موقع الصراط ... الموضوع : محاسبة النفس-3
 
الجمعة - 22 / ذي الحجة / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  محاسبة النفس-3  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 15 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  خطوات المحاسبة:
قسّم علماء الأخلاق المحاسبة إلى عدة خطوات وهي:
1- المشارطة: وهي عبارة عن إلزام وعهد يفرضه الإنسان على نفسه بعد أن يعزم ويصمم على إصلاحها، وتطهيرها من ذمائم الأخلاق وقاذورات الأدران واخضاعها لحكم العقل والشرع القاضي بالتمسك بأمر الله تعالى … وإن الإنسان مسوؤل أمام الله تعالى، وإنه محاسب على كل ما يصدر منه، وإن عمره منحة إلهية، وأمانة ربانية عنده، وعليه أن يقضيه بالالتزام بما أمر الله تعالى .
ومقتضى هذا: أن يتدرج السالك إلى الله في فرض الشروط على نفسه رويداً رويداً ؛ كي يمرنها على تحمّل مشاق الكدح الى الله، وأن يوغل في دين الله برفق لأنه متين؛ وأن يتدبر في أي عمل قبل أن يقدم عليه ويتأمل في دوافعه منه، وبعبارة أخرى أن يراقب همته، ودوافعه، وحركته، أهي لله تعالى ؟ أم لأهوائه النفسية ؟ قال بعض الحكماء :
(إذا أردت أن يكون العقل غالباً للهوى فلا تعمل بقضاء الشهوة حتى تنظر إلى العاقبة، فإن مكث الندامة في القلب أكثر من مكث خفة الشهوة)
وقال لقمان: (إن المؤمن إذا أبصر العاقبة أمن الندامة)
وروي عن محمد بن علي (ع): (إن المؤمن وقّاف متأن عند همه ليس بحاطب الليل)
2- المراقبة: بعد أن فرض الإنسان على نفسه شروطاً، فلابد أن يعلم أن النفس أمارة بالسوء، ويمكن أن تسلك به شتّى المسالك؛ لتنفيذ مآربها، وإشباع رغباتها، ولا سيما إذا سلكت مسلك التبرير، والتعليل، والتفتيش عن سبل الانحراف بحجج شرعية تبرر فيها انحرفها؛ ولذلك لابد أن يضع الإنسان دوافعه دائماً تحت مجهر المراقبة، بشدة، ودقة ؛ لئلا يفلت الزمام من يديه، وترمي به في الهاوية، وهذا يحتاج إلى فطنة حادة، ويقظة دقيقة ، ومعرفة سليمة بحيل النفس وأحابيلها، بحيث يلتفت إلى نفسه في كل خواطرها، وأفكارها، ودوفعها وتسويلاتها، وما يروم القيام به من أعمال، فيضع ذلك العمل في ميزان الشرع الذي أخذ على نفسه الالتزام به، يقول الفيض الكاشاني:
(المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة، وتثمر تلك الحالة أعمالاً في الجوارح وفي القلب)
فالمراقبة إذن: عملية رصد لحركات النفس الداخلية والخارجية من قبل العقل، ومسك زمامها؛ لئلا تنحدر في مهاوي الأهواء والغرائز وهذه الحالة تتركز عند المراقب بالمِران الدائم، والتذكر الهادف واستحضار مراقبة الله تعالى لكل عمل من أعمال الإنسان، بل لكل نفس من أنفاسه.
إن تحسيس النفس بالمراقبة من قبل الله تعالى، والرصد من الملائكة وتسجيل الأعمال في الجوارح بصورة مستمرة .تمنح الإنسان بمرور الزمان اليقظة، والفطنة والحذر حتى تصبح طبعاً، وعادة، وسلوكاً، ثم تصير ملكة راسخة في النفس وحينئذ يصبح الإنسان مراقباً لجميع (حركاته، وسكناته وخطراته، ولحظاته وبالجملة جميع اختياراته، وله فيها نظران: نظر قبل العمل ونظر في العمل. أما قبل العمل فلينظر أن ما ظهر له وتحرك لفعله خاطره، أهو لله تعالى خاصة ؟ أو هو في هوى النفس ومتابعة الشيطان ؟)
وأخطر شيء في ارتباك عملية المراقبة هي الغفلة التي تعتبر بحق المخدر للشعور والإحساس الإنساني، بل تخرج الإنسان عن إنسانيته؛ لأنها تعطل حواسه وإدراكاته وحينئذ تهبط به إلى درجة أحط من الأنعام، يقول تعالى: ((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)) (الأعراف:179) وهكذا اذا استحكمت الغفلة في الإنسان أنسته خالقه، ومصوره ورازقه ((نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) (الحشر:19) و (نسيان النفس) تعبير رائع من روائع الفكر الإسلامي الذي لم يطرح لا من قبل، ولا من بعد، وهي حالة تعبر عن الغفلة المطبقة عن نعم الله تعالى وآلائه، وجلاله وجماله , واستغراق مطلق في هوى النفس. وهذه هي أخطر الحالات على الإنسان.
وملكة المراقبة تحصل للإنسان عندما يكون دائم الذكر لله تعالى، قولاً وفعلاً، حريصاً على عمره، متدبرا ً في كل أمر يَهمُّ القيام به، ممسكاً زمام النفس بإحكام … (حكي أن زليخا لما خلت بيوسف قامت فغطت وجه صنمها، فقال يوسف (ع): مالك تستحين من مراقبة جماد ولا أستحي من مراقبة الملك الجبار)
وفي الحديث القدسي (إنما يسكن جنات عدن الذين إذا همّوا بالمعاصي ذكروا عظمتي فراقبوني)
وهذا سبيل آخرلتحقيق المراقبة وهو أن يستحضر الإنسان عظمة الله تعالى ويستشعر رقابته فإن ذلك يكسر جماح النفس، ويلطف هواها، ويسلس قيادها
وقد ذكر العلامة الطهراني في لب الالباب درجات أربع وهي :
أولاً: أن يتجنب المحرمات ، و يؤدي الواجبات بدون تسامح .
ثانياً: أن يسعى بكل جهده لجعل رضا الله تعالى غاية في كل عمل .
ثالثاً: أن يرى الله تعالى دائم النظر إليه .
رابعاً: أن يرى نفسه في حضور الله تعالى.
3 – المحاسبة: وفي هذه الخطوة يأتي دور جرد الأعمال اليومية، ووضعها في ميزان الشرع المقدس؛ لينظر مقدار ما وافق الشرع منها ومدى إخلاصه فيها ليحمد الله تعالى عليه, ويطلب من الله تعالى التوفيق والتسديد، ويعرف مقدار ما خالف فيه فيستغفر ويتوب. يقول أحد علماء النفس: (اقطع علاقتك بجميع الناس لبعض الوقت كل يوم؛ لكي تراجع حساباتك؛ ولكي تحاسب نفسك عن المواقف التي فلت الزمام منك؛ ولكي تقف على أسباب ذلك ومصادره)
وأفضل أسلوب لمحاسبة النفس ما قاله أمير المؤمنين (ع) لرجل سأله: كيف يحاسب الرجل نفسه؟ فقال (ع): (إذا أصبح ثم أمسى رجع إلى نفسه وقال: يا نفس إن هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبداً، والله سائلك عنه فيما أفنيته فما الذي عملت فيه ؟ أذكرت الله أم حمدتيه ؟ أقضيت حق أخ مؤمن ؟ أنفست عنه كربته ؟ أحفظتيه بظهر الغيب في أهله وولده ؟ أحفظتيه بعد الموت في مُخَلَفيه ؟ أكففت عن غيبة أخ المؤمن بفضل جاهك ؟ أأعنت مسلماً ؟ ما الذي صنعت فيه ؟ فيذكر ما كان منه، فإن ذكر أنه جرى منه خير حمد الله عز وجل وكبره على توفيقه، وإن ذكر معصية أو تقصيراً استغفر الله عز وجل وعزم على ترك معاودته ومحا ذلك عن نفسه بتجديد الصلاة على محمّد وآل محمّد وآله الطيبين)
4- المعاقبة: عندما يحاسب الإنسان نفسه ويقف على ما ارتكب من مخالفات شرعية، فأول ما يجب أن يبادر إليه هو التوبة، فيستغفر الله تعالى ثم يؤنب نفسه، ويوبخها، ويردعها، ويذيقها مرارة الطاعة كما ذاقت حلاوة المعصية؛ لئلا تقع مرة أخرى في تلك الموبقات … فإن أهملها وترك معاقبتها صعب عليه ضبطها … فالمعاقبة هي تحميل النفس أثقالاً أخرى من جراء تقصيرها وإفراطها … (عن ليث بن أبي سليم قال: سمعت رجلاً من الأنصار يقول: بينما رسول الله (ص) مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر إذ جاء رجل ينزع ثيابه ثم جعل يتمرغ في الرمضاء يكوي ظهره مرة، وبطنه مرة وجبهته مرة ويقول: يا نفس ذوقي فما عند الله أعظم مما صنعت بك. ورسول الله ينظر إلى ما يصنع. ثم إن الرجل لبس ثيابه ثم أقبل فأومأ إليه النبي (ص) بيده , ودعاه , فقال له: يا عبد الله لقد رأيتك صنعت شيئاً ما رأيت أحداً من الناس صنعه فما حملك على ما صنعت ؟ فقال الرجل: حملني على ذلك مخافة الله، وقلت لنفسي: يا نفسي ذوقي فما عند الله أعظم مما صنعت بك فقال النبي (ص): لقد خفت ربك حق مخافته ، وإن ربك ليباهي بك أهل السماء، ثم قال لأصحابه: يا معشر من حضر ادنوا من صاحبكم حتى يدعوا لكم فدنوا منه فدعا لهم وقال: اللهم اجمع أمرنا على الهدى، واجعل التقوى زادنا والجنة مآبنا)
من عجائب الإنسان أن يعاقب ولده، أو زوجته، أو من خالفه، ومن قصر في حقه , ويتسامح مع نفسه , ويتركها بلا عقاب مؤدِّب مع أنها أعز النفوس عليه وهذا هو ما أهلك الكثيرين، وعرَّضهم للعواقب الوخيمة، بل كان سبباً لإهلاك كثير من الأمم .
5- المجاهدة: وهي عملية ترويض النفس وتطويعها على ما لا تحب وترغب وهذا يتم بمخالفتها في بعض مشتهياتها من المباحات، وتحميلها أثقالاً من الأعمال والأوراد في ذكر الله تعالى، يقول تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) (العنكبوت:69) .
والمجاهدة تأتي بعد المعاقبة إذا لم ترتدع النفس َفيُحًملها ما لا ترغب يقول الإمام الصادق (ع): (احمل نفسك لنفسك، فإن لم تفعل لم يحملك غيرك)
وقال (ع) لرجل: (إنك قد جُعلت طبيب نفسك، وبين لك الداء وعرفت آية الصحة، ودللت على الدواء، فانظر كيف قيامك على نفسك)
وقال (ع): (اجعل قلبك قريناً براً، وولداً واصلاً، واجعل علمك والداً تتبعه واجعل نفسك عدواً تجاهده، واجعل مالك عارية تردها)
وقال (ع): (من ملك نفسه، إذا رغب، وإذا رهب، وإذا اشتهى، وإذا غضب وإذا رضى حرَّم الله جسده على النار) كما عبر النبي (ص) عن جهاد النفس بالجهاد الأكبر، وهذا أعظم بيان لحقيقة هذا الجهاد … إن الجهاد الأصغر الذي يتسم بالمقارعة بالسيوف، ولعلعة النيران، لا يتم ولا يقبل بدون الجهاد الأكبر وهو أفضل الجهاد، يقول سيد المجاهدين الإمام علي بن أبي طالب (ع): (إن أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه)
وخلاصة الكلام المجاهدة النفسية هي عملية مقاومة لأهواء النفس وشهواتها وبذل الجهد الجهيد؛ لتحمل تلك الصراعات بين قوتي التقوى والفجور الكامنتين في الكيان الإنساني .
6- التوبيخ: في خلال عملية المجاهدة تفلت من زمام النفس فلتات توقع صاحبها في بعض المخالفات، وعلاج ذلك أن يختلي الإنسان بنفسه ويوجه لها العتاب، واللوم الشديد ،بل التأنيب والتوبيخ على ما وقعت فيه من مخالفات شرعية، يقول الإمام الخميني (قده): (وإن على الإنسان العاقل أن يفكر بنفسه وأن يترحم على حاله ونفسه المسكينة، ويخاطبها: أيتها النفس الشقية التي قضيت سني عمرك الطويلة في الشهوات , ولم يكن نصيبك سوى الحسرة والندامة ابحثي عن الرحمة، واستحي من مالك الملوك، وسيري قليلاً في طريق الهدف الأساسي المؤدي إلى حياة الخلد والسعادة السرمدية، ولا تبيعي تلك السعادة بشهوات أيام قليلة فانية، التي لا تتحصل حتى مع الصعوبات المضنية الشاقة فكري قليلاً في أحوال أهل الدنيا، والسابقين، وتأملي متاعبهم وآلامهم كم هي أكبر وأكثر بالنسبة إلى هنائهم، في نفس الوقت الذي لا يوجد فيه هناء وراحة لأي شخص)
فالمعاتبة العملية تذكير الإنسان لنفسه بنفسه، ووعظ منه لها. وأعظم الوعظ ما وعظ الإنسان به نفسه؛ لأن من لا يعظ نفسه لا يمكن أن ينتفع بوعظ غيره يقول الإمام الصادق (ع): (من لم يكن له واعظ من قلبه، وزاجر من نفسه ،ولم يكن له قرين مرشد استمكن عدوه من عنقه)
هنا في هذا الحديث نرى أن الإمام (ع) قدم وعظ القلب وزجره - ومعناه نقد الإنسان لنفسه بنفسه - على إرشاد القرين ووعظه؛ لأن الإنسان إذا لم يكن قد هيئ نفسه , وفرغ قلبه؛ لتلقي مواعظ الآخرين، لا يمكن أن ينتفع بها ومعلوم أن واعظ نفسه أحق بالإجلال والاحترام من واعظ غيره، ومن الحقائق النفسية أن الواعظ غير المتعظ تزِلُّ موعظتُه عن القلوب. ففي رواية أن الله تعالى أوحى إلى عيسى بن مريم (ع): (يا بن مريم عظ نفسك فإن اتّعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني)
هذه هي الخطوات التي ذكرها علماء الأخلاق، ولا شك أنها نافعة مجدية لمن اتبعها بفهم ووعي، وصدق، وفوق ذلك كله هو الاستعانة بالله فمن لم يعنه الله على نفسه لا يجديه شيء .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com