موقع الصراط ... الموضوع : فلسفتنا واقتصادنا
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  فلسفتنا واقتصادنا  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 1 / ربيع الثاني / 1437 هـ
     
 
"نص المحاضرة التي ألقاها الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي في حسينية العباس بأم الحمام (القطيف)
بمناسبة مرور أربعة عشر عاماً على استشهاد المفكر الإسلامي الكبير الإمام الصدر (قدس سره)"
بسم الله الرحمن الرحيم

الصراط نهج السعادة والتقدم الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد، وآله الطاهرين.
يمرّ على مختلف مديات التّأريخ البشري، وفي فترات قد تكون متقاربة وقد تكون متباعدة، عظماء متميّزون بعظمتهم، مبرّزون في أكثر من مجالٍ فكريّ؛ يطلق على هؤلاء في علم النفس بـ(الموهوبين)، ويعبّر عنهم في التأريخ والأدب بـ(العباقرة).
والعبقريّ هو الّذي يتميّز بذكاء خارق، يستطيع من خلاله أن يبدع، ويبتكر، ويقترح، ويطوّر، ويغيّر، من هؤلاء - على سبيل المثال وليس الحصر - : سقراط، وأرسطو من فلاسفة الإغريق؛ ومن هؤلاء: الشّيخ المفيد، والشّيخ الطّوسي، والعلامة الحليّ من فقهاء الإماميّة؛ ومن هؤلاء في عصرنا الشّهيد الصّدر (قدس سره).
نبغ (قدس سره) في ظروف مرّت بالعراق بشكل خاص، وبالمسلمين بشكل عام، شغلت بالصّراع الفكريّ بين المسلمين والغربيّين، وشغلت أيضاً بالنفوذ الغربيّ في بلاد المسلمين.
الصراط نهج السعادة والتقدمهذه الظروف حرّكت مجموعة من المفكرين الإسلاميّين للعمل على تغيير هذه الظروف لصالح الإسلام والمسلمين، ومن أبرز الذين تحرّكوا على السّاحة هو الشّهيد الصّدر، وكان العمل يتطلّب أن ينطلق السّيد الصّدر وكوكبة من المثقّفين من تلامذته التي كانت تحبّه وتلتزم بأوامره أن ينطلقوا من نقطة الصّفر، حيث لم يكن هناك من المدوّنات ما يتماشى مع متطلّبات العصر الحاضر من حيث الشكل والأسلوب، وربما من حيث المضمون أيضاً.
وكما تعلمون نحن المسلمون نمتلك ثروة علميّة كبيرة وضخمة تتمثّل في القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة الشّريفة المرويّة عن طريق أهل البيت (عليهم السلام)، وفي الفكر الذي أفرزه العلماء المسلمون على مدى التأريخ الإسلامي من عصر الرّسالة النبويّة حتّى عصرنا الراهن.
هذه الثّروة هي في واقعها من نوع الثّروة الخام التي تحتاج إلى دراسة، إلى تحليل، إلى تعليل، إلى تنظيم لترتفع إلى المستوى المطلوب في هذا العصر الذي نعيشه.
الثّروة الفكريّة الخامة لأيّ حضارة من الحضارات الإنسانيّة لا تقوم بدور التغيير والتطوير، ورفع مستوى أبناء المجتمع إلا بعد أن تحوّل من ثروة خام إلى مدوّنات تصنع المذهب والمخطّط؛ ومن هذه المدوّنات التي تمثّل المنهج، والمذهب، والمخطط، تنبثق الدساتير، والأنظمة، واللوائح؛ والأنظمة واللوائح هي التي تقوم بوظيفة تنظيم علاقات أبناء المجتمع، ومن ثم تعمل على رفع مستوى أبناء المجتمع.
المرحلة الأولى كانت موجودة لدينا، وهي الثّروة الفكريّة الخامة، لكنّ المرحلة الثّانية ما كانت موجودة لدينا، وبطبيعة الحال المرحلة الثّالثة لا تكون موجودة لأنّها تتفرّع وتنبثق عن المرحلة الثّانية.
ومن هنا كان التفكير من قبل المرحوم السّيد الصّدر أن يعمل على نقل هذه الثّروة الفكريّة من مرحلتها الأولى إلى المرحلة الثّانية، وبهذا يستطيع أن يعطي الحضارة الإسلاميّة وجودها وحضورها العالميّ.
المفكّرون في العالم في أيّ حقل من حقول المعرفة لا يتعاملون مع الثّروات الفكريّة الخام الموجودة في الحضارات الأخرى، وإنّما يتعاملون مع ما تفرزه هذه الثّروة الفكريّة من مناهج ومذاهب وخطط أعني ما يكون في المرحلة الثّانية من مراحل التطوّر.
ارتأى السّيد الصّدر أن يبدأ بالقاعدة الأساسيّة للنظريّة الإسلاميّة العامّة، وهي موجودة بشكل متفرّق ومتناثر في الثّروة الفكرية الخام، فارتأى أن يستخلص النظريّة الإسلاميّة العامّة التي ترتفع بمستوى الحضارة الإسلامية إلى مقتضيات ومتطلّبات العصر الحاضر، إذ لا بدّ أن يبدأ من النّقطة الأولى في تأسيس هذه النظريّة الإسلاميّة.

تعريف الدين:
النّقطة الأولى - وربّما هذا الشّيء لم يشر إليه فيما كُتِبَ عن سيرة وشخصيّة الشّهيد الصدر - أن يُعَرِّف الدّين الإسلامي بما يلتقي وطبيعته كفكر حضاريّ يعمل على إسعاد البشريّة.
التّعريفات التي كانت مطروحة في الكتب للدّين بشكل عام أو للدّين الإسلامي بشكل خاص عرّفت الإسلام بأنّه (عقيدة وعمل)، كلّ التعريفات لو رجعنا إليها الموجودة في التّفاسير، أو في كتب علم الكلام، أو حتى في كتب الفلسفة الإسلاميّة قبل عصر السّيد الصدر لا تتعدى تعريف الدّين بأنّه (عقيدة وعمل).
هذا التّعريف يلتقي مع واقع الإنسان كفرد، لكن ليس فيه الشمولية التي تعمّ الإنسان كمجتمع وكدولة، هذا التّعريف مستمدٌّ من واقع ما هو مذكور في الرسائل العمليّة؛ العبادة عمل ينظّم علاقة الإنسان بخالقه، الزّكاة عمل ينظّم علاقة الغنيّ بالفقير في حدود المساعدة، وهذه أخذت من جوانب فرديّة، أي لا نلمس فيها الشّمولية.
ربما يكون هذا واضحاً لديكم، ولكن أوضحه أيضاً: نحن هنا مجموعة موجودة في هذه الحسينيّة المباركة مجموعة أفراد تقوم بيننا علاقات؛ هذه العلاقات ذات لونين في آن واحد علاقة الفرد بالفرد، ثم مجموع العلاقات لمجموع الأفراد.
فعندما نقول: (الدّين عقيدة وعمل)، معناه أنّه ينظّم علاقة الفرد بالفرد من دون مراعاة تنظيم مجموع العلاقات بشكل مجموع.
إذن النّقطة الأولى التي أراد أن ينطلق منها السّيد الصدر - وتعدّ اللّبنة الأساس في البناء الفكريّ الذي شيّده أو في البناء الفكريّ للنظريّة الإسلاميّة - أن عبّر عن الدّين عقيدة إلهيّة ينبثق عنها نظام كامل للحياة، فإذن عندنا عقيدة إلهيّة، أي ترتبط بالله تعالى، ولا ترتبط بالفكر الإنسانيّ؛ لأنّ العقيدة إذا كانت ترتبط بالفكر الإنسانيّ ونابعة منه، فإنّ هذا الفكر الإنسانيّ غير معصوم قد يخطأ؛ فاحتمال الخطأ يسري إلى الأفكار العقائديّة التي يعطيها الإنسان نفسها؛ وإذا كانت هناك أخطاء في أساس البناء لا يأتي بشكل مستقيم وموطأ.
فإذن لا بدّ أن تؤخذ العقيدة من الله، وترتبط بالله؛ لوجود العصمة التي تبعد العقيدة التي هي أساس النّظريّة عن الخطأ.
المفهوم للعقيدة الإسلامية، والذي بُحِثَ من خلال علم الكلام أو ما يسمى بعلم التّوحيد أيضاً، وهو علم إسلاميّ خالص، أي وضع من قبل المسلمين من دون أن يتأثّر العلماء الذين وضعوه بتجارب علميّة سابقة، فهو علم إسلاميّ ابتكر إسلامياً، وبقي إسلامياً.
أيضاً العقيدة الإسلامية بحثت في حقل الفلسفة الإسلاميّة، والفلسفة الإسلاميّة في بداياتها الأولى كانت متأثّرة بالفلسفة اليونانية.
وأجرى الإمام الصادق (ع) تصويبات للفلسفة اليونانيّة ولكن بوجود فلاسفة آخرين بعد الإمام الصادق (ع)، ومن خلال إفرازاتهم الفكريّة مع الفلسفة الإسلاميّة تمثّل العقيدة الإلهيّة تمثيلاً كاملاً.
فإذن في حقول المعرفة ما قبل السّيد الصدر كانت العقيدة الإلهيّة تبحث من خلال الفلسفة الإسلاميّة، وتبحث من خلال (علم التوحيد) أو ما يسمى بـ(علم الكلام)، ونجد لها دراسات متناثرة ومتفرقة في كتب تفسير القرآن الكريم، وفي كتب شروح الحديث الشريف، وكذلك في كتب دراسة المأثورات المنقولة عن العلماء المسلمين.
لكن كلّ هذه لا تضع أمامنا العقيدة التي تصلح لأن تكون أساساً ومنطلقاً للنّظام الإسلاميّ، قلنا: الدين عقيدة إلهيّة، ينبثق عنها نظام، أي النظام ينبثق عن العقيدة، إذن لا بد وأن تكون العقيدة منطوية على أصول ذلك النّظام لكي نستطيع أن نفرغ النظام عن تلك الأصول، من هنا توجّه السّيد الصّدر لوضع كتابه المعروف (فلسفتنا).

ماذا يدرس في الفلسفة:
قبل أن أتحدّث عن هذا الكتاب لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الفلسفة كانت تدرس ثلاثة موضوعات: الموضوع الأول: المعرفة؛ والموضوع الثاني: الوجود؛ والموضوع الثالث: القيم؛ وأبدأ بتعريفها من الأخير.
القيم: هي الحقّ، قيمة الحقّ، والخير قيمة الخير، والجمال قيمة الجمال، وهذه نسميها القيم الثلاث: الحقّ، والخير، والجمال؛ وهي أسمى القيم الموجودة في العالم، والفرع الفلسفي الذي كان يدرس الحقّ قديماً هو علم المنطق، والفرع الفلسفي الذي يدرس قيمة الخير قديماً هو علم الأخلاق، والفرع الفلسفي الذي يدرس الجمال، أو الجانب الفني هو علم الجمال. هذه القيم كانت تدرس ضمن الفلسفة، ثم انفصل علم المنطق عن الفلسفة، واستقلّ عنها، ثم انفصل علم الجمال عن الفلسفة، واستقلّ عنها، ثم انفصل علم الأخلاق عن الفلسفة، واستقلّ عنها، وبقيت الفلسفة تدرس موضوعين: المعرفة، والوجود.

معنى المعرفة:
ماذا نعني بالمعرفة؟ وماذا نعني بالوجود في عالم الفلسفة؟
المعرفة: هي هذه المعلومات التي يكتسبها الإنسان.
الإنسان - في رأي أكثر الفلاسفة وكذلك في رأي أكثر العلماء - يولد وليس معه أيّ شيء من المعلومات، وإنّما يكتسب هذه المعلومات من هذه الحياة، يتفاعل مع ما هو موجود في هذه الحياة، ويكتسب هذه المعلومات، يولد ولا يعرف أيّ شيء عن الألوان، لكن من خلال حاسة البصر يتعرّف على الألوان: أخضر، أحمر، أصفر... الخ، يولد لا يعرف علاقته بأمّه، ولا يعرف أنّ هذه والدته، ولا يعرف علاقته بأبيه، وأن هذا هو أبوه، وإنّما بعد أن يتوعّى يفهم أنّ العلاقة بينه وبين هذه المرأة علاقة الأمومة والبنوّة، وبينه وبين هذا الرجل علاقة الأبوّة والبنوّة، فيكتسب المعلومات، هذه المعلومات في الفلسفة تسمى (معرفة).
ماذا يُدْرَسُ في المعرفة؟ لا يدرسون المعلومات، وإنّما يدرسون كيف تكتسب المعرفة، وما هي المصادر التي يحصل الإنسان من خلالها على معارف.

أقسام الفلاسفة:
ينقسم الفلاسفة على قسمين؛ الفلاسفة العقليين، والفلاسفة الحسيين.
الفلاسفة المحدثون الآن كلّهم حسيّون لا يؤمنون بوجود ما يسمى بـ(العقل)، يقولون: المعارف تؤخذ عن طريق الحواس، وما لا يخضع للحسّ لا يدخل نطاق المعرفة.
الفلاسفة العقليّون يؤمنون بالعقل، ويؤمنون بالحسّ، والمعارف التي تكتسب عن طريق الحسّ لا تعدّ في رأي العقليين معارف إلا إذا أقرّها العقل، وهناك معارف لا تخضع للحسّ، ولكنّ العقل يستطيع إدراكها.
هذا الذي نعنيه باختصار بموضوع المعرفة في الفلسفة.

معنى الوجود:
موضوع الوجود هو الكون؛ هذا الكون الذي نعيش فيه بسمائه، بأرضه، بما فيه.
من أين نشأ هذا الكون؟ ومتى نشأ هذا الكون؟ وهل هناك منشئ وموجد لهذا الكون؟ وما هي التطورات التي يمرّ بها هذا الكون؟ وهل سينتهي هذا الكون؟ وكيف سينتهي وإلى أين سينتهي؟
كلّ هذا يدرس في الفلسفة.

علاقة المعرفة بالوجود:
عندما ندرس علماً من العلوم نرى أنّ هذا العلم يأخذ منها، ويعطيها؛ فنتساءل: ما هي علاقته بتلك العلوم؟
هنا الفلسفة تدرس هذين الموضوعين، وما هي علاقة المعرفة بالوجود حتى جاءت الفلسفة وحشرت موضوع المعرفة إلى جانب موضوع الوجود.
هذا الشيء الذي لم تكن الإشارة إليه في الفلسفات القديمة، ولعلّ أول فيلسوف إسلاميّ أشار إليه هو الشّهيد الصّدر.
في الفلسفات القديمة - عندما أقول قديمة أعني ما قبل الشهيد الصدر - كان يقال العلاقة التي تربط بين دراستنا للوجود أنّ الفلسفة تدرس علل الأشياء، تدرس المبادئ الأولى للأشياء، فنحن هنا ندرس العلة الأولى للمعرفة؛ من أين تأتينا المعرفة؟ من أين تأتينا هذه المعلومات؟ ندرس العلّة الأولى للوجود؛ من أين جاء هذا الوجود؟ من الذي أوجد هذا الوجود؟

القاسم المشترك بين الوجود والمعرفة:
إذن هناك قاسم مشترك، وقدر جامع يجمع بين موضوع الوجود وموضوع المعرفة، وهذا الذي كان يقوله المتقدّمون...
السّيد الصدر، يقول: لا، ليس هذا هو القاسم المشترك بين موضوع المعرفة وموضوع الوجود، وإنما هناك شيء خفي على هؤلاء الذين تقدّموا، وهو أنّ دراسة المعرفة هي مقدّمة لدراسة الوجود؛ كيف تكون المعرفة مقدّمة لدراسة الوجود؟
توضيح ذلك: أنا أريد أن أفكر من خلال المعلومات الموجودة لديّ حول هذا الكون، بدايته، تطوراته، نهايته... كيف أفكر؟
طبعاً بالمعلومات الموجودة في ذهني أحاول أن أنظم هذه المعلومات الموجودة في ذهني، ومن خلال تعاملي مع هذه المعلومات الموجودة في ذهني أستطيع أن أعطي رأياً عن بداية الكون، وتطوراته، ونهايته؛ فإذن أنا أستخدم المعلومات الموجودة في ذهني لدراسة الوجود، أي هناك عمليّة تفكير.
هذه العمليّة تجري في المعلومات المختزنة في ذهني؛ لأتوصل عن طريق عمليّة التّفكير داخل إطار المعلومات الموجودة في ذهني؛ لأعطي رأياً عن بداية الكون، وعن نهايته، وما بين البداية والنهاية.
هذه المعلومات التي أستخدمها معلومات موجودة في ذهني، قد تكون هذه المعلومات صحيحة، وعادة عندما تكون هذه المعلومات صحيحة تأتي النتائج صحيحة، وقد تكون هذه المعلومات مغلوطة، وإذا كانت مغلوطة بطبيعة الحال النتيجة أيضاً تأتي مغلوطة.
إذن لا بدّ أن أتأكد من أنّ المعلومات التي في ذهني مسبقاً هي صحيحة، أي لا بدّ أن أتأكّد من أنّ المعلومات التي أريد أن أتعامل معها، وأن أستخدمها في معرفة نشوء الكون وتطوّره ونهايته صحيحة لأصل إلى نتائج صحيحة.
السيد الصدر يقول: هنا نحن ندرس نظرية المعرفة لنتعرّف على المصادر الصحيحة، والمصادر الأساسيّة للمعرفة التي تزوّدنا بالمعلومات الصحيحة متى استخدمناها أنتجنا بها نتائج صحيحة في إعطاء الرّأي عن نشوء الكون وتطوّره ونهايته.
فإذن العلاقة بين دراسة المعرفة ودراسة الوجود أنّ المعرفة تأتي مقدّمة لدراسة الوجود؛ ذلك لنضع القاعدة الصلبة؛ لنقف عليها أثناء تفكيرنا؛ حتى نصل إلى نتائج صحيحة ومقبولة.


كتاب فلسفتنا:
الصراط نهج السعادة والتقدمالآن آتي للحديث عن كتاب (فلسفتنا) - الإضافة هنا إلى ضمير المتكلّم تعني فلسفة المسلمين -.
الكتاب يتضمّن موضوعين فقط: موضوع المعرفة، وموضوع الوجود، وأما موضوع القيم فما عاد يدرس في الفلسفة، ولا ارتباط له في وضع النظريّة الإسلاميّة العامّة.
النظريّة الإسلاميّة العامّة تؤخذ من الآراء، والمفاهيم التي نتوصّل إليها عن نشوء الكون، وعن تطوّره ونهايته، هذه المفاهيم التي توصّلنا إليها كنتائج أفدناها من عمليّة التّفكير والتعامل مع معلوماتنا، هذه المفاهيم هي التي تعطينا النظريّة الإسلاميّة التي تكون قاعدة تُبنى عليها النظريّات الإسلاميّة الأخرى.
هناك شيء آخر أضافه السّيد الصّدر، كان بإمكانه أن يسلك المنهج الذي سلكه القدامى في دراسة موضوعات الفلسفة، وهي أن يدرس نظريّة المعرفة، ويدرس نظريّة الوجود، وينتهي إلى ما أشرنا إليه من علاقة نظريّة المعرفة بنظريّة الوجود، ويكتفي بهذا.
أو بتعبير آخر: كان بإمكانه أن يدرس نظريّة الوجود في إطار إسلاميّ فقط، لكن هذا لا يساعد على صياغة النظريّة الإسلاميّة بشكل يعطيها الشموليّة والعالميّة؛ لأنّنا من هنا كنا نريد أن نقدّم الإسلام نظاماً عالميّاً.
فدراسة نظريّة الوجود في إطار إسلاميّ بعيداً عن الفلسفات الأخرى لا يساعد على منح النظريّة الإسلاميّة صفة العالميّة.
إذن، ما الذي يساعد على ذلك؟ هو أن ندرس الفلسفة الإسلاميّة مقارنة بالفلسفات الأخرى المعاصرة، من هنا راح السّيد الصّدر يجمع كلّ ما كُتِبَ عن الفلسفة الاشتراكيّة، وهي أهمّ الفلسفات المعاصرة، وتقوم على مبدأ الديالكتيك، والديالكتيك يعرّب أو يُترجم بالتناقض أو الجدل، والديالكتيك هو المنطق الذي تقوم عليه الفلسفات الاشتراكيّة والفلسفة الشيوعيّة، أعني الفلسفات التي وضع أساسها كارل ماركس، وجاء تلامذته ومن بعدهم وفرّعوا عليه ما فرّعوا من فلسفات أخرى.
قلت: الديالكتيك يعني التناقض، فما هو التناقض؟
أعطي مثالاً واحداً: الآن أمامي هذه القنينة، هذه القنينة في رأي الديالكتيكيين تحمل في داخلها عناصر بقائها وفنائها، أي إنّ العناصر المكوّنة لهذه القنّينة تنقسم على قسمين، أو إنّ فيها بذور فناء وبذور بقاء، بذور فناء تعمل على إنهائها، وبذور بقاء تعمل على إبقائها واستمراريتها، حيث يحصل صراع داخل هذه القنّينة بين بذور الفناء وبذور البقاء، أي إنّ هناك معركة أعظم من معركة داحس والغبراء موجودة داخل هذه القنينة بين بذور الفناء وبذور البقاء، وفي رأي الديالكتيكيين بذور الفناء تنتصر فيما بعد وتنتهي هذه القنينة.
الإنسان يحمل معه بذور بقائه وبذور فنائه، وهناك صراع داخليّ بين بذور الفناء وبذور البقاء، وبالتالي تتغلّب بذور الفناء على بذور البقاء، وينتهي الإنسان، وكلّ شيء في الوجود هكذا.
هذا معنى الديالكتيك (التناقض)، يعني صراع بين بذور الفناء وبذور البقاء داخل الشّيء الواحد.
السّيد الصّدر جمع ما توصّل إليه من الكتب التي تبحث في الديالكتيك، وفي الفلسفات التي قامت على أساس منه، هناك الفلسفات المثاليّة، وهناك الفلسفات الأخرى، يجمع كلّ ما يستطيع تجميعه من كتب تساعد على دراسة هذه الفلسفات، وقام بدراسة هذه الفلسفات بعمل مقارنة بينها وبين الفلسفة الإسلاميّة.

لماذا المقارنة بين الفلسفة الإسلامية والفلسفات المعاصرة؟
ونعمل على هذه المقارنة أو عمل عليها لتحقيق هدفين؛ الهدف الأول الذي أشرت إليه سابقاً، وهو أن يعطي صفة العالميّة للنظريّة الإسلاميّة عن الكون وعن الوجود، وهذه الصفة العالميّة لا تتأتّى إلا بعد المقارنة بين الفلسفة الإسلاميّة والفلسفات الأخرى، وترجيح الفلسفة الإسلاميّة على الفلسفات الأخرى؛ والهدف الثاني تفنيد وإبطال هذه الفلسفات.

كيف أبطل السّيد الصّدر الفلسفات الحديثة؟
بدأ في إبطال هذه الفلسفات الحديثة عموماً من خلال مناقشة الفلسفات التي تبنَّتْ المنهج التجريبيّ، والذي لا يعترف بأيّة معرفة لا تأتي عن هذا الطريق، بل هي مرفوضة مطلقاً في رأي الفلسفات الحديثة، والتي تقول: لا بدّ أن نأخذ المعرفة عن طريق التجربة؛ ولذا نسمع الفيلسوف (هيوم) يقول: أنا لا أستطيع أن أؤمن بالله؛ لماذا؟ لأنّ هذه الساعة أستطيع أن أؤمن بها؛ لأنّني أستطيع أن أدخلها المصنع وأكوّنها، هذا الماء أستطيع أن أدخله وأحلّله إلى عنصري الأكسجين والهيدروجين، ولكن الله سبحانه وتعالى لا نستطيع أن ندخله مصنعاً أو مختبراً، والشيء الذي لا أستطيع إدخاله المصنع أو المختبر لا أؤمن به.
فهؤلاء أيّ معرفة أو معلومة لا تأتي عن طريق التجربة لا يؤمنون بها، لماذا؟ لأنّهم لا يؤمنون بشيء اسمه العقل وسأشير إلى هذا فيما بعد.
يقولون: عندنا مادة، الإنسان مادة، وهذا الذي يسميه المسلمون أو الرجعيّون المتخلّفون (العقل) هو وظيفة من وظائف المادة، كيف؟ يدي قامت بلمس هذه القنينة فوظيفتها اللمس، أين هو اللمس؟ اللمس هو وظيفة قامت بين اللامس والملموس، العقل هو جهاز المخ والمخيخ والنخاع الشوكي هذه المادة للإدراك.
هذه المادة أدركتها أمامي، وأدركت هذا الكأس، وهذا المسجّل، كذلك هناك في الإنسان مادة وهي المخ والمخيخ، أي الأجهزة التي نسمّيها أجهزة الإدراك قامت بالإدراك، فهذا مدرك والوظيفة هي الإدراك، فلا شيء اسمه العقل، لماذا؟ لأنّ الفلاسفة الإلهيين أو الفلاسفة المسلمين يقولون: إنّ العقل وجود، وليس وظيفة، وهو وجود مجرد ليس وجوداً مادياً.
بدأ السّيد الصدر في نقد المذهب التجريبيّ، والآن نوضح ذلك بالتمثيل: أنا أريد أن أتعرّف عن أنّ هذا الماء إلى كم ساعة لو بقي غير متحرّك يتأسّن؟ لنفترض أنه لأربع ساعات، آتي بماء آخر، وأضعه في الإناء الآخر، فأجده يتأسّن بعد أربع ساعات، أستمر بتكرار التجربة، ثم أقف، قد أكرر التجربة أربع مرات، ثم أقف وأعطي النتيجة، وقد أكرر التجربة عشرة مرات، ثم أقف وأعطي النتيجة، من الذي قال لي إنّ التجربة ناجحة، وأعطت النتيجة؟ هل التجربة قالت؟ التجربة لم تقل أبداً؛ أنا الذي أتيت بالكأس الأول ووضعته، وهكذا الكأس الثاني والثالث، والتجربة ما تكلّمت، ولا قالت أي شيء، إنما كنت أراقب التغيّر الذي يحصل؛ لأصل إلى نتيجة، فالتجربة لم تقل لي أيّ شيء، ولا أعطتني نتيجة، وإنما أنا الذي أعطيت النتيجة، أنا الذي قلت: إنّ التجربة هنا ناجحة، والماء إذا بقي راكداً أربع ساعات يتأسّن. من الذي قال لي؟ الذي قال لي هو العقل؛ فالعقل حاكم على التّجربة، والتّجربة لا تعطي نتيجتها إذا لم يكن هناك عقل يقرّر نجاح التجربة.
من هنا استطاع أن يفنّد المقولة التي تقول: ((إنّ العقل غير موجود ولا يستطيع أن يعطينا المعرفة ولا المعلومات)).
ثم تناول الموضوعات الأخرى: كمبدأ العليّة الذي يعني أن كلَّ شيء لا بدّ وأن يكون معلولاً عن شيء آخر؛ وكالمادة والله أيّهما الأزليّ؟ والإدراك كوظيفة عن أجهزة ماديّة أو عن موجود مجرد نسميه العقل.
وبعد أن انتهى من ذلك أثبت أنّ هناك مبدأ يسمى مبدأ العليّة، وأن التجربة لا تعدّ تجربة إلا بتدخّل العقل، وأن الإدراك ينبع عن شيء مجرّد نسميه العقل وهو الذي أعطى المفهوم الإسلامي عن العالم.

أهميّة كتاب فلسفتنا:
هذا الكتاب ألّفه (قدس سرّه) خلال ثمانية شهور، يعني أنّ هذه الجولة الطويلة العريضة استغرقت ثمانية شهور، ثم طُبِعَ الكتاب، ووُزّعَ، وكُتِبَتْ عنه دراسات قيّمة جداً من فلاسفة عرب في مصر، وفي سوريا، وفي لبنان، وفي غير هذه البلدان، وفلاسفة غير عرب من الهند وباكستان وإيران، وكذلك في الغرب، وترجم إلى اللغة الفارسيّة، وإلى اللغة الإنجليزيّة.
وهذا يعني أنّ السيد الصدر ليس فيلسوفاً إسلاميّاً فقط، الفيلسوف الإسلاميّ هو الذي يفهم الفلسفة الإسلاميّة ولا يفهم الفلسفات الأخرى؛ فالذي يفهم الفلسفة الاشتراكيّة ولا يفهم الفلسفات الأخرى يسمى فيلسوفاً اشتراكيّاً، أما الذي يفهم الفلسفات الأخرى فهماً عميقاً، ويقارن بينها، ويحاكمها على ضوء العقل السليم، والمنطق القويم فهو المفكّر الفلسفي العالمي، وهذا ما فعله السيد الصدر، ومن هنا أعطي لقب (المفكر الفلسفي العالمي).
واستطاع هذا الكتاب أن يكون من الكتب الخوالد في العالم، فهناك مجموعة من الكتب يمكن أن نسميها الكتب الخوالد، وهي التي يرجع إليها المفكّرون والمثقّفون في مختلف اللغات، وفي مختلف المجتمعات، وعلى اختلاف الميول والاتّجاهات والعقائد.
ففي هذا الكتاب استطاع السيد الصدر (قدس سرّه) أن يعطينا المفهوم الإسلامي العام عن الوجود، وبهذا استطاع أن يصوغ النظريّة الإسلاميّة من خلال صحّة وأحقّيّة العقيدة الإلهيّة التي يشاد عليها، وينبثق منها النظام الإسلامي على جميع الصعد؛ السياسيّة، والاقتصادية، والاجتماعيّة، والثقافيّة، إلى آخر ما في الحياة من مجالات.

دور الاقتصاد في حياة الأمّة:
بعد هذا انتقل إلى الاقتصاد، طبعاً عالمنا عالم اقتصاد، وأنتم قد تتصوّرون أنّ عالمنا عالم عبادات، وعالم قراءة التعزية، وعالم ذكريات الأنبياء والأئمة... لا، حقاً هذا صحيح ولا ننفيه، لكن العالم اليوم عالم اقتصاد، إنّ الذي يحرك العالم هو الاقتصاد؛ الاتحاد السوفيتي ارتفع بسبب الاقتصاد، وهكذا الدّول الأخرى في العالم المعاصر ترتفع بسبب الاقتصاد، وتنهار بسبب الاقتصاد، وانظر إذا دخلت دولة جدولة الديون حرَّكت الصحافة العالمية كلّها في أنّ هذه الدولة تكتب وصيّتها سوف تنتهي، لماذا؟ في العالم هناك أشياء أخرى غير الاقتصاد فلماذا صار العالم عالم اقتصاد؟ إنّ هذا بسبب هيمنة الرأسمالية.
عندنا الاقتصاد الاشتراكيّ، والاقتصاد الرأسماليّ، هذان الاقتصادان هما اللذان يتحكمان في العالم، وعندنا اقتصاد إسلاميّ لكنّه لا يتحكّم في العالم، وسوف أعطيك مثالاً واضحاً الآن حتى لا تتسرّع بتكفيري.
البنوك الآن والشركات التي نتعامل معها كلّها قائمة على أساس الاقتصاد الرأسماليّ، وليس فيها أيّ جانب مأخوذ من الاقتصاد الإسلاميّ، والبنوك والشركات في العالم هي التي تمثّل الاقتصاد، وهي التي تحرّك العالم تقدّماً أو تأخّراً، كلّ هذا جاء نتيجة هيمنة الاقتصاد الرأسماليّ، والاقتصاد الاشتراكيّ، ولكن هيمنة الاقتصاد الرأسماليّ أكثر من هيمنة الاقتصاد الاشتراكيّ.
إذن نحن الآن وبعد أن وضعنا المفهوم الإسلاميّ عن الكون والنظريّة الإسلاميّة الأساس نبدأ بتفريع النظم عنها، ولا بد وأن نبدأ بالنّظام الاقتصادي؛ لأنّ العالم يتأثّر بالاقتصاد وبحركة الاقتصاد، إذن لا بدّ من دراسة الاقتصاد الرأسماليّ، والاقتصاد الاشتراكيّ.
أيضاً هذا الجانب قد يكون سياسيّاً يرتبط بالاقتصاد، أنا أريد أن تكونوا جزءاًً من العالم، ولا تكونوا مجموعة أفراد تعيش في القطيف أو في أم الحمام بعزلة عن العالم؛ لأن القطيف وأم الحمام جزء من العالم؛ ولأن كلّ ما يجري في العالم يجري علينا، إن كان خيراً فلنا من خيره، وإن كان شراً فلنا من شره.
الرأسمالية هيمنت على العالم، والاقتصاد الرأسمالي - أي اقتصاد أمريكا وأوروبا الغربية - هيمن على العالم، ونتيجة هذه الهيمنة أصبح العالم تابعاً لأمريكا وأوروبا الغربية. كيف؟
الآن كما ذكرت، الشركات، وأنظمة المصانع، وأنظمة الأساطيل الكبرى في البحار والمحيطات... وإلى آخره، كلّها الآن تسير وفق الاقتصاد الرأسماليّ، ونحن كمسلمين أصبحنا تابعين لأمريكا وأوروبا في هذا المجال.
من هنا يسمّوننا العالم المتخلّف؛ لأنّنا حتى الآن لم نضع لنا أنظمة بنوك، ولم نؤسّس بنوكاً تضاهي البنوك الرأسمالية، ولم نؤسّس شركات تضاهي الشّركات الرأسماليّة؛ فنحن من ناحية اقتصاديّة متخلّفون.
ولكي لا نغضب، قالوا عنا: (دول نامية)، والله أعلم إن كانت ستنمو أو لا.
والآن جاءوا بنغمة جديدة، فسمونا (دول الجنوب) وهم الشمال، نعاني من تبعيّتهم رضينا أم أبينا، لأنّنا اقتصادياً تابعون، ونعاني من هذه التبعيّة، ولا نستطيع أن نخرج عن هذه التبعيّة إذا لم يكن لنا اقتصادنا المستقل الذي يقوم في مقابل الاقتصاد الرأسماليّ والاقتصاد الاشتراكيّ.
لأنّنا إذا أخذنا بالاقتصاد الرأسماليّ سنبقى تابعين، وهكذا إذا أخذنا بالاقتصاد الاشتراكيّ، ونحن نريد أن نخرج من هذه التبعية، ولا يتحقّق ذلك إذا لم يكن لنا اقتصاد مستقلٌّ.
نحن كمسلمين عندنا شيء اسمه الأخلاق، ونعتني بالأخلاقيّات، ونؤكّد على الالتزام بها؛ لأنّها تحافظ على كرامة الإنسان كإنسان، وهذا عكس ما في الاقتصاد الرأسمالي؛ فهو اقتصاد حرٌّ يقوم على المنفعة، ويبرر كلّ الوسائل أخلاقية وغير أخلاقية للحصول على الأرباح؛ والاقتصاد الاشتراكي اقتصاد موجّه يخضع لطبقة العمال، وهي التي تتحكم فيه؛ والاقتصاد الرأسماليّ يقوم على مبدأ الملكيّة الفرديّة، ولا يوجد شيء اسمه ملكيّة الأمّة في الاقتصاد الرأسماليّ؛ والاقتصاد الاشتراكي يقوم على أساس من الملكيّة العامّة، ولا يؤمن بالملكيّة الفرديّة إلا في حدود ضيّقة، بينما في الإسلام يؤمن بالملكيّة المزدوجة فيعترف بالملكيّة الفردية والملكيّة العامّة، أو ملكيّة الأمة وملكيّة الدّولة.

عمل السيد الصدر في كتاب اقتصادنا:
الصراط نهج السعادة والتقدمفي هذا الجو بإمكاننا أن نستخلص من المادة الخام التي ذكرناها اقتصاداً إسلاميّاً مستقلاً، وهذا هو الذي استهدفه السّيد الصدر، وتحرّك على هذا الأساس، ودرس عمليات الاقتصاد، عملية الإنتاج، وعملية التوزيع طبعاً هما أهم عمليّتين، وهناك عمليّة التّداول، وهناك عمليّة الاستهلاك لكن لا نحتاج إليها في الاقتصاد السّياسي، ونحتاج إليها في الاقتصاد المنزلي، ونحتاج إلى أن ننظّم عملية الإنتاج، وننظّم عملية التوزيع.
درس الاقتصاد الاشتراكيّ، ودرسَ الاقتصاد الرأسمالي، وقارن بين هذين الاقتصادين والاقتصاد الإسلامي واستطاع أن ينقل الثّروة الفكرية الخام من مرحلتها الأولى إلى المرحلة الثّانية، وهي وضع المذهب الذي تنبثق عنه الأنظمة، وطبعاً الأنظمة لا تنبثق إلا إذا قامت دولة ترجع إلى هذا المذهب المخطّط، وتضع الأنظمة على أساس من هذا المخطّط.
هذا الكتاب أيضا قُيِّمَ كما قُيِّمَ كتاب فلسفتنا، والانطباعات عنه كانت كالانطباعات عن كتاب فلسفتنا، أي اكتسب السيد الصدر عن طريقه لقب (المفكّر العالميّ).
إنّ هذا الرجل (قدس سره) لو كان يعيش في أوروبا لكان أخذ صداه أكثر بكثير مما عندنا هنا، لكانت دراسات كثيرة كُتِبَتْ عنه.
هنا كلّ ما عندنا: كيف قتله صدام؟ وانهالت اللعنات على صدّام كما تنهال اللعنات على يزيد يوم قتل الحسين (ع)، هذه حدود تفكيرنا، هذا شيءٌ عاطفيٌّ، ولا يوصلنا إلى شيء، ولا يرفع من مستوانا، وإنّما الذي يرفع من مستوانا أن نتفهّم فكر هذا الإنسان، وأن نعمل على مواصلة المسيرة التي بدأها هذا المفكّر العالميّ.
وفي الختام نقول: السيد الصدر بهذين الكتابين، في الأول وهو (فلسفتنا) وضع المفهوم الإسلاميّ العام عن الكون وعن الوجود.
وفي الكتاب الثاني (اقتصادنا) وضع النظريّة الاقتصاديّة في الإسلام على مستوى عالميّ.
طبعاً انبثقت نظم اقتصادية على أساس من هذا المذهب بعضها وُضِعَ من قبل مراكز الاقتصاد في بعض الجامعات، وبعضها وضع من قبل بعض الدّول الإسلامية، وهذا يعني أنّه أوجد شيئاً من التحرّك، وشيئاً من مواصلة المسيرة.

أردت في الواقع أن أطلعكم على هذا الجانب المهم من حياة السيد الصدر ولا أريد أن أكون ناعياً ولا أريد أن تكونوا نعاةً ليس لدينا إلا البكاء لماذا قُتِلَ؟ ولماذا قُتِلَ؟ ولماذا قُتِلَ؟.. لا، هذا لا يرفع من مستوانا، وإنما يضعنا في مصافّ النساء المتخلّفات لا النساء العاملات، النساء المتخلّفات التي لا تعرف من دنياها إلا البكاء أما النساء المثقفات لا.
نحاول أن نتفهّم فكر هذا الإنسان، هذا الإنسان الذي أعطى، ينبغي أن نستقبل هذا العطاء، ونعمل على الاستفادة من هذا العطاء.
بقيت نقطة واحدة فقط حتى أنهي الموضوع بها، أنا قلت: إنّ الاقتصاد الرأسماليّ يقوم على أساس من المنفعة، أما الاقتصاد الإسلاميّ - وكذلك النظريّة الإسلاميّة التي ترتبط بالجانب العلمي من حياة المسلمين - يقوم على مبدأ (الخير الاسميّ)، نسميه مبدأ (الخير الاسميّ)، ونعني بهذا المبدأ هنا رضا الله تعالى، مثلاً هذا الذي يغشّ بعرض الخضرة الذابلة واليابسة وبين فترة وأخرى يرشّها بالماء، هذا نوع من الغش، هذا لو يؤمن بمبدأ رضا الله يفكر في أنّ هذا العمل يرضي الله أو لا يرضي الله، وبالتأكيد هذا غشٌّ لا يرضي اللهَ؛ وهذا الذي تأتيه وعنده سيّارة عرضها للبيع بعد أن غسلها ولمّعها ولكن ماكنتها تعبانة، ويقول لك انظر لا يوجد بها أي عيب (ممتازة)، هذا غبن وغشّ، هذا إن كان يؤمن بمقياس رضا الله لا يقدم على هذا العمل أبداً، فالاقتصاد الإسلاميّ يقوم على مبدأ (الخير الاسميّ)، وهو رضا الله تعالى، كيف نحقّق رضا الله تعالى؟ هو أن نلتزم بالأحكام الشرعيّة في هذا المجال، مجال الاقتصاد التزاماً كاملاً.
والحمد لله رب العالمين.


نشكر سماحة العلامة الدكتور على هذه المحاضرة الوافية التي أشار فيها حول أفكار الشّهيد الصّدر في كتابيه الشّهيرين فلسفتنا واقتصادنا، والآن جاء دور الأسئلة.

س: ما هو السبب في استشهاد السيد الصدر؟
ج: كُتِبَ عن السيد الصدر أكثر من كتاب، أشير إلى شيء واحد وليس الذي يشيرون إليه دائماً، كيف قتل صدام السيد الصدر، وكيف قتل يزيد الحسين؟
السيد الصدر قُتِلَ، لم يقتله صدام بل قتلته الامبريالية العالمية؛ لأنه استطاع أن يدخل الإسلام عن طريق طرحه النظريّة الإسلاميّة العامّة بمفهومها الاسلاميّ العام عن الكون، والمذهب الاقتصادي الذي عنه تنبثق الأنظمة الاخرى، وهذا مما يهدّد أطماع ونفوذ الامبرياليّة العالميّة في بلاد المسلمين وثروة المسلمين فلكي لا يواصل المسيرة، ويهدّد وجود هؤلاء قُضِيَ عليه، هذا هو الواقع، وليس شيء آخر هناك.

س: ما هي أفضل الطرق للاستفادة من التّراث الذي تركه السّيد الصّدر بالنسبة للطلبة الجامعيّين؟
ج: أشير إلى تجربة قمنا بها على عهد السيد الصدر (قدس سره) ولو تكررت هذه التجربة هنا لأفادتنا كثيراً، درّسنا كتاب فلسفتنا واقتصادنا، عموم طلاب الثانويات والجامعات طبعاً خارج الثانويات والجامعات درّسوا كتاب فلسفتنا واقتصادنا، والإمام الحكيم (قدس سره) فتح أكثر من خمسين مكتبة في العراق، وهذه المكتبات كانت أشبه شيء بمعاهد تدريس، كان يدرس فيها كتاب فلسفتنا وكتاب اقتصادنا، أيضاً السّيد الحكيم أراد أن يطور الحوزة العلمية في النجف، فأنشأ دورة تدرس بالإضافة لدروس الحوزة كتاب فلسفتنا وكتاب اقتصادنا.
فإذا أردنا أن نستفيد نحاول أن ندرسه، وهنا يوجد من طلبة العلوم الدّينيّة من يستطيع أن يدرس هذين الكتابين، خاصة إذا كان منتهياً من مرحلة المقدمات والسطوح ولديه مطالعات لكتب حديثة.

س: ما هي آثار شخصيّة السّيد الصّدر (قدس سره) عند علماء الجمهور وهل غيّرت أفكارهم ونظرتهم إلى عالم التّشيّع؟
ج: احترمت كثيراً كتب السيد الصدر أو هذين الكتابين بالذات احتراماً كثيراً، ورجعوا إلى هذين الكتابين كمصدرين فيما كتبوا وفيما درسوا في هذا المجال، وقُرِّرَ كتاب فلسفتنا واقتصادنا في كثير من الجامعات كمصدر يرجع إليها في بعض الجامعات في بريطانيا وبخاصة في لندن، ترجمت بعض الفصول من فلسفتنا وبعض الفصول من اقتصادنا، وتدرس في مرحلة الدّراسات العليا في الماجستير.

س: لماذا لم تحقّق عملية استيراد النظم الاقتصاديّة الرأسماليّة أيّ نجاح في المجتمع الإسلامي بينما لاقت نجاحاً في المجتمع الغربي؟
ج: لأنها تتماشى مع طبيعة الغربيّين لكن في بلداننا لا تتماشى مع طبيعة المسلمين، قلتُ: نحن عندنا الجانب الأخلاقيّ وهذه النظم تلغي الجانب الأخلاقيّ، وأيضاً المبدأ الذي تقوم عليه الاقتصادات الأخرى يختلف عن المبدأ الذي يقوم عليه الاقتصاد الإسلامي، من هنا كان المفكرون من فقهاء لا يتقبّلون الاقتصاد الرأسماليّ وكذلك الاقتصاد الاشتراكيّ.

س: بماذا كان يمتاز أسلوب الشّهيد الصدر في مناقشته الفلسفيّة؟
ج: يرجع إلى عاملين؛ العامل الأول هو عبقريّة السّيد الصّدر، يتمتّع بذكاء خارق وهو ما نسميه بالعبقريّة.
والعامل الثاني هو كسره القوقعة التي يعيش داخلها طلاب الحوزة العلميّة، استطاع ان يكسر هذه القوقعة، ويتحدّى، ويقرأ، قرأ الكتب القديمة والحديثة التي ترتبط بالفلسفات، الفلسفات التراثية والفلسفات المعاصرة.
بالعامل الأول والعامل الثاني استطاع أن يدخل المعترك، وبيده السلاح القويّ، ويخرج من المعترك منتصراً مظفراً.

س: هل السّيد الشّهيد في كتابه فلسفتنا استطاع تكوين نظرية جديدة في المعرفة؟ وهل كان كتابه الأقوى من نوعه في مناقشاته للفلسفة الماديّة الديالكتيكيّة من حيث قوّة البرهان؟
ج: من حيث مناقشة الديالكتيك أقوى شخصين كتبا باللغة العربية - طبعاً باللغات الأخرى لا ادري - الدكتور نوري جعفر أستاذ في جامعة بغداد، والشهيد الصدر؛ والشهيد الصدر تفوّق عليه بالعمق والشموليّة، وأقوى كتاب في الواقع ناقش الديالكتيك هو فلسفتنا.
أما الشق الأول من السؤال؛ فقد طرح السيد الصدر أكثر من نظريّة في بحثه للمعرفة، منها نظرية الانتزاع، وهي النظريّة الإسلاميّة، وهذه لم تكن موجودة لا بمصطلحها ولا بمحتواها في الكتب الفلسفيّة المتقدّمة عليه وطرح مصطلحات أخرى لا مجال لذكرها الآن، والمهم أنه أضاف جديداً في المصطلح وفي الفكر.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com