موقع الصراط ... الموضوع : الحساسية والخصومة
 
الخميس - 19 / محرم / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الحساسية والخصومة  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 12 / جمادي الثاني / 1440 هـ
     
  كلمة الحساسية تعبر عن الجانب النفسي من هذه الحالة وعن درجاتها الاولى، بينما تعبر كلمة الخصومة عن الجانب السلوكي من الحساسية وعن بلوغها درجة العداوة وإن كان استعمالها في العربية يتركز على الجانب العملي.
وتشمل مشكلة الحساسية والخصومة ما ربما يكون بين الدعاة لا سمح الله، وما يكون بينهم وبين خصوم الدعوة من الامة الذين تنطبق عليهم قاعدة: (لا نخاصم من يخاصمنا ولا نعادي من يعادينا).

أسباب الحساسية والخصومة:
إن نفس أحدنا عالم من: عواطف الرغبة، والكراهية، والوهم والخيال… والعقل. وهي غرائز الفجور والتقوى التي جبلنا عليها، فالإنسان معجون بطينة الالوان المختلفة والاضداد المتعادية والعمليات الشعورية واللاشعورية التي تجري داخلنا بين هذه العناصر متشعبة ومعقدة، في الناس وفي الانسان الواحد.. والحساسية او الكراهية للأشخاص والاشياء نتائج لقسم من هذه العمليات والمعادلات المتعددة الاسباب. ومع ذلك يمكن إرجاع اسباب الحساسية والكراهية الى الانواع التالية: نفسية، وفكرية ومزيجة، وحساسية بالواسطة.
1- الأسباب النفسية وقد تكون اسباباً وهمية، ومثالها حالة الشخص المزاجي التشاؤمي المفرط في الحساسية الذي قد يستاء ويكره شخصاً أو شيئاً لسبب قد لا يخطر على بال أحد، وقد لا يخطر على بال صاحبه.
ومثالها في النفس العادية حالة الحسد التي قد يكره صاحبها شخصاً بسبب نعمة معنوية او مادية أنعمها الله عليه ((أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ((
ويليها: حالة سوء الظن بالمسلمين والمؤمنين، وعدم النظر إلى ايجابياتهم وحبهم من أجلها، وعدم حملهم على الصحة وعلى الاحسن في اقوالهم وأفعالهم.. مما يجعل نظرته اليهم سلبية دائما او غالبا فيصاب بالحساسية والكراهية لبعضهم لأسباب وهمية.
ويليها: حالة الحساسية والكراهية لشخص بسبب الخوف من منافسته ومزاحمته وضرره في شأن من شؤون دنياه.
ويليها: حالة الذي يصاب بالحساسية والكراهية لشخص بسبب توهم أنه أساء اليه بقول او فعل، ولكنه لو تحقق من نسبة الأمر الى أخيه أو تحقق من قصده لما وجد منه إساءة.
وقد تكون اسبابا حقيقية، ومثالها الحساسية والكراهية لشخص بسبب إساءة حقيقية صدرت عنه. وتتفاوت الإساءات.. ابتداء من كلمة عابرة، الى إساءات كبيرة تستهدف مكانة المساء اليه، أو حياته.
2- الأسباب الفكرية ونقصد بها ما يعم الأسباب الفكرية المحضة والفكرية السياسية والعملية. والاختلافات الفكرية بهذا المعنى بين المسلمين قد تكون أساسية كبيرة، كالاختلاف في النظرة الى الاسلام نظاماً إلهياً للحياة، وفي وجوب العمل لإقامة نظام الاسلام، وفي النظرة الى القوى الكافرة المسيطرة على بلاد المسلمين، والنظرة الى عملائهم السياسيين والفكريين من حكام المسلمين والفئات التابعة لهم، ووجوب مقاومتهم.. الخ.
وقد تكون خلافات فرعية كالاختلاف في اسلوب العمل لإقامة نظام الاسلام او في اسلوب مقاومة المستعمرين. أو في عمالة فئة أو اخلاصها، او في مواقف الحدية والمداراة والتقرب والتحالف من فئات من المسلمين. أو في أعلمية هذا المرجع أو ذاك. وقيادة هذا المرجع او ذاك وتبني زعامة هذا الزعيم المسلم او ذاك.. أو حول خطة العمل واساليب العمل في أقليم او منطقة أو حول أسلوب العمل في مجال من المجالات او قضية من القضايا.. وقد تكون بين الدعاة وبين العاملين عموما في تفاصيل أخرى حول مسائل صغيرة أو أشخاص.. الخ.
ان هذه الاختلافات الفكرية وان ترتبت عليها مواقف عملية لا مبرر لأن تكون سبباً للحساسية والكراهية والخصومة ولكنها كثيرا ما تكون سببا لذلك بين الدعاة من جهة والمسلمين من جهة او بين الدعاة انفسهم لا سمح الله، فتتعدى كونها فروقاً فكرية ومواقف عملية الى حالة من الحساسية والخصومة أعاذنا الله تعالى.
3- الأسباب المركبة: الفكرية النفسية او النفسية الفكرية. وقد عرفت ان الاختلافات الفكرية لا تتحول الى حساسية وخصومة إلا إذا أضيف اليها سبب نفسي بقدر قليل أو كثير، حتى أنه قد يغلب على الاختلاف الفكري فيكون الأصل، ويصبح السبب الفكري ثانوياً او هامشياً.
وفي المقابل تقوم النفس أعاذنا الله بتلبيس الحساسية والخصومة ذات الاسباب النفسية الوهمية او الحقيقية اثوابا فكرية كي تبرر تصرفاتها العدائية للدعاة والمسلمين. وقد تجد النفس وهي تبحث عن أثواب لتلبسها لخصومة المسلمين فروقاً فكرية حقيقية وهامة مع من تكره. وقد تزيّن لصاحبها إظهار هذه الاسباب في قوله وعمله وإخفاء السبب الحقيقي ولكن الحقيقة تظهر في سلوكه ومواقفه الفاصلة. وقد تنجح النفس في خداع صاحبها وإقناعه بان السبب في الخصومة هو الثوب الفكري الذي عثرت عليه وليس السبب النفسي، فيكون كالزوج المخدوع.
فاق أحد الطلبة زميله في الدراسة وتقدم بجده وموهبته حتى صار من العلماء المرموقين بينما بقي زميله متخلفاً مغموراً وكان الناجح يلحظ على زميله الحساسية والاستياء العميق منه كلما جمعه به مجلس او رآه. وذات يوم سأله على انفراد عن سبب حساسيته منه فأجابه: أقول لك بصراحة: إني أكره وجودك.
إن هذا الذي يعترف بالسبب الحقيقي لحساسيته يبقى أقل سوءً من الذي يخدع الآخرين ويخدع نفسه.
4- الحساسية والخصومة بالواسطة: ويكثر ذلك بين المسلمين أتباع الزعماء السياسيين غير الاسلاميين، أو أتباع المرجعيات والقادة الاسلاميين، أو اتباع علماء المسلمين على مستوى الإقليم أو المناطق أو المحلات، أو اتباع المؤسسات والأعمال الإصلاحية كما يوجد بين أعضاء التنظيمات الإسلامية او بين أهل الأقاليم والمناطق والمحلات والخطوط من تنظيم واحد.. الخ.
فإن هذه الفئات من المسلمين والعاملين في المجال الإصلاحي والتغييري يقع بينهم التنافس، أو توجد بين قياداتهم الحساسية فتسري الى الاعضاء والاتباع بالواسطة، او توجد بين اعضاء عمل وقيادي في عمل آخر، او بين اشخاص من عملين.. الخ وبقطع النظر عن موقف الاسلام من أصل الحساسية، فلا مبرر للحساسية بين مسلمين لم يحصل بينهم احتكاك ولربما لم تحصل معرفة ولا ذنب لهم الا انتماؤهم الى بعض الاعمال او الاشخاص معتقدين صحة عملهم واستقامة صاحبهم، او متصورين أن التعصب له ومعارضة ما عداه جزء من العمل للإسلام.

أنواع الحساسية والخصومة ودرجاتها
للحساسية والخصومة أنواع كثيرة ودرجات عديدة نذكر بعضها:
1- فقد تكون فعلاً ابتدائياً من شخص لسبب من الأسباب المتقدمة. وقد تكون رد فعل على إساءة إليه صغيرة أو كبيرة بقدرها أو بأكبر منها. وفي بعض الحالات يصعب تمييز الفعل ورد الفعل لأن بدايات الفعل تكون صغيرة او غير ملموسة لدى أحد الطرفين أو كليهما أو تكون ضائعة بينهما خفية إلا على صاحبها.
و أصحاب الحساسية والخصومة الابتدائية ـ خاصةً عندما يكون الطرف المساء اليه طيّب النفس أو صاحب فضلٍ عليهم أو ساذجاً أو ضعيفاً ـ يكونون في الغالب من أصحاب المزاج التشاؤمي المفرط، أو المزاج العدواني على الناس، ويفرطون في كراهيتهم وخصومتهم، لأن الحالة المرضية السلبية او العدوانية فيهم تكون شديدة.
ولا نكاد نجد حالةً من الحساسية، الخصومة بفعل ابتدائي من طرف دون رد فعل من الطرف الآخر إلا في الحالات الآتية:
أ. إذا كان الطرف المساء إليه لا يعلم ولا يشعر بالخصومة لسذاجته ونقص إدراكه، أو لخفاء أساليب المسيء وذكائه الشيطاني وظهوره بمظهر الاخ البريء.
ب. أن يكون المساء إليه ضعيفاً عاجزاً عن رد الفعل، فيقتصر فعله على تأثره النفسي وما شابه.
ج. أن يكون المساء اليه مؤمناً واعياً عاملاً لا يعيش الحساسية والخصومة تجاه من يسيء اليه ولايرد على قوله وفعله كما سيأتي.
د. أن يكون المساء اليه بالغاً من صفاء النية، وسلامة الفطرة، وخالص الطيبة، حداً يقربه من هابيل ابن آدم عليهما السلام:
((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّ‌بَا قُرْ‌بَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ‌ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٢٧﴾ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّـهَ رَ‌بَّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾ إِنِّي أُرِ‌يدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ‌ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِ‌ينَ ﴿٣٠﴾ فَبَعَثَ اللَّـهُ غُرَ‌ابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْ‌ضِ لِيُرِ‌يَهُ كَيْفَ يُوَارِ‌ي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا الْغُرَ‌ابِ فَأُوَارِ‌يَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴿٣١﴾ ))
نعم يكثر أن يكون الفعل أضعاف رد الفعل، أو رد الفعل أضعاف الفعل، أو أن يتحول صاحب رد الفعل الى صاحب فعل.
2- كما قد تكون الحساسية والخصومة فعلاً نفسياً فقط أو فعلاً خارجيا، وكل منهما درجات وانواع منها أنواع معقدة وعجيبة قد لا تخطر على بال نفس سويّةٍ الا على بال شياطين الجن والانس في نزغهم وأفانينهم الخبيثة.
فأدنى الدرجات النفسية أن لا يرتاح المسلم لأخيه ويكرهه كرها قليلا في نفسه فقط، ولا يمنع عنه خيراً ولا يفعل له سوءً، بل قد يحب له الخير، ويدفع عنه الشر عندما يجب عليه.
وأشد الدرجات النفسية أن يكره المسلم أخاه حتى يكون وجوده عليه غمةً وكابوسا، مع انه لم يسئ أليه ولم يرد على حساسيته بفعل نفسي او خارجي كما مر في حالة الطالبين الزميلين حيث كانت إجابة المتدين المحسود لزميله أن بكى وقال له ما معناه: إني احب اسعادك ولو كان الله تعالى يرضى عني بقتل نفسي لتكون سعيداً لفعلت، ولكن ماذا اصنع؟
وأدنى درجاتها الخصومة العملية ان يكره المسلم أخاه ولا يمنع عنه خيرا ولا يفعل له شرا ولكنه لا يحب له الخير ولا يدفع عنه الشر حتى لو وجب عليه.
وأشد درجاتها ان يكره المسلم اخاه حتى يصبح عقدة نفسه، وهاجس ذهنه، وتصبح خصومته قضيته الاولى في حياته، ثم لا يدع أسلوبا ولا لوناً من ألوان الأذى والكيد والإساءة يمكنه ان يفعله إلا فعله! وهي حالة من حالات تمكن الشيطان من الإمساك بزمام الانسان.

نظرةٌ في آثار الحساسية والخصومة
الحساسية والخصومة حالة مرضية خطيرة في النفس
”أياكم والمراء والخصومة فإنهما يمرضان القلوب“
وقد تبدأ بتأثر نفسي صغير ثم تكون عملاً ـ قولاً او فعلاً ـ ثم تكبر وتتراكم حتى تكون في القلب ظلمات بعضها فوق بعض، وبين الإخوة في الاسلام والايمان اعمالاً عدوانية وصراعاً يفرح لها الشيطان واعداء الاسلام ويمقتها الله تعالى.
قال صدر المتألهين رحمه الله في تفسير قوله تعالى ((فِي قُلُوبِهِم مَّرَ‌ضٌ فَزَادَهُمُ اللَّـهُ مَرَ‌ضًا))
”اعلم انه كما ان للابدان صحةً ومرضاً وغذاءً ودواءً.. فكذلك للقلوب صحة ومرضٌ وغذاءٌ ودواءٌ.. وذلك لأن الصحة عبارة عن صفة توجب صدور الافعال عن موضوعها مستقيمة سليمة، والمرض صفة له توجب وقوع الأفعال عنه مختلة… واعلم ان الدنيا دار مرضى… ومرضى القلوب هاهنا أكثر من مرضى الابدان“
وكما أن لامراض الابدان تأثيرات متنوعة على صحة البدن وأفعاله كذلك لامراض القلوب تأثيرات متنوعة على صحة النفس وأفعالها.
وقد حدد حديث شريف تأثير الخصومة على صاحبها وعلى الناس بثلاثة أنواع خطيرة ”إياكم والخصومه فإنها: تشغل القلب، وتورث النفاق، وتكسب الضغائن“.
1- (تشغل القلب) وذلك لأنها تشغل صاحبها بالتأثر النفسي والتأذي من اساءات الطرف الآخر، وبالتفكير في ردّ الإساءة او فعل الإساءة إليه. وهذا الانشغال يستهلك الكثير من طاقة ذهنه ووقته.
ونلمس هذا التأثير بالمقارنة بين عمل شخصين احدهما ينشغل بالخصومة عن العمل الحقيقي والآخر ينشغل بعمله الحقيقي عن الخصومة، وبين عمل شخصٍ قبل انشغاله بالخصومة وبعد انشغاله بها: فالمعلم في مدرسته عندما يكون منسجما مع الادارة والزملاء والطلاب ومرتاحا في بيته ومحيطه: يتقن تدريس مادته، ويعتني بطلابه، وينجح في عمله، ويسهم في رفع مستوى المدرسة من زاويته وغيرها، لأنه يعيش عمله ويعطيه من ذهنه ووقته. اما اذا انشغل قلبه بالحساسية والخصومة فينخفض مستوى عيشه لعمله وينعدم إبداعه ويقل عطاؤه. وقد يفشل في الحد الادنى المطلوب منه.
وكذلك الامر في العامل والفلاح والطبيب والإداري والمقاتل والسياسي والكاتب والزوج والطالب… الخ. وكذلك حالة الداعية عندما يكون صحيح القلب مقبلا بكله على عمله في مجال من مجالات الدعوة بنشاط وحيوية فهو يعطيه ذهنه ووقته فيحقق فيه النجاح والابداع، ويفتح الله على يديه لدعوته خيرا كثيرا، وعندما ينشغل قلبه بابتلاء من ابتلاءات الدنيا او يصيبه لا سمح الله شيء من مرض الحساسية والخصومة ينخفض عيشه للدعوة وعطاؤه لها ويكثر انشغاله بغير ما خلق له.
إن نظرةً فاحصة في مجتمع ما الى القلوب المشغولة ترينا الطاقات الهائلة النفسية والفكرية والعملية والاوقات الكثيرة التي تضيعها الخصومة بين المسلمين ويخسرها العمل الحقيقي الذي يريده منهم الاسلام.
2- (وتورث النفاق) فالنفاق حالة ازدواجية في الشخصية إما على مستوى العقيدة بان يظهر الشخص الايمان والاستقامة ويبطن الكفر والعداء للاسلام والمسلمين، واما على مستوى العمل والسلوك بأن يعتقد الشخص بعقيدة الاسلام ولكنه يظهر الالتزام بالاسلام والنصح للمؤمنين ويبطن الفسوق والغش. والنفاق درجات متعددة، فقد يبدأ صاحبه بأشد درجات النفاق الاعتقادي، وقد يبدأ بأدنى درجات النفاق العملي ويتفاقم الى أشد درجاته.. ثم الى درجات النفاق الاعتقادي حيث يسلب صاحبه العقيدة ويصبح عدوا للاسلام واهله! وقد ورد في السنة المطهرة قول رسول الله (ص): ”ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق“
كما ورد التحذير من عدة اعمال وصفات بعضها وصف بأنه نفاق، وبعضها بأنه يخشى على صاحبه من النفاق، وبعضها وصف بأنه يورث النفاق كالبخل والجبن والخصومة محل البحث. وتعبير ”تورث“ يعني انها تؤدي طبيعيا الى الازدواجية في الشخصية والنفاق.
والسبب في هذه النتيجة الخطيره للخصومة:
أ. إنها كما عرفت تشغل قلب صاحبها ووقته عن العمل الحقيقي.
ب. إنها تؤثر على صفاء النفس واعتدالها فتجعل فيها ظلاما يمنعها من التفاعل الحيوي في آفاق الاسلام. وتجعلها غير سوية في بعض تفاعلاتها ومشاعرها.
ج. إنها تؤثر على استقامة العقل وموضوعية التفكير فتأتي بعض نتائج التفكير خاطئة وذاتية، وقد تسري العدوى الى مجالات التفكير الاخرى أعاذنا الله تعالى. واذا اصبحت نفس الانسان غير سوية ولو في جانب، وعقله غير مستقيم ولو في جانب، واصبح ذهنه مشغولاً عن همّه الحقيقي بالحساسية والخصومة بكله أو بقسم منه، ووقته مشغولاً بكله او بقسم منه عن عمله الحقيقي، وهو يظهر الاستقامة النفسية والعقلية والانشغال بالعمل الحقيقي النافع للإسلام والمسلمين.. فقد اختلف واقعه عن ظاهره ووقع في درجة من درجات النفاق!.
3- (وتكسب الضغائن) وهذا هو الأثر الاجتماعي للحساسية والخصومة. والضغائن تسمية لحالة الكراهية والبغضاء عندما تصبح حادة مستحكمة بين المسلمين أعاذنا الله تعالى.
والتعبير بـ(تكسب) خاصة، مضافاً الى كل فقرات النص، إلفات الى ان الربح المتوقع والنتيجة الحاصلة من الخصومة سلبيةُ دائماً كما هو مشاهد بالحس في أنفس المتخاصمين في العلاقات والأوضاع الاجتماعية، ولا تكون إيجابية ابداً كما يزين الشيطان لأصحابها.

الموقف الإسلامي
1- أحْبِب المؤمنين والمسلمين ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ‌ إِلَيْهِمْ ))، ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))،
”والذى نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها“
2- واعمل للإسلام والمسلمين ((أَقِيمُوا الدِّينَ)
”من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم“
3- ولا تظلم مسلماً ولا تؤذه ولا تحقـّره
”الظلم الذي لا يدعه الله المداينةُ بين العباد“
”من حقر مؤمناً مسكيناً او غير مسكين لم يزل الله عز وجل له حاقراً ماقتاً حتى يرجع عن محقرته إياه“.
4- ولا تحسد مسلما ((أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ))
”إن الحسد ليأكل الايمان كما تأكل النار الحطب“
5- وابحث عن ايجابيات المسلم ولا يكن همك سلبياته:
”لا تتبعوا عثرات المسلمين، فإن من تتبع عثرات أخيه تتبع الله عثراته.. ومن تتبع الله عثراته يفضحه ولو في جوف بيته“
”ومن عيّر مؤمناً بشيءٍ لم يمت حتى يرتكبه“
6- واحمل قول أخيك وفعله على الأحسن ((اجْتَنِبُوا كَثِيرً‌ا مِّنَ الظَّنِّ ))
”ضع امر اخيك على احسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءً وانت تجد لها في الخير محملاً“
7- والسبب الأول للخصومة هو الكلام فاحفظ لسانك
”من لم يحسب كلامه من عمله كثرت خطاياه وحضر عذابه“
”لا يعرف عبد حقيقة الايمان حتى يخزن من لسانه“
8- وإذا أردت أن تتكلم فأمامك: الأسوأ، والسيّء، والحسن، والاحسن. فاختر منها ما امرك الله تعالى به: ((وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ))
9- عندما يساء إليك، لا تنجرَّ إلى الحساسية والخصومة برد الفعل واكظم غيظك:
”مِن احبِ السبيل الى الله جرعتان: جرعة غيظ تردها بحلم، وجرعة مصيبة تردها بصبر“
10- وارتفع درجة لتكون من أهل الحكمة فتحسن الى من اساء اليك ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٣﴾ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُ‌وا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾ ))
”الا ادلكم على خير خلائق الدنيا والآخرة: تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك وتحسن إلى من أساء إليك“
إن هذه الأحكام والمفاهيم الاسلامية المتكاملة تشكل مفردات الموقف الاسلامي المتكامل وهي كافية لمن يتقي الله ويأخذ بها للوقاية من مرض الحساسية والخصومة ومعالجته.
ومضافاً الى ذلك: ينبغي للداعية أن يسأل نفسه: ماذا أريد من فعل الحساسية والخصومة للمسلمين او رد الفعل عليها؟؟
إذا كنت أريد بها إثبات حق، فإنها تضعف حقي. وإذا اردت بها تصحيح خطأ فإنها تضعف قدرتي على تصحيح الخطأ. واذا اردت بها إزالة عقبة او دفع ضرر عن الدعوة فهي لاتزيل ذلك بل تزيده. فما شغلي إذن بضرر لا نفع فيه؟!
وفوق ذلك: ينبغي للداعية ان يكون في غنى عن إقناع نفسه بالاحكام والمفاهيم الاسلامية المتعلقة بالحساسية والخصومة، وفي غنى عن مناقشة نفسه بفائدة هذا السلوك المرضي لأنه مشغول عن الحساسية مع الناس وخصومتهم بما امره من دعوتهم الى الاسلام.
ان مركز اهتمام الداعية: هو عمله الدعوتي في تقريب المسلمين من الاسلام، وتحقيق تقدم للدعوة، وتحقيق مصلحة للمسلمين فهذه الاعمال هي واجبه وهدفه وهوايته،وهي التي يعيشها في عقله ونفسه، في ليله ونهاره، وحله وترحاله، وراحته وتعبه، وسروره وألمه.. لايشغل ذهنه بغيرها الا لما وجب من شؤونه الشخصية، وما تيسر من نصيبه من الدنيا وما عرض عليه من آنات ضعف سرعان ما يثوب منها الى آفاق الدعوة.
وشعار الداعية: هو العمل الحقيقي فقط، فهو الشعار الذي يحمله في حياته ويشق به طريقه ويقطع به عمره ويدعو إليه غيره والعمل الحقيقي هو العمل في هذه المجالات الثلاثة الرحبة، وما لزم لشأنه الشخصي والحساسية والخصومة خارجة عن هذا الشعار، لانها ليست عملاً حقيقيا بل ملهاة عن العمل الحقيقي، واُغلالٌ للذهن، ومرضٌ للقلب، ومضيعةٌ للطاقه.. وإن زينتها النفس الامارة والعدو المبين. ومقياس الداعيه للاعمال والاشخاص: هو مدى علاقتها بالعمل الحقيقي بعداً وقرباً إيجاباً وسلباً، وليس علاقتها بشخصه، فما كان قريباً من العمل الحقيقي او نافعاً فيه فهو معه وهو له وان كان ثقيلاً عليه وضاراً بشخصه. وما كان بعيداً عن العمل الحقيقي ضاراً به عمل لتقريبه وإزالة ضرره او تخفيفه وإن كان عمله هذا ثقيلاً عليه ضاراً بشخصه.
فانطلقوا ايها الدعاة الميامين وتقربوا الى رب العالمين بعمل الدعوة، واحفظوا مركز همكم ولاتنسوه. وحافظوا على شعاركم ولا تتراجعوا عنه. وقيسوا الأمور بمقياسكم ولاتستبدلوه. وانفضوا عن أنفسكم اغلال الحساسيات وتضييع الأوقات في الشحناء مع القريب والبعيد.. فبذلك نكون صدراً رحباً يحب الامة ويسعها وطليعةً جديدةً تحبها الامة وتستجيب لدعوتها لامحالة.

صعوبة تطبيق الموقف الإسلامي
أن يتعود الداعية على مداراة الناس ولا يسبب لهم ما يوجب الحساسية والخصومة.
وأن لا يرد على الحساسية والخصومة اذا تكونت تجاهه بفعل ولا قول.
وأن يزيل من ذهنه التأثر والتفكير بالحساسية والخصومة.. ويجعل ذهنه مشغولاً دائما بالعمل الحقيقي للدعوة.. إن وصول الداعية الى هذا المستوى الإيماني والعملي الرفيع صعب بحكم ضعف النفس البشرية.. ورواسبها.. وما على الداعية إلا أن يستمد العون من العلي القدير عز وجلّ على هذه الصعوبة ويجاهد نفسه في هذه المسألة الاساسية من شخصيته، فيقوم أولاً بانتفاضةٍ ومحاسبةٍ كلية لنفسه، ثم يراقبها ويحاسبها في التطبيق والممارسة حتى يتم الله عليه نعمته ويضع عنه وزره الذي أنقض ظهره: ((وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُ‌وا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾((
ومن الطبيعي ان يتفاوت الدعاة حفظهم الله في القابلية لهذا المرض وفي القدرة على الشفاء منه، تبعاً للتكوين النفسي والتربية، والوعي، والجد في جهاد النفس.. وما علينا إلا أن نأخذ بيد إخواننا الدعاة وأيدي امتنا ونشجعهم على مواصلة الصعود درجةً درجة، حتى يبلغ اكبر عددمنهم المستوى الكامل للموقف والنظرية الاسلامية.. ثم ليصبح ذلك تياراً وطابعاً حضارياً للمسلمين.
قال صدر المتألهين الشيرازي رحمه الله:
”فلا دواء لامراض القلوب الا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر“
وقال الشهيد السعيد الشيخ عارف رحمه الله:
”ليس بمقدور كل انسان ان يواكب الدعوة في سيرها وارتفاعها، ونقول ذلك لتجربة عشناها وستعيشها الدعوة في طريقها الشائك، فالذي يسير مع الدعوة ويستمر في السير يكون من نوعها في الاخلاص لله والصدق في الجهاد والسعي المتواصل الواعي من أجل نوال مرضاته.
فالداعية الذي يجعل مصلحة الاسلام فوق جميع المصالح والاعتبارات ويعمل بنفسية عالية مترفعة عن كل شعور أناني ضيق مهما كان مصدره، ومتصلاً بالله في هدفه وتصرفاته، وحريصاً على ان يدعو الناس بسلوكه قبل لسانه وقلبه.. إن داعيةً اسلاميا كهذا لهو الشخصية الاسلامية التي ستساهم بإذن الله في صنع المجتمع الاسلامي المرتقب. ومن هنا يتضح ان المقياس في تشخيص من يصلح من الدعاة لبلوغ تلك المنزلة الرفيعة ـ منزلة الشخصية الاسلامية ـ هو مقياس عملي محسوس يمكن للدعوة والداعية ان يلاحظاه في سلوك الداعية القويم“
ومما ينفع في التغلب على صعوبة التطبيق التعرف على جوانب هذه الصعوبة وهي ترجع الى امرين: ضعف النفس، ونقص الوعي:
1- فصعوبة الامتناع عن فعل الحساسية والخصومة ورد الفعل عليها تكون اعتيادية محمولة في حالة الضعف الاعتيادي الطبيعي للنفس، وتزداد الصعوبة كلما ازداد ضعف النفس بسبب الرواسب الدافعة إلى ذلك، أو بسبب التكوين الانفعالي الحساس للنفس، او بسبب شدة الخصومة الموجهة ضده.. الخ. وأشدّ ما تكون الصعوبة: في الامتناع عن رد الفعل عندما تكون الحساسية والخصومة الموجهة ضد الداعية شديدة ومستمرة وبدون سبب منه، حيث تحتاج الى أمرّ انواع الصبر وضبط النفس.. واعلاه قيمةً عند الله تعالى واحلاه عاقبة.
2- ونقص الوعي والإدراك إما أن يكون في أصل الموقف والنظرية الإسلامية وإما ان يكون في تطبيقاتها:
أ. فقد يقال: إن قاعدة (دارِ المسلمين ولا تفعل ما يوجب حساسيتهم وخصومتهم لك) قاعدة اسلامية، ولكن امزجة الناس وأنفسهم مختلفة، ومهما حرص الداعية على مداراتهم فستحصل ضده حساسيات وخصومات.
أما قاعدة (لا ترد على الحساسية والخصومة وازل تأثرك بها والتفكير فيها من ذهنك) فهي مطلب مثالي لا ينسجم مع واقعية الاسلام في احكامه ومفاهيمه لان تأثر الإنسان بالإساءة إليه امر طبيعي ولم يحرمه الله تعالى ما لم يؤد الى فعل حرام، كما شرع تعالى الانتصار للنفس والدفاع عن الكرامة ورد الاعتداء والاذى والسيئة بمثلها، وأجاز للمظلوم غيبة الظالم.. الخ. وعلى هذا يصح ان نقول: ان المطلوب اسلامياً أن لا يسيء المسلم الى المسلمين ولا يخرجه تأثره منهم عن حدود الأحكام الشرعية وان لا يرد على الخصومة بأكثر منها.. أما ان نتصور شخصية الداعية والمجتمع بصورة خالية من الحساسيات البشرية والخصومات وردود الفعل، فهذه مثالية تخالف واقع المسلمين المؤمنين في التاريخ والحاضر. و الجواب عن ذلك:
أولاً: إنّ الداعية غير مسؤول عن الحساسية والخصومة التي تحصل بدون سبب منه او بسبب عمله الدعوتي.. إلا مسؤوليته عن معالجة هذه الحالة في اصحابها.
ثانياً: ان الموقف الاسلامي او النظرية الاسلامية في مسألة الحساسية والخصومة تتكون من مستويين:
مستوى الحد الأدنى وهو ما ذكر من عدم الإساءة وعدم حرمة الاستياء مالم يؤد الى حرام وجواز رد الاذى بالمثل.
والمستوى الاعلى الذي ينبغي للمسلم وللداعية خاصة وهو ما ذكرنا من عدم الاساءة وعدم الرد، وازالة الاستياء والتفكير بالحساسية والخصومة من الذهن..ومن واقعية الاسلام ورحمته تعالى وعلمه بضعف النفس البشرية والمجتمع البشري ان يفرض علينا الحد الادنى الواجب ويوجهنا ويحثنا لبلوغ الحد الاعلى المطلوب.
ان توجيه المسلم بحرفية جواز التأثر النفسي ورد الاساءة بالمثل بشكل نظري مفصول عما يؤدي اليه في النفس والناس وعما يترتب عليه من احكام شرعية اخرى، نقصٌ في الوعي الفقهي للحالة فالتأثر النفسي إذا أصبح حالة معمقة في النفس وصفة في شخصية الإنسان تؤثر سلبياً على ذهنه وعمله وأحكامه على الأمور.. كيف يبقى جائزاً؟ ورد الإيذاء بالمثل كيف يطبقه المسلم في حالة البهتان والافتراء عليه واشتغال الخصم بالإساءة المستمرة والوقيعة به؟ بل كيف يطبقه في مورد رد الإساءة بكلمة او فعل محددين ويبقي ضمن (الرد بالمثل) إذا لم يكن تعود على العفو نفسيا ومارسه فعليا؟
وكثيراً ما نرى ان التمسك بجواز التأثر النفسي ورد الأذى مع نقص الادراك للحالة، ونقص الادراك للمستوى العالي المطلوب من النظرية.. يؤدي بصاحبه الى تحويل الحكم الشرعي الى مفهوم غير اسلامي كالمفهوم العامي والعشائري للدفع عن الكرامة، ويجعل ذلك ذريعة للتمادي في الحقد النفسي ورد الخصومة باضعافها.. الخ. وهو في كل ذلك يتصور او يصور لنفسه او يصور له من قبل ناقصي الادراك انه مستند الى حكم شرعي!
ثالثا: ان الواقع الاجتماعي التاريخي والحاضر للمسلمين والمؤمنين ان كثيرا منهم دون الحد الادنى المفروض من الله تعالى ومنهم من هم في مستوى الحد المفروض، ومنهم من هم في المستوى الكامل للنظرية. فكم في مجتمعات المسلمين الماضي والحاضر من الابرار الذين جعل الإسلام أحدهم لا يسيء الى المسلمين، ولا يرد على إساءتهم ويزيل من نفسه التأثر من مسيئهم ويستغفر له ويحسن اليه.
والدعاة الى الاسلام اولى الناس بتحقيق هذا المستوى في شخصياتهم، وإن كلف ذلك احدنا ان يجاهد نفسه سنين ويرفع من مستواه درجة درجة.
ب. وقد يقال: ان تطبيق الموقف الاسلامي هذا على المسلمين المؤيدين للنظام الاسلامي والعمل الاسلامي او الذين لا يعادونهما امر مقبول.. ولكن كيف نطبقه على خصوم الاسلام كالمعارضين للنظام الاسلامي من مسلمي ايران والمعادين للأعمال الاسلامية ودعاة الاسلام في بلاد المسلمين الاخرى.. فهؤلاء المنحرفون والضّلال والسيئون لا يختلف عملهم كثيرا عن عمل اعداء الاسلام بل قد يفوقه في بعض المناطق والحالات فلماذا نعامل الخصوم بقاعدة: لا نخاصم من يخاصمنا ولا نعادي من يعادينا.. ونعامل الاعداء بقاعدة: واعدوا لهم، ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه..
والجواب: ان الموقف الاسلامي القائم على التفريق في التعامل بين الخصوم والاعداء (في مصطلحنا الدعوتي) مرتكز على الاساس الاسلامي (إقامة الحجة) وفي بعض الحالات على اساس التدرج في إعداد القوة.
فالمسلمون غير الملحقين بالكفار لعمالتهم السياسية والفكرية لابد ان تبلغهم الدعوة وتقام عليهم الحجة، وذلك لا يتم بمجرد وجود تنظيم صغير بالنسبة لعددهم ووجود اعمال ونشاطات قليلة في توعيتهم بل لابد من حركةٍ كاملةٍ في المجتمع من داخله او خارجه يتم بها التبليغ والحجة والتمايز والتفاضل بين من يستجيب للدعوة وبين من يعاديها. ولا يتم ذلك حتى تكون حركة الاسلام في المرحلة السياسية في ذلك المجتمع. اما قبل مرحلة المفاضلة هذه فل يصح ان نجري عليهم حكم اعداء الاسلام لأن اسباب معارضتهم للإسلام وخصومتهم للدعوة والدعاة متعددة، ونظرتهم الى الاسلام ودعوته متغيرة.. وخلال مسيرة الدعوة وحدوث الحركة في المجتمع فان اكثرهم ان لم يكن جميعهم سيكون بالنتيجة مع الدعوة ومع الاسلام كما رأينا ذلك في الماضي وفي الحاضر في مسيرة الدعوة في العراق وفي مسيرة الدعوة والثورة في ايران.
ج. وأما نقص الوعي في تطبيق الموقف الاسلامي فينشأ من تصور: ان فعل الخصومة او رد الفعل عليها عمل دعوتي. او عمل ينفع الدعوة. او من نقص التمييز لدى الداعية بين ذاته وبين الدعوة. وينبغي للدعاة حفظهم الله ان يتنبهوا الى اختلاط الحق بالباطل والخطأ بالصواب في هذه الموارد الثلاثة، فإن مما تميزت به دعوتنا من أول مسيرتها المظفرة الحرص على الوضوح والتحديد والتمييز، وعدم قبول الغموض والميوعة والخلط في: الافكار، والاعمال، والأشخاص.
إن إعادة المداليل إلى الألفاظ، وإعادة الامور إلى حدودها وواقعها من عوامل تغيير الأمة بالإسلام، فلا يصح ان نخلط بين الاعمال الحقيقية اعمال الدعوة وبين الاعمال الثانوية والشكلية والوهمية، او بين ما ينفع عمل الدعوة ومالاينفعه او نحسب النفع الآني المحدود مكسبا للدعوة، وهو في المدى المنظور او البعيد ضرر على الدعوة. او نخلط بين مصلحة الداعية الشخصية ومصلحة الدعوة، وبين ما هو موجه ضد الداعية وما هو موجه ضد الدعوة.. الخ.
والتنبه الى هذه الامور يتوقف على وعي الدعاة واستيعابهم لفكر الدعوة وخطها(والذين آمنوا يهديهم ربهم بأيمانهم)

أضواء منيرة على الموقف الإسلامي
النصوص الاسلامية من آيات كتاب الله تعالى واحاديث رسوله (ص) أنوار هادية تضيء أنفس الدعاة وتوضح لهم الامور وتبين لهم الطريق، وتزيدهم ايمانا الى ايمانهم وصبراً وتحملاً ورضىً بطريق الدعوة مهما كثرت مصاعبه. وكذلك قصص الدعاة القدوة الذين في قصصهم عبرة رضي الله عنهم وأرضاهم وحفظ الموجودين منهم.
وفيما يلي نقدم بعض الآيات والاحاديث والقصص النافعة في البحث:
(1) ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٣﴾ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُ‌وا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾ ))
((وَالَّذِينَ صَبَرُ‌وا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَ‌بِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَ‌زَقْنَاهُمْ سِرًّ‌ا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَ‌ءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ‌ ﴿٢٢﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّ‌يَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ﴿٢٣﴾ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْ‌تُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ‌ ﴿٢٤﴾))
((وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ انَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا ﴿٥٣﴾))
((وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّـهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٠٠﴾))
(2) (( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ‌ بِالْمَعْرُ‌وفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ‌ وَاصْبِرْ‌ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ‌ ﴿١٧﴾ ))
(3) (( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِ‌بِّيُّونَ كَثِيرٌ‌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِ‌ينَ ﴿١٤٦﴾ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَ‌بَّنَا اغْفِرْ‌ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَ‌افَنَا فِي أَمْرِ‌نَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْ‌نَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِ‌ينَ ﴿١٤٧﴾ فَآتَاهُمُ اللَّـهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَ‌ةِ ۗ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤٨﴾ ))
(4) ))وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِ‌ينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَ‌كُمْ ﴿٣١﴾))
(5) سئل رسول الله (ص): من اشد الناس بلاءً في الدنيا؟
فقال: النبيون ثم الأمثل فالأمثل ويبتلى المؤمن على قدر ايمانه وحسن اعماله فمن صح ايمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه ومن سخف ايمانه وضعف عمله قل بلاؤه. ”اخذ الله ميثاق المؤمن على بلايا أربع… لا يخلو منهن المؤمن او واحدة منهن: مؤمن يحسد، وهي اشدهن عليه. ومنافق يقفو اثره. او عدو يجاهده. او شيطان يغويه“.
”ما كان ولا يكون الى ان تقوم الساعة مؤمن الا وله جار يؤذيه… ولو ان مؤمناً في جزيرة من جزائر البحر لأبتعث الله له من يؤذيه“.
(6) ”ما كاد جبرائيل يأتيني الا قال: يا محمد اتق شحناء الرجال وعداوتهم“.
”لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى يدع المراء والجدل وان كان محقا“.
”ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل“.
”ذروا المراء فإنه: لا تفهم حكمته، ولا تؤمن فتنته“.
”إن أبغض الرجال الألدَّ الخَصِم“.
”من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط من الله حتى ينزع“.
”من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة. ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في مربض الجنة“.
(7) ”أقرب ما يكون العبد الى الكفر ان يؤاخي الرجل على الدين فيحصي عليه عثراته وزلاته ليعنفه بها يوماً ما… ومن عير مؤمناً بشيء لم يمت حتى يرتكبه“.
”من بهت مؤمنا بما ليس فيه بعثه الله في طينة خبال حتى يخرج مما قال“.
”كفى بالمرء عيبا ان يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وان يؤذي جليسه بما لا يعنيه“.
(8) ”اوحى الله الى بعض أنبيائه: يا ابن آدم اذكرني في غضبك اذكرك في غضبي لا أمحقك فيمن امحق وارض بي منتصراً فان انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك“.
”ان الرجل ليغضب فما يرضى ابداً حتى.. يدخل النار َ فأي رجل غضب وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فانه سيذهب عنه رجس الشيطان“.
”وأي رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه، فان الرحم اذا مست سكنت“.
(9) ”ان كان في شيء شؤم ففي اللسان“
قال رسول الله (ص) لرجل أتاه: ألا أدلك على امر يدخلك الله به الجنة؟
قال بلى يا رسول الله.
قال: أنِل مما أنالك الله.
قال: فان كنت أحوج ممن انيل؟
قال: انصر المظلوم.
قال: فان كنت اضعف ممن انصره؟
قال: فاصنع للاخرق ”أي أشر عليه“
قال فإن كنت اخرق ممن اصنع له؟
قال: فاصمت لسانك الاّمن خير.. اما يسرك ان تكون فيك خصلة من هذه الخصال تجرك الى الجنة؟!
في حكمة آل داود: ينبغي للعاقل ان يكون عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه.
(10) صدقة يحبها الله تعالى: اصلاح بين الناس اذا تفاسدوا وتقارب بينهم اذا تباعدوا.
(11) التودد الى الناس نصف العقل.
(12) من كتاب لأمير المؤمنين علي عليه السلام الى عبدالله بن عباس رضي الله عنه وكان يقول ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله ﷺ كانتفاعي بهذا الكلام:
”اما بعد، فإن المرء ليفرح بالشيء الذي لم يكن ليفوته، ويحزن على الشيء الذي لم يكن ليصيبه. فلا يكن افضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ.. ولكن إطفاءَ باطلٍ او إحياء حق. وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلفت وهمك فيما بعد الموت“
(13) عن جعفر بن عيسى قال:
”كنا عند أبي الحسن الرضا عليه السلام وعنده يونس بن عبد الرحمان اذ استأذن عليه قوم من أهل البصرة، فأومى أبو الحسن الى يونس: ادخل البيت فاذا بيت مسدل عليه ستر، واياك ان تتحرك حتى يؤذن لك، فدخل القوم وأكثروا من الوقيعة والقول في يونس وأبو الحسن مطرق حتى لما أكثروا وقاموا فودعوا وخرجوا.. فأذن ليونس فخرج باكيا.
فقال: جعلني الله فداك اني أحامي عن هذه المقالة وهذه حالي عند أصحابي..
فقال له أبو الحسن: يا يونس وما عليك مما يقولون اذا كان امامك عنك راضيا. يا يونس حدث الناس بما يعرفون واتركهم مما لا يعرفون. يا يونس وما عليك لو كان في يدك درة وقال الناس: حصاة، هل يضرك ذلك شيئا، ولو كان في يدك حصاة وقال الناس درة، هل ينفعك ذلك شيئا؟
فقال لا.
قال ابو الحسن: هكذا انت اذا كنت على الصواب لم يضرك ما قال الناس.
فاستبشر يونس وقال ما معناه: يا مولاي فاشهد أن كل من كان لله فيه نصيب فهو مني في حل.“
ويونس بن عبدالرحمان رضي الله عنه وأرضاه كان من كبار المجاهدين أولي الوعي والبصيرة، وكان ارسله الامام عليه السلام الى البصرة لتصحيح بعض الاخطاء والانحرافات ويبدو أنه حملهم أكثر من ادراكهم.
(14) كان الشهيد السعيد أبو عصام رضوان الله عليه قدوة في حمل هم الدعوة والترفع عن الحساسية والخصومة. رأى يوما احد الدعاة في غاية الاستياء والتأثر. وكان ذلك في عام ١٣٨٩ هجري المصادف ١٩٦٩م أثناء الهجمة الشرسة والتي قامت بها سلطة البعثيين العميلة ضد المرجعية والحوزة والامة، فسأله عن سبب استيائه فأجاب أنه غاضب لتصرفات بعض الاشخاص من اوساط الحوزة والسياسيين وعاود أبو عصام السؤال: ـ حسنا لماذا أنت مستاء فاجابه الداعية بانفعال: ـ اما رأيت، اما سمعت كيف يتصرف هؤلاء ضد مصلحة الاسلام؟. فقال أبو عصام: نعم انهم يتصرفون كذلك، وهذا يستوجب ان نفكر ونعمل. ولكن أخبرني لماذا أنت مستاء، اسألك عن السبب؟ وظل يعيد عليه السؤال حتى وصل مع الداعية الى أنه لاموجب لاستمرار التأثر والاستياء وان هذه المشاكل طبيعية في طريق الدعوة ويجب أن ندرسها كموضوعات لاتخاذ الموقف منها.
وبهذه الذهنية العالية كان رحمه الله يتعامل مع الاساءات والمصاعب في طريق الدعوة فقد لاقت الدعوة في الهزة الاولى والثانية التي تعرضت لها القيادة وفي مسيرتها المظفرة الكثير من ذلك، وكانت الصعاب في نظره مواضيع للدراسة والعمل وانماء مسيرة الدعوة، اما الاساءة والخصومة التي كانت تظهر نحوه ونحو اخوانه فلا تؤثر في نفسه أو يزول تأثيرها بسرعة ويعمل لمعالجتها في أصحابها كي لا تتحول الى مواقف ضارة بالدعوة أو تسبب ابتعاد أصحابها عن العمل الاسلامي..
كان يهتم اهتماماً حقيقياً بالذين تركوا الدعوة في الهزة الاولى والثانية وبعدهما، كي ينطلقوا في الأعمال الإسلامية الإصلاحية التي يرغبون بها ويعمل لإنجاحهم، وينطلق في ذلك من منطلق الدعوة بضرورة القيام بأعمال اصلاحية متعددة في الامة نقوم بها بقطع النظر عن العناوين والاشخاص فكان رحمة الله عليه يلتقي معهم ويشجعهم ويتدارس معهم اعمالهم، ويوجه الدعاة الى تبنيها وانجاحها وتطويرها، حتى ان الأعمال الاصلاحية المختلفة، في المرجعية والحوزة والامة قامت بجهود الدعاة بتضحية واخلاص عاليين دون أن يعرف الدعاة مواقف بعض أصحابها من الدعوة ودون أن يؤثر ذلك على من يعرف منهم، حتى اختلط الامر على السلطة والامة بين الدعاة وغيرهم وبين قيادة الدعوة والمرجعية والواجهات والشخصيات.
وبالرغم من حرصه الشديد رحمه الله على خط الدعوة التغييري وحدّيته المعروفة في ذلك فقد كان يعالج التعارض عندما يحدث بين العمل الاصلاحي كما يريده صاحبه وكما تريده الدعوة بتثبيت خط الدعوة وبالتغاضي والتسامح وتجاوز الذات مع الاصلاحيين.
فهو من ناحية مثلا يكتب (كيف تكون المصلحة الخاصة خطرا على الدعوة) لمعالجة حالة تعارض بين بعض الاصلاحيين والدعوة ومن ناحية يؤكد على الدعاة بضرورة التحمل ونسيان الذات والاستمرار في انجاح الاعمال.
ومن ناحية يتمسك بموقف الدعوة في عدم المشاركة بأعمال سياسية خاطئة، ومن ناحية ثانية، يؤكد على موقف الدعوة بالتضامن لمواجهة النتائج السلبية التي تقع على أصحابها وعلى الامة.
ومن ناحية يكتب موقف الدعوة من المرجعية بعد وفاة السيد الحكيم قدس سره والذي يميز بين أهلية الفتوى وأهلية القيادة في المرجع فيترك امر التقليد في الفتوى للدعاة ويعلن عدم تبني الدعوة لقيادة مرجع معين حتى يتبين ذلك من عمله في الأمة.
ومن ناحية ثانية يهتم بإنجاح المرجعية وتطوير تصديها لقيادة الأمة.
لقد استطاع رحمه الله باهتمامه الدائم بالعمل الحقيقي للدعوة وسموه عن الحساسية والخصومة أن يفرض هذا الجو في تعامله حتى على من يكرهه ويسيء اليه، وان يفتح للدعوة مجالات متعددة ويدفع بالأعمال الاصلاحية وعمل الدعوة خطوات الى الامام. فاذا دخل ابو عصام الى مجلس في بغداد أو النجف أو زار أحدهم أو التقى به في الطريق أيا كان عنوان ذلك الشخص وموقعه.. فالحديث حديث العمل ولا مجال لغيره لأنه لا يوجد في ذهن الشهيد السعيد. سوى هم العمل الحقيقي.
(15) رأت الدعوة أن ينتقل الشهيد الشيخ عارف رحمه الله من النجف الى بغداد، وبدأ يمارس عمله العام باعتباره امام مسجد وعالم منطقة صغيرة. وفي سنوات قليلة توسعت أعماله في الامة واصبح من العلماء المؤثرين المرموقين في بغداد والعراق على رغم الصعوبات والعراقيل التي كانت في طريق عمله.
لقد كان سبب نجاحه في الامة حمله الدائم لهم الدعوة الاسلامية وترفعه عن الحساسية والخصومة التي لاقى منها الكثير من القريبين والبعيدين.
فقد كان من صفاته رحمه الله تحمل الاساءة وكظم الغيظ والدأب في العمل.
كان بعضهم يؤلب عليه التجار الذين يمدون اعماله بالحقوق الشرعية والتبرعات باسلوب خبيث، فيبدأ بمدح نشاطه واعماله ثم يهمس ناصحا اياهم بالتحفظ معه بحجة انه حزبي. كما يؤلب عليه المتصلين بالمرجعية باساليب اخرى. وكان الشيخ عارف رحمه الله يقابل ذلك بالتغاضي ويستمر في التعاون معه وكأن شيئا لم يكن.
وقام احد الاخوة غفرالله له بمحاولة فصل بعض خطوط الدعوة عن المركز، ولم يعد يطع مسؤوله الشيخ عارف رحمه الله وقام بحملة للنيل من الشهيد السعيد، واطلع بعضهم على الامر فقام بتقريب الاخ صاحب المحاولة وتركيز مكانته الاجتماعية في مقابل الشيخ عارف وقد قابل ذلك رحمه الله بالصمت وكظم الغيظ، وحينما وقع الخطر من السلطة على الاخ صاحب المحاولة بادر الى مساعدته وتخليصه من أيدي الظالمين.
(16) تعرضت الدعوة في أحد الاقاليم الى محاولة من بعض الدعاة غفر الله لهم للاستئثار وفرض اتجاه عملي وسياسي خاطئ على مسيرة الدعوة. وقد جرت بينهم وبين بعض المجاهدين مناقشات حادة حول ذلك تسبب في حدوث حالة من الحساسية تحولت لدى البعض الى خصومة أعاذنا الله.
وفي لقاء أحد المجاهدين مع أحد قادة الدعوة سأله القيادي عن السبب في أسلوب المناقشات الحادة والخصومة الذي استعمله المجاهدون مع اخوانهم فشرح له المجاهد أفكارهم وتصرفاتهم.
قال القيادي: نحن لا ننجر الى الخصومة مع أحد ولا ننشغل عن عمل الدعوة الحقيقي بعمل آخر.
قال المجاهد: ان اخواننا مصممون على فرض اتجاههم الخاطيء على الدعوة ويستغلون طيبة بعض الدعاة وهذا خطر على الدعوة وحرف لمسيرتها ويجب ان نعمل لوضع حد لهذا الخطر والانحراف.
قال القيادي: واذا انشغلتم بهم وانشغلوا بكم تضعون حدا للانحراف؟
سأله المجاهد: كيف نضع له حدا اذن؟
أجاب القيادي: ما داموا أقوى منكم اجتماعيا وماليا ويستغلون نقاء الدعاة فالمشكلة واقعة وتحتاج الى وقت وعمل حقيقي منكم حتى تزول.
قال المجاهد: نحن نعرف ان المشكلة واقعة ولكنا قدرنا ان موقفنا الحدي منها يقرب حلها ويجعلنا نتغلب عليها بدل مدة قد تطول سنة مثلا في مدى…
وقبل ان يكمل المجاهد كلامه قال له القيادى: وفي مدى سنتين!
إن الانشغال بالحساسية والخصومة وقال فلان وأجاب فلان، وجاء فلان وذهب فلان.. لا يصحح خطأ ولا يدفع ضرراً عن الدعوة.
المصدر: ثقافة الدعوة الإسلامية
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com