موقع الصراط ... الموضوع : العلامة الشهيد السيد عبد الرحيم الياسري
 
الثلاثاء - 13 / ربيع الثاني / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العلامة الشهيد السيد عبد الرحيم الياسري  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 20 / محرم / 1441 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
في نهاية الستينات من القرن الماضي، ومع بروز فكر السيد الشهيد الصدر للساحة بدأ (رحمه الله) بطرح مشاريع عديدة لمواصلة التغيير والإصلاح في الأمة، وعلى الخصوص في الحوزة العلمية، ومن خلال تربية أعداد من طلاب العلم من ذوي الوعي الرسالي الحركي، وإعدادهم لنشر الوعي الإسلامي في جميع الأوساط الاجتماعية والعلمية، وقد برز آنذاك من طلاب العلم في الحوزة العلمية الشريفة في النجف الأشرف نماذج اتسمت بالوعي الحركي الرسالي، والإخلاص لله، والتفاني في سبيل نشر الفكر الإسلامي مقابل المد العلماني الذي كان يحاول أن يستقطب شباب العراق؛ ليضعهم على منهج على المنهج المادي المخالف للإسلام.
ومن تلك النماذج الحركية الرائعة السيد الشهيد عبد الرحيم الياسري (رحمه الله) إذ كان من ضمن مجموعة من طلاب العلم أرسلها السيد الشهيد الصدر في شهر رمضان المبارك كان عددهم على ما أذكر 25 طالباً إلى محافظة ديالى، كُلّف الدعاة المؤمنون بتوزيعهم على المناطق المهمة في محافظة ديالى كالخالص، والمقدادية، وأبو صيدا وما يلحق بها من نواحي وقرى، وقد أرسل السيد عبد الرحيم (رحمه الله) إلى قرية (جيزاني الجول)، وهي قرية كبيرة قريبة من قضاء الخالص، وفيها مجموعة من الشباب الواعي التفوا حوله، وبدأ تحركه ضمن مخطط منهجي مرسوم في داخل القرية وخارجها مما يمتد إلى مركز المحافظة.
ولما يتصف به من خَلق جميل، وخُلُق سامٍ، وسلوك مستقيم، وفاعلية مغيرة، ونية خالصة بوعي حركي مؤثر ضمن مخطط واسع يشتمل التواصل مع بقية المبلغين، وعلى ما أذكر أنَّ هؤلاء المبلغين، وعلى رأسهم العلامة الكبير الشيخ محمد علي الريحاني (التسخيري) الذي حلَّ مبلغاً في قرية (الهويدر) شكّلوا وفداً لزيارة آية الله العظمى السيد عبد الكريم علي خان المدني ؛ لينسقوا معه، ويتلقوا منه معرفة طبيعة المنطقة، وما تحتاج إليه من نشاط فكري وروحي وأخلاقي، ولينتهلوا من فيض روحيته العالية، ومنهجه التربوي، وكان لقاؤه معهم لقاء مباركاً إذ لاقوا الترحيب والاستجابة لما طرحوه، وما تلقوه من توجيهاته التربوية بحيث تجاوب سماحة السيد علي خان معهم في كل ما طرحوه، وبناء على ذلك كان رضوان الله عليه يقيم الاحتفالات، ويشارك فيها، ويجلس طيلة مدة الاحتفال، ويبدي ملاحظاته، ويتنقل معهم من منطقة إلى أخرى في أثناء إقامة الاحتفال، ففي اليوم الأول من أية مناسبة دينية كانت تقام في حسينية بعقوبة، وفي اليوم الثاني تقام في الخالص، وفي اليوم الثالث تقام في الجيزاني، وهكذا تمتد لمدة أسبوع، وكانت الاحتفال تتنور بتصدره باعتباره إماماً للمحافظة كلها، وبكونه مجتهداً كبيراً مؤهلاً للمرجعية؛ ولذا امتد النشاط الإسلامي بصورة عامة في معظم المناطق ومن جملتها قرية (جيزاني الجول) إذ كان السيد عبد الرحيم الياسري شاباً نشطاً حيوياً حركياً يواصل ليله ونهاره في إداء واجبه الشرعي، فلم يكتفِ بإقامة صلاة الجماعة في المسجد، والموعظة الليلية المعتادة، بل كان يتنقل من منطقة إلى أخرى، ويلتقي الوجهاء المتدينين والشباب المؤهل؛ لتلقي الفكر الإسلامي، كما تحرك على المنتمين للأحزاب العلمانية كحزب البعث والحزب الشيوعي؛ ولغزارة معرفته الدينية والاجتماعية، وجاذبيته، وجذوته الإيمانية كان يجذب هؤلاء المخدوعين بزخارف الأحزاب العلمانية ويعمق الإيمان بالله في نفوسهم ويربطهم بخط الولاء الإلهي لأهل البيت، ويعمق في نفوسهم إرادة الإصلاح والتغيير، ويشحذ في نفوسهم حب الله ورسوله وأهل البيت حتى امتد هذا الوعي لأغلب فتيان المنطقة وفتياتها، وتصاعدت الروح الجهادية عند بعضهم مما استفز البعثيين، وراحوا يرصدون حركته المتواصلة، وحاولوا إيقافها بمختلف الطرق إلا أنَّهم فشلوا في ذلك، حتّى انتهى بهم الأمر إلى الهجوم بمئات من المجرمين لمحاصرة القرية ؛ لإلقاء القبض على 22 مجاهداً إسلامياً في البساتين الذين رفضوا الانصياع لأوامر صدام، وتعاطفت القرية المجاهدة وتلاحمت معهم فما كان من صدام إلا أن جهّز 400 مجرماً من الجيش اللاشعبيّ وصمد المجاهدون بوجههم، وقتلوا عدداً منهم، ولما رأى صدام ذلك الهجوم العجيب مدهم بآخرين من مجرمي البعث تسندهم 6 طائرات ليلاً وبدأ برمي القنابل عليها، وكان ذلك بتاريخ 12/شوال/1401هـ.
ومن هذه الوقائع يتضح لنا أن السيد عبد الرحيم الياسري (رحمه الله) كان عالماً عاملاً مجاهداً متواصلاً مع إخوته المبلغين، والذي رأيته بعيني مواصلته إضافة إلى السيد عبد الكريم علي خان مع السيد الشهيد محمد بحر عالم (الخالص)، والشيخ الشهيد جليل الربيعي عالم قرية (القصيرين)، والسيد الشهيد جواد العذاري عالم قرية (جديدة الأغوات)، والشيخ هاني الثّامر عالم (عليبات)، والسيد الشّهيد محمد حسين المبرقع عالم (المقدادية)، وغيرهم مما أنساني الدهر أسماءهم.
لقد كان السيد عبد الرحيم الياسري من النماذج الفريدة في أخلاقها وسموها وتأثيرها في الواقع الذي يبلغ فيه بحيث إنَّه ما حلَّ في منطقة إلا وترك فيها أثراً إيجابياً، ومما أذكره جيداً بعد وفاة العالم العامل آية الله الشيخ عبد الحسين آل خليفة عالم ناحية (أبو صيدا) أرسل مكانه طالب مبتدئ قليل البضاعة العلمية بعد أكثر من ستة أشهر من وفاته، وقد فشل فشلاً ذريعاً في المنطقة، وتركها ليلاً من دون علم أهلها بعد أن اهتموا به ورعوه كامل الرعاية، والتفوا حوله إلا أنَّه كان ضعيفاً في جوانبه كلها فحدثت في انهزامه هزة كبيرة في الناس، لأنهم كانوا يتصورون أنَّ كل معمم ينبغي أن يكون شجاعاً وجريئاً ومعطاءً؛ ولذا رفضوا استقبال أحد بعده، وآنذاك كُلّفت بمعالجة القضية وذهبت إلى المنطقة إلا أني واجهت رفضاً شديداً لقضية استقبال عالم آخر غيره حتى قال أحدهم (رحمه الله): (لا تدخل أبو صيدا عمامة أخرى أبداً)، وذهبت حينها إلى النجف والتقيت ممثل المرجعية السيد شهيد المحراب محمد باقر الحكيم، واقترحت عليه أن يكتب رسالة للسيد عبد الرحيم الياسري ليذهب بنفسه إلى أبي صيدا، لعله يؤثر فيهم، فاستجاب السيد (رحمه الله) وأوصلت الرسالة إلى السيد عبد الرحيم، وبعد عدة أيام جاءتني دعوة من أبي صيدا لوصول السيد عبد الرحيم إلى الناحية، وذهبت إلى المسجد فوجدت السيد في المسجد إلا أنَّ أهل المنطقة لم يصلوا جماعة في ابتداء الأمر، فقمت وأخذت بيد السيد عبد الرحيم، وجئت به إلى المحراب وبدأت بتعريفه من خلال رسالة شهيد المحراب ووكالته من المرجعية آنذاك من السيد الخوئي، الصدر وتم الأمر، فصلوا جماعة، وبين صلاة الظهرين قام في المحراب، وتوجه إلى الناس، وألقى خطاباً حماسياً ندد فيه بالمنحرفين مهما كانوا، وكان تأثير خطابه قوياً على النفوس، واختتم خطابه بمصيبة الحسين (ع) بصوته الساحر مما أحدث هزة في النفوس وحركة وسط الناس لشدة البكاء والتفاعل، وقام أشد المعارضين في مجيء عالم للمنطقة وهو الحاج جبار رحمه الله، وصاح بأعلى صوته: (هذا هو العالم الذي نريده، مثل هذا العالم الذي نريده، لا العالم المنهزم والمتراجع)، وأقاموا وليمة كبيرة أطعم فيها المئات في بيته وألزمونا أنا والسيد عبد الرحيم في الوقت نفسه أن نذهب إلى النجف الأشرف لنلتقي المرجعية، ولنطلب عالماً للمنطقة، فاستجبنا وذهبنا مع أربعة أو خمسة من وجوه المنطقة على رأسهم الحاج جبار ومجيد صريوي والحاج عبود والتقينا السيد يوسف الحكيم والسيد الخوئي والسيد عبد الله الشيرازي والشيخ مرتضى آل ياسين وآخرهم السيد الشهيد الصدر الذي عيّن السيد عباس الحلو عالماً للمنطقة، وقد لاحظت أن السيد الياسري موضع اهتمام كبير وتقدير عظيم لدى المراجع جميعاً الذين التقيناهم، وإن دل هذا على شيء يدل على أن السيد الياسري كان عالماً عاملاً مخلصاً.
هكذا كان السيد عبد الرحيم الياسري مؤثراً في الناس وجريئاً ومخلصاً في عمله، ومواصلاً لدعوة الناس إلى الإسلام من دون تردد إلى أن ضيق الخناق على البعثيين في المنطقة فألقوا القبض عليه وألقوه في ظلمات السجون وأذاقوه ألوان العذاب حتى استشهد في سبيل الله مع عدد كبير من أولئك الطلاب الذين نوروا محافظة ديالى ونشروا الوعي الرسالي فيها، فالسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد ويوم استشهد في سبيل الله تعالى.
الصورة يظهر فيها السيد الشهيد محمد بحر وبجواره السيد الشهيد عبد الرحيم الياسري وبجواره الشيخ هاني الثامر وبجواره الشيخ الشهيد جليل الربيعي


 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com