحكيم، وجيلهما من أدباء مصر، أثر بعيد في صقل الموهبة الأدبية النجفية وبخاصة في مجال النثر الفني.
وانعكاس هذا واضح في كتابات أمثال أستاذنا السيد محمد تقي الحكيم والسيد محمد بحر العلوم وغيرهما.
سادساً: التأثر بالأدب الشامي، السوري واللبناني، وكان هذا بالدرجة الأولى عن طريق شعر بدوي الجبل وشعر الأخطل الصغير، ودواوين الأستاذ الحوماني وغيرهم.
كما كان عن طريق زيارات أدباء النجف للبنان والالتقاء بأدبائه وحضور ندواته الأدبية.
وكذلك عن طريق الأدباء اللبنانيين الذين كانوا في النجف للدراسة الدينية، وهم على صلة بالأدب اللبناني والأدباء اللبنانيين.
وأوضح مثال يذكر، هنا، أخونا السيد محمد حسين فضل الله، وقد بينت هذا في تقديمي لديوانه يا ظلال الإسلام. ولا ننسى أن نشير هنا إلى دور مجلة العرفان في الربط بين الأدبين اللبناني و النجفي؛ فقد كانت الجسر الذي وصل بين الثقافتين اللبنانية والنجفية.
يقول خير الدين الزركلي في الأعلام، ترجمة أحمد الزين، وهو في معرض الحديث عن مجلة العرفان: (( كانت أعظم ميدان لأقلام كتاب عصره، (يعني صاحب العرفان)، من العاملين على الخصوص والشيعة الإمامية بصفة عامة.
(( وكان لمطبعتها الفضل في نشر جملة من كتب الأدب والتاريخ )).
وكذلك نشير إلى مجلة العروبة للأستاذ الحوماني فقد كان لها شيء من التأثير.
كما لا ينبغي أن ننسى، هنا، دور مؤلفات جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة ومارون عبود، وجيلهم من الأدباء اللبنانيين.

شخصية الشيخ زين الدين الأدبية:
وكما مر بنا، هاجر أستاذنا الشيخ زين الدين من البصرة إلى النجف عام 1351 هـ، حيث البدايات الأولى للصراع الثقافي بين القديم والجديد في دنيا أدب النجف، فكان عليه، وهو الطموح الذي يتطلع لأن يكون أديباً من أدبائها، أن يدخل هذا المعترك، ولأنه كان ابن الثامنة عشرة في حينها كان عليه أن يكون في صف الشبان، أي مع الجديد.
وكما ألحمت، ففي النجف التقى بصديقه الحميم ورفيق دربه في مسيرته الأدبية الشيخ سلمان الخاقاني.
والخاقاني من الشبان القلائل الذين كانوا يعنون بمتابعة الكتب الأدبية الحديثة أمثال مؤلفات الدكتور طه حسين، والدكتور زكي مبارك، وعباس محمود العقاد، وإبراهيم المازني، ومصطفى صادق الرفاعي، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وأحمد حسين الزيات، وأحمد أمين، ويوسف السباعي، وسيد قطب، ويحيى حقي، ونجيب محفوظ، ومارون عبود، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة...الخ.
وكذلك الدوريات الأدبية الحديثة أمثال: الرسالة والرواية والثقافة والهلال والكاتب المصري والكتاب والعرفان والعروبة والهاتف والاعتدال ...الخ.
وممن كان يتابع النتاج الأدبي الحديث من قرناء الخاقاني سناً : الأستاذ صالح الجعفري ، وأستاذنا السيد محمد تقي الحكيم ، والسيد محمد جمال الهاشمي ، وآخرون قليلون .
وكان لأستاذنا زين الدين متابعة أيضاً ، ولكن ليس عن طريق الاقتناء شأن من قدّمت أسماءهم لقلّة ذات يده ، فكان متابعة لما تصدره المطابع من إنتاج أدبي حديث عن طريق الاقتناء في حدود الميسور ، وعن طريق الاستعارة من زميله الشيخ الخاقاني .
وبطريق الاقتناء استطاع ، مع مرور الزمن ، أن يكوّن لنفسه مكتبة أدبية مغنية كمرجع أدبي خاص.

نثره:
وكان لمجلة الرسالة دور العامل الأهم في تكوين أسلوبه الأدبي لكتابة المقالة ، فقد تأثر بافتتاحياتها تلك التي كان يحررها صاحب الرسالة الأستاذ أحمد حسن الزيّات ، والتي طُبعت فيما بعد تحت عنوان وحي الرسالة بأربعة أجزاء ، وكانت من مقتنيات شيخنا زين الدين ومحفوظات مكتبته الخاصة ، وقد رأيته كثير القراءة لها والتأثر بها في كتاباته، لاسيما مقالاته الأولى .
وبعد أن استقلّ بشخصيته الأدبية استقلّ بأسلوبه الخاص به الذي ينتمي أدبياً إلى أسلوب الزيّات ، أو قل إلى مدرسة الرسالة في أسلوب المقالة.
والعوامل التي ساعدت أستاذنا زين الدين على الاستقلال بأسلوب أدبي اختصّ به في كتاباته النثرية هي :
1- طموحه ، فقد كان بعيد الطموح وذا نزعة قوية في الطلوع إلى قمة الكمال.
2- ثقته بنفسه، في القدرة على الفهم والإدراك، والنقد والرد ، والتحليل والتعليل، وعلى الاختراع والإبداع.
3- اعتداده بشخصيته بعمق وقوة .
وكل هذه عوامل نفسية تساعد مساعدة فاعلة على الوصول إلى الهدف المنشود.
وتمثّل أبعاد أسلوبه في النثر الفني بالتالي :
1- اهتمامه بانتقاء اللفظة المناسبة لموضعها في سياق الجملة والكلام .
2- حرصه على أن تكون اللفظة خفيفة الإيقاع ، حيث تتطلب الفكرة ويقتضي السياق ، وثقيلة الجرس عندما تفرض المناسبة أو الموقف ذلك ، مع المحافظة على عذوبتها ذوقاً ، وسهولة أدائها نطقاً .
3- محافظته على العفوية ، أي البعد عن التكلف ، في انسيابية الألفاظ ضمن عقد تعبيري متناسب ومتناسق .
4- تأكيده على صفاء العام للمقالة، إلى مستوى لا يرى القارئ فيها إلا ترابطا ً عضويا ً في اللفظ والمعنى، فلا نبوة للفظ ولا كبوة لمعنى.
وقد أكثر من كتابة المقالات، وبخاصة في مناسبات ذكريات أهل البيت (ع) التي كانت تقام في البصرة والنجف الأشرف وسامراء، حيث يُقيمُ موكب النجفيين، الذي اعتاد أن يذهب إلى سامراء بمناسبة وفاة الإمام الهادي (ع) ، في اليوم الثالث من شهر رجب من كل عام، مهرجاناً كبيراً بالمناسبة.
نموذج من نثره الأدبي (( بلال يؤذن )):
من أروع مقالاته الأدبية مقالته بعنوان "بلال يؤذن"، التي نشرها الأستاذ علي الخاقاني في مجلته البيان، وفي كتابه شعراء الغري ضن ترجمة الشيخ.
وقد لاقت عند نشرها استحساناً كبيراً من طبقة الأدباء القدامى وطبقة الأدباء المحدثين، وأعطته شهرته الأدبية في الوسط الأدبي النجفي كأديب له أسلوبه النثري المتميز.
ولأنها النموذج الممثل لأسلوب أستاذنا الجليل، رأيت نشرها هنا لتسليط بعض الضوء على ما فيها من أبعاد فنية... وها هي:
(( ينعقد الحفل ويكتظ النادي بالمجتمعين، ويعم الجميع صمت رهيب وسكون خاشع، ومحمد يتحدث بصوت متزن الإيقاع، سماوي النبرات، يأخذ بالقلوب قبل الإسماع، ويمتلك العقول قبل النفوس، وكأن المجتمعين أهل طبقة واحدة، قد سوّت بينهم أخوة الدين الجديد، وجمعتهم سياسة النبي الحكيم، فلا فوارق ولا مميزات )).
(( تلك هي الجامعة المثالية التي أسسها محمد يوم وصوله إلى يثرب، فهي مجلس التشريع ومحكمة العدل، وهي هيكل العبادة ومسجد الصلاة، وهي مدرسة التهذيب ومعهد الثقافة، ومصدر جميع ذلك قرآن محمد وإرشاده )).
(( وللمسلمين كل يوم في ذلك المحفل أكثر من اجتماع واحد ، تتزاحم فيه المناكب ، وتتطاول فيه الأعناق ، وترهف فيه الأسماع لاستجلاء حكمة جديدة ، واستطلاع رأي سديد)).
(( يتحدث محمد ويشير، والقلوب رهن إشارته وحديثه، والعيون تحصي كل لمحة من طرفه، وكل إشارة من كفّه )).
(( وينتهي النبي من حديثه فيسكت، وسكوته إذنٌ للقوم بالكلام، فيبتدئون القول، ويستعرضون في كلامهم أمر الصلاة، وأي عمل عند المسلم أعظم من الصلاة، وأي حديث أشهى إليه من حديث الصلاة )).
(( إنها اجتماع أرواح وائتلاف أبدان وقلوب، ثم هي تَحوّلٌ من حال إلى حال، وارتفاعٌ من كون إلى كون، حيث يلتقي العابد بالمعبود، ويتصل الخالق بالمخلوق )).
(( ويذهب القول شعوباً، ويتخذ فنوناً وطرائق، ثم يلتقي عند الأذان فيتساءل الحاضرون باستغراب: إن لكل دين من أديان السماء شعاراً يبلغ أهله أمر الصلاة إذا أوكلناه إلى الصدفة، ولم لا يتّخذ المسلمون إحدى هذه العبادات شعاراً لصلواتهم ))؟!
(( فيقول أحدهم: إني رأيت أبواق اليهود أبلغ في إيصال الدعوة إلى المصلين )).
(( ويقول الثاني: ولكن ناقوس النصارى أشجى نغمة، وأكثر اتصالاً بخشوع العبادة)).
(( ويقول الثالث: ولكن عرب قبل اليهودية والنصرانية، فهلا ّ نتخذ لصلاتنا ناراً كنار القرى، ولنسمّها إذا شئنا (( نار الصلاة)). ويقترح آخرون طرائق أخرى )).
(( يقولون هذا، ومحمد مطرق لا يفوه بشيء، لأن الوحي لم يزوّده بشيء، ولنه يكبر دينه أن تدخله أمثال هذه العادات التي لا تشبه العبادة ولا تمتّ إلى العقيدة )).
(( ليكن نداء الصلاة نداء أرواح لأنها اجتماع أرواح، ولكن الوحي لم يأته بعد بشيء، فهو مطرق )).
(( وينفض الحفل والأذان حديث كلّ فم، و فكرة كلّ قلب، وتمرّ على المدينة ليلة قلقة يتناول الرأي فيها كلّ أحد، ويشترك في القول كلّ فرد، لأن الصلاة حق للجميع فالتفكر في شأنها من حقوق الجميع ما دام النبي لم يصدر رأياً، وما دام المحي لم يعيّن أمراً )).
(( وينتهي الهزيع الأول من الليل، فتسري في المنتديات همسة من الرجاء، وتطوف عليها بارقة من الأمل، إنهم سيسمعون عند الفجر أول نداء للصلوات، ولكن ماذا يكون ذلك النداء، ويبيت الجميع في نشوة من الأمل، ووله من الانتظار، يتطلعون بشائر الفلاح عند الصباح )).
(( ويتقلص ظل الليل الطويل، وتبدو طلائع الفجر الأول، تحمل تباشير النور، فيزدحم المسجد الأعظم، وتكتظ الشوارع القريبة، وتمتلئ الأفنية والسطوح )).
(( ماذا يتأمل هؤلاء المزدحمون ))؟
(( إنهم ينتظرون نداء الصلاة، وعظم نداؤها، وعظمت القوة التي تملك الموجودات قبل وجودها )).
(( ويبتسم الفجر، فينطلق صوت بلال بالأذان الأول (الله أكبر)، فتهتز قلوب، وتجري دموع، وترتفع إلى السماء أصوات متشابكة، هي مزيج من زغاريد النساء، وتكبير الرجال )).
(( ويبدو وجه محمد أمام المسلمين، ويقيم الصلوات، فترتد الأنفاس، وتسكن الأصوات )).
(( يقول التاريخ: الأذان رؤيا صالحة رآها عبد الله بن زيد )).
(( ويقول الأئمة من أهل البيت: الأذان وحيٌ تنزّل من السماء )) .
(( فهل لنا أن نصدق التاريخ إذا لم يعترف بصحته أهل البيت ))؟!
(( وهل لنا أن نجوّز على النبي أن يعتمد في الأذان على الرؤيا، وهو المقيّد بالوحي فيما يقول وما يفعل )).
(( الدين الإسلامي أبعد من أن يؤسس أحكامه على الرؤى مهما كان الرائي عبداً صالحاً )).
(( ومن لنا أن نجعل رؤيا الأذان نوعاً من أنواع الوحي حجب عن محمد ليراه عبد الله بن زيد ))؟!
(( وسواءً أكان الأذان رؤيا صالحة أم كان وحياً إلهياً، فقد أصبح شعيرة من شعائر الدين، وأصبحت لبلال مكانة جديدة عند المسلمين يوم كلّل جبينه وسام المؤذن الأول، واعتمده الرسول أميناً على أوقات الصلوات )).
(( يسمع المسلمون صوت بلال في اليوم الواحد خمس مرات، ثم لا يزيد هذا التكرار أذانه إلا طلاوة، ولا يؤثر في قلوبهم إلا لهفة وشوقاً )).
(( وتدول الأيام فيقبض الرسول، وينقطع الوحي، ويختم القرآن، وينقطع صوت داعي السماء )).
(( وعاهد بلال أن يترك الأذان وفاءً لنبيّه، ولا بد له أن يفي )).
(( ثم تمر على ذلك العهد أيام، وقلوب المسلمين متعطشة إلى صوت بلال )).
(( وتمرض وحيدة النبي، (فاطمة)، فيعودها كبار المسلمين، ويأتيها الشيخ الوفي مع العائدين، فترحب به ثم تقول: لقد اشتقت إلى صوتك يا بلال، فيطرق بلال ثم يبكي )).
(( إنه اقتراح عظيم بلال، ولكن لا بد له أن يجيب، لأن تقترحه هي وحيدة في الأمة)).
(( لقد ترك الأذان وفاءً لنبيّه، فليؤذن هذا اليوم وفاءً لنبيه أيضاً )).
(( نعم سيؤذن بلال هذا اليوم، ولكن أذانه اليوم غير أذانه بالأمس)).
(( يشيع النبأ فتجتمع الأمة وتزدحم كازدحامها بالأمس، إلا أن الفراق جليّ بين اليومين، فإن الدموع لا تشبه الدموع، والخشوع لا يماثل الخشوع )).
(( و بلال ينتظر الوقت وهو مطرق، لا يدري أيحسن الأذان هذا اليوم أم لا ))؟!
(( ويجيل طرفه جولة ً في السماء فيعرف الوقت، ثم يجهد ليؤذن فلا يستطيع )).
(( وبعد برهة يرتفع صوته مزيجاً من البكاء والتكبير، وتستحيل المدينة صرخة واحدة، يشترك فيها عويل النساء وبكاء الرجال )).
(( ويجيء النذير إلى بلال، إن وحيدة رسول الله قد ماتت، فيقطع الأذان وينزل بين الحسرات والدموع )).
(( لم تمت فاطمة يومئذٍ ولكنها ذكرى عهدِ حبيب تثير منها كامنا ً فتصعق، والوجد إذا تضاعف قتل )).

إطلالة على نثره من خلال النموذج:
هذه رائعته الأدبية المشهورة، لوحة فنية تزهو بالألوان الجميلة، رسمت بريشة فنّان مبدع استمد فكرتها من التاريخ الإسلامي، وهنْدَسَ هيكلها من موحيات موهبته الأدبية، تلك الموهبة التي تحمل زخما ً عاطفيا ً ولائيا ًبتأثير ما كان يعيشه ( قدّس سره)، من عشق إلهي أخذ عليه كلّ أطراف تفاعله مع الفكرة، فأبرزها نوراً يرسل أشعته حزمة ضوء آسر، وقوة جذب ساحر، وكل هذا جاء نتيجة الأبعاد التالية:
1- عاطفة الكاتب: إن أستاذنا المقدس، الشيخ زين الدين، ممّن راضوا أنفسهم على التقوى، فسما بنفسه روحانيا ً حتى تعلق بالملكوت الأعلى تعلقا ً إيمانيا ً واعيا ً أكسبه الولاء الخالص لله تعالى، ولمن أمر الله تعالى بولائهم وهم أولياؤه المصطفون الأبرار محمد وآله (ع) .
وكان من نتائج هذا الولاء ما لمسناه فيه من رقة تأخذ عليه كل أبعاد عاطفته، عندما يكون بين يدي الله تعالى، وليس أجلى مصداقا ً لذلك من أن يكون عند فكرة إسلامية عبادية يكتب فيها قاصدا ً وجه الله تعالى والنصرة للحق.
وإنك إذ تقرأ هذه المقالة، (( بلال يؤذن ))، ترى عاطفته فيها واضحة وضوحا ً بيّناً، وذات مستوى واحد من أول المقالة حتى آخرها، وهذا يدلنا على أنه كتبها وهو مستحضر للغاية من كتابتها، وهي النصرة للحق والزلفى عليه تعالى.
أو قل تفاعل مع الفكرة وانفعل بها انفعالاً سايره في الكتابة عنها وفيها، مشبوب العاطفة حتى آخر حرف منها. ومما أفادته التجارب في الكتابة الأدبية أن العاطفة المتفاعلة مع الفكرة تعمل وبقوة على تدفق الأسلوب على الكاتب، تدفقاً يستطيع معه الإجادة في التعبير كما يريد، وهو ما تجلّى بوضوح في صياغة هذه المقالة من ناحية تعبيرية.
2- إيقاع الألفاظ: إن النثر الفني لا يختلف عن الشعر الفني في ضرورة توافره على العنصر الموسيقي، أو ما يعرف بالإيقاع.
وكما أن الشعر عندما تتوهج عاطفة الشاعر أثناء نظمه يتناغم إيقاعه، ويتناسق جرسه، كذلك النثر الفني.
ولأن الشيخ زين الدين، كما أسلفت، كتب مقالته هذه وهو متوهّج العاطفة، جاء الجرس في ترابط الألفاظ كأنه إيقاع فاتن لقصيدة حب صوفية.
3- جمال التعبير: في المفردة والجملة، ثم المقالة كاملة، وهو ما يعبّر عنه في الدرس النقدي بالصورة أو الشكل، ويقوم عنده، استخلاصاً من المقالة بين يدينا، على العناصر التالية:
أ- انتقاء الألفاظ الجميلة المناسبة وذات الإيقاع الفنّي المناسب.
ب- الموازنة والمواءمة بين الألفاظ في السياق الواحد، حيث اعتمد طريقة المقاطع القصيرة المتوازنة تنغيماً، وطريقة الفواصل المقفّاة سجعاً.
ج- توليد العبارة من الأخرى، للدلالة على معنى واحد، أو قل إعطاء المغنى الواحد بأكثر من عبارة واحدة، وهو ممّا يفرضه الأسلوب الخطابي، بغية شدّ المتلقي بالفكرة شدّاً قوياً لتدخل أعماق قلبه فتربطه عاطفياً إليها.
4- خطابية الأسلوب: هناك فرق جليّ بين أسلوب علمي يُصاغ بعبارة أدبية، وأسلوب أدبي يحتوي فكرة علمية، حيث لا نلمس في الأول أثراً للخطابة، بينما تبين في الثاني بوضوح.
كما أن الأول يخاطب العقل مباشرة، والثاني يخاطب القلب أو العاطفة، وعن طريقها ينفذ إلى العقل.
والأسلوب في المقالة، موضوع الدرس، من النوع الثاني، ولكل واحد من الأسلوبين مقامه المناسب له، وهو ما يسمى في علوم البلاغة ب((مقتضى الحال)) أي ما يتطلبه الموقف.
وقد تفرد شيخنا زين الدين بهذا الأسلوب في حينه، بينما التزم معاصروه، كأستاذنا الشيخ محمد رضا المظفر، الأسلوب الأول.
ومن هنا يأتي دور الأستاذ زين الدين في الانتقال بأسلوب المقالة وكتابتها من مدرسة العروة الوثقى إلى مدرسة الرسالة – كما سيأتي.
وكما مارس الشيخ زين الدين كتابة المقالة، مارس أيضاً كتابة الرسالة، وقد تمثلت نماذجها فيما تبادله من رسائل مع صديقه وزميله الشيخ سلمان الخاقاني، وما أرسله إلى أخيه أستاذنا الشيخ علي زين الدين.
وهي- فيما أعلم – لا تزال مخطوطة.
كما أنها لا تختلف في أسلوبها الأدبي عن أسلوبه في كتابة المقالة. وربما كان فيها ميل إلى أسلوب الرافعي في رسائله المنشودة بعنوان أوراق الورد.

شعره:
كتب شيخنا زين الدين الشعر، ولكن على قلة، وكان يتحرج أن يعرف به لأنه في محيط لا يستسيغ ذلك، لأنه يريد من أهل العلم التفرغ للعلم.
وكأن قولة الإمام الشافعي:
ولولا الشعر بالعلماء يزري***لكنت اليومَ أشعر من لبيد
لا تزال تأخذ مفعولها في الأوسط العلمية الدينية.
فمن غلب عليه الشعر من الفقهاء عُدَّ في رأي الناس في مصافّ الشعر، ونُسيت فقاهته، وأوضح مثال لهذا الشريفُ قديماً، والسيد الحبوبي حديثاً.
ومن هنا كان الفقيه يقول الشعر، ولكنه يعمل على أن لا يغلب عليه، وهذا بيّن في أمثال الشريف المرتضى قديماً، والشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء حديثاً، فقد غلبت فقاهتهما على شعرهما.
وللأستاذ علي الخاقاني- وهو ثورة على القيم الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك، وهي غير قائمة على أساس متين يدعمها- موقف من موقف الشيخ من الشعر ذكره في كتابه شعراء الغري عند ترجمته له، قال:
(( وقد حباه الله بمواهب عالية في الأسلوب، فهو موفق فيه يستولي على الألباب الواسعة، ويهيمن على القلوب المتحجرة، وكتبه التي ألّفها دلّت على خبرته وإتقانه للأسلوب الأخاذ المشفوع بالخواطر الجليلة، وكتابه الأخلاق عند الإمام الصادق أبرزه بين مؤلفي العصر كعَلم على خلوده)).
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com