موقع الصراط ... الموضوع : حكم ابن الزنا في الإسلام
 
الخميس - 24 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  حكم ابن الزنا في الإسلام  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 7 / جمادي الأول / 1437 هـ
     
 

السؤال: ذكر الفقهاء لابن الزنا أحكاماً وتبعات يفترق فيها عن ابن الرشدة-كما يقولون-؛ منها: عدم ميراثه من أبيه وأمه الزانيين، ولا من أقربائه بواسطتهما؛ ومنها: عدم استئهاله لأن يكون قاضياً أو مرجعاً في الفتيا، أو إماماً للجماعة أو الجمعة إذا توفرت فيه الشروط التي تشترط لذلك، فما هو الوجه في هذه التفرقة والمرتكب للجريمة إنما هما أبواه، فكيف يتحمل هو التبعات؟


الجواب:
هذه محاورة جرت بيني وبين شاب من أهل وقد وجد بها ذلك الشاب تسرية لبعض هواجسه، أسوقها إليك-على ما بقي من أحاديثها في ذاكرتي-دون تزويق، ودون طلاء، فقد تجد فيها جواباً لمسألتك-أيها الأخ الكريم-:
كنت منفرداً لما دخل عليّ ذلك الشاب، وعلامات الاهتمام بادية في وجهه، ومخائل الذكاء ظاهرة من حركاته وإشاراته..
سلم باحترام وجلس بأدب واطرق قليلاً ثم تنحنح وقال:
ما جنايتي أنا يا سيدي؟ فابتسمت له وقلت : وما علمي أنا بجنايات الناس يا عزيزي ؟، ومن أنت لأعرّفك ذنبك إذا كنت مذنباً، واذا كنت أنا عارفاً به كما تظن؟.
فقال : أنا ( فلان) من عشيرة (كذا) ومن أهل قرية (كذا).
فقلت : ولا أزال في حاجة الى مزيد من التعريف. فمن أبوك؟.
فأطرق الشاب خجلاً، وسمعته يبتلع بقايا ريقه، وقال بصوت خافت: هذا مصدر بليتي... وهو كذلك سبب سؤالي عن جنايتي، ليس لي أب يعرفني به الناس.... (إنني... ابن زنا).
ولكن ما ذنبي أنا إذا كان ابواي قد أجرما بفعلتهما ؟
ما هو ذنبي أنا لتحرمني شريعة الله العادلة من حقوق شرّعها الله لجميع الناس؟
ألست أنا من الناس؟.
لماذا لا أرث قريبي إذا مات. كما يرث الناس أقرباءهم إذا ماتوا ؟.
ولماذا لا تقبل شهادتي-إذا كنت عادلاً- كما تقبل شهادة العدول الآخرين؟
ولماذا لا أرشح للجهات التي يرشح لها أمثالي إذا أنا ساويتهم في الشرائط التي تعتبرها الشريعة ماعدا طهارة المولد؟
فلا أكون إماماً في جماعة - مثلاً - ولا في جمعة، ولا أكون أهلاً لقضاء ولا لإفتاء. ولا. ولا.. ما هو ذنبي لأحرم من كل هذه الحقوق؟؟ .

كيف يعلم ابن الزنا؟ فقلت : وكيف عرفت أنك ابن زنا لتجهر وتسأل هذا السؤال؟.
فقال - وهو يتمتم - هذا ما يقوله الناس عني.
فقلت : إنني سألتك كيف علمت، ولم أسألك عما يقوله الناس عنك وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً.
أيستطيع هؤلاء القائلون أن يأتوا باربعة من الشهداء لاثبات هذه الفعلة الشنعاء النكراء، ثم إثبات أنك من نتاج هذه الصلة غير الشرعية؟..
أيستطيعون ذلك؟. فهذه هي البينة التي يشترطها دين الإسلام لإثبات هذه الجريمة...
أما الوسيلة الثانية لإثباتها فهي الإقرار. وللإقرار بهذه الجريمة توابعه ولوازمه في أنظمة الإسلام.
إن الناس ليقولون قولاً عظيماً، ويرتكبون جريمة موبقة، وانك لترتكب مثل جريمتهم حين تردّد قولتهم دون علم ودون بينة.
إن الزاني غير المحصن إذا ثبت زناه، وانتفت في حقه الشبهة، ولم تسبق منه التوبة يجلد مائة جلدة في قانون الجنايات الذي شرعه الاسلام، أما من يقول هذه القولة دون بينة فانه يجلد - في شريعة الاسلام- ثمانين جلدة لقذفه الأب ويجلد كذلك ثمانين جلدة لقذفه الأم، ويعزّر بما يراه الحاكم الشرعي لإهانته الوليد الذي نشأ عن هذه الصلة.
واقرأ -اذا شئت- قول الله -سبحانه- في كتابه:
(والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابداً. واولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فان الله غفور رحيم).
وقوله سبحانه: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم. يوم تشهد عليهم السنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون ان الله هو الحق المبين ).
أرأيت ؟ أرأيت ؟.
جلد ثمانين جلدة، وإهدار كرامة وحرمة، فلا تقبل له شهادة ابداً، ولا يرشح للمقامات الرفيعة التي يرشح لها العدول من المسلمين، وطرد عن رحمة الله في الدنيا، وطرد عن رحمته ورأفته في الآخرة، وشهادة عليه من جوارحه بما اكتسب واستحقاقه العذاب العظيم بما اجترم..
هذه هي العقوبات التي ترصدها هذه الآيات الكريمة للذين يرمون المحصنات المؤمنات.
وبديهي أن تتضاعف العقوبة إذا رمى الرجل مع المرأة.
وبديهي أن تزداد شدّة وتغليظاً إذا أصابت رميته الوليد في ما أصابت.
وإذا كان عظم العقوبة في القانون دليلاً على عظم الجريمة في رأيه، تبين لنا ان جريمة القاذف قد تكون اكبر من جريمة الزاني في نظر الاسلام.
والناس يجهلون فضاعة هذه الخطيئة فيستسهلون أمرها، ويستسيغون ارتكابها ويستخفّون بآثارها.
غير أن الآثار الواقعية تعمل عملها. علم الناس بها أم جهلوا، وعدل الله يرصد الجزاء الوفاق لانتهاك محارمهِ. جدّ الناس بها أم هزلوا، والذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بالفاحشة دون علم، ودون بينة صحيحة من أشد المجرمين عقاباً وأعسرهم حساباً.

لماذا أرصد الدين هذه العقوبة؟
فأطرق الشاب يفكر وأمهلته قليلاً، ثم قلت :
أو تعلم – أيها العزيز – لماذا أرصد الدين هذه العقوبة؟، ولم حذّر هذا التحذير ؟.
لقد أرصد الدين هذا الإرصاد ووقف هـذا الموقف الحاسم من أجلك أنت.
نعم، من أجلك أنت، كي لا تلوك الناس صلتك بأبويك وصلتك بالمجتمع المسلم الطاهر، كي لا يجترئ ذو لسان فيقول : إنه نشأ من صلة دنسة، فلا يستحق ان يندمج بالمجتمع الطهور.
أفلا يرضيك هذا الاحتياط الشديد لك – ايها العزيز – .
من أجلك أنت هذا الإرصاد وهذا التحذير، ومن أجل أبويك ايضاً، فان الإسلام يعزّ عليه أن يوصم فردان من ابنائه، وعضوان من مجتمعه بهذه الوصمة التي تبعدهما عن طهر الاسلام ونقاوة مجتمعه، وقد تجرهما الفرية عليهما الى إتيان الجريمة، وان كانا لم يفكرا في إتيانها من قبل.
بل ومن أجل القاذفين أنفسهم، فإن هذا الدين يكره لأحد من أتباعه أن يمضغ الفاحشة بفم، ويتجاهر بقولتها بلسان، ويكره له أن يثير حقداً أو ينطوي على ضغينة، هكذا يريد الاسلام لمجتمعه أن يكون رفيعاً عن الحقد، نزيها عن قالة السوء، بعيداً حتى عن توهّم السقطة، والخوض في أحاديثها.
والعقوبة التي ينزلها الشرع بأبويك حين تثبت عليهما الجريمة، وتنتفي في حقهما الشبهة؟، لعل اجترامهما في حقك له الأثر الأكبر فيها. والحظّ الأوفر منها ، أفتدري ما هو اجترامهما في حقك؟.
إنهما هيّئا لنشأتك هذا الجوّ النجس، وتحكّما في مصيرك هذا التحكّم الشائن، وهي –بعد- جريمة اجتماعية، فقد شلاّ من المجتمع عضواً صالحاً، ونفساً زكية، أفلا يستحقّان -من أجل ذلك- العذاب الأليم ؟، ألا يستحقان أن لا تأخذنا فيهما رأفة في دين الله – كما يقول في كتابه-، وأن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين؟.
إنها جريمة فردية وجريمة اجتماعية، كما هي جريمة في حق الشرع الذي حرّمها وتوّعد بالعقاب عليها، وليست جريمة شخصية فتسقط بالتراضي بين الرجل والمرأة -كما يقول المشرعون الوضعيون- ولست الآن بصدد بحث المسألة من هذه النواحي، وحسبي أن اشير إليها إشارة.
من أجلك أنت، ومن أجل الدفاع عنك، والدفاع عن صلتك ومركزك في المجتمع، ومن أجل المجتمع المسلم الحي الذي يعزّ عليه أن يشلّ عضو صالح من أعضائه، وان يبتر جزءٌ قويّ من أجزائه. من أجلكما كل هذا الاحتياط وكل هذا التشدّد.

وإذا لم تجد هذه المحاولات؟
ولكن ….
اذا لم تجد فتيلاً كل هذه المحاولات وكل هذه الاحتياطات، والتقى الرجل المسعور الذي لا يأبه لحرمة الله وحرمة الدين، وحرمة الاجتماع، بالأنثى التي تضاهيه في ذلك أو تزيد، وكانت الصلة النجسة الدنيئة الدنسة، وانعقدت النطفة كما ارادتها العهارة والدعارة، فماذا يريد الناس من الاسلام بعد ذلك؟.
أيريدون من الإسلام أن يدمج هذه النطفة بالمجتمع الطهور، فلا يميزّ الفرد الصحيح عنه بحكم ولا بميزة.
أيريدون من الإسلام أن يتغاضى عن القصور الذاتي لهذا المخلوق، عن قصوره الذي يقعد به عن المجالات العالية التي يبتغيها الإسلام لأبنائه؟.
أيريدون منه أن يتناقض فلا يجعل فارقاً بين الصلة التي اقرّها واعترف بها والصلة الأخرى التي انكرها، وشدّد في النكير عليها؟. أيريدون منه أن يصنع كذلك ليقولوا -بعد هذا-: ان الإسلام قد تناقض، ولم يجرِ مع الأصول التي سنها لتشريعه ؟.
يقولون : أي ذنب جنى هذا المخلوق؟.
لا.لا . إنه لم يجن أبداً ولم يرتكب إثماً، وسيوفى جزاء عمله إذا عمل صالحاً، ولا يظلم فتيلاً من جزائه، ولا يبخس مثقال ذرة من أعماله، ولا يحمل شيئاً من جريمة أبويه التي اقترفاها.
أما أن شهادته لا تقبل وإن كان عدلاً . وأنه لا يصلح - في موازين الشريعة- لإمامة الجمعة والجماعة، ولا يتولى القضاء ولا الإفتاء.. أما هذه الأحكام التي قررها الشارع في حقه واستثناه فيها دون غيره، فليست عقوبات أرصدتها له الشريعة ليسأل الناس عن جنايته التي ارتكبها، واستحق العقوبات من أجلها، بل لأن لقبول الشهادة واستحقاق الإمامة وتولي الولايات العامة أحكام لن تثبت الا بشروط، ولن تعطى الا بقابليات. وقصور هذا المخلوق في ذاته أمر لا ينكره أحد، وبعض القوانين الوضعية المتزنة تعترف بذلك الى حدما، والفارق أن القوانين لا ترتب أثراً على هذا الاعتراف، لأنها لا تنظر في تشريعها الى الركائز العميقة في الإنسان.
أما الدين -ودين الاسلام على الخصوص- فلا بدّ وأن يرتب الأثر مادامت نظرته في التشريع لابد وأن تتغلغل في الأعماق وتسبر الأغوار.
إن الاسلام لا يهوي بهذا الإنسان في مستوى يمكنه ان يصل إليه بالاختيار، ولكنه لا يرتفع به الى أسمى مما يدرك، ولا يذهب به إلى أبعد مما ينال .. إنه يبوّئه المكانة التي تخوّله إياها طبيعته، وكفى بذلك نصفاً، وكفى بذلك عدلاً.
أما الميراث، فأي حقّ له فيه مادام الإرث فرعاً عن ثبوت الصلة في النسب، وما دامت صلته تلك غير ثابتة في نظر الشارع؟. وليس منع الميراث حكماً خاصاً به وحده. فإن أباه وأمه لا يرثانه كذلك إذا مات قبلهما، كما لا يرثهما هو إذا ماتا قبله، وهكذا كل قريب له بواسطتهما إذا مات القريب قبله او مات هو قبل القريب، فلا توارث من الجانبين.
ليس لذلك المخلوق المسكين ذنب -يا عزيزي-، وليست الأحكام جزاء على ذنب، ولكنها الطبيعة القاصرة الناقصة تتحكم في صاحبها، وتقعد به في المجالات، وما يصنع الشارع تجاه الأمر الواقع الاّ أن يعطيه القدر الذي يستحق؟.
أما أنت .. أما أنت، فأرجو أن تعدّل من موقفك في الحياة، ومن نظرتك الى نفسك.
لا.. لا تلبس حياتك هذا القناع الأسود، الحالك السواد.
لا.لا تنظر الى نفسك هذه النظرة الحاقدة، البالغة الحقد، ولا تسأل عنها هذا السؤال الجائر الشديد الجور.
لا . لست ابن زنا وإن لم تعرف لك أباً منذ نشأتك، وإن قال الناس عنك، وقالوا وإن اكثروا فيك وأقلّوا ، ولو أنك ضمنت لي بقية الشرائط لقبلت شهادتك أيها العزيز.. فهل أنت فاعل؟.
فابتسم الشاب ابتسامة عريضة عميقة، ظننتها ابتسامته الأولى في عرضها وعمقها، ثم وّدعني وقام، وقد رأيته يثبت قدميه على الأرض اكثر منه حين دخل.

من كتاب (من أشعة القرآن) لآية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com