موقع الصراط ... الموضوع : القيم السياسية عند الإمام الصادق (ع)
 
الخميس - 24 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  القيم السياسية عند الإمام الصادق (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 23 / شوال / 1437 هـ
     
  بقلم فضيلة العلامة الشيخ باقر القرشي
إن أرقى سياسة عرفتها الإنسانية منذ أقدم عصورها هي السياسة الإسلامية البناءة التي حققت على مسرح الحياة أسمى المبادئ، وأنبل المثل، وأكرم الغايات، وقدمت للبشرية أهم ما تبغيه وتصبو إليه، فقد ألفت ما بين القلوب، ووحدت ما بين المشاعر والعواطف، وجمعت الناس على صعيد المحبة والإخاء، وحطمت جميع ألوان الفوارق والامتيازات، وحملت معول الهدم على جميع الوسائل العبودية، والاستغلال.
إن السياسة الرشيدة التي تبناها الإسلام في أيام حكمه لا تعرف التحيز ولا الالتواء لأنها لم تهدف إلى مصلحة الأقلية، ولم تنظر إلى صالح قوم دون آخرين، كما لم تعتن بإقليم دون آخر، بل هي في عدلها ورحمتها شاملة للناس جميعاً، قد أرست قواعدها على العدل الشامل، ووضعت أسسها على الإشادة بكرامة الإنسان وعلى إعلان حقه المقدس في الحياة، وعلى توطيد دعائم الأمن والاستقرار في ربوع هذا الكون حيث حققت فيه العدالة الاجتماعية، وقضت على الغبن الاجتماعي، ووجد الناس في ظلالها العدل بعد الظلم، والطعام بعد الجوع، والراحة بعد العناء والإرهاق.
إن السياسة الإسلامية قد وضعت جميع المناهج الاجتماعية الحية لحماية المجتمع من الاستبداد، ووقايته من الاستغلال، وصيانته من تهور الساسة والمسؤولين، وتلاعبهم في مقدراته وإمكانياته، فقد حددت تصرفاتهم بما يتفق مع نصوص الشريعة الإسلامية العادلة لئلا تتعرض البلاد إلى الأزمات والاضطرابات.
ولم يعتنِ دين من الأديان أو مذهب من المذاهب بـ(السياسة) كما اعتنى بها الإسلام، فقد فرضها على المسلمين جميعاً، وأوجب عليهم التدخل الإيجابي في جميع الشؤون العامة، وقد أعلن ذلك النبي الأعظم (ص) بقوله: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
لقد ألقى الرسول (ص) على عاتق المسلمين المسؤولية الكبرى، وهي لزوم السهر على مصالحهم، ورعاية شؤونهم فليس لأحد منهم أن يقف موقفاً سلبياً أمام المصلحة العامة، أو يهمل شأناً من شؤون أمته ومجتمعه، أو يقف موقف المتفرج أمام الأحداث العامة التي تمني بها بلاده، ويتصدع بها كيان أمته، فإنه ليس من الإسلام ذلك.
إن السياسة ترتبط بالإسلام ارتباطاً وثيقاً فهي من أهم بنوده، ولا يصح بأي حال من الأحوال فصلها عن إطاره، وتجريدها عن واقعه فإن الإسلام بذلك يفقد فعاليته وذاتياته بل يفقد روحه وجوهره، ويكون شبحاً باهتاً وظلاً متهافتاً.
والسياسة بما لها من المفهوم الشامل تنقسم إلى نوعين: (الأول) السياسة العادلة التي تبناها الإسلام وأوجبها، وسار عليها في أيام حكمه، (الثاني) السياسة الظالمة وهي المنحرفة عن طريق العدل والاستقامة، وقد حرمها الإسلام، ونهى عنها، وألزم تحطيمها، وقد نص على هذين النوعين العلامة ابن الجوزي. [الطرق الحكمية في السياسة الشرعية]
إن الإسلام قد تبنى السياسة العادلة التي تنعش الشعوب بالعدل والمساواة وتفتح لها آفاقاً كريمة لحياتها، وتجنبها من الأخطار والكوارث، وقد ألمع الإمام الصادق (ع) في كثير من رسائله وبحوثه إلى جوانب مهمة من قيم تلك السياسة العادلة التي يجب على الدولة- التي تضفي عليها ثوب الإسلام- أن تسير على وفق برامجها وأهدافها، ونشير إلى أنموذج موجز مما أدلى به (ع) في ذلك:

1- إقامة العدل:
إن بقاء العالم ببقاء العدل وخرابه بزوال العدل، وإن الإسلام بكل صراحة، ووضوح أعلن أن أسمى ما يبتغيه في حكمه هو بسط العدالة، والقضاء على الظلم والجور، وقد تحدث الإمام الصادق (ع) عن وصفه تارة كما تحدث عن حاجة الناس إليه أخرى، فقال عليه السلام في وصفه: (العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن).
إن العدل من مقومات الحياة التي لا تستغني عنه فبه يقضي على الخوف والذعر، وعلى الويلات والخطوب، ويقول (ع) في نعته: (ما أوسع العدل وإن قل).
ما أحلى العدل، وما أوسعه فهو كالماء الذي يصيبه الظمآن فينقذه من الموت والهلاك، وقد أضفى الإمام (ع) هذه المفاهيم الحية على العدل، فوصفه بأبلغ وصف وأوجزه، وقال عليه السلام عنه في معرض حديث له عما يحتاج إليه الناس قال: (ثلاثة أشياء يحتاج إليها الناس طراً الأمن، والعدل، والخصب، وهذه القيم الثلاثة لا يستغني عنها الناس في جميع أدوار حياتهم والدولة مسؤولة عن تحقيقها وتطبيقها على واقع الحياة العامة لشعوبها، وقد بين (ع) في معرض حديث آخر له عن أفضل الملوك عنده، فقال: (أفضل الملوك من أعطى ثلاث خصال: الرأفة، والجود، والعدل، وليس يجب للملوك أن يفرطوا- أي يقصروا- في ثلاث: في حفظ الثغور، وتفقد المظالم، واختيار الصالحين لأعمالهم).
إن أميز حاكم عند الإمام هو الذي يتمتع بالرأفة والسخاء والعدل، ففي ظلال حكمه يتحقق العدل، وتسعد الأمم والشعوب، كما بين (ع) الأهداف الأصيلة التي تجب على الدولة وتحقيقها، وهي:
1- حماية المجتمع من الغزو الخارجي والحفاظ على بيضة الإسلام، فواجب الرئيس القيام برعاية هذه الجهة والسهر عليها.
2- رعاية المواطنين من المظالم، ومراقبتهم لئلا يبغى بعضهم على بعض.
3- أن تختار السلطة الصالحين من أبنائها لتوظيفهم في جهازها، وهذه الأمور مرتبطة بالعدل، ومتفرعة منه، ومن شؤونه، فعلى الدولة التي تريد البقاء والاستمرار في ميدان الوجود أن تسير بالعدل وتطبق برامجه وأهدافه.

2- تحطيم الظلم:
إن تحطيم الظلم وإزالة شبحه البغيض من أهم الأهداف التي ينشدها الإسلام، فقد حرم التعاون مع الظالمين، والاشتراك معهم بأي عمل إيجابي، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار).
وقد ألزم الإمام (ع) بعدم التعاون معهم لتضيق بذلك دائرة نفوذهم، فقال (ع): (العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به شركاء).
وسأله بعض أصحابه عن جواز البناء للظالمين وكراية النهر لهم، فنهاه الإمام عن ذلك، وقال له: (ما أحب أن أعقد لهم عقدة، أو وكيت له وكاء، ولا مدة بقلم إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من النار..).
يقول الأستاذ الفكيكي في هذه السياسة السلبية التي يراها الإمام، (إن الإمام الصادق (ع) قد سن قاعدة مشروعة للسياسة السلبية، وهي ما يسمونه باللغة السياسية (بالعصيان المدني) أو سياسة عدم التعاون مع حكومة أو دولة لا تحترم الحقوق أو تسيء التصرف، فتعبث بحرمة قانونية المعاهدات والمواثيق، أو تتحدى قدسية الدساتير وحقوق الأمة المشروعة إلى غير ذلك من وسائل الظلم وذرائع الباطل التي تتوسل بها الحكومة الغاشمة والدول القوية المستعمرة وحكام الاستبداد والفساد في سبيل الغايات الخبيثة الدنيئة، فالإمام الصادق (ع) قد أوجب على الأفراد عدم التعاون مع ولاتهم الجائرين على اختلاف درجاتهم ومناصبهم من أعلاهم إلى أدناهم، وحرم عليهم العمل لهم والكسب معهم، وأضاف يقول:
وهذه القاعدة الوحيدة الناجعة لعلل السياسة الفاسدة وأوبائها المهلكة، وليس للأحرار المصلحين في كل أمة قاعدة أخرى يلجؤون في إكراه المستبدين والمستعبدين والمستهترين بحقوق الأمة للخضوع إلى إجابة رغبات الشعب وتحقيقها وتطبيق القوانين، وخدمة العدل واحترام الحق إلا اتباع هذه القاعدة المثالية في السياسة السلبية).
إن موقف الإمام (ع) صريح واضح تجاه الحكم الفاسد، فهو عنده من أعظم ألوان الظلم الذي يجب تحطيمه والإجهاز عليه، كي لا تستغل الجماهير وتستعبد الشعوب، ويقضي على إصالة الأمة وكرامتها.

النجف الأشرف
باقر شريف القرشي

مجلة الإيمان، السنة الأولى، العددان الأول والثاني، تشرين الأول والثاني 1963م
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com