موقع الصراط ... الموضوع : أهمية المكتبات في حياة المجتمع البشري
 
الأربعاء - 27 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أهمية المكتبات في حياة المجتمع البشري  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 17 / ربيع الثاني / 1437 هـ
     
  بقلم العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي
hilfee بسم الله الرحمن الرحيم
صدق الخبر الخبر، ونجز الوعد الصدق، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، وتحققت الأنباء والبشائر الصادقة، وجاء من بعد عيسى نبي اسمه أحمد، وبعث صاحب الرسالة الخاتمة، وازدانت الدنيا بالتجلي الأعظم، بمبعث خير الوجود علة الخليقة، وجوهرة الإنسانية السامية. فهذا أسعد يوم تتباهى به الامم، تجلى فيه سر * (إني أعلم ما لا تعلمون) *، بعث فيه النبي الأقدس، رحمة للعالمين، وفي يمناه الكتاب العزيز، يدعو الناس لما يحييهم، يتلو عليهم آيات ربه، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة.
فالعالم برحبه وسعته مكتب تعليمه وتربيته، وبين شرق الأرض وغربها مدرسة، وكتابه الكريم المفعم بالحقائق والدقائق الرقائق، المشحون بالغرر والدرر من المعارف والمعالم الإلهية، بمفرده يتكفل بتزكية النفوس، وإصلاح الدنيا، وكسح العراقيل عن مسير الإنسان، وبوحدته يحدو البشر على السعادة الأبدية، ويهديهم مهيع الحق، ومنهج السعد الخالد.
فبالكتاب والحكمة يتأتى تتميم مكارم الأخلاق، وهو الغاية المتوخاة من البعثة الشريفة، كما جاء في حديث صادع الكريم، وبهما يكافح كل مبدأ هدام لنواميس الشريعة، وتجتث أصول جراثيم الفساد عن صالح المجتمع العام.
وبالتدبر في آي القرآن الكريم ومحكماته يعلم قيمة العلم والكتاب في سوق الاعتبار، ويبين ما للتعليم والتربية الدينية من الأهمية الكبرى في حياة الانسان الروحية والمادية، ومراحل سيره إلى الخلود، والفوز الدائم، والحياة مع الأبد.
ولا منتدح عن العلم قط لأي أحد، حتى لمن لم يرد إلا الحياة الدنيا، وسعى فيها سعيها، وما أكثر من علوم يحتاج إليها الإنسان من الطبيعيات، والرياضيات، والاجتماعيات والاقتصاديات، والطبيات، والفلكيات، والنجوميات والمنطقيات، والأدبيات، والأخلاقيات، والتأريخيات، والصناعيات.. إلى ضروب من العلوم والفنون التي يفتقر إليها المجتمع البشري، وإن لم يعتنق فضيلة الدين، ولم يأبه لحياة الآخرة، ولم يقتف أثر علومها الناجعة.
فمن الضروري عندئذ: عد فكرة الكتاب والمكتبة من أكبر ما يهتم به عظماء الدنيا والدين من قديم الزمان، وأهم ما تصرف دونه همم الرجال منذ القدم، تدور عليهما عظمة الدول والحكومات العالمية، عند من يشعر بالحياة الإنسانية، عند من يتحلى بروح الثقافة الحية الشاعرة، عند من يملك عرق الفضيلة النابض.
الكتاب والمكتبة رمز رقي كل ملة، وسمة تقدم كل نحلة، ومقياس رشد الامم وسادتها، بهما تتأتى طلبة الإنسان وما يتوخاه من عوامل النجاح والفلاح، والفوز في العاجل والآجل.
المكتبة تؤدي رسالات الأنبياء، وتقيم الأود والعوج ببلاغات الأوصياء، وتمثل الحقائق ورجالاتها، وتصور أمثلتها نصب العين بدروس سير الأولياء، وتطهر درن القلوب بعظات الأصفياء، وتزيح علل النفوس بكلم رجال الصدق وحكمهم، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.
المكتبة دار التوجيه والإرشاد، دار الفنون والعلوم والمعلمين العالية، أينما تولي وجهك تتراءى لك في كل جناح منها جامعة، وفي كل صفح كلية، وفي جوانبها معاهد للعلوم، وصفوف للفنون، فيها بغية الطالب، ومنية المريد، وأمنية المستفيد.
المكتبة محتشد رهيب يحفل فيها علماء ربانيون، وحكماء محنكون، وأعلام فنيون، وفلاسفة إلهيون، وأساتذة الصنائع، ومدارس الخطابة والوعظ، وصيارفة الآداب والأخلاق، وعباقرة العلوم والفنون، وجهابذة التأليف والتصنيف، ورجال السياسة والقادة، صفا صفا كأنهم بنيان مرصوص.
المكتبة مخزن حافل، يحتوي ما انتجته الأفكار الراقية في مختلف الأمصار والأعصار، ويجمع من ولائد أنظار المفكرين في كل علم وفن كل تليد وطارف، ويضم ما جادت به الكليات العالمية في أدوارها الغابرة من فوائد وفرائد من كل علم ناجع، وما أتحفته تلكم الكليات للمجتمع البشري من الأزهار والأنوار من حدائق الفنون، وتحتفظ شوارد ما أثمرته العقول الرصينة، والأفكار الناضجة، والهمم القعساء، من اناس قضوا في سبيل الفضيلة حياتهم، ومنوا دون السعي وراء صالح الامة بكوارث وشدائد مدلهمة.
المكتبة تشكل صفوف التعليم والتربية، وتمثل صنوف العلوم والفنون الحاصلة في الأدوار الخالية، وتضم ذخائر كل امة ونحلة من كل نفيس وثقل من التراث العلمي، وهي وسيط، تجمع بين القارئ وبين آلاف مؤلفة من حسنات الدهر، ورجالات العصر، في قرونه الماضية، على عدد ما يوجد فيها من التآليف والكتب والمعاجم والموسوعات والصحف المكرمة، لا لغو فيها ولا تأثيم، لا سأم فيها ولا ملل.
المكتبة تمون وتمد الحياة الروحية، وتتكفل إصلاح المجتمع البشري من كل ما يدنس الغرائز، وتدعوه إلى الصالح العام، وتحدوه إلى الأمام والتقدم، إلى الإنسانية السامية، إلى المكارم والمعالم، إلى الفواضل والفضائل، إلى الخير والصلاح، وتزحزح الملأ عما يفسد النفوس، عما يبيد الملكات الفاضلة، عما يشوه النفسيات الكريمة، عما يدنس ذيل الإنسان من كل رذيلة وذميمة.
المكتبة تعالج النفوس من أدواء الجهل المفضية إلى الدمار والبوار، والجهل بذرة كل شقاق وشغب، وشر ونفاق وافتراق وتفكك وتبعثر وتبدد، وجرثومة كل الميول والأهواء والشهوات والنزعات المبيدة، ومادة كل داء يميت روح الإنسانية، ويبث في الملأ عوامل الفساد، ويجر على الأمة دائرة السوء، ويسف أبناء الشعب إلى حضيض التعاسة، ويفتر الجوارح والجوانح العاملة للبقاء، ويسوق صاحبها إلى الهلاك والفناء.
المكتبة تنور الأفكار، وتحد البصائر، وتزكي الأرواح، وتطهر القلوب، وتصلح الخلائق، وتوطد للشعب جواد الصلاح، وتبلط لهم سبل الخير، وتبوئ الإنسان مقاعد الصدق، وتجعل الإنسان إنسانا، فيغدو والنور قائده، والسلام والفضيلة مهده، والحياة الروحية التي لا نفاد لها غايته ومنتهاه، فيجد في العاجل والآجل انس الاستقرار وسلامة المقام، ودعة المصير، ونجاح البداية والنهاية.
المكتبة تعقم السرائر، وتزيل عنها أوساخ الغباوة، ودنس الغية، وظلم الشبه، ومعرة السدر في وادي الجهل، وتبصر الإنسان مواقع الانحطاط والتسافل، وتوجهه إلى الحياة السعيدة، والفوز مع الخلود.
المكتبة شارة البلاد، وحدائق ذات بهجة لرواد الفضيلة، ونادي حفل النبلاء، ومنتدى زمرة الثقافة، ومعقل كل بحاثة إذا أعضل به البحث، ومنتجع كل ذي فن إذا أشكلت عليه المزاعم، ومكتب الصلة والتعارف بين فضض من أساتذة العلوم والفنون، ورجال البحث والتنقيب، تجمع شملهم، وتوحد صفوفهم، وتؤلف بين قلوبهم، إخوانا على سرر متقابلين، وتوقف كلا منهم على فكرة الآخرين، كل هذه تومي إلى صالح الامة، وما للشعب عنها محيص.
هذه هي المكتبة، غير أن من المأسوف عليه جدا أن دروس هذا الموضوع الخطير لم تبين بعد عند المسلمين، وما درسوها دراسة كاملة، فأهملوا هذه الاثارة، وخسروا هذه البضاعة، وافتقدوا هذه الثروة الطائلة، وما قدروها حق قدرها، وما عرفت هي اليوم عند الشرقي على ما هي عليه من القيم، ولم يدر ما هي وما خطرها، ولم يقتف الخلف أثر السلف في تقديرها، والإعجاب بها، والاهتمام بشأنها. فجاء اناس بعداء آخرون عرفوا قيمة هذه الفضيلة، وعلموا من أين تؤكل الكتف، فجاسوا خلال الديار، وأغاروا على كل تراث علمي - كبقية نواميس الشرق - ووجدوها غنيمة باردة، وبذلوا دون جمعها النفس والنفيس، ومضوا على ضوء الثقافة، وشعروا وسائل رقي البلاد بلادهم، وحنكتهم الأيام، ودربتهم بحبائل الاستعباد، فاحتنكوا الجوامح، وركبوا المصاعب، حتى خلى جيد الشرق وجسمه من الحلي والحلة، وصفر وطابه، وراحت نفائسه وآثاره ومآثره ضحيه الجهل والغفلة والذهول، وشروها بثمن بخس دراهم معدودة، وأضاعوا ما جمعته يمنى الأولين من أعلام الامة، وقصرت يدنا مما انتجته أيدي رجالنا الفطاحل، وازدانت به مكتبات الغرب، هل هناك من تسوؤه الحالة، أو هل هناك أذن واعية ؟
والشقة اليوم في مستوى الفكرة بين الشرقي والغربي مراحل شاسعة بعد المشرقين، هذا نابه يقظان يسير ليلا ونهارا، ولا يتخذ لنفسه معرسا، وذاك هاجع راقد، إن انتبه يوما ما من رقدته فخطفة لا تدوم، وبرق خلب لا يبض حجره. هذا يركض وراء صالحه بكل مستطاع عدوا لا تدركه الطوارف، وذاك لا سهدة ولا يقظة، ولا رغبة ولا ركزة، يهدده خطر الأمر، وتحذره قلة المنة، ويقعده قصر التفكير، وضؤولة الرأي، ويفشله التواني في العزم والإرادة، وحول كل فكرة صالحة مزاعم وجلبة ولغط، ووراء كل عمل صالح ناجع مثبت صاخة وصخب، وردف كل نهضة علمية دينية اجتماعية حصائد الألسنة، وقذائف بالتهم، ومحافل سوء، والرجل العامل النابه غاص بالغصص، يغضي على القذى، ويصول بيد جذاء، ويتحرك حركة مذبوح، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هلم معي إلى الشهادة: هذه قرى الغرب هذه عدد نفوسها هذه كتب مكتباتها العامة:
اشفيلد 109872 , 13
يرسلفيل 760787 , 11
مانيستو 379571 , 8
كيتي 599462 , 6
هولند 700247 , 2
هذه نماذج من مكتبات القرى، وأما المكتبات العامة في المدن، فتعد كتبها بالملايين، خذ [واشنطن] مقياساً، فإنها تحتوي 164 مكتبة عامة أمهات شُعَب.
منها مكتبة " الكونجرس "، فإنه بحسب الإحصائية المنتشرة في مجلة العرب السورية تحتوي سبعة وعشرين مليون كتابا، مساحتها 662 / 162 مترا مربعا، وقس عليها مكتبات اوربا العامة، وذلك في سنة 1950 فكيف بها الآن ؟ !
هذه هي، وهذه نجفنا: لا نجف العراق فقط، ولا نجف الشيعة فحسب، بل نجف الدنيا عامة، نجف المسلمين جمعاء، نجف من يقول بالخلافة الراشدة، نجف مئات ملايين مسلمي العالم، القائلين بولاية سيد العترة، المقرونة بولاية الله وولاية رسوله في الكتاب الكريم، مرتكز تلك الخلافة ومنبثق أنوار المعالم والمعارف العالية، وعاصمة الإسلام المقدس، ومدرسته الكبرى المؤسسة منذ عشرة قرون، فأكبر مكتبة عامة شاهدنا فيها إنما هي مكتبة الششترية، وهي عبارة عن غرفة في زاوية حسينية، مساحتها 30 / 4 ب 60 / 5 بارتفاع 5 أمتار، عدد كتبها المطبوعة والمخطوطة - باحصائية اليوم - تناهز أربعة آلاف مجلد، يدير جميع شؤونها رجل واحد، هو المدير، هو الخادم، هو الناظم، هو المحاسب، هو المرتب، هو المفهرس، هو وحده وحده لا شريك له. وقس على النجف الأشرف معظم بلاد العراق الشاغرة عن الآثار العلمية، الفارغة عن مظاهر الفضيلة، الخالية عن المكتبات الراقية العامة الكبرى.
هذه مجالي حياتنا الروحية، هذه مظاهر رقينا وتقدمنا بين الامم، هذه معاهدنا العلمية المعربة عن عظمتنا، هذه ثروتنا من الثقافة والانسانية السامية، هذه ذخائرنا من التراث العلمي ادخرناها للأجيال القادمة، هذه بضاعتنا من منابع العلم والفضيلة، هذه أشواطنا البعيدة وخطواتنا الواسعة وراء حياة امة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المرحومة، هي آثارنا تدل علينا، نعم، تدل علينا، تدل على ما نحن فيه من الانحطاط والتسال، من قصر الباع، وصغر الطوية، من ضعف النفس، وضالة التفكير، من تشتت الآراء، وكثرة الأهواء السائدة. هي آثارنا، هي جلية أمرنا، هي هي، وأين هي من دعاوينا الفارغة، وفخفختنا في الملأ بنحن نحن ؟ * (إنما فتنتم أنفسكم وغركم بالله الغرر) * * (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) *.

المؤسس عبد الحسين الأميني
النجف الأشرف 1379 ه‍
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com