موقع الصراط ... الموضوع : سبل معالجة الخطاب المتطرّف
 
الأحد - 21 / صفر / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  سبل معالجة الخطاب المتطرّف  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 18 / رمضان / 1440 هـ
     
  بقلم:الشّيخ جميل الرّبيعيّ
جميل الربيعيقبل أن ندخل في صُلب البحث لا بدّ من بيان حقيقة التّطرّف، ومنابعه النّفسيّة والفكريّة، ومظاهره، وأخطاره، ونتائجه؛ لنبحث بعد ذلك سبل معالجته في الخطاب.

التّطرّف لغةً واصطلاحاً:
التّطرّف لغةً مشتقٌّ من (الطّرف)، أي منتهى الشّيء مكانيّاً أو زمانيّاً، تقول: تطرّف ((أي جاوَزَ حدَّ الاعتدال، ولم يتوسّط))(1)، فالتّطرّف في اللُّغة هو الوقوف في طرف الشَّيء، أي نهايته بعيداً عن الوسط، ويقصد به العدول عن الوسطيّة، والاعتدال، والتّوازن، وبكلمة أخرى: ((هو منتهى الشّيء وآخر خطّ من الجسم، أو آخر نقطة من الخطّ))(2).
أمّا اصطلاحاً؛ فالتّطرّف هو الميل والخروج عمليّاً عن الوسط إلى أحد الجانبين (الإفراط أو التّفريط)، وتجاوز الأسس والقواعد الفكريّة، أو المعايير الأخلاقيّة، أو الآداب الاجتماعيّة، أو الأساليب الإنسانيّة، أو تبنّي مفاهيم وقيم مختلفة عن الواقع السَّليم؛ وهكذا يكون التَّطرُّف عمليّاً وسلوكيّاً هو الخروج عن الاعتدال والتّوازن في شأن من شؤون الحياة سواء كانت فكريّة عقائديّة، أو سياسيّة أو اقتصاديّة، فرديّة أو اجتماعيّة...
ثمَّ إنَّه يمكن القول: إنَّ التّطرّفَ حالةٌ مرضيّةٌ في النَّفس منبعثة عن القلق الزّائد الّذي يعاني منه المتطرّف لفراغ فكريّ يعيشه الإنسان، أو لنظرة تشاؤميّة، أو لمصلحة ذاتيّة، أو لشكوك فكريّة، أو لطاعة عمياء لقيادات دينيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة، أو انبهار لظواهر حضاريّة تكنولوجيّة، أو محاولة لوضع حلول متسرّعة لحالات مرضيّة في المجتمع من دون دراسة لأسبابها، وما تنطوي عليه من سوابق فكريّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة...
وبالتّالي التّطرّف إفرازٌ سقيمٌ من إفرازات التّعصّب الأعمى لفكرة يراها، أو رأي يتبنّاه، أو عقيدة يعتنقها، أو عادة ألفها، سواء كانت دينيّة أو مذهبيّة أو وطنيّة أو قوميّة..
ومن هنا يمكن أن يكون التّطرّف قوميّاً، أو ثقافيّاً، أو سياسيّاً، أو دينيّاً، إسلاميّاً أو مسيحيّاً أو يهوديّاً، أو بوذيّاً، أو هندوسيّاً؛ لأنَّ التَّطرّف لا ينحصر في دين، أو وطن، أو مجتمع، أو عقيدة معيّنة، وإنَّما هو موجود منذ القديم في المجتمعات البشريّة كلّها، فلو تتبعّنا تاريخ الأديان والحضارات والدّول والثّقافات لوجدناها لا تخلو من متطرّفين شاذّين عن مبادئها الأساسيّة، وإنَّما هم موجودون في الأديان السَّماويّة كلّها، والمذاهب الدّينيّة، بل والقوانين والشّرائع الوضعيّة، ولم ينحصر في دين من الأديان كما يحلو لأعداء الإسلام أن ينسبوه إليه...
بل إنَّ هناك التّطرّف العلمانيّ الذي يُنَظّر لفصل الدّين عن الدّولة، ويسعى لحجز الدّين في المحاريب والتّكايا، إلا أنَّه لم يتوقّف عند هذا الحدِّ، بل تحرَّك بشدّة إلى محاربة الدّين ومحاصرته بأقصى ما يمكن، حتّى وجدنا بعض الدّول كانت تعدّ الالتزام بالدّين وإظهار شعائره، والدَّعوة إليه جريمة سياسيّة تعاقب عليها قوانينهم الّتي قنَّنوها لتقزيم دور الدّين في الحياة..
وأخذ هذا الاتّجاه صوراً أو أشكالاً مختلفة راح ضحيّتها أكابر العلماء والمفكّرين والفلاسفة والأدباء والخطباء وملايين الأبرياء لا لشيء إلا أنّهم يقولون ربّنا الله، ((وَما نَقَموا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنوا بِاللهِ الْعَزيزِ الْحَميدِ))(3).
وبناءً على ذلك أثبت بعضُ الباحثين خطأ ربط التّطرّف والأصوليّة في أيِّ دينٍ من الأديان السَّماويّة السّليمة فقط؛ لأنَّ الدّين الحقَّ قبَّح التّطرّف، ودعا إلى الاعتدال والتّوازن، وحرّم استباحة الدّماء، واستحلال الأعراض، وسلب الأموال بالباطل، بل حرَّم كلَّ اعتداء على كرامة الإنسان سواء كان صريحاً أو مبطّناً؛ لأنَّ بني آدم صنفان؛ ((إِمّا أَخٌ لَكَ في الدّينِ، وَإِمّا نَظيرٌ لَكَ في الْخَلْقِ))(4)؛ فكلُّ تجاوزٍ أو اعتداء يتعدّى فيه حدود العقل والشّرع فليس من الدّين في شيء، بل الدّين منه براء؛ ولهذا نؤكّد القول بأنَّ الأديان السّماويّة السّليمة قد نبذت التّطرّف والغلوّ، وحرَّمت الاعتداء على النَّفس البشريّة من دون النَّظر إلى دينها وعقيدتها..

منابع التّطرّف:
ينبثق التّطرّف من الغلوّ، والتّعمّق، والتّعصّب..
فالغلو هو: ((التّجاوز عن القدر، والغالي هو الّذي يتجاوز في أمر الدّين عمّا عُدِل وبُيِّنَ، قال تعالى: ((لا تَغْلوا في دينِكُمْ))(5)، فالمبتدعة غلاة في الدّين يتجاوزون في كتاب الله وسنّة رسول الله (ص) عن المعنى المراد، فيحرّفونه عن جهته))(6)، وبالتّالي هو نوعٌ من التّصلّب والتّشدّد بدرجة يتجاوز فيها الحدود الشّرعيّة والعمليّة. وأمّا التّعمّق؛ فهو شعبةٌ من شعب الغلوّ كما ورد في بعض كلمات أمير المؤمنين (ع): ((وَالْغُلُوُّ عَلى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى التَّعَمُّقِ بِالرَّأْي، وَالتَّنازُعِ فيهِ، وَالزَّيْغِ، وَالشّقاقِ، فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلى الْحَقِّ، وَلَمْ يَزْدَدْ إِلا غَرَقاً في الْغَمَراتِ، وَلَمْ تَنْحَسِرْ عَنْهُ فِتْنَةٌ إِلا غَشِيَتْهُ أُخْرى، وَانْخَرَقَ دينُهُ، فَهُوَ يَهْوي في أَمْرٍ مَريجٍ))(7).
بل ورد في كلمة أخرى أنَّ التّعمّقَ دعامةٌ من دعامات الكفر، قال (ع): ((وَالْكُفْرُ عَلى أَرْبَعِ دَعائِمَ: عَلى التَّعَمُّقِ، وَالتَّنازُعِ، وَالزَّيْغِ، وَالشّقاقِ، فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلى الْحَقِّ))(8).
وفي رواية أخرى عن رسول الله (ص): ((إِيّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ في الدّينِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَهُ سَهْلاً، فَخُذوا مِنْهُ ما تُطيقونَ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ ما دامَ مِنْ عَمَلٍ صالِحٍ، وَإِنْ كانَ يَسيراً))(9).
ويقصد بالتّعمّق الاستقصاء في الأمور بالآراء الباطلة، ((يقال: تعمّق في الأمر: أي بالغ في النَّظر فيه، والمراد به المبالغة المفضية إلى حدِّ الإفراط، وبعد ظهور الحقِّ كمن وصل في البئر إلى الماء، وقضى الوطر، ثمّ غاص في البئر فغرق))(10)، وبالتّالي التّعمّق هو انغمار في الأهواء بحجّة كشف الأسرار، قال ابن ميثم البحرانيّ: ((التّعمّق، وهو الغلوّ في طلب الحقّ، والتّعسّف فيه بالجهل، والخروج إلى حدّ الإفراط، وهو رذيلة الجور من فضيلة العدل، ويعتمد الجهل بمظانّ طلب الحقّ))(11).
وأمّا التّعصّب، فهو تشدّدٌ، وعنادٌ، وإصرارٌ، وانغلاقٌ نفسيٌّ، وتزمّتٌ لأمر يراه المتعصّب هو الحقُّ دون سواه إثباتاً لإنّيّته وأنانيّته من خلال ما تعصَّب له من دون وعي لحقيقة عقليّة أو شرعيّة كما وصف ذلك أمير المؤمنين (ع) بقوله: ((وَلَقَدْ نَظَرْتُ فَما وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعالَمينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ الأَشْياءِ إِلا عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْويهَ الْجُهَلاءِ، أَوْ حُجَّةٍ تَليطُ بِعُقولِ السُّفَهاءِ غَيْرَكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبونَ لأَمْرٍ ما يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَلا عِلَّةٌ))(12).
فمن خلال هذه الخصال القبيحة المذمومة تنطلق روح التّطرّف، وتأخذ أشكالاً وألوان متعدّدة، وتترك آثاراً سيّئة في الفرد والمجتمع، ومنها نشأت مذاهب فكريّة وقوميّة منحرفة لاقت منها البشريّة الويلات كالنّازيّة، والفاشيّة، والصَّليبيّة، والصّهيونيّة، والوهّابيّة، وغيرها من المذاهب المنحرفة عن هدى الله تعالى.

مَظاهِرُ التَّطُرُّفِ:
للتّطرّف ظواهر تبرز في سلوك المتطرّفين؛ فمن هذه الظّواهر:
1- الانغلاق الفكريّ: وهي حالة تمحور على الذّات، وصدود وإعراض عن الآخر؛ تكبّراً، أو استعلاءً، أو خوفاً، أو عداءً؛ وكلّها ناتجة من سوء الفهم للآخر، والتّعصّب لفكرة أو عقيدة أو سياسة معيّنة، وهي تعبيرٌ عن التّزمّت والجمود والرّكود العقليّ، وعدم القدرة على مواجهة أفكار الآخرين وآرائهم، والعجز عن التّعبير بما يجول في خاطره، أو لافتقاره للحجّة والدّليل والبرهان على ما يتبنّى من أفكار وآراء؛ ولذا نجد المتطرّف منغلقاً على ذاته، متمحوراً على معتقداته؛ ولذلك تراه فضّاً غليظاً خشناً رافضاً لكلّ ما يخالف متبنّياته، بل قد يفقد القدرة على السّماع للآخرين، وهذه الحالة قد توجد في بعض الاتّجاهات السّياسيّة الحزبيّة، وبعض المعتقدات الدّينيّة المذهبيّة، وهي مخالفةٌ لصريح كتاب الله تعالى حيث يقول: ((فَبِشّرْ عِبادِ * الَّذينَ يَسْتَمِعونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعونَ أَحْسَنَهُ))(13).
2- عدم الاعتراف بآراء الآخرين، والوقوف منها موقف الازدراء والاستهانة والتّوهين، بل ربّما لا يستطيع سماع وجهة نظر الآخر، ولا يريد أن يفهمها مهما كانت، لأنَّ آراء الآخرين وأفكارهم خطأ على كلّ حال، فلا تستحقّ أن يسمعها، وما يحمله هو الصّحيح فقط من دون سواه.
3- محاولة إلزام الآخرين بما لم يفرضه الله تعالى، والتّشديد عليها بعنوان المستحبّات؛ لا لشيء إلا لأنَّه يراها صحيحةً أو مطلوبةً على نحو الاستحباب، ورفض الرّخص الإلهيّة مع أنَّ السُّنَّة الشّريفة تؤكّد: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتى رُخَصُهُ كَما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتى عَزائِمُهُ))(14)، وفي رواية أخرى: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤتى رُخَصُهُ كَما يُكْرَهُ أَنْ تُؤْتى مَعْصِيَتُهُ))(15).
4- سوء الظَّنِّ بالآخرين؛ لأنَّ المتطرّف ينظر إلى الآخرين من منظاره الخاصّ الّذي تغلب عليه الشّكوك والارتياب، ومعلوم أنَّ من غلبت عليه الشّكوك ساء ظنّه، و((مَنْ ساءَ ظَنُّهُ ساءَ وَهْمُهُ))(16)، و((مَنْ ساءَ ظَنُّهُ ساءَتْ طَوِيَّتُهُ))(17)، و((مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ سوءُ الظَّنِّ لَمْ يَتْرُكْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَليلٍ صُلْحاً))(18)، وحينئذٍ يصبح مستوحشاً من أقرب المقرّبين إليه، ويمسي أسوأ النّاس حالاً كما جاء في الحديث الشّريف: ((شَرُّ النّاسِ مَنْ لا يَثِقُ بِأَحَدٍ لِسوءِ ظَنّهِ، وَلا يَثِقُ بِهِ أَحَدٌ لِسوءِ فِعْلِهِ))(19).

مَوْقِفُ الإِسْلامِ مِنَ التَّطُرُّفِ:
شريعة السَّماءِ سهلةٌ سمحاء كما نصَّ على ذلك الكتاب الكريم، وجسّده الرّسول الأعظم (ص) في سنّته الشَّريفة؛ ولهذا يمكن القول بضرس قاطع: إنَّ الإسلام والتّطرّف نقيضان لا يجتمعان، وضدّان متعاكسان، فقد صرَّح القرآن الكريم بقوله تعالى: ((يُريدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ))(20)، اليسر والسّهولة في جميع جوانب الحياة الشّرعيّة بعيداً عن التّشدّد والتّزمّت، بل إنَّ التّيسير هو إحدى وسائل الجذب الرّساليّ لغرض الهداية والإرشاد، فقد جاء في وصيّة رسول الله (ص) لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن داعياً ومبلّغاً: ((يَسِّرْ وَلا تُعَسِّرْ، وَبَشّرْ وَلا تُنَفّرْ، وَإِنَّكَ سَتَقْدِمُ عَلى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، يَسْأَلونَكَ: ما مِفْتاحُ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْ: شَهادَةُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ))(21).
وكان (ص) دائماً يؤكّد على أصحابه وسفرائه بالتّسامح والتّساهل في تعاملهم فيما بينهم وبين غيرهم، بل ومع أنفسهم، فيقول: ((لا تُشَدِّدوا عَلى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْماً شَدَّدوا عَلى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقاياهُمْ في الصَّوامِعِ وَالدِّيارِ، ((وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ))(22)))(23)؛ لأنَّ التّشدّد نتيجته الهلاك والبوار كما قال (ص): ((لا تُشَدِّدوا عَلى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِتَشْديدِهِمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَسَتَجِدونَ بَقاياهُمْ في الصَّوامِعِ وَالدِّياراتِ))(24).
بل استنكر رسول الله (ص) بشدّة على بعض أصحابه الّذين قرَّروا أن ينقطعوا عن حياتهم الطّبيعيّة، وينصرفوا إلى التّعبّد، ويهجروا عوائلهم، فقد رُوِيَ عن أنس بن مالك قال: ((جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النّبيّ (ص)، يسألون عن عبادة النّبيّ (ص)، فلمّا أُخبروا بها كأنَّهم تقالّوها(25)، فقالوا: وأين نحن من النّبيّ (ص)، وقد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فقال أحدهم: أمّا أنا فأصلّي اللَّيل أبداً، وقال الآخر: إنّي أصوم الدّهر فلا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النّساء، ولا أتزوّج أبداً، فجاء النّبيّ (ص) إليهم، فقال: أَنْتُمُ الَّذينَ قُلْتُمْ كَذا وَكَذا، أَما إِنّي لأَخْشاكُمْ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَتْقاكُمْ لَهُ لكِنّي أَصومُ وَأَفْطُرُ، وَأُصَلّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فَلَيْسَ مِنّي))(26).
وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (ع): ((إِنَّ ثَلاثَ نِسْوَةٍ أَتَيْنَ رَسولَ اللهِ (ص)، فَقالَتْ إِحْداهُنَّ: إِنَّ زَوْجي لا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، وَقالَتِ الأُخْرى: إِنَّ زَوْجي لا يَشَمُّ الطّيبَ، وَقالَتِ الأُخْرى: إِنَّ زَوْجي لا يَقْرَبُ النّساءَ، فَخَرَجَ رَسولُ اللهِ (ص) يَجُرُّ رِداءَهُ، حَتّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ما بالُ أَقْوامٍ مِنْ أَصْحابي لا يأكُلونَ اللَّحْمَ، وَلا يَشَمّونَ الطّيبَ، وَلا يَأْتونَ النّساءَ، أَما إِنّي آكُلُ اللَّحْمَ، وَأَشَمُّ الطّيبَ، وَآتي النّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فَلَيْسَ مِنّي))(27).
وفي قصّة عاصم بن زياد خيرُ دليلٍ على رفض كلّ أنواع التّشدّد والانقطاع للعبادة والاعتزال عن الحياة الطّبيعيّة الشّرعيّة الّتي شرعها الله لعباده؛ فعندما زار أمير المؤمنين (ع) العلاء بن زياد رأى سعة داره، فحثّه على اتّخاذها وسيلةً للتّقرّب لله تعالى في صلة الرّحم، والإصلاح بين النّاس، وإكرام الضَّيف، فانتهز العلاء الفرصة، فقال: ((يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد))، قال: ((وَما لَهُ؟))، قال: ((لبس العباءة، وتخلّى من الدّنيا))، قال: ((عَلَيَّ بِهِ))، فلمّا جاء قال: ((يا عُدَيَّ(28) نَفْسِهِ، لَقَدْ اسْتَهامَ بِكَ الْخَبيثُ، أَما رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ؛ أَتَرى اللهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّباتِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَها؟ أَنْتَ أَهْوَنُ عَلى اللهِ مِنْ ذلِكَ)). قال: ((يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك، وجُشوبة مأكلك))، قال: ((وَيْحَكَ، إِنّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللهَ تَعالى فَرَضَ عَلى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّروا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النّاسِ، كيلا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقيرِ فَقْرُهُ(29)))(30).
وهكذا أدلّة يسر الإسلام وسهولته أكثر من أن تحصى، وأكبر الظَّنِّ أنَّ كثيراً من الهفوات الّتي يقع فيها البعض في حالات التّشدّد ناتجة من سوء فهم لمقاصد الشّريعة المقدّسة، فيحاول العامل بالإسلام أن يكون شديد التّمسّك والالتزام إلا أنَّه يخطئ المقصد فيقع بالمحذور، مثلاً رواية عبد الصّمد بن بشير، قال: ((دخلت امرأة على أبي عبد الله (ع)، فقالت: أصلحك الله، إنّي امرأة متبتّلة، فقال: وَما التَّبَتُّلُ عِنْدَكِ؟ قالت: لا أتزوّج، قال : وَلِمَ؟ قالت: ألتمس بذلك الفضل، فقال: انْصَرِفي، فَلَوْ كانَ ذلِكَ فَضْلاً لَكانَتْ فاطِمَةُ (ع) أَحَقَّ بِهِ مِنْكِ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَسْبِقُها إِلى الْفَضْلِ))(31).
كلّ ذلك دليلُ الاعتدال والوسطيّة في الإسلام، وفي أقدس المقدّسات وهي عبادة الله تعالى، ومن الاعتدال بالعبادة يمتدّ إلى الجوانب الأخرى في حياته المعيشيّة؛ ولذا أكّد الإسلام على التّوسّط في الالتزام والاعتدال فيه، وعدم تحميل النَّفس المشقّات الزّائدة، قال الإمام الصّادق (ع): ((مَرَّ بي أَبي، وَأَنا بِالطَّوافِ، وَأَنا حَدَثٌ، وَقَدِ اجْتَهَدْتُ في الْعِبادَةِ، فَرآني، وَأَنا أَتَصابُّ عَرَقاً، فَقالَ لي: يا جَعْفَرُ، يا بُنَيَّ، إِنَّ اللهَ إِذا أَحَبَّ عَبْداً أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَرَضِيَ عَنْهَ بِالْيَسيرِ))(32).
وفي رواية أخرى: ((اجْتَهَدْتُ في الْعِبادَةِ وَأَنا شابٌّ، فَقالَ لي أَبي: يا بُنَيَّ، دونَ ما أَراكَ تَصْنَعُ؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذا أَحَبَّ عَبْداً رَضِيَ عَنْهُ بِالْيَسيرِ))(33).
ولعلَّ السِّرَّ في ذلك أنَّ الإسلام يريد أن يربّي معتنقيه على الاعتدال والتّوازن في كلّ مآرب الحياة كي لا يقع في الإفراط ولا في التّفريط؛ لأنَّ الإسلام يستوعب حياة الإنسان في كلّ مفرداتها الفرديّة والاجتماعيّة، وبناءً على ذلك يجب على الإنسان أن يتدرّج في التَّطبيق، ويُمَرحِل مسيرته التّكامليّة في الحياة؛ لأنَّ السَّيْرَ والسّلوك إلى الله تعالى هو كدحٌ، والكدح يُتعب الإنسان ويُنهكه، وهذا ما أكَّد عليه رسول الله (ص) لوصيّه عليّ (ع) ليسمع الآخرين من خلاله، فقال: ((يا عَلِيُّ، إِنَّ هذا الدّينَ مَتينٌ، فَأَوْغِلْ فيهِ بِرِفْقٍ، وَلا تُبَغّضْ إِلى نَفْسِكَ عِبادَةَ رَبِّكَ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ - يَعْني الْمُفْرِطَ - لا ظَهْراً أَبْقى وَلا أَرْضاً قَطَعَ، فَاعْمَلْ عَمَلَ مَنْ يَرْجو أَنْ يَموتَ هَرِماً، وَاحْذَرْ حَذَرَ مَنْ يَتَخَوَّفَ أَنْ يَموتَ غَداً))(34).
وهكذا يتّضح لنا أنَّ الإسلامَ دينُ الاعتدال والتّوسّط من خلال ما عرضناه من روايات شريفة صريحة في أنَّ من أبرز سمات الإسلام هي الوسطيّة، وهي الاعتدال والتّوازن في مسيرة الإنسان في الحياة بين (الإفراط والتّفريط)، أو بين اليمين والشّمال، بلا ميل أو ترجيح لأحدهما على الأخرى، وهذا هو شأن الأمّة الشّاهدة على الأمم الأخرى، يقول تعالى: ((وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكونوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً))(35).
ومن هنا أمر الإسلامُ بسلوك الطَّريق الوسط؛ ليضمن للإنسان سعادته، ونجاته في الدّنيا والآخرة، قال أمير المؤمنين (ع): ((الْيَمينُ وَالشّمالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّريقُ الْوُسْطى هِيَ الْجادَّةُ))(36).
وخلاصة الكلام: ((إنَّ الوسطيّة في مفهوم الإسلام منهجٌ أصيلٌ، ووصفٌ جميلٌ، ومفهومٌ جامعٌ لمعاني العدل والخير والاستقامة، فهي حقٌّ بين باطلين، اعتدالٌ بين طرفين، وعدلٌ بين ظلمين))(37).
إذاً في الاسلام: الاعتدال والتّوازن أمرٌ أساسيٌّ نَصَّ عليه الكتاب والسُّنّة في كلّ شأن من شؤون الحياة، نذكر منها:
أ- في الانفعالات والعواطف من الحبّ والبغض وغيره... قال أمير المؤمنين (ع): ((أَحْبِبْ حَبيبَكَ هَوْناً ما، عَسى أَنْ يَكونَ بَغيضَكَ يَوْماً ما))(38).
ومعنى هذا أن يكون الإنسان معتدلاً في حبِّه، وبغضه ويتوسّط في انفعالاته بلا إفراط ولا تفريط؛ لأنَّ الاعتدال واجبٌ حتّى في حبِّ أولياء الله تعالى، قال أمير المؤمنين (ع): ((سَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلى غَيْرِ الْحَقِّ، وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلى غَيْرِ الْحَقِّ))(39).
وقال (ع): ((هَلَكَ فِيَّ رَجُلانِ: مُحِبٌّ غالٍ، وَمُبْغِضٌ قالٍ))(40).
ب- حالة الرِّضا والغضب، فلا يكون بليداً ولا متهوّراً، قال أميرُ المؤمنين (ع): ((الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنونِ؛ لأَنَّ صاحِبَها يَنْدَمُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنونُهُ مُسْتَحْكمٌ))(41).
وأيضاً ورد عن رسول الله (ص): ((ثَلاثُ خِصالٍ مَنْ كُنَّ فيهِ اسْتَكْمَلَ خِصالَ الإيمانِ: إِذا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضاهُ في باطِلٍ، وَإِذا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ الْغَضَبُ مِنَ الْحَقِّ...))(42).
ج- التّوسّط في الإنفاق، فلا تقتير ولا إسراف، وإنّما اقتصاد، وهو التّوسّط في البذل، يقول تعالى في وصف عباد الرّحمن: ((وَالَّذينَ إِذا أَنْفَقوا لَمْ يسْرِفوا وَلَمْ يقْتِروا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً))(43).
((وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلوماً مَحْسوراً))(44).
د- في السّلوك الاجتماعيّ، في المشي أو الكلام، يقول تعالى: ((وَاقْصِدْ في مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَميرِ))(45).
ونتيجة لسلوك المجتمع البشريّ جانبي الإفراط، أو التفريط حادوا عن الجادة الوسطى، فبرزت في العالم جبهتان: جبهة اليمين المتمثّلة بأمريكا، وجبهة اليسار المتمثّلة بالكتلة الشّرقيّة، وهما نهجان متعاكسان تماماً - طبعاً إلا في حرب الإسلام فإنَّهما متّفقان -، فقد دعت الرّأسماليّة إلى صهر المجتمع في الفرد، ودعت الشّيوعيّة إلى صهر الفرد في المجتمع، وهذا ما وقع به النّظامان من خطأ شنيع حين أطلق الأوّل الحرّيّة الفرديّة، وجعلها عماد الدَّولة في الوقت الّذي أطلق الثّاني الحرّيّة الاجتماعيّة من دون حدود، كلّ ذلك منع الإسلامُ منه، وأمر بالتّوسّط؛ لأنَّ ((الْيَمينَ وَالشّمالَ مَضَلَّةٌ، وَالطَّريقُ الْوُسْطى هِيَ الْجادَّةُ))(46).
ونختم هذا البحث بما ورد من أحاديث تؤكّد على الوسطيّة في التَّشريع:
عن الإمام الرِّضا (ع) أنَّه قال: ((نَحْنُ آلَ مُحَمَّدٍ النَّمَطُ الأَوْسَطُ الَّذي لا يُدْرِكُنا الْغالي، وَلا يَسْبِقُنا التّالي))(47).
وعن أمير المؤمنين (ع) أنَّه قال: ((خَيْرُ هذِهِ الأُمَّةِ النَّمَطُ الأَوْسَطُ يَلْحَقُ بِهِمُ التّالي وَيَرْجَعُ إِلَيْهِمُ الْغالي))(48).
وقال (ع): ((أَلا إِنَّ خَيْرَ شيعَتي النَّمَطُ الأَوْسَطُ، إِلَيْهِمْ يَرْجَعُ الْغالي، وَبِهِمُ يَلْحَقُ التّالي))(49).
وفي دعاء الإمام الصّادق (ع): ((اللّهُمَّ، لا تَجْعَلْني مِمَّنْ تَقَدَّمَ فَمَرَقَ، وَلا مِمَّنْ تَخَلَّفَ فَمَحَقَ، وَاجْعَلْني مِنَ النَّمَطِ الأَوْسَطِ))(50).

سُبُلُ مُعالَجَةِ التَّطَرُّفِ في الْخِطابِ:
ممّا يؤسف له أنَّ بعض الباحثين والكُتّاب، ولا سيّما في وسائل التّواصل الاجتماعيّ يعدّون كلّ دعوة إلى الإسلام سواء كانت التزاماً بفرائضه وأحكامه، أو بياناً وطرحاً لمفاهيمه، أو نشراً لمبادئه وتعريفاً بأسسه وآدابه، وتوضيحاً لأحكامه الشّرعيّة، والتزاماته الأخلاقيّة هي تطرّف دينيٌّ، ((إذ باسم التّصدّي للتّطرّف سمح البعض لأنفسهم بتجاوز الخطوط الحمراء ومحاولة تجريح التّديّن ذاته... وهي السّياسة الّتي ترى في التّديّن تربةً خصبةً ينمو فيها، ويتغذّى منها التّطرّف... ومن ثمّ فإنَّ دعاتها لا يرون بديلاً عن اقتلاع جذور التّديّن ذاته... وبذريعة مواجهة التّطرّف ظهرت في العقدين الأخيرين ((ميلشيات)) ضمّت نفراً من المثقّفين كانت مهمّتهم وما زالت، محاولة قطع الطّريق على تقدّم المسيرة الإسلاميّة بمختلف الوسائل المشروعة، وغير المشروعة، وبشكل أساسيّ فإنَّ الّذين انخرطوا في تلك الميلشيات كانوا خليطاً من غلاة العلمانيّين والماركسيّين))(51).
وهؤلاء عادة يحتجّون بخطابات بعض المتزمّتين، ودعاة الطّائفيّة المقيتة من ذوي العصبيّة العمياء المتحجّرين فكريّاً، والمتزمّتين سلوكيّاً، كشواهد على وجود التّطرّف في الإسلام، معرضين عمّا في الكتاب والسّنّة من براهين وأدلّة قاطعة على أنَّ الإسلام دين الاعتدال والتّوازن في منظومته العقائديّة والحكميّة والأخلاقيّة، وقد طبَّقها الرَّسول الأعظم (ص) وأهل بيته (ع) عمليّاً في كلّ مراحل حياتهم، وتجاهلوا أنَّ هؤلاء المتطرّفين إمّا أن يكونوا قد اتّخذوا الخطابةَ مهنةً يعتاشون بها، فهم يعيشون على جهل النّاس؛ ولذا تراهم يروّجون القصص الخرافيّة، والأساطير الوهميّة، والأخبار الدَّخيلة(52) من الإسرائيليّات الَّتي دسَّها أعداءُ الإسلام في مصنَّفات الحديث، والمراجع التّأريخيّة والرّجاليّة الّتي يصعب التّمييز فيها بين الغثّ والسَّمين إلا لذوي الاختصاص في العلوم والمعارف الإسلاميّة، وإمّا أن يكون هؤلاء الخطباء والدّعاة مدفوعين من قبل أعداء الإسلام للطَّعن بمبادئه وعقائده وأحكامه وتشويه صورته، أو لتمزيق كلمة أهل القبلة، ونشر الفتن والحروب الطّائفيّة، وليس بعيداً عنّا ما نراه من قنوات فضائيّة تبثُّ سمومها من بعض العواصم الغربيّة، وتركّز على بعث الفرقة بين المسلمين، ونشر روح العنف والكراهية والتّشدّد لإعطاء صورة مشوَّهة للإسلام من خلال ما يثيره بعض المتزيّين بزيِّ أهل العلم لخداع النّاس على أنَّهم يمثّلون مراجع المسلمين، لإبعاد النّاس عنه، وإيقاف امتداده في المجتمعات العالميّة بعد انتشار الصَّحوة الإسلاميّة في العالم؛ ولذلك لا بدَّ من بيان معنى التَّطرُّف من وجهة النّظر الإسلاميّة إضافةً لما تقدّم من بيان لمعناه لغةً واصطلاحاً، فنقول:
إنَّ مفهوم التّطرّف في الإسلام هو الخروج عن لوازم ومقتضيات القواعد العقليّة، والأحكام الشَّرعيّة، والأصول الأخلاقيّة، والثّوابت المبدئيّة، والمصالح الاجتماعيّة، والضَّرورات الإسلاميّة، ومتطلّبات الظّروف الزّمانية المناسبة.
فإذا لم يراعِ الخطيبُ أو المحاضرُ أو الكاتبُ الإسلاميّ هذه الأسس، فإنَّه يكون قد وقع في هُوَّة التّطرّف، وانعكس ما يقصده من إصلاح وتغيير للواقع إلى إفساد وتخريب له...
أمّا مراعاة القواعد العقليّة؛ فعلى على الخطيب أن يزن كلامه بميزان العقل السَّليم، فيتأمّل بكلّ كلمة يتلفّظ بها من حيث صحّة كلامه، ومناسبته لمستوى سامعيه، وفائدته لهم، ودرجة قبولهم له، وانسجام أطراف حديثه، بحيث لا يتناقض أوّل الحديث مع آخره، بل يجب أن يكون نسيجاً واحداً يكمل آخره أوّله، قال أمير البلاغة والبيان الإمام عليّ (ع):
((شَرُّ الْقَوْلِ ما نَقَضَ بَعْضُهُ بَعْضاً))(53).
((لا تُحَدِّثُ بِما تَخافُ تَكْذيبَهُ))(54).
((إِيّاكَ وَالْكَلامَ فيما لا تَعْرِفُ طَريقَتَهُ، وَلا تَعْلَمُ حَقيقَتَهُ؛ فَإِنَّ قَوْلَكَ يَدُلُّ عَلى عَقْلِكَ، وَعِبارَتَكَ تُنْبِئُ عَنْ مَعْرِفَتِكَ))(55).
وأمّا مراعاة الأحكام الشَّرعيّة، فممّا لا شكَّ فيه أنَّه يجب على الخطيب الإسلاميّ أن يكون الحكم الشّرعيّ حاكماً على كلّ ما ينطق به، فلا يتكلّم ولو حرفاً واحداً مخالفاً لحكم الله تعالى، ما دام يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر كإثارة العصبيّات الجاهليّة، وتَهْييج روح العنف والكراهية تجاه أيَّ مجتمع بشريّ، بل يجب أن لا يتكلّم بكلّ ما له آثارٌ سلبيّةٌ في الوسط الاجتماعيّ، ومن هنا يجب أن يتأمّل ويتدبّر ويفكّر جيّداً فيما يريد طرحه من حديث، لئلا يثير حديثه ردود فعل سلبيّة، كما يجب أن يعلم أنَّه محاسب عليه يوم القيامة، ومسؤول عن قصده منه، فقد ورد في وصيّة رسول الله (ص) لأبي ذر: ((يا أَبا ذَر، ما مِنْ خَطيبٍ إِلا عُرِضَتْ عَلَيْهِ خُطْبَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَما أَرادَ بِها))(56).
وأمّا رعاية الأصول والآداب الأخلاقيّة؛ فلا بد أن يُشْعِرَ مخاطبيه بالاحترام والودّ والمحبّة وإرادة الخير والصَّلاح لهم، وأن لا يتحدّث عن الأخطاء والمخالفات الشَّرعيّة الّتي يُريد أن ينهى عنها، ويحذّر منها بصورة مباشرة، وإنّما يُشير لها تلميحاً لا تصريحاً، وأنَّها قابلة للتَّصْحيح، وأن لا يذكر أسماء المخطئين والمذنبين على رؤوس الملأ، فقد كان رسول الله (ص) إذا أُخبر عن مخالفات بعض المسلمين، وأراد أن يشير اليها، وينهى عنها بقوله: ما بالُ أَقْوامٍ يفعلون كذا، أو يقولون كذا(57)؛ وأن يطرح خطابه بصوت هادئ رقيق، فكلّما كان الصَّوتُ رقيقاً هادئاً خفيفاً على الأسماع واضحاً مختصراً بعيداً عن الحشو الفارغ، والتّكرار المملّ واللّفّ والدّوران بلغة أدبيّة مهذّبة مجانباً لإثارة المسائل الخلافيّة سواء كانت مذهبيّة أو سياسيّة، يكون أقرب لفتح القلوب، وتنوير العقول، وتزكية النُّفوس.
وأمّا رعاية الثّوابت المبدئيّة والعقائديّة، فيجب أن يجتنب التَّجريح والتَّهوين بثوابت النّاس الّتي يعتقدون بحرمتها وقدسيّتها، وإن لم يكن يؤمن بها، وإذا كان يعتقد بعدم صلاحها فيمكن أن يطرح البديل الفكريّ بصورة غير مباشرة وفق قاعدة ((اطرح الصَّحيح ليزيح الخطأ)) من دون إشارة إلى ما يثير النّفور في النّفوس.
وأمّا رعاية المصالح الاجتماعيّة؛ فإنَّه من الأهمّيّة بمكان أن يكون الخطاب له مساساً بما يدور في المجتمع المُخاطَب من أمراض، ومشاكل، وعادات، وأعراف، وتقاليد؛ ليجد السّامع في خطابه غذاءً روحيّاً، أو فكراً تربويّاً، أو توجيهاً أخلاقيّاً، بحيث لا يخرج السّامع من جلسته إلا وفي نفسه أثرٌ إيجابيٌّ طيّبٌ، وشعورٌ بالمشاركة الوجدانيّة للآخرين، ((فالكلام ليس ما يصفه العلم بأنَّه مجرّد صوت تشارك في إصداره الحبال الصّوتيّة فقط، بل هو عواطف تتدفّق، وأفكار توجّه، لها تأثيرها في نفس السّامع)).
ومن هنا إذا أردنا أن نترك أثراً إيجابيّاً في من نختلف معه في جانب من جوانب الحياة لا بدّ من احترام خصوصيّاته الفكريّة والأخلاقيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة، ونتجنّب التّجريح والتّوهين، ونثير العواطف النّبيلة في نفسه لخلق روح التّفاعل الحضاريّ، والتّلاقح الفكريّ، والتّواصل الإنسانيّ، وممّا لا شكَّ فيه أنَّ منظومة الفكر الإسلاميّ طافحة بهذه المفاهيم الجذّابة الّتي تفتح القلوب لتنوِّر العقول، وتغيّر الواقع السَّقيم إلى مناخ سليم.
كما ينبغي للخطيب أن يراعي متطلّبات الظُّروف الزّمانيّة ولوازمها وحاجاتها الفكريّة، والثّقافيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، وما يناسبها من أفكار ورؤى وحلول، ويتحدّث بلغة العصر بعيداً عن الخرافات والأساطير والأحلام والقصص الخياليّة الّتي لا تُسمن ولا تغني من جوع، وما إلى ذلك ممّا لا يناسب زمان الحديث.
وأخيراً: لا بدَّ للخطيب، ولا سيّما صاحب المنبر الحسينيّ، أن يعي حقيقة الخطابة، وماهيّتها، وأهمّيّتها، ودورها في الإصلاح الاجتماعيّ، كما يجب أن يحيط معرفةً بشروطها وآدابها، ويدرك بدقّة عوامل النَّجاح فيها، ويتعرّف جيّداً على أساليب الطّرح الفنّيّ المؤثّر..
وبناءً على ما تقدَّم، ولأجل تجنّب الوقوع في مستنقع التّطرّف وتحصيل الحصانة من خطورة الإفراط أو التّفريط لا بدّ من بيان حقيقة الخطابة في معناها الرّساليّ، وأهمّيّتها الاجتماعيّة، وقواعدها العلميّة، وأساليبها الفنيّة، ولوازمها المعرفيّة، وأدواتها المسلكيّة؛ وممّا لا شكَّ ولا ريب فيه أنَّ من يحيط معرفة بذلك لا يمكن أن يكون متطرّفاً أبداً، وما سقط من سقط في هوّة التّطرّف إلا لجهله بذلك، إن لم يكن مصاباً بمرض التّعصّب والعناد، وإلا كيف يخرج عن الصّراط المستقيم مَن كان له عقلٌ متينٌ وذوق سليمٌ، وانطلاقاً من هذه الحقائق نقول:

الْخِطابَةُ:
هي ((فنٌّ أدبيٌّ نثريٌّ غايته الوعظ، أو إقناع السّامعين بصواب قضيّة أو بخطأ أخرى))(58).
وعرّفها الفارابيّ: ((الخطابة صناعةٌ قياسيّةٌ، غرضها الإقناع في جميع الأجناس العشرة(59)))(60).
ومعنى ذلك أنَّ الخطيبَ هو الّذي يحمل فكراً أو رأياً، يريد إيصاله إلى أذهان السّامعين؛ ليقنعهم بما يريد أن يتحدّث به.
وبعبارة أخرى: إنَّ الخطابة فنٌّ أدبيٌّ يعتمد على القول الشَّفهيّ في الاتّصال بالنّاس؛ لإبلاغهم رأياً من الآراء حول مشكلة ذات طابع جماعيّ.
وبمعنى أشمل: هي فنّ المخاطبة بطريقة إلقائيّة تشمل الإقناع، والاستمالة، لترويج عقيدة أو فكرة أو حكم ما؛ وبالتّالي الخطابةُ علمٌ، وفنٌّ...
أمّا كونها علماً، فلما تشتمل من عليه أفكار، ومفاهيم، ومعلومات، ومن هنا لا بُدَّ للخطيب الإسلاميّ الرّساليّ أن يكون واسع الاطّلاع في العقيدة أو المبدأ الَّذي يدعو له، ويريد أن يوضّحه لمستمعيه، ويرسّخه في نفوسهم.
ولذلك يجب أن يمتلك البراهين العقليّة والمنطقيّة؛ لإثبات صحّتها، كما يجب أن يحيط معرفةً بالعقائد والأفكار الأخرى المناقضة لها؛ ليثبت صحّة معتقده، وبطلان نقيضه؛ ثمَّ لا بدَّ أن يلمّ ولو إجمالاً بسيرة الرَّسول (ص) وأهل بيته (ع)، وأصحابه، وبتاريخ الرّسالة، وما واجهته من عقبات ومشاكل، وما طرح في وجهها من شبهات وافتراءات...
كما ينبغي أن يتمتّع بعمق ووعي في علوم القرآن، وعلم الحديث دراية ورواية، مع اطّلاع موسّع على الأحكام الفقهيّة، والحدُّ الأدنى من ذلك أن يلمّ إلماماً تامّاً بآراء الفقهاء المقلّدين في الوسط الَّذي يُبَلّغ فيه، كما يجب أن يطّلع ولو بصورة إجماليّة على العلوم الإنسانيّة كعلم الاجتماع، وعلم النَّفس، وعلم الأخلاق، وعلم السّياسة، ولو بمقدار ما يحتاجه في طرحه.
وخلاصة الكلام يجب على الخطيب والمبلّغ الرسالي:
1- التّعمّق في فهم الإسلام، بل وعيه في الجوانب العقائديّة، والشّرعيّة، والتّربويّة، والأخلاقيّة الفرديّة والاجتماعيّة.
2- دراسة التَّيّارات الفكريّة والمذاهب الاجتماعيّة المعاكسة للفكر الإسلاميّ الأصيل سواء كانت تلك التّيّارات دينيّة منحرفة أو علمانيّة سياسيّة أو اجتماعيّة.
3- استيعاب قضايا الأمّة الفكريّة والعمليّة في مجالات الحياة الرّئيسة، وما تحتاج إليه من رؤى وأفكار وخطط ومشاريع لأجل نهوضها وازدهارها واستقامتها في مواجهة التّحدّيات المختلفة لنجاح مسيرتها.
4- لا بدَّ أن يتمتّع الخطيبُ بالأصالة الفكريّة، والاستقلال المنهجيّ، وأن يتجنّب التَّقليد - لأيِّ أحدٍ مهما بلغ - بأخذ الموضوعات الجاهزة، ومحاولة نقلها كما تحدَّث بها أصحابها، ولا أعني أن لا يستفيد من تجارب الخطباء الماهرين ذوي الشُّهرة الواسعة، والمنهج القويم، فلا مانع من ذلك، وإنَّما المانع أن يكون ببّغاءً تردّد ما يقوله الآخرون من دون فهم ووعي.
5- يجب على الخطيب أن يكون خبيراً بأنماط النّاس الّذين يرتادون مجلسه، ويستمعون له من حيث مستواهم الثّقافيّ، وحاجاتهم الفكريّة، ومشاكلهم الاجتماعيّة، وتوجهاتهم المذهبيّة، وعاداتهم، وأعرافهم، وتقاليدهم... فإذا عرف ذلك استطاع أن يطرح موضوعه بما يناسبهم، ويحاول أن يفيد الجميع، وإن اختلفت مستوياتهم، وتباينت ثقافتُهم، قال سيّد البلغاء الإمام أمير المؤمنين (ع): ((أَحْسَنُ الْكَلامِ ما زانَهُ حُسْنُ النّظامِ، وَفَهِمَهُ الْخاصُّ وَالْعامُّ))(61).
والسّؤال الّذي يطرح نفسه هو: ما هو المستوى العلميّ والثّقافيّ الّذي ينبغي أن يصل إليه المبلّغ والخطيب؛ ليكون مؤهّلاً لتبليغ المفاهيم الإسلاميّة بصورتها السَّليمة؟ ولا أقصد بالمستوى العلميّ ما تعارف في الأوساط الأكاديميّة والحوزويّة اليوم في أوساطنا بالشَّهادة العلميّة الَّتي تُمنح لطالب العلم، وإنَّما أقصد مدى استيعابه للأفكار، والآراء، والنّظريّات العلميّة، ومدى تفاعله معها، وتذوّقه لها؛ فليس المستوى العلميُّ هو دراسة العلوم والامتحان بها، والنَّجاح بتفوّق فيها، ونيل الشّهادة العلميّة، فهنا غالباً ما تزول المعلومة في نهاية الامتحان، وإنَّما الأمرُ المهمُّ في مستوى المبلّغ الرّساليّ استيعاب الجوانب العِلْمِيّة والعَمَلِيّة، والتَّفاعُل معها، ومحاولة تمثيلها سلوكيّاً، وعدم التّوقّف عندها، والسّعي المتواصل؛ لتحصيل المزيد منها، ((وَفَوْقَ كُلِّ ذي عِلْمٍ عَليمٌ))(62)، ((وَقُلْ رَبِّ زِدْني عِلْماً))(63).
فطالب العلم كلّما اطَّلع على حقيقة علميّة كلّما ازداد تعطّشاً لما وراءها، فهو منهومٌ في طلب العلم كما أكّد ذلك أمير المؤمنين (ع): ((مَنْهومانِ لا يَشْبَعانِ: طالِبُ عِلْمٍ، وَطالِبُ دُنْيا))(64)؛ فطالب العلم الحقيقيّ يبقى يلازم العلماء الصّالحين؛ ليتزوّد منهم، ويتابع ما يطرح في السّاحة من أفكار وآراء، ويقرأ كلَّ ذلك قراءةً نقديّةً واعيةً، ويحاكم الأفكار والآراء والمفاهيم، ويقارن بينها، ويتلقّى الفكرة السَّليمة، ويفنّد ما يطرح من أفكار تناقض الإسلام، وتلك هي القراءة النّقديّة النّاضجة، وهي من العوامل الأساسيّة في نجاح طالب العلم، وتفوّقه وتقدّمه، فإنْ شَعَرَ أنَّه وصل إلى المستويات الرَّفيعة، فاعلم أنَّه بدأ يعود القهقرى إلى الوراء.
أمّا كون الخطابة فناً؛ يعني أن يعرف الخطيبُ أساليبَ الخطابةِ، وخصائصَها، وفنونَها كحُسْنِ الصَّوتِ، وطريقةِ الإقناعِ، والتَّعبيرِ بالحواسّ والكلماتِ، ومخاطبةِ العقلِ والقلبِ، وترابط الأفكار، ووحدة الموضوع، واستخدام الجمل القصيرة المفهومة، واقتباس الشّواهد المؤثّرة كالآيات والأحاديث، والأشعار والقصص، والأمثال، والإثارات الفنّيّة الَّتي تجلب انتباه المستمع، وتشدّه إلى المتحدّث أو الخطيب...
وبعبارة أخرى: إنّنا نقصد بكون الخطابة فناً هو طريقة الطّرح الفنّيّ الجيِّد للأفكار، والرُّؤى بطريقةٍ جذّابةٍ تستهوي النّفوسَ، وتتفاعل معها، وتؤثّر فيها تأثيراً إيجابيّاً.
والفرق بين العلم والفنِّ: أنَّ العلم هو معرفة الحقائق المجهولة للأشياء، ووعي عميق لموضوعات ذلك العلم وقضاياه في المجالات المعنويّة والماديّة.
والفنّ: ((هو التَّطبيقُ العمليّ للنّظريّات العلميّة بالوسائل الّتي تحقّقها... ومهارة يحكمها الذّوق والمواهب))(65)؛ وبعبارة أخرى: هو تمثيل الحقائق، وتوصيلها إلى السّامع بطريقة جذّابة مؤثّرة.
ولأجل الإقناع النّاجح لا بدَّ مِن توفّر ثلاثة أمور:
1- شخصيّة المتكلّم؛ فكلّما كان المتكلّم معروفاً بالإخلاص، والوعي، وسعة المعرفة، وحسن الأخلاق، والاستقامة السّلوكيّة كان تأثير كلامه في النّفوس أبلغ.
2- موضوع البحث الّذي يطرح على السّامعين؛ فكلّما كان للبحث مساسٌ بواقعهم، ومعالجة مشاكلهم كان له تأثيرٌ أكبر.
3- مهارة الإلقاء؛ فكلّما كانَ الإلقاءُ دقيقاً مناسباً بعيداً عن التّكلّف والتّصنّع كان تأثيره في نفوس السّامعين أعمق.
وخلاصة الكلام: إنَّ الخطابةَ إحدى فنون الإعلام، بل أساسه، ومنطلقه، وللإعلام فنون وأساليب كثيرة، حتّى أصبح اليوم له مدارس، ونظريّات، وأفكار تتحكّم بالنّفوس، وتتلاعب بالعقول حتّى أُطْلِقَ عليه ((السُّلطة الرّابعة)).
وأهمّيّة هذا الجانب كبيرة جدّاً، فقد رأينا علماء ذوي علم غزير، ولكنَّهم فشلوا فشلاً ذريعاً في التّأثير على النّاس بسبب افتقارهم إلى الفنِّ الخطابيّ، والبيان البليغ.
وبعبارة أخرى: الفنُّ الخطابيّ هو مراعاة جوانب التَّناسق بين كيفيّة الصَّوت، والشّكل الظّاهري، وحالة العين، وحركة اليد، وقسمات الوجه، وكمّيّة الكلام، والمكان المناسب، والوقت الملائم، وقد أوجز بعض الشُّعراء هذه الضّرورات بخمس قائلاً(66): [من الكامل]
أوصيك في نظم الكلام بخمسة***إن كنت للموصي الشفيق مطيعا
لا تُغْفِلَنْ سبب الكلام ووقفه***والكيف والكم والمكان جميعا
بقي أن نشير إلى ملاحظات هامّة لها دورٌ أساسيٌّ في نجاح الخطيب، وهي:
1- أن يعرف الخطيبُ بدقّة ماذا يريد أن يقول، وأيّ موضوع يريد طرحه على المستمعين، وبعبارة أخرى: أن يكون مستوعباً لموضوعه عارفاً فيه بدقّة... ومن هنا يجب أن يفكّر جيّداً فيه، وينظّم فقراته، ويعلم بدقّة من أين يبدأ؟ وكيف يبدأ؟ ومتى ينتهي؟ وأين يرفع صوته؟ وأين يخفضه؟ وما هي الفكرة الّتي يريد أن يؤكّد عليها، ليغرسها في ذهن السّامعين... فإذا لم تتوفّر في حديثه هذه الشُّروط، فسيكون كالأعمى يقود أعمى، قال أمير البلاغة والبيان الإمام عليّ (ع): ((لا تَقُلْ ما لا تَعْلَمُ فَتُتَّهَمَ بِإِخْبارِكَ بِما تَعْلَمَ))(67).
وتأسيساً على ذلك لا ينبغي للعاقل أن يتكلّم بموضوع قبل أن يعرف ما هو بالضَّبط، فإذا عرفه، واستوعبه، ووعاه جيّداً، وتفاعل معه يستطيع أن يطرحه بقوّة وجدارة وثقة، وبذلك يكون تأثيره في النُّفوس أبلغ وأعمق، وقدرته على الإقناع به أكثر، وإلا فلا يتحدّث به.
يُنْسَبُ للإمام عليّ (ع) أنَّه قال:
((مَنْ طالَ لِسانُهُ، وَحَسُنَ بَيانُهُ، فَلْيَتْرُكِ التَّحُدَّثَ بِغَرائب ما سَمِعَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ لِحُسْنِ ما يَظْهَرُ مِنْهُ يَحْمِلُ أَكْثَرَ النّاسِ عَلى تَكْذيبِهِ، وَمَنْ عَرَفَ أَسْرارَ الأُمورِ الإِلهِيَّةِ فَلْيَتْرُكِ الْخَوْضَ فيها، وَإِلا حَمَلَتْهُمُ الْمُنافَسَةُ عَلى تَكْفيرِهِ))(68).
((لَيْسَ كُلُّ مَكْتومٍ يَسوغُ إِظْهارُهُ لَكَ، وَلا كُلُّ مَعْلومٍ يَجوزُ أَنْ تُعَلّمَهُ غَيْرَكَ))(69).
2- الطّرح الرّساليّ: بمعنى أن يكون الخطيبُ صاحب رسالة مقدّسة يريد أن يرسّخها في نفوس سامعيه، وهذا يتطلّب من الخطيب أن يتّسم بالصّدق الرّساليّ، أي أن يكون متقرّباً بما يقوله إلى الله تعالى لا يرجو من النّاس جزاءً ولا شكوراً، فلا يطلب إلا رضوان الله تعالى متجرّداً عن المنافع المادّيّة، وحبّ المدح، والشُّهرة الواسعة، وهذا هو ديدن الأنبياء والمرسلين وأولياء الله من حَمَلَة الرّسالة، وهذا كتاب الله يحدّثنا عن سيرة أنبيائه ورسله، فما وجدنا رسولاً ولا نبيّاً ولا وصيّاً من أوصيائهم بلَّغ رسالة الله، ورجا من وراء تبليغه أجراً مادّيّاً يقول تعالى:
((قُلْ ما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبّهِ سَبيلاً))(70).
((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرى لِلْعالَمينَ))(71).
((وَما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلى رَبِّ الْعالَمينَ))(72).
إنَّ الخطيبَ الّذي يضعُ قلبَه في لسانِه، ويتكلّم من أعماقه بصدق، وحرارة إيمانيّة وهدفيّة واعية، متجنّباً التّكلّف في الكلام، والتّصنّع في اللَّفظ، ويتحدّث على سجيّته كأنَّه يتحاور مع صديق عزيز يريد أن ينفعه، ويغيّر نفسه، ويزكّي قلبه لا بدَّ أن تنفتح له القلوب، وتتفاعل معه العقول، وتتجاوب معه النّفوس.
3- الجلسة الطّبيعيّة على المنبر أو المنصّة مع دقّة الملاحظة للجالسين؛ ولذا يقول خبراء الإعلام والخطابة: اِنْصِبْ قامتَك، تَفَرَّسْ في أعين سامعيك مباشرة، تَكَلَّمْ بثقة عالية، وتَصَوَّرْ بيقين أنّهم اجتمعوا ليحصلوا منك على شيء يعالج مشاكلهم النّفسيّة والاجتماعيّة، وإيّاك أن تحصر نظرك على شخص معيّن، أو مجموعة دون أخرى، بل اشْمِلْ الجميعَ بملاحظاتك، ووَزّعْ نظراتك وإشاراتك على الجميع(73)، وتأسَّ بذلك بسيّد الرُّسل (ص)، فقد رُوِيَ عنه أنَّه كان ((يُقَسِّمُ لَحَظاتِهِ بَيْنَ أَصْحابِهِ فَيَنْظُرُ إِلى ذا، وَيَنْظُرُ إِلى ذا بِالسَّوِيَّةِ))(74) حتّى يظنّ كلٌّ منهم أنَّه هو المقصود.
4- اختيار الموضوع: لا بدّ للمحاضر أو الخطيب أن يعرف ما يكتنف المجتمع من مشاكل وحاجات، وأن يعرف ما يحتاجه المجتمع من أفكار ومفاهيم وأحكام، كما لا بدَّ أن يحيط بعادات وأعراف وتقاليد المجتمع؛ ليعرف كيف يركّز الصّالح منها، وكيف يغيّر الطّالح فلا قيمة لخطاب أو حديث لا يعيش مشاكل الجماهير وقضاياها، ولا أثرَ لخطاب لا يُلامس شغافَ القلوب ويغور في أعماق النَّفوس الوجدانيّة والفكريّة والاجتماعيّة، ((وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَليغاً))(75).
ومن هنا يجب على المبلّغ الرّساليّ أن يطرح في محاضراته ما يعالج مشاكل النّاس، ويعطي الحلول النّاجحة؛ ولهذا يجب على الخطيب أن يفكّر طويلاً في اختيار الموضوع الّذي يُلامس قضايا المجتمع، ويغور في أعماق القلوب؛ ليغيّر العقول، وينقل المجتمع من الواقع الفاسد إلى الواقع السّليم.
وبعبارة أخرى: يجب اختيار مادّة البحث بما يتلاءم وشأن المجلس، ومستوى الحاضرين؛ فإن لم يراعِ الخطيب هذه النّقطة فإمّا يظلم مادة البحث أو المستمعين، عن رسول الله (ص) قال: ((إِنَّ عيسى بْنَ مَرْيَمَ قامَ في بَني إِسْرائيلَ، فَقالَ: يا بَني إِسْرائيلَ، لا تُحَدِّثوا بِالْحِكْمَةِ الْجُهّالَ فَتَظْلِموها، وَلا تَمْنَعوها أَهْلَها فَتَظْلَموهُمْ))(76).
كما يجب أن يحاول التّعرّف - قبل أن يبدأ بحديثه - على المستوى العقليّ للمستمعين، والمراتب الثّقافيّة، والاستعداد الفكريّ، وقدرة التّعلّم، وأسلوب التَّفكير، ودرجة الصّلاحيّة والكفاءة، فلا يجعل مستواه العلمي هو المعيار، بل المعيار هو مستوى المستمعين، كما أنَّ من الحكمة والمصلحة أن يأخذ- الخطيب أو المحاضر- بعين الاعتبار ردود الفعل الَّتي سيثيرها موضوعه من جوانب مختلفة، فلا يلقيها على مسامع حضّاره إلا بعد دراسة كافية، وإحاطة تامّة بآثاره الفكريّة، والاجتماعيّة، والسّياسيّة المتوقّعة، قال الإمام السّجّاد (ع): ((وَإِيّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِما يَسْبِقُ إِلى الْقُلوبِ إِنْكارُهُ، وَإِنْ كانَ عِنْدَكَ اعْتِذارُهُ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تُسْمِعَهُ نُكْراً يُمْكِنُكَ أَنْ توسِعَهُ عُذْراً))(77).
5- من الأسس المهمّة للتّأثير في السّامع احترام شخصيّته من قِبَل الخطيب قولاً وفعلاً، وعدم إشعاره بشيء من الاستعلاء العلميّ أو الاجتماعيّ عليه، أو الاستهانة به، أو التّهاون بشأنه، ومن وسائل الاحترام إشعاره بأهمّيّة الموضوع الّذي يطرحه، وأن يجعل السّامع يشعر بأنَّ الخطيب قد أتعب نفسه في تحضير الموضوع وإعداده.
كما لا بدَّ من اللّيونة في الكلام، وتجنّب النَّقد الجارح للواقع من دون طرح البديل المناسب، ومن الحكمة تجنّب المصطلحات العلميّة الغَريبة عن ذهنيّة الجمهور، وتجنّب ذكر الأرقام الخياليّة الّتي لا تقبلها العقول السَّليمة... كما ينبغي أن لا يخاطب شخصاً بذاته، ويذكر اسماً معيّناً يريد له التَّصحيح، أو النّقد، فيجرح شخصاً بعينه، وإنَّما ينبغي أن ينتقد الظّواهر الاجتماعيّة من دون تعيين مصاديقها.
6- يجب مراعاة الاعتدال في سرعة الكلام، فلا يسرع في الإلقاء، فلا يدع للسّامع فرصة المتابعة والتّأمّل، ولا يبطئ فيتعبه ويرهقه، ويسلبه الرّغبة في المواصلة.
7- أن يتمتّع الخطيبُ بمزاج معتدل وحالة طبيعيّة من النّاحية الجسميّة والنّفسيّة، فلا يعاني إحساسات الألم أو الجوع أو السّهر، كذلك يجب أن لا تنتابه أثناء الحديث حالة غضب أو انفعال أو رهبة أو إحساس بمصيبة حلَّت به. 8- يجب أن يتجنّب الخطيب إثارة الأمور الخلافيّة على المنبر سواء كانت سياسيّة أو اجتماعيّة، أو فكريّة، أو فقهيّة؛ لأنَّ ذلك يشتّت كلمة الجمهور؛ ولأنَّ المنبر الحسينيّ بالخصوص هو وسيلة لهداية النّاس، وتذكيرهم بالله، وجمع كلمتهم، وتوحيد صفوفهم، وتوعيتهم بالإسلام، وتحريكهم للدَّعوة إليه، والالتزام بمبادئه وأحكامه...
9- مراعاة كيفيّة المقدّمة: قد تكون المقدّمةُ واجبةً لتوضيح المبحث الَّذي يريد أن يطرحه، وقد تكون لا ضرورة لها، ولكنّها لا تخلو من فائدة، وقد تكون حشواً منافياً للبلاغة، وقد يجب تجاوزها، ولذلك يقتضي مراعاة الحال، وهذا ما يقدّره الخطيبُ نفسه، ولا بدَّ أن نعلم أنَّ المقدَّمة بمثابة جسر يربط أفكار المستمعين بقبول الموضوع، ويقرّبهم إليه؛ ولهذا يجب أن تتلاءم المقدّمة مع صلب الموضوع، ومن ناحية أخرى ينبغي للخطيب أن لا يطيلها فيشغل الجانب الأكبر من الوقت المحدّد فيها ممّا يوحي إلى المستمع أنَّ الخطيب قد أهمل البحث.
10- يلزم الخطباء والمتحدّثين أن يأخذوا بعين الاعتبار مراعاة عنصر الزَّمن في خطبهم؛ لئلا يخرجوا عن حدِّ البلاغة، ولا يواجهوا احتجاج هذا وذاك، وقد قسَّم أحدُ العلماءِ الزّمنَ إلى ثلاثة أقسام(78):
أ- الزّمان الطّبيعيّ، ((وهي المدّة الّتي تقع فيها الأحداث والكوارث الطّبيعيّة سواء كانت قصيرة أو طويلة))، قال الإمام الصّادق (ع): ((ثَلاثَةُ أَشْياء لا يَنْبَغي لِلْعاقِلِ أَنْ يَنْساهُنَّ عَلى كُلّ حالٍ: فَناءُ الدُّنْيا، وَتَصَرُّفُ الأَحْوالِ، وَالآفاتُ الَّتي لا أَمانَ لَها))(79).
وعن الإمام عليّ (ع) أنَّه قال:
((مَنْ عَرَفَ الأَيّامَ لَمْ يَغْفُلْ عَنِ الاسْتِعْدادِ))(80).
((أَعْرَفُ النّاسِ بِالزَّمانِ مَنْ لَمْ يَتَعَجَّبْ مِنْ أَحْداثِهِ))(81).
((يَنْبَغي لِمَنْ عَرَفَ الزَّمانَ أَنْ لا يَأْمَنَ الصُّروفَ وَالْغِيَرَ))(82).
((لا يَأْمَنُ أَحَدٌ صُروفَ الزَّمانِ، وَلا يَسْلَمُ مِنْ نَوائِبِ الأَيّامِ))(83).
ب- الزَّمان التّأريخيّ: ((هو معرفة الفاصل بين زمنين أو حادثتين، وتحدّد بمقياس اليوم والشَّهر والسّنة)).
ج- الزَّمان الاجتماعيّ ((وله معنى واسع وعريض يمكنه أن يشمل جميع الشّؤون الثّقافيّة والعلميّة والاقتصاديّة والسّياسيّة والعسكريّة والتّربويّة وغيرها)).
وخلاصة الكلام: يجب على الخطيب أن يراعي عنصر الزَّمن من حيث كمّيّة الكلام ونوعيّته، ومناسبته للمدّة الَّتي يعيش فيها بما لا يرجع السّامع إلى أحداث لا تنفع، وإلى تواريخ لا جدوى منها.
11- وأهمُّ عنصرٍ في نجاح الخطيب أن يكون مراقباً نفسه، جادّاً في تهذيب أخلاقه، متزوّداً التَّقوى ليوم جزائه، طالباً رضا ربِّه، متجرّداً عمّا سواه، وبذلك يكون مصداقاً لما يتحدّث به، ولما يدعو له، فلا يخالف فعلُه قولَه، ولا يناقضُ بدعوتِه سلوكَه، بل يقول ما يفعل، ومن هنا لا بدّ ((أن يؤدّب نفسَه قبل أن يؤدّب لسانَه، ويهذّب أخلاقَه قبل أن يهذّب ألفاظَه، ويصون مروءَته عن دناءةِ الغيبة، وصناعتَه عن شَيْن الكذب، ويجانب - قبل مجانبته اللحنَ وخَطَل القول - شنيعَ الكلام ورفثَ المزح))(84).

خِتامُهُ مِسْكٌ:
لا بُدَّ للخطيب الحسينيّ أن يكون ربّانيّ الميول والتّوجّه شاعراً بقدسيّة مسلكه المرتبط بالله منه وإليه، وفي سبيله تعالى، مقتفياً آثار أنبيائه ورسله وأوصيائهم متأسّياً بهم، سالكاً سبيلهم؛ ولذا عليه أن يتوسّل بصدق وإخلاص أن يعينه الله تعالى على تخليص نيّته في مواصلة الكدح في هذا السَّبيل، وأن يجعله من ((دُعاتِهِ الدّاعينَ إِلَيْهِ، وَهُداتِهِ الدّالّينَ عَلَيْهِ، وَمِنْ خاصَّتِهِ الْخاصّينَ لَدَيْهِ))(85)؛ لأنَّه من دون استمداد العون منه تعالى لا يمكن أن يواصل السَّير، بل لا يمكن أن يحصل على هذه الكرامة الإلهيّة إلا بتوفيق الله وتسديده وتأييده.
والسِّرُّ في ذلك أنَّ هذا المسلك الرّبّانيّ هو مسلك ((الَّذينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّديقينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحينَ وَحَسُنَ أولئِكَ رَفيقاً))(86)، وهو أعلى وأشرف وأسمى المسالك إلى الله تعالى، بل هو لبُّ لباب عمل المرسلين وجوهرها في الدَّعوة إلى الله تعالى، كما جاء في دعاء صاحب الأمر والزّمان (عجل الله فرجه): ((اللّهُمَّ، ارْزُقْنا تَوْفيقَ الطّاعَةِ، وَبُعْدَ الْمَعْصِيَةِ، وَصِدْقَ النّيَّةِ، وَعِرْفانَ الْحُرْمَةِ، وَأَكْرِمْنا بِالْهُدى، وَالاسْتِقامَةِ، وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنا بِالصَّوابِ وَالْحِكْمَةِ، وَامْلأ قُلوبَنا بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ...))(87).
وفي دعاء الافتتاح: ((اللّهُمَّ، إِنّا نَرْغَبُ إِلَيْكَ في دَوْلَةٍ كَريمَةٍ تُعِزُّ بِها الإِسْلامَ وَأَهْلَهَ، وَتُذِلُّ بِها النّفاقَ وَأَهْلَهُ، وَتَجْعَلُنا فيها مِنَ الدُّعاةِ إِلى طاعَتِكَ، وَالْقادَةِ إِلى سَبيلِكَ، وَتَرْزُقُنا بِها كَرامَةَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ))(88).
ومن هنا لا يمكن أن يفوز المرءُ بهذا الشَّرف العظيم، وينال هذه الكرامة إلا برعاية الله وعنايته، وهدايته تعالى؛ لصعوبة التّجرّد التّامّ فيه لله تعالى، ولسعة لوازمه المعرفيّة، والعلميّة، والفنّيّة، والنّفسيّة، والفكريّة، ولا ينال ذلك إلا مَنْ مَنَّ الله عليه بالعزيمة الماضية، والبصيرة النّافذة، وإرادة الإصلاح والتّغيير بدافع الإيمان، والتَّقوى، والاستقامة، والإخلاص، والصّبر في مواصلة الكدح إلى الله تعالى؛ ((أُولئِكَ وَاللهِ الأَقَلّونَ عَدَداً، وَالأَعْظَمونَ قَدْراً، يَحْفَظُ اللهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّناتِهِ، حَتّى يودِعوها نُظراءَهُمْ، وَيَزْرَعوها في قُلوبِ أَشْباهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلى حَقيقَةِ الْبَصيرَةِ، وَباشَروا روحَ الْيَقينِ، وَاسْتَلانوا ما اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفونَ، وَأَنِسوا بِما اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجاهِلونَ، وَصَحِبوا الدُّنْيا بِأَبْدانٍ أَرْواحُها مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلّ الأَعْلى، أُولئِكَ خُلَفاءُ اللهِ في أَرْضِهِ، وَالدُّعاةُ إِلى دينِهِ، آهٍ آهٍ شَوْقاً إِلى رُؤْيَتِهِمْ))(89).
وهؤلاء الأقلّون عدداً هم ((مَظاهِرُ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ.. الدُّعاةُ إِلى اللهِ.. الْمُسْتَقِرّونَ في مَرْضاةِ اللهِ.. الْمُمَحَّصونَ(90) في طاعَةِ اللهِ.. الأَدِلاءُ عَلى اللهِ..))(91).
ولا شَكَّ أَنَّ أئمّة أهل بيت العصمة والطّهارة (ع) هم أصدق مصاديق هذا المسلك بأعلى درجاته، بعد جدّهم المصطفى (ص)؛ وأمّا المشايعون لهم، والسّالكون سبيلهم، المتمسّكون بولايتهم، فإنَّهم يهتدون بهديهم، ويستمدّون من معينهم، ويرتشفون من بحرهم الزّاخر بكلّ المعارف الإلهيّة، والقيم الإنسانيّة بأعلى مصاديقها، كلٌّ يتلقّى منهم بمقدار معرفته بالله، وتفقّهه في دين الله تعالى، وتأسّيه برسول الله (ص)، وتفانيه في الدَّعوة إلى الله، وبمقدار طهارة نفسه، وسعة ظرفه، وقد فصَّل هذا الأمرَ حديثُ أبي عمرو الزُّبيري عن أبي عبد الله (ع)، وإن كان الحديث في الجهاد إلا أنَّه فيه إشارة قيّمة فيما نحن فيه(92).
وتأسيساً على ذلك يجب على الخطيب الرّساليّ أن يستحضر رقابة الله تعالى، وحسابه، وثوابه وعقابه فيما يتصوّر، وفيما يعتقد، وفيما يدعو إليه من حيث الهدف والوسيلة في تحقيق الغايات النّبيلة.
ثمّ لا بدَّ أن يعلم الخطيب الإسلاميّ الحسينيّ أنَّ أصحاب هذا المسلك هم أطبّاء نفوس البشريّة، فللقلوب أطبّاء كما للأبدان أطبّاء.. وممّا لا شكَّ فيه أنَّ طبيب النّفوس لا يمكن أن يؤدّي هذا الدّور في الهداية والإرشاد؛ لتزكية النّفوس، وتعمير القلوب، وإيقاظ الضّمائر، وبعث الأرواح في رحاب الله تعالى إلا إذا أخلص لله في قوله وفعله، وجسّد ذلك في أخلاقه وسلوكه بدرجة يجعل النّاس ترى دعوته في فعله قبل قوله، وبذلك يكون مرآةً عاكسةً لجمال الإسلام وكماله بصورة رائعة تجذب النّفوس، وتنوّر العقول، وتحرّك الهمم، وهذا هو الّذي كان زيناً لآل محمّد (ص)، وبهذا تصبح دعوته إلهيّة، يرى النّاس فيها أنوار آل محمّد (ص).
وهذا ما دعا إليه أهل بيت العصمة والطهارة (ع) أتباعهم ومحبّيهم؛ فعن ابن أبي يعفور قال: ((قال أبو عبد الله (ع): كونوا دُعاةً لِلنّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ؛ لِيَرَوْا مِنْكُمُ الْوَرَعَ، وَالاجْتِهادَ، وَالصَّلاةَ، وَالْخَيْرَ، فَإِنَّ ذلِكَ داعِيَةٌ))(93).
وفي حديث آخر عنه (ع): ((وَكونوا دُعاةً إِلى أَنْفُسِكُمْ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ، وَكونوا زَيْناً، وَلا تَكونوا شَيْناً))(94).
وفي حديث آخر عنه (ع): ((كونوا دُعاة لِلنّاسِ بِالْخَيْرِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ؛ لِيَرَوْا مِنْكُمُ الاجْتِهادَ، وَالصّدْقَ، وَالْوَرَعَ))(95).
وفي حديث آخر عنه (ع): ((مَعاشِرَ الشّيعَةِ، كونوا لَنا زَيْناً، وَلا تَكونوا عَلَيْنا شَيْناً، قولوا لِلنّاسِ حُسْناً، وَاحْفَظوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَكُفّوها عَنِ الْفُضولِ، وَقَبيحِ الْقَوْلِ))(96).
وغيرها من الأحاديث الّتي تؤكّد على تجسيد الفكر في السُّلوك؛ لأنَّ الخطيب حينما يكون مصداقاً لدعوته في سلوكه يكون أكثر أثراً، وأبلغ تأثيراً في النُّفوس، يقول أمير المؤمنين (ع): ((إِنَّ الْوَعْظَ الّذي لا يَمُجُّهُ سَمْعٌ، وَلا يَعْدِلُهُ نَفْعٌ ما سَكَتَ عَنْهُ لِسانُ الْقَوْلِ، وَنَطَقَ بِهِ لِسانُ الْفِعْلِ))(97)، لأنَّ من يخالف قولُه فعلَه يكون كاذباً، والكاذب مذمومٌ مرفوضٌ...
فعن أبي عبد الله (ع) أنَّه قال: ((إِنَّ الْعالِمَ إِذا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ، زَلَّتْ مَوْعِظَتُهُ عَنِ الْقُلوبِ كَما يَزِلُّ الْمَطَرُ عَنِ الصَّفا))(98).
إذاً الهداية، والإرشاد، والوعظ، ودعوة النّاس إلى الله مشروطةٌ بكون الدّاعي عاملاً بما يدعو إليه؛ لأنَّه لا يمكن أن تُقبل دعوته من قبل المدعوّين ما لم يطابق عملُه قولَه، ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّني مِنَ الْمُسْلِمينَ))(99)؛ فهنا قد أوضحت الآيةُ الكريمةُ الأسلوبَ الأمثلَ في مواجهة عقبات الدَّعوة إلى الله تعالى، وبيّنت المنال العظيم الَّذي يحظى به الدّاعي عند الله تعالى، ثمَّ حدَّدت أسلوب الحصانة من نزغات الشَّيطان، وأكَّدت أنَّ القول الأحسن، والأفضل، والأسمى من الكلام في حركة الإنسان في الوسط الاجتماعي هو الدَّعوة إلى الله في معرفته، وتوحيده، وطاعته، وعبادته، وحبّه، وتوجيه النّاس إلى التَّمسُّك والاعتصام بحبله، وتحكيم شريعته في حياة المجتمع البشريّ.

الصِّفاتُ الْواجِبُ تَوَفُّرُها في شَخْصِيَّةِ الْخَطيبِ الْحُسَيْنِيّ:
ليس من السَّهل أن نطلق على كلّ من ارتقى المنبر، ودعا إلى الله خطيباً وداعياً وهادياً ومرشداً حسينيّاً بكلّ ما للكلمة من أبعاد رساليّة حتّى تتوفّر فيه صفات تؤهّله؛ ليكون مصداقاً لهذه الكلمة لا سيّما أنَّ هذه الكلمات أطلقها تعالى على أكرم خلقه، وأشرف بريّته محمّد (ص)، بقوله تعالى: ((يا أَيُّها النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناك شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذيراً * وَداعِياً إِلى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنيراً))(100).
كما وصفت بعضُ النّصوصِ أهلَ بيتِ النّبوّةِ (ع) بأنَّهم ((الدُّعاةُ إِلى اللهِ، والأَدِلاّءُ عَلى مَرْضاتِهِ))(101)، وهذا بحدِّ ذاته دلالة على عظم هذه المهمّة الإلهيّة وقدسيّتها، بل وجدناهم يتوسّلون الى الله أن يجعلهم من دعاته وهداته كما في دعاء الإمام السّجّاد (ع): ((اللَّهُمَّ، صَلّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْعَلْنا مِنْ دُعاتِكَ الدّاعينَ إِلَيْكَ، وَهُداتِكَ الدّالّينَ عَلَيْكَ))(102).
ونحن نذكر بعض تلك الخلال الّتي لا بدَّ أن يتّصلَ بها الخطيبُ الحسينيّ:
1- الاعتقاد السّليم: فما لم تكن عقيدة المبلّغ والخطيب والمرشد بالله ورسوله واليوم الآخر سليمة صحيحة، وصادقة وواضحة لديه وضوحاً تاماً بَيِّناً مدعوماً بالبراهين القاطعة سواء كانت عقليّة، أو نقليّة لا يمكن أن يَصْدُقَ عليه هادياً حسينيّاً؛ لأنَّ من يحمل الهَديَ الحسينيَّ هو الّذي يتحرّك في سبيل الله تعالى؛ ليهدي النّاس إلى الله تعالى في كلّ خطوة من خطواته يريد أن يُركّز دعائم التّوحيد والعدل في القلوب والعقول لِيُعَرّف النّاس بالله ورسوله يُذَكّر بالله تعالى في قوله وفعله، بل وفي منظره، ولقائه، من دون تكلّف أو تصنّع، أو ادّعاء كما خاطب الإمام الحسين (ع) النّاس: ((أَيُّها النّاسُ، إِنَّ اللهَ جَلَّ ذِكْرُهُ ما خَلَقَ الْعِبادَ إِلا لِيَعْرِفوهُ، فَإِذا عَرَفوهُ عَبَدوهُ، فَإِذا عَبَدوهُ اسْتَغْنَوْا بِعِبادَتِهِ عَنْ عِبادَةِ من سِواهُ))(103).
إذاً مهمّة الخطيب والمبلّغ الحسينيّ تعريف النّاس بالله، وتعبيدهم له تعالى، ليتحرّروا من كلّ الألوهيّات الوهميّة، ولا يتمّ له ذلك إلا حينما يشعر بهيمنة الله عليه، ويوقن أنَّه بعين الله تعالى مردّداً مع الإمام الحسين (ع): ((عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ وَلا تَزالُ عَلَيْها رَقيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصيباً))(104).
وهكذا يترسّخ هذا الاعتقاد في قلبه وروحه ووجدانه، ويصبح شاعراً بأنَّ الله تعالى يعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، يسجّل عليه حركاته وسكناته رغم أنَّه تعالى يعلم ما يريده وما يفعله، وسيريه أعماله بصورتها الّتي فعلها، ((وَنَضَعُ الْمَوازينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبينَ))(105).
((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ))(106).
2- أن يكون متفقّهاً بأحكام الله، وواعياً لشريعته الغرّاء، عالماً بتكاليفها، مستعدّاً لتحمّل مسؤوليّتها، وما يترتّب على ذلك من تحدّيات، وصعاب، وعقبات وابتلاءات، ومسؤوليّات، عارفاً ماذا يجب عليه أن يعطيها من عقله، وروحه، ونفسه؛ فما لم يكن الإنسانُ متبصّراً بأحكام الله تعالى لا يمكن أن يوصلها للنّاس؛ لأنَّ فاقد الشّيء لا يعطيه؛ ولهذا جعل الإسلامُ عملَ العالم الَّذي ينشر رسالة الله أفضل من ألف عابد؛ فعن معاوية بن عمّار، قال: ((قلْتُ لأبي عبد الله (ع): رجلٌ راويةٌ لحديثكم يبثّ ذلك في النّاس، ويشدّده في قلوبهم، وقلوب شيعتكم، ولعلَّ عابداً من شيعتكم ليست له هذه الرّواية، أيُّهما أفضل؟ قال (ع): الرّاوِيَةُ لِحَديثِنا يَشُدُّ بِهِ قُلوبَ شيعَتِنا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ عابِدٍ))(107).
ولا شك أنَّ تحقق هذه الأفضلية للهادي والمعلم مشروطة بصدق النية لله تعالى، فعن حفص بن غياث، قال: ((قال لي أبو عبد الله (ع): مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَمِلَ بِهِ، وَعَلَّمَ للهِ دُعِيَ في مَلَكوتِ السَّماواتِ عَظيماً، فَقيلَ: تَعَلَّمَ للهِ، وَعَمِلَ للهِ، وَعَلَّمَ للهِ))(108).
والسِّرُّ في التّأكيد على التّعلّم، والتّفقّه، والتّبصّر أنَّ الدَّعوة إلى الله إذا لم تكن عن علم، ومعرفة، وبصيرة قد تؤدّي عكس المطلوب، فتبعد المدعوّ إليها عن الله تعالى، وإن كان الدّاعي مخلصاً في دعوته، قال الإمام الصّادق (ع): ((الْعامِلُ عَلى غَيْرِ بَصيرَةٍ كَالسّائِرِ عَلى غَيْرِ الطَّريقِ لا يَزيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ إِلا بُعْداً))(109).
وعن رسول الله (ص): ((مَنْ عَمِلَ عَلى غَيْرِ عِلْمٍ كانَ ما يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمّا يُصْلِحُ))(110)؛ لأنَّ العمل في الإسلام مشروطٌ بالمعرفة، فلا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة، قال الإمام الصّادق (ع): ((لا يَقْبَلُ اللهُ عَمَلاً إِلا بِمَعْرِفَةٍ، وَلا مَعْرِفَةً إِلا بِعَمَلٍ، فَمَنْ عَرَفَ دَلَّتْهُ الْمَعْرِفَةُ عَلى الْعَمَلِ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فَلا مَعْرِفَةَ لَهُ، أَلا إِنَّ الإيمانَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ))(111).
فإذا عرف اللهَ تعالى، وتفقّه بأحكامه، وتخلّق بأخلاقه طلباً لرضوانه، وعمل على تطبيقها تذلّلت لذلك نفسه، وانقادت لأوامر الشَّرع المقدّس، حينئذٍ يصبح مصداقاً للدّاعية البصير بدينه، قال داعية الإسلام الكبير الشّيخ محمّد أمين زين الدّين (قدس سره): ((وإذا لم تكن الدّعوة إلى الله على بصيرة، فهي والإلحاد الصّريح سواء بسواء. سواء بسواء في نظر العقل، فإنَّ الطّريقَ المظلمَ - في باب المعرفة - لا يؤدّي إلا إلى غاية مظلمة، ومحالٌ أن تأتي نتيجة متيقّنة من مقدّمة مشكوكة))(112).
3- أن يجيد فن العرض القرآنيّ: لأجل إيصال الكلمة الطّيّبة إلى عقول النّاس، وترسيخها في قلوبهم لا بدَّ أن يتأمّل جيّداً في طريقة فنّ العرض القرآني لدين الله على النّاس بالحكمة والموعظة الحسنة.
وأروع تلك الأساليب هو أن يتحلّى بالسّلوك المستقيم، والقول الحسن بل الأحسن، وهو الكلمة الطّيّبة، الصّادقة، الهادفة، البليغة الّتي تؤدّى باختيار دقيق، ووعي عميق، وبيان جميل جذّاب، يبشّر ولا ينفّر، وبذلك يكون مصداقاً لما أوصى به رسول الله (ص) معاذَ بن جبل حين بعثه إلى اليمن قائلاً: ((يَسِّرْ وَلا تُعَسِّرْ، وبَشِّرْ وَلا تُنَفِّرْ))(113).
وهذا هو القول الحسن الّذي يهدي اللهُ به عباده، وهو الّذي عبَّر عنه القرآن الكريم بالموعظة الحسنة الّتي هي: ((طريقة في التّبليغ، وأسلوب في الدّعوة يحبّبها، ولا يُنَفّر عنها، يقرّب إليها، ولا يُبَعّد عنها، ييسّرها ولا يعسّرها... هو الأسلوب الّذي يشعر المخاطب أنَّ دورك معه دور الرَّفيق به، والنّاصح له، الباحث عمّا ينفعه، ويسعده، إنَّها - كما قال أحد العلماء الكتاب المعاصرين: - الّتي تدخل القلوب برفق، وتتعمّق المشاعر بلطف، لا بالزّجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء الّتي قد تقع عن جهل أو حسن نيّة، فإنَّ الرِّفق في الموعظة كثيراً ما يهدي القلوب الشّاردة، ويؤلّف القلوب النّافرة، ويأتي بخير من الزّجر والتّأنيب)).
هذا هو السّبيل الأسلم لمعالجة التَّطرُّف فممّا لا شكَّ فيه أنَّ من يعي الحقائق الّتي ذكرناها المؤيَّدة بالنّصوص الصَّحيحة لآل محمّد (ص) لا يمكن أن يقع في مستنقع الإفراط أو التَّفريط، وإنّما سيسلك الجادّة الوسطى، وينحو نحو عباد الله الصّالحين من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّق الجميع للاستفادة ممّا وفّقنا اللهُ لبيانه راجين أن ينفعنا الله به ((يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنونَ * إِلا مَنْ أَتى اللهَ بِقَلْبٍ سَليمٍ))(114).

8/صفر/1440هـ

الهوامش:
(1) المعجم الوسيط: 555، مادّة (طرف).
(2) المصطفويّ، التّحقيق في كلمات القرآن الكريم: 7/78، مادّة (طرف).
(3) البروج: 8.
(4) نهج البلاغة، 450، كتاب: 53.
(5) النّساء: 171؛ المائدة: 77.
(6) الشّيخ الطّريحيّ، مجمع البحرين: 5/37، (حرف).
(7) ثقة الإسلام الكلينيّ، الكافي: 4/154، ح/2866.
(8) نهج البلاغة: 491، قصار الحكم: 27.
(9) ابن بشرين، الأمالي: 1/49، ح/67؛ والمتّقي الهنديّ، كنز العمال: 3/35، ح/5348.
(10) المحدّث المجلسيّ، مرآة العقول: 11/147.
(11) ابن ميثم البحرانيّ، شرح نهج البلاغة: 5/258.
(12) نهج البلاغة: 324، خطبة: 192.
(13) الزّمر: 17-18.
(14) ابن بَلْبان الفارسيّ، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان: 2/69، ح/354.
(15) مسند الإمام أحمد بن حنبل: 10/107، ح/5866.
(16) الآمديّ، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 263، ح/5678.
(17) المصدر نفسه: 66، ح/874.
(18) المصدر نفسه: 264، ح/5682.
(19) المصدر نفسه: 263، ح/5675.
(20) البقرة: 185.
(21) ابن هشام، السّيرة النّبويّة: 4/246.
(22) الحديد: 27.
(23) سنن أبي داود: 2/457، ح/4904.
(24) الهيثميّ، مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد: 1/62.
(25) عدّوها قليلةً.
(26) البيهقيّ، السّنن الكبرى: 7/77.
(27) الكافي: 11/134، ح/10125.
(28) عُديّ: تصغير عدوّ.
(29) ((يقدّروا أنفسهم)) أي يقيسوا أنفسهم بالضّعفاء؛ ليكونوا قدوةً للغنيّ في الاقتصاد وصرف الأموال في وجوه الخير ومنافع العامّة، وتسلية للفقير على فقره حتّى لا يتبيّغ أي يهيج به ألم الفقر فيهلكه.
(30) نهج البلاغة: خطبة 209.
(31) الكافي: 11/168-169، ح/10177.
(32) المصدر نفسه: 3/223، ح/1685.
(33) المصدر نفسه: 3/224، ح/1686.
(34) المصدر نفسه: 3/224، ح/1687.
(35) البقرة: 143.
(36) نهج البلاغة: 66، خطبة: 16.
(37) تعريف الوسطيّة للعالم السّودانيّ محمد الحبر يوسف من صفحات الشّبكة العنكبوتيّة.
(38) نهج البلاغة: 532، قصار الحكم: 259.
(39) المصدر نفسه: 215، خطبة: 127.
(40) المصدر نفسه: 505، قصار الحكم: 111.
(41) المصدر نفسه: 526، قصار الحكم: 246.
(42) الكافي: 3/606، ح/2308.
(43) الفرقان: 67.
(44) الإسراء: 29.
(45) لقمان: 19.
(46) نهج البلاغة: 66، خطبة: 16.
(47) الكافي: 1/249، ح/275.
(48) ابن ميثم البحرانيّ، شرح نهج البلاغة: 3/135؛ الزّمخشريّ، الفائق في غريب الحديث: 4/27، (نمط).
(49) الشّيخ الطّوسي، كتاب الأمالي: 893.
(50) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: 11/314.
(51) فهمي هويدي، المفترون، خطاب التّطرّف العلمانيّ في الميزان: 6.
(52) راجع كتاب الأخبار الدّخيلة للشّيخ محمّد تقي التّستريّ.
(53) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 212، ح/4129.
(54) المصدر نفسه: 213، ح/4135.
(55) المصدر نفسه: 210، ح/4060.
(56) الشّيخ الطّوسيّ، كتاب الأمالي: 780.
(57) ينظر: الكافي: 11/134، ح/10125، ووسائل الشّيعة للحرّ العامليّ: 20/107، ح/25158؛ و23/244، ح/29486.
(58) جبران مسعود، الرّائد، معجم لغويّ عصريّ: 338، (خطب).
(59) الأجناس العشرة أو المقولات العشرة هي: الجوهر، والكمّ، والمضاف، والكيف، والأين، ومتى، والوضع، والملك، وأن ينفعل، وأن يفعل؛ ينظر: هامش النَّصّ في المصدر.
(60) أبو نصر الفارابيّ، كتاب في المنطق، الخطابة: 7.
(61) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 210، ح/4046.
(62) يوسف: 76.
(63) طه: 114.
(64) نهج البلاغة: 560، قصار الحكم: 445.
(65) المعجم الوسيط: 703، (فنّ).
(66) الميدانيّ، مجمع الأمثال: 2/277.
(67) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 477، ح/10954.
(68) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 20/336، حكمة: 858.
(69) المصدر نفسه، حكمة: 859.
(70) الفرقان: 57.
(71) الأنعام: 90.
(72) الشّعراء: 109.
(73) انظر: فنّ الخطابة، دايل كارنيجي.
(74) الكافي: 4/767، ح/3781.
(75) النّساء: 63.
(76) الشّيخ الصّدوق، كتاب من لا يحضره الفقيه: 4/400، ح/5858.
(77) الشّيخ الطّبرسيّ، الاحتجاج: 2/364.
(78) انظر: البيان وفنّ الخطابة، للشّيخ محمّد تقي الفلسفيّ: 132-139.
(79) ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول: 324.
(80) الكافي: 15/72، ح/14819.
(81) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 480، ح/11034.
(82) المصدر نفسه: 101، ح/1764.
(83) المصدر نفسه: ح/1763.
(84) ابن قتيبة، أدب الكاتب: 11.
(85) اقتباس بتصرّف في الضّمائر من الصّحيفة السّجّاديّة، دعاء: 5.
(86) النّساء: 69.
(87) الكفعميّ، المصباح: 280.
(88) الشّيخ الطّوسيّ، مصباح المتهجّد: 581.
(89) نهج البلاغة: 512، قصار الحكم: 137.
(90) الممحّصون: المخلصون.
(91) ينظر: كامل الزّيارات للشّيخ ابن قولويه القمّيّ: 504.
(92) انظر: الكافي: 9/378-390، ح/8220.
(93) المصدر نفسه: 3/202، ح/1641.
(94) المصدر نفسه: 3/198-199، ح/1636.
(95) المصدر نفسه: 3/272-273، ح/1778.
(96) الشّيخ الطّوسيّ، كتاب الأمالي: 654.
(97) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 225، ح/4560.
(98) الكافي: 1/109، ح/113.
(99) فصّلت: 33.
(100) الأحزاب: 45-46.
(101) جاء في بعض زيارات الأئمّة (ع): ((السّلامُ عَلى مُظْهِري أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، السَّلامُ عَلى الدُّعاةِ إِلى اللهِ، السَّلامُ عَلى الْمُسْتَقِرّينَ في مَرْضاةِ اللهِ)) عيون أخبار الرّضا (ع) للشّيخ الصّدوق: 2/271؛ وفي زيارة أخرى: ((السَّلامُ عَلى الدُّعاةِ إِلى اللهِ، وَالأَدِلاءِ عَلى مَرْضاةِ اللهِ... السَّلامُ عَلى الأَئِمَّةِ الدُّعاةِ وَالْقادَةِ الْهُداةِ))، المصدر نفسه: 273.
(102) الصّحيفة السّجّاديّة الكاملة، دعاء: 5.
(103) الشّيخ الصّدوق، علل الشّرائع: 56.
(104) الفيض الكاشاني، كتاب الوافي: 1/488.
(105) الأنبياء: 47.
(106) الزّلزلة: 7-8.
(107) الكافي: 1/79-80، ح/56.
(108) المصدر نفسه: 1/86، ح/66.
(109) المصدر نفسه: 1/106-107، ح/108.
(110) المصدر نفسه: 1/108، ح/110.
(111) المصدر نفسه: 1/107، ح/109.
(112) الإسلام ينابيعه مناهجه غاياته: 11.
(113) ابن هشام، السّيرة النّبويّة: 4/246.
(114) الشّعراء: 88-89.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com