موقع الصراط ... الموضوع : عوامل النمو في مدرسة الإمام الصادق (ع)
 
الخميس - 24 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  عوامل النمو في مدرسة الإمام الصادق (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 23 / شوال / 1437 هـ
     
  بقلم الأستاذ الشيخ محمد مهدي الآصفي
asefe قد يستغرب الباحث إذا درس الظروف التأريخية التي ظهر فيها المذهب الجعفري والملابسات التي تحف حياة هذه المدرسة... من أن تنمو هذه المدرسة وتمتد إلى أقطار واسعة من آسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا، وتزدهر وتؤتي ثمارها في مدة يسيرة ناضجة طيبة.
فقد اقترن ظهور المدرسة الجعفرية بسقوط الدولة الأموية وظهور الدولة العباسية، وكانت هذه الفترة التي تمتد بين هذين العهدين من التأريخ الإسلامي هي من أنسب الأوقات لظهور مذهب أهل البيت عليهم السلام بعد أن كانت السلطة الأموية تطاردهم في كل مكان، وتقضي على آثارهم ومآثرهم، كلما أتيح لها ذلك.
في هذه الفترة التأريخية، التي يشبه أن تكون من فلتات الزمان، كما يقال، قام الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام بالمهمة التي عهدها النبي صلى الله عليه وآله إلى أهل بيته، إذا ما وجدوا الظروف المناسبة لذلك.
فشمر الإمام الصادق عن ساعد الجد، وأخذ يدعو الناس إلى الإسلام، بعد أن كاد الحكم الأموي أن يقضي على أصول هذا الدين لتدعيم كيانه السياسي.
فاجتمع علماء المسلمين حول الإمام الصادق عليه السلام يأخذون منه، ويستضيؤون بهداه، ويدرسون الكتاب والسنة عليه، ثم ينتشرون في أقطار الأرض ليتحدثوا إلى الناس بحديث الصادق عن الإسلام.
ولا غرابة في أن يجد الناس الجدة في هذا الحديث، فقد كادت السلطة الأموية أن تحجب الإسلام عن المسلمين في الفترة التي حكمت فيها البلاد الإسلامية، ولم ينحسر ظلال الحكم الأموي عن الوطن الإسلامي حتى وجد المسلمون من جديد فرصة للرجوع إلى ظلال الإسلام، ووجدوا في هذه الحياة الجديدة التي قدر للإمام الصادق عليه السلام أن يرسمها لهم جدة ولذة، لا تعدلها لذة أخرى.
ولم تتوسع مدرسة الإمام الصادق عليه السلام بهذا الشكل، حتى أخذت سلطة الدولة العباسية الناشئة تخشاها على نفسها، وما يتصل بها من مصالح السياسة والحكم.
ولذلك حاولت أن تعارض الحركة الجديدة بما يتيسر لها من فنون وأساليب المعارضة، وأن تخلق لهذا الغرض مدارس فكرية معارضة لها، أو تتبنى المذاهب المعارضة، وتدعو الناس إليها قبال هذه المدرسة.
وإذا كانت معاملة المنصور مع أبي حنيفة ومالك، ومعاملة الرشيد مع مالك والشافعي إزاء موقفهما المعادي من أهل البيت، ومن الإمام الصادق عليه السلام، بشكل خاص يدل على شيء فإنما يدل على مدى شعور السلطة بالخوف من توسع هذه المدرسة ونفوذها بين المسلمين...
ومع ذلك فقد ازدهرت هذه المدرسة التي غرس بذرتها الأولى صاحب الرسالة، وآتت أكلها ناضجة طيبة، وأنشأت عدداً كبيراً من العلماء والفقهاء، في وقت قصير، وامتد ظلالها إلى أقطار واسعة من الأرض.

***

وترجع الأسباب التي أدت إلى امتداد ظلال هذه المدرسة في العالم الإسلامي ونفوذها بين طبقات المسلمين إلى أمور ثلاثة:
1- شخصية الإمام الصادق عليه السلام.
2- المحتوى الفكري للمدرسة.
3- جذور المدرسة الفكرية.
وهذه الجهات الثلاثة هي كلما يعني الباحث في البحث عن المدارس الفكرية.
وقد قدر لهذه المدرسة أن تضم إلى أصالة الفكر شخصية الإمام الصادق (عليه السلام) الفذة وعراقة المذهب.
وأتيح لها أن تجمع بين هذه الجوانب الثلاثة، على ندرة ما يتفق ذلك لمذهب من المذاهب.

***

ولا أجدني بحاجة إلى أن أشير إلى تأثير شخصية الداعية في نجاح الدعوة وتوسعها.
كما لا أجدني بحاجة إلى ألمح إلى شخصية الإمام الصادق الفذة بين معاصريه وبين من تقدمه ومن تأخر عنه من أئمة المسلمين، فقد كان العلماء يقبلون على مجلسه من أقطار بعيدة، ويتلقون عنه الفقه والحديث والتفسير، ويلقون عليه ما يصعب عليهم من مسائل الفقه والتفسير، ثم يخرجون ليشيعوا ذلك عنه بين الناس، حتى كثر الحديث عنه(1).
وقد بلغ من إقبال الناس عليه أن الجهاز الحاكم أصبح يخشاه على مصالحه السياسية ووجد من افتنان الناس به، على حد تعبير المنصور، ما يهدد موقف الدولة.
قال أبو حنيفة:
ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد، لما أقدمه المنصور بعث إلي، فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد، فهيئ له من المسائل الشداد، فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إلي أبو جعفر المنصور، وهو بالحيرة، فدخلت عليه، وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلمت عليه وأومأ فجلست، ثم التفت إليه، قائلاً: يا أبا عبد الله، هذا أبو حنيفة، فقال عليه السلام: نعم أعرفه، ثم التفت المنصور إلي، فقال: يا أبا حنيفة، القِ على ابي عبد الله مسائلك، فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول: كذا، فربما تابعنا، وربما خالفنا، حتى أتيت على الأربعين مسألة ما أخل منها مسألة واحدة(2).
ويقول مالك: اختلفت إلى أبي جعفر بن محمد زماناً فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال، إما مصلياً، وإما صائماً، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا على طهارة، ولا يتكلم بما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد والزهاد، الذين يخشون الله(3).
(وما أجمع علماء الإسلام على اختلاف طوائفهم في أمر، كما أجمعوا على فضل الإمام الصادق عليه السلام وعلمه، فأئمة السنة الذين عاصروه تلقوا عنه، وأخذوا.
أخذ عنه مالك رضي الله عنه، وأخذ عنه طبقة مالك كسفيان بن عيينة، والثوري، وغيرهم كثير، وأخذ عنه أبو حنيفة، مع تقاربهما في السن، واعتبره أعلم أهل الناس باختلاف الناس)(4).

***

أما فيما يخص المحتوى الفكري للمدرسة الجعفرية، فإن المحتوى الفكري لهذه المدرسة يمتاز بالتماسك الفكري الوثيق والترابط فيما بين أفكارها واتجاهاتها.
ومثل هذا التماسك يشد اتجاهات المدرسة بعضه إلى بعض، ويؤدي الالتزام بأي جزء منه إلى الالتزام بالجزء الآخر، فالمدرسة الجعفرية مثلاً تتبنى فكرة العدل بالنسبة إلى الله وقبح صدور الظلم منه، في حقل العقيدة، وتبني على هذه الفكرة في التفسير، فتفسر آيات الكتاب الكريم التي تتصل بهذا الموضوع، بشكل يلائم هذه العقيدة، ثم تمد ظلال الفكرة إلى آفاق الشريعة، فتبني ذلك كله على أساس من هذه الفكرة، وكذلك تتبنى الحكم العقلي الخالص كمصدر من مصادر التشريع إزاء الكتاب والسنة والإجماع، إذا كان حاصلاً على الشروط الذي يبحث عنه في موضعه من كتب الأصول.
والميزة الفكرية الأخرى التي تميز هذه المدرسة، والتي ساعدت على نموها وتوسعها بالرغم من العوامل التي كانت تقف في طريقها هي فتح باب الاجتهاد على العلماء.
وقد كان لهذا العامل تأثير كبير على نمو المدرسة فيما بعد عصر الإمام الصادق عليه السلام، وإقبال الناس عليها، ومسايرتها للأوضاع الاجتماعية المتجددة.
فعندما يغلق باب الاجتهاد على مذهب فكري، أياً كان المذهب الفكري، فإن ذلك يؤدي إلى جمود المذهب عن التطور والنمو ومسايرة الأحوال والأوضاع المتجددة في وقت قريب، ولذلك فإن هذه الميزة في المذهب الجعفري تعتبر ضماناً من الداخل لحياة المذهب وبقائه.
وقد سبقت الشيعة المذاهب الإسلامية الأخرى إلى وضع أصول الاجتهاد، والاستنباط في الفقه، وتحرير مباحثه، (والإمام الباقر هو واضع علم الأصول وفاتح بابه، وأول من صنف فيه هو هشام بن الحكم، صنف كتاب الألفاظ ومباحثها، وهو أهم مباحث علم الأصول، ثم من بعده يونس بن عبد الرحمن، مولى آل يقطين صنف كتاب اختلاف الحديث ومسائله، وهو مبحث تعارض الحديثين، ومسائل التعادل والتراجيح، ثم أخذت حركة التأليف في الأصول من بعدهما بالتوسعة، واشتهر منهم أئمة أعلام منهم أبو سهل النوبختي والحسن بن موسى النوبختي)(5).
يقول الأستاذ أبو زهرة:
تنمو المذاهب بثلاثة عوامل، أولها أن يكون باب الاجتهاد مفتوحاً، فإن ذلك يفتح باب الدراسة لكل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وعلاجها من الشريعة بما يناسبها من غير تجاوز لحدود النصوص وخروج عن المأثور.
وإننا نعتقد أن المذهب الجعفري من الناحية الفقهية قد فتح فيه هذا الباب للدراسة وهو بهذا صالح للنمو المستمر الذي لا يتخلف ما دام المجتهدون فيه ملتزمين للجادة والطريق المستقيم)(6).

***

وعراقة المذهب هي الأخرى من أهم الأسباب التي أدت إلى نمو المدرسة وتوسعها فيما بعد عصر الإمام الصادق عليه السلام.
فليس الإمام الصادق هو الذي أنشأ هذه المدرسة وغرس بذرتها الأولى، وإنما تلقها من آبائه عليهم السلام؛ ليتعهدها برعايته.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أول من غرس النواة الأولى لهذه المدرسة، ودعا الناس إليها.
فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه)(7) أن المعني بالآية هو علي وشيعته يأتون يوم القيامة راضين مرضيين(8).
وورد عن رسول الله: يا علي، ألم تسمع قول الله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية... هم شيعتك وموعدي وموعدكم الحوض، إذا اجتمعت الأمم للحساب تدعون غراً محجلين(9).
وورد عنه صلى الله عليه وآله: (والذي نفسي بيده أن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة)، فنزل: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات...)(10).
فهذه المدرسة امتداد طبيعي للمدرسة الإسلامية التي وضع أصولها صاحب الرسالة وتعهدها برعايته، قبل أي شخص آخر.
والكتاب الكريم بعد ذلك هو المقياس الأول والأخير لمعرفة الأحاديث والأحكام التي ترد عن طريق هذه المدرسة وتمييز الصحيح منها عن غيره.
فلا تكاد تخرج تعاليم المذهب عن حدود تعاليم الكتاب، ولا نكاد تختلف مع الكتاب الكريم في خط من خطوطها.
يقول الإمام الصادق عليه السلام في الخبرين المتعارضين الذين يردان عن أهل البيت عليهم السلام: (ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة)(11).
ويقول الإمام أبو الحسن الرضا عليه السلام: (فما ورد عليكم من حديثين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالاً أو حراماً، فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوهما على سنن رسول الله، فما كان في السنة موجوداً منهياً عنه نهي حرام أو مأموراً به عن رسول الله أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي النبي وأمره)(12).
والحديث الذي يتحدث به الإمام الصادق عليه السلام في شأن من شؤون الدين هو حديث رسول الله، والحكم الذي يحكمه هو حكم صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله.
ولذلك فمن الجائز، كما يقول الإمام الصادق، أن يسند المحدث حديثاً مروياً عن الإمام الصادق (ع) إلى رسول الله لوحدة الأصل، ورجوع الجميع إلى نبع واحد(13).
ومن هنا نجد أن المدرسة الجعفرية لم تخرج عن حدود الكتاب والسنة، ولم تستمد أحكامها وأفكارها من مقاييس ظنية ولم نتثبت لمعرفة حكم من الأحكام بهذه الطرق الملتوية التي كانت تسلكها المدارس الفقهية الأخرى كالقياس وسد الذرائع والمصالح المرسلة والاستحسان، مما لا يضمن إصابة الحكم الشرعي، ولا يؤمن معه سالكه من الانحراف عن خطوط الشريعة.
ولا يمكن الاحتفاظ بالدين وضمان الوصول إلى الأحكام الشرعية إلا بهذا النحو من الاتصال المباشر والوثيق بالنبع الأول من الدين، واتخاذ الكتاب بعد ذلك ميزاناً لمعرفة الصحيح مما ورد من الحديث عن السقيم.

***

أما بعد...
فهذه هي أهم الأسباب التي أدت إلى نمو المدرسة الجعفرية وازدهارها وتوسعها إلى أقطار واسعة من الأرض وركون الملايين من المؤمنين في أقطار الأرض إلى ظلالها الوارفة رغم العوامل السياسية التي كانت تقف في طريقها، وتحد من نشاطها، وتقلص من حدودها بمختلف الوسائل التي كانت تملكه السلطات المعادية لهذه المدرسة.

النجف الأشرف
محمد مهدي الآصفي

الهوامش:
(1) انظر الصواعق المحرقة.
(2) تذكرة الحفاظ للذهبي.
(3) مالك لمحمد أبو زهرة.
(4) الإمام الصادق: أبو زهرة.
(5) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة الشيخ أسد حيدر.
(6) الإمام الصادق: محمد أبو زهرة.
(7) البينة: 9.
(8) انظر: حلية الأولياء.
(9) انظر كفاية الطالب وتذكرة الخواص.
(10) در المنثور.
(11) فوائد الأصول: باب التعادل والتراجيح.
(12) المصدر نفسه.
(13) راجع بحار الأنوار ج1.


مجلة الإيمان، السنة الأولى، العددان الأول والثاني، تشرين الأول والثاني 1963م
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com