موقع الصراط ... الموضوع : السياسة في الإسلام-4
 
الثلاثاء - 7 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  السياسة في الإسلام-4  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 15 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  مرتكزات التفكير السياسي في الإسلام:
1 - إن العمل السياسي في الإسلام واجب كفائي ومسؤولية شرعية عبادية لإصلاح البشر. يقول تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (آل عمران:104)
ويقول الرسول الأكرم (ص): (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)
ورد في الأثر: (وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)
فالسياسي المسلم ينطلق في تفكيره السياسي من أساس ومسؤولية في تحمّل العمل والمهام والمسؤوليات كواجب شرعي وتكليف عبادي ينهض به ويكافح من أجله فالسياسة رعاية, وتدبير لشؤون الأمة وجهاد من أجل الحق , وبذا يفترق في حساباته السياسية عن السياسة النفعية والمنهج المادي في العمل السياسي... ولذلك يُخضع تفكيره, ونشاطه , ومشاريعه للموازين, والقيم الشرعية لأنه يعلم أنه: (لا يطاع الله من حيث يعصى) ويجعل همه وحسابه خدمة المبادئ الخيرة والمصالح الإنسانية على ضوء الشريعة وقيمها؛ لذلك قد يضحي السياسي المسلم بمنافع مادية, ومصالح يعطيها غيرُه الأولوية في الخيارات من أجل مبادئ وقيم ومثل إنسانية عليا قد يضحي بحياته وماله وراحته وموقعه السياسي من أجل قيمة عليا مستهدياً بقولـه تعالى: ((قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين)) (التوبة:24)
ويقول تعالى: ((تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) (القصص:83)
((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَأقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)) (الأنبياء:73)
((وَأَنـزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنـز لَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسـْتَبِقُوا الْـخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَـرْجِـعُـكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)) (المائدة:48)
فهدف السياسة الإسلامية والعمل السياسي الإسلامي خلق مجتمع إسلامي وبناء الإنسان المسلم الذي يتعالى على المادية؛ لأن ربط الإنسان بالنفعية السياسية والمصالح المادية المجردة عن القيم يحوله إلى إنسان يبيع المبادئ والقيم، ويتنازل عنها، ولا يصمد أمام المحن والشدائد والشهوات ونوازع التسلط إضافة إلى أن الهدف الأساس من السياسة الإسلامية هو تربية الإنسان تربية ربانية وهدايته وإنقاذه, وما المنافع المادية إلا قضايا تدور ضمن هذا الفلك ووفق هذه الغاية.
قال تعالى: ((وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ)) (البينة:5)
2- الالتزام الأخلاقي: جاءت الشريعة المقدسة؛ لتتميم أخلاق الإنسان ولذلك من أهم سمات رجل السياسة في الإسلام العدل, والصدق , والشجاعة والأمانة, والعفة, وإذا تجرد عن ذلك فقد خرج من جوهر سياسة الإسلام إلى مستنقع سياسة الشيطان. فإن الأخلاق السامية, أو الملكة الإنسانية الخيرة تشكل الباعث والمحرك الداخلي للإنسان على الالتزام بالمبادئ , والقيم الحياتية النبيلة.فالأخلاق كما نفهم قضية أساسية في بناء الصرح الرسالي للإسلام, وهي قاعدة أساسية في بناء الفرد والمجتمع فقد ورد في الحديث الشريف: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)
فهدف الإسلام هو بناء ذات الإنسانية، وتصحيح المحتوى الداخلي للنفس البشرية من دوافع ونـزعات وشهوات, وتنظيمها وفق رؤية عقائدية وعقلية سليمة؛ لئلا تطغى, وتتحول إلى أداة هدم ووسيلة فناء للبشرية.
وشيء طبيعي أننا حينما ندرس الأخلاق الفاضلة بصورة عامة نقصد بها كل الملاكات, والقيم الأخلاقية التي تبني الاستقامة والفضيلة في نفس الإنسان, ومن مصاديقها الصدق والأمانة والعدل والشجاعة والصبر والحكمة والتواضع والكرم والعفو... الخ.
ولكننا حينما ندرس الأخلاق في جانبها السياسي نجد أن أهميتها وقيمتها العملية في حياة القائد, ورجل السياسة, والمشتغل بها أكبر وأعظم من أهميتها في مجال الممارسة الفردية في الإنسان.. وتعظم الخطورة إذا عرفنا أن للسياسة والقيادة, وللعمل السياسي أمراضه وأخطاره الأخلاقية التي يبتلي بها.. ولهذه الظواهر الأخلاقية المرضية نتائجها السلبية ومردوداتها على حياة المجتمع البشري، وعلى أمنه واستقراره ، ومجمل حقوقه الإنسانية التي وهبها الله له.
فمن أمراض العمل السياسي والقيادة السياسية: حب الظهور, والاستعلاء والتسلط, والعجب, والغرور, والجبن, والجور, والأنانية, والانفرادية، والتوجه الفئوي, والنفاق، والغدر، والرياء, والكذب, والتضليل.
ولا يخفى على أحد ما لهذه النـز عات الأخلاقية المريضة من أخطار تهدد كرامة الإنسان وحقه الطبيعي في الحياة؛ لذا فإن التربية السياسية الإسلامية يجب أن تضع في حسابها الأول أنها تُعد حَمَلَةً لرسالة الله فلابد أن يكون أولئك ربانيين وحركيين رساليّن.. لا سياسيين محترفين ينادون بشعارات الإسلام ويمارسونه بمنهج علماني منفصم عن القيم والأخلاق الإسلامية؛ لذا يجب أن تقوم التربية السياسية في الحركات الإسلامية, وفي مؤسسات الدولة الإسلامية وفي المعاهد والدراسات السياسية الإسلامية على أساس القيم الأخلاقية فهي الفاصل الحاكم بين المنهج السياسي الإسلامي والمنهج السياسي الجاهلي بشتى مدارسه الرأسمالية والماركسية والاشتراكية وأمثالها من المبادئ والنظريات فلا يصح للسياسي المسلم أن يقع في هاوية السقوط الأخلاقي فيمارس الغدر والنفاق، أو نقض العهد ،أو يبتلي بالجور والغرور والفردية والاستعلاء كما يفعل غيره من السياسيين والطامعين بالتسلط والاسـتعلاء فإن ابتلي بهذه الأمراض فقد عدالته (استقامته) وحرم عليه أن يمارس عملاً سياسياً, ويحرم على أبناء الأمة والعاملين الإسلاميين أن يسمعوا له ويطيعوا إلا أن يتوب ويصحح مساره ووجهته العملية في الحياة.
لذلك عَرَّف علماء الإسلام العدالة بأنها: (عبارة عن ملكة راسخة باعثة على ملازمة التقوى من ترك المحرمات وفعل الواجبات)
من هنا كان التزامنا بالقيم الأخلاقية في الأساليب ووسائل العمل.. وكان الحرص على تربية الأمة -لاسيما حملة الرسالة ومبلغيها- تربية أخلاقية نظيفة وبعيدة عن الوسائل والأساليب غير المشروعة التي يتبعها العاملون في الحركات السياسية ومجالات العمل السياسي غير الإسلامي...
بعد أن آمنا أن الهدف الأساسي هو بناء الإنسان بناء إسلاميا سليما, وليس تحقيق المكاسب السياسية بأية وسيلة كانت فلا قيمة للمكسب السياسي الذي يأتي عن طريق المعصية والانحراف الأخلاقي؛ لأنه ممارسة هدامة لذات الإنسان, وتخريب لبنائه النفسي الداخلي, وتشويه لعلاقته مع بارئه التي هي غايته من عمله السياسي.. (فليس العمل السياسي وفق النظرية الإسلامية إلا عملاً تعبدياً يستهدف رعاية الإنسان وقيادته في طريق الهدى) لذلك جاء في قول الإمام علي (ع): (ما ظفر من ظفر الإثم به، والغالب بالشر مغلوب)
(ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس)
والسياسي المسلم إن انحرف عن القيم والأخلاق الإسلامية تحول هدفه من خدمة القيم والمبادئ الإلهية الخيّرة, وعبادة الله تعالى إلى عبادة ذاته وهواه: ((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً)) (الفرقان:43) فيتحول إلى طاغية متسلط يستعبد الناس، ويسوقهم وفق هواه ، ويسخرهم لخدمة مصالحه فيصدق عليه قول أمير المؤمنين (ع): (اتخذوا عباد الله خولاً وماله دولاً)
وما جاء الإسلام, وما وجبت السياسة في الإسلام إلا لإنقاذ الإنسان, وتحريره وهدايته ورعاية شؤونه وتنمية حياته ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنـزلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون)) (الأعراف:157)
وهكذا تساهم القيم والمبادئ الأخلاقية في التفكير, والتخطيط, وصنع القرار السياسي فتدخل في صميم المنهج, وتشكل أحد أبعاده الأساسية فالسياسي المسلم إذا أراد أن يفكر, أو يخطط , أو يقرر عليه أن يحافظ على طهارة الوسيلة والالتزام الأخلاقي كما يحافظ على تحقيق الهدف وسمو الغاية مستبعدا كل اثر أخلاقي ذميم... فلا توصل إلى غاية شريفة بأسلوب منحط كالخداع والتضليل والنفاق والغدر فقد أوضح لنا الحديث الشريف ذلك بقولـه: (لا يطاع الله من حيث يعصى) كما عليه أن يحافظ على سلامة البناء والتوجه الباطني لديه فيستبعد كل البواعث الأخلاقية المنحطة كالغرور والأنانية وحب الاستعلاء.. الخ.
3- الصلابة المبدئية والمرونة الطريقيّة: التعامل مع الأحداث السياسية قد يتطلب مرونة سياسية بغية تجاوز الموقف الصعب, أو الارتفاع بالواقع المتدني إلى مستوى الصيغة المطلوبة... إلا أن هذه المرونة لا يصح في أي حال من الأحوال أن تكون على حساب المبادئ وهدرها, ومعنى المرونة هو تأجيل عمل معين لمصلحة معينة, أو تجزئة الموقف إلى مواقف متدرجة كما حدث في سياسة الرسول الأكرم (ص) وسننه الحكيمة من المرونة والتدرج في بعض المواقف... إذ ليس من السهل أن نصنع الواقع في كل الأحوال وفق تصورنا وتحديدنا للمصلحة الإسلامية ورؤيتنا السياسية دفعة واحدة... ومن هنا يأتي العمل المرحلي والتعامل الطارئ وفق القواعد الشرعية القائلة:
(ما لا يُدرك كله لا يُترك جلّه)
(لا يُترك الميسور بالمعسور)
(اختيار أهون الضررين)
فقد تواجه الحركة الإسلامية موقفاً, ويفرض عليها دورا يتضح من خلاله أن ليس بوسع العاملين أن يحققوا المصلحة, وأن السلبية في الموقف قد تجلب مفسدة وضرراً للعمل الإسلامي وللقضية الإسلامية؛ لذلك لا بد من اللجوء إلى الإيجابية كي تدرأ المفسدة , وهذا الدرء يشكل في الحساب النهائي مصلحة ويحقق قيمة سياسية يعتدّ بها ، أو قد يواجه العاملون الإسلاميون محيطاً وظرفاً سياسياً صعباً لا تستطيع الحركة الإسلامية أن تحتل فيه موقعها الطبيعي, أو تحقق كلّ أهدافها الإسلامية المشروعة ، ويتضح من خلال العمل والتقويم أن ليس بالإمكان في ذلك الظرف المعين إنجاز وتحقيق الأهداف كاملة, بل بالإمكان تجزئة الهدف, وتحقيق جزء ميسور من الهدف الكامل... فعندئذٍ لا بد من اللجوء إلى العمل بالميسور, ومواصلة السعي؛ لتحقيق المتعذّر في مراحل, أو ظروف زمنيّة أخرى يسعى العاملون لصنعها, وتهيئتها كشروط ومقدمات للإنجاز الكامل, وليس معنى العمل بالميسور هو أن يكون بديلاً للمتعذر على امتداد المسيرة، بل يكون العمل به إلى حين توفر المتعذر فحسب, وفي كل الأحوال لا بد من دراسة دقيقة وموازنة محسوبة وفق فهم سياسي ومنطق شرعيّ سليم يقرر ويختار ويحدد الأولويات في المواقف والخيارات المتعددة.
4- النظر لما يصدر من الحركات والكيانات والشخصيات غير الإسلامية أو المجهولة الهوية أو التي لها سابقة غير مطمئنة بعين الحذر والشك المسبق فالأصل في غير الإسلاميين أن يتّهموا، ولا يُحملوا في عملهم على الصحة والأصل في التعامل مع من يشك بهويّتهم ومقاصدهم ممن يعملون تحت عنوان الإسلام, أو يطلبون التعاون تحت هذا العنوان الحذر والاحتياط في ظروف نخشى فيها الإندساس والتضليل والخداع السياسي مع عدم وجود أدلة تثبيت سلامة القصد ونقاء الهوية...
فقد جاء في الحديث الشريف: (إذا أنتشر الفساد فلا يحل لأحد أن يحمل أحداً على خير حتى يعلمه منه) فليس الإدعاء أو مقبولية المظهر الشكلي للأطروحة, ومشروع العمل أو الشخصية أو الحركة بكاف للقبول والاطمئنان, بل يجب الدراسة والفحص والتأكّد من سلامة الشخصيات أو الحركات أو المشاريع... الخ, قبل التعامل معها والقاعدة في ذلك ما قاله أمير المؤمنين (ع):
(إذا استولى الصلاح على الزمان و أهله، ثم أساء الظن رجل برجل لم تظهر منه خزية فقد ظلم, وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله ثم أحسن الظن رجل برجل فقد غرر)
أما القوى والحركات والشخصيات الإسلامية التي ثبت فيها الإخلاص للمبادئ , وسلامة القصد في التعامل, ونقاء الهوية نحمل عملها, وتصرفها على الصحة, ولا نشك في نواياها، أو أطروحاتها إلا إذا وجدنا ما يبعث على الشك لذلك فالتعاون والتعامل معها يقوم على حسن الظن, ويتّسم بروح الأُخوّة والاستهداف الرسالي المشترك.
5- جعل المصلحة الإسلامية فوق كل شئ, فليست الحركة الإسلامية أو الدولة الإسلامية إلا مؤسسة لأجل الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، هدفها تحكيم الإسلام, والدفاع عنه, ونشره بكل السبل والوسائل التي حددتها المبادئ والقيم الشرعية.
وانطلاقاً من هذه المبادئ يجب التفكير والتخطيط, وارتياد العمل السياسي فليس العمل السياسي غاية ولا هدفاً, بل هو أسلوب ووسيلة لخدمة القيم والمبادئ الإسلامية النبيلة, وشأنه في المجتمع الإسلامي شأن أي مؤسسة أو جهاز عمل سياسي أو جهادي أو ثقافي... لذا فإن السياسي يجب أن يضع كل إمكاناته وقدرته؛ لخدمة الإسلام والدفاع عنه, فلا يصح أن ينطلق السياسي المسلم من منطلق أناني تجعل فيه المصلحة الشخصية فوق مصلحة الرسالة وذلك, لأن المؤسسات الإسلامية جميعاً أداة لخدمة الرسالة والأمة, فإذا اقتضى الأمر أن تضحي المؤسسة وتقدم كل ما بوسعها من أجل الدفاع عن الإسلام وتثبيت مبادئه, وتصحيح المسار المنحرف فعليها أن لا تتوانى وليس من حق أصحاب القرار فيها أن يفكروا بمصلحة شخصية تفوت مصلحة الأمة... فلا يبخلوا بأنفسهم, ولا بأموالهم, ولا بمواقعهم السياسية, ولا بعناوينهم الاجتماعية... جرياً على المبدأ الإسلامي الذي قرره القرآن الكريم: ((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)) (التوبة:111)
((لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (آل عمران:188)
فالعاملون للإسلام والمجاهدون يجب أن يكونوا هم الطليعة والرواد في الطريق الصعب... فلا يسمح أن تكون غير ذات الشوكة لهم: ((وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ)) (الأنفال:7)
والمتجردون لله سبحانه وتعالى بعيدون عن حب المغانم والمكاسب والمال والجاه والرئاسة فيجب أن يكون نتاجاً طبيعياً للعمل أولاً, وأداة ووسيلة لخدمة الإسلام, وليس هناك غاية ثانية... فها هو القرآن يذم طلاب المغانم, وهواة الدنيا الفارّين من الزحف والمواجهة والمدبرين عن البأس والشدة: ((تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) (القصص:83)
((سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلاً * قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً)) (الفتح:15-16)
((وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)) (الأنفال:8-9)
وإذا كان هذا موقفهم المتجرد عن المصلحة الشخصية فيجب أن لا تختلط المفاهيم والمواقف من جانب آخر فيتخلى العاملون الإسلاميون عن دورهم الطليعي ومسؤوليتهم في حراسة المسيرة الإسلامية ،ومراقبتهم لها والتصدي للتحمل... يحب أن لا يقع التخلي تحت عنوان التجرد فيختل توازن الوقف، بل عليهم أن يعرفوا أن تحمل المسؤوليات, وتسديد المسيرة, ومراقبتها وتقويم الأخطاء, وممارسة النقد البنّاء، وإسداء النصح لولاة الأمور, ومقاومة الانحراف يقع في مقدمة حماية المصلحة الإسلامية فعليهم أن يتحملوا هذه المسؤولية بكل جدارة وإقدام، وان يكونوا جريئين في كلمة الحق يقولونها دون أن تأخذهم في الله لومة لائم:
((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (آل عمران:104)
ولقد مارس أئمة الهدى (ع) التضحية والإيثار بأرقى صورة, وقدموا مصلحة الإسلام على كل مصلحة فرضوا أن تسفك دمائهم وتهتك حرماتهم وتنهب أموالهم, ويخرجوا من ديارهم, ويتحملوا السجون والتعذيب والإرهاب والقتل والتضحية بكل غالٍ ونفيس في هذا الطريق...طريق الهدى والإيمان على أيدي طغاة عصورهم. ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)) (الأحزاب:23)
كما ضحت كل الطلائع، وكل العاملين الإسلاميين على امتداد مساحة الزمان والمكان من اجل المبادئ الحقة, ومن أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
6- الإيمان بالسببية والقانونية التاريخية في عملية الصراع السياسي، وإخضاع الصراع، والعمل السياسي للمنطق التاريخ العام الذي تحركة الإرادة البشرية ضمن قدر ومشيئة ربانية عادلة حكيمة, وإن الصراع البشري ظاهرة طبيعية في التاريخ الإنساني, وعلى الإنسان أن يؤدي دوره التاريخي ضمن منطق القوانين التاريخية، والتغيير الاجتماعي؛ لذلك يجب التخطيط والتنظيم؛ لينساق العمل وفق المنطق القانوني؛ لسير الأحداث والتاريخ البشري معتمدين على حقائق أساسية هي إن هناك قوانين , وأسباب يتحرك وفقها التاريخ البشري... من قوة وضعف, وميلاد حضارات ودول وقوتها وانتصارها وفشلها وسقوطها...
((وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)) (آل عمران:140)
فالخارطة السياسية لا تعرف الثبات,فالتحول والتغير السياسي في حياة البشر هو القانون المسيطر... فقد حدثنا التاريخ الماضي والمعاصر عن أمم ودول وحكام وحضارات سادت وانقرضت وبادت, أو ضعفت وخضعت, وأصبحت تابعة لغيرها بعد أن كانت لها السيادة واليد العليا, كما حصل العكس أيضاً في مسار التاريخ السياسي.
وإذن فطريقة تفكيرنا وتعاملنا مع الأفكار والنظريات والظواهر والأحداث السياسية تقوم على أساس تنسيق منطقي موحّد يستوعب نظرة الإسلام لمسيرة الإنسان ، وصيغة الحياة ، وغائية المسيرة البشرية, فالتاريخ البشري يسير وفق مشيئة وقدر رباني، واختيار إنساني هو جزء من هذا القدر, وأن الإيمان بالقانون لا يعني الجبر التاريخي فللإنسان أن يجعل نفسه موضوعاً للرقي الحضاري, كما له أن يجعل نفسه موضوعاً للانحطاط, فالقانون ثابت ((وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا)) (الكهف:59)...
وصيغة الحياة ينبغي أن تكون حركية حية متنامية, وغاية المسيرة هي الوصول إلى عالم أسمى هو عالم الآخرة: ((وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)) (النجم:42). وأن ما يجري من وقائع وأحداث وصراع ومستجدات اجتماعية هي جزئيات ومظاهر التجلي لحقيقة أعمق تنتظم الحركة التاريخية, وهي الاختبار والابتلاء فنحن ننظر للحياة وما فيها من صيغة حضارية, وبُنية تاريخية على أنها يجب أن تجري وفق المنهج الرباني، وتستهدف غائية الإعداد لعالم الآخرة... وبذا يفترق منهج تفكيرنا ، وطريقة فهمنا ، وتحليلنا عن المناهج والطرق العلمانية... فمفهومنا للحياة والموت والصراع وغاية الوجود على هذه الأرض أنها حقيقة يجب أن تكون وفق مشيئة الله وإرادته, وعلى الإنسان أن يحتل موقعه التاريخي, ويتحمل مسؤوليته كاملة فعندما نتناول الصراع الدولي في الخليج وحدوث الثورة الإسلامية في إيران, والظلم والجور الذي يعانيه حملة الإسلام في كل بقاع الأرض يجب أن لا تنفصل هذه الأحداث عن حركة التاريخ الكلية وعن القانون العام الذي ينتظمها، والذي تمثل فيه الإرادة والمسؤولية البشرية دورها الطبيعي وقد حدد القرآن الكريم هدف الصراع السياسي والعقائدي، ووضح نتائجه النهائية بقولـه: ((وَلَقـَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)) (الأنبياء:105)
وعلى أساس هذا الفهم نستطيع أن نحدد موقعنا، ونعرف قيمة جهادنا وهو توجيه حركة التاريخ توجيهاً إرادياً باتجاه هذا الهدف, وبذا نكون قوة ممهدة وحركة سببية تساهم مع بقية القوى السببية الفاعلة في هذا الميدان والدافع باتجاه هذه الغاية, وعلى هذا الأساس نشخص معنى الوحدة والائتلاف مع الحركات والقوى الإسلامية، ونفهم معنى دور الفرد في القانونية التاريخية والأخلاقية الغائية.
فمثلاً يجب أن يكون مفهومنا للوحدة والائتلاف السياسي عبارة عن ضم القوى السببية المتحركة باتجاه تاريخي واحد يستهدف غاية تاريخية واحدة وهي ((أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)) ليُوَحّد الله ويُعْبد.
ويجب على هذا الأساس أيضاً أن نكتشف الأثر السلبي للصراع الأناني والخلاف والتمزق في صفوف المسلمين على أنه نشوز ومعاكسة وعرقلة لمسيرة التاريخ القانونية، وبذا تحكم هذه الظواهر الناشزة على نفسها بالإلغاء ، وبذا تقتلع الأنانية (هوى النفس) الفردية والجماعية, ويحل محلها مفهوم السببية التاريخية والغائية التعبدية؛ ولذا أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله:
((وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) (الأنفال:46)
((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) (آل عمران:103)
((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)) (الأنبياء:92)
ومن هذا المنطلق أيضاً نعرف عالمية الثورة الإسلامية, وبذا نشخص سر التكالب الموحد للقوى الشريرة ضد الثورة والدولة الإسلامية في إيران باعتبارها منطلق الحركة التاريخية والسبب المحرك باتجاه المشيئة الربانية: ((أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)) (الأنبياء:105)
وهكذا ندخل الحدث السياسي ضمن الحركة التاريخية الشاملة؛ لنتمكن من تكوين فهم وتحليل متكامل ورؤية واضحة.
وهكذا يتصاغر دور الصغائر والاهتمامات الصغيرة للمجاهد والداعي إلى الله تعالى, ويـتـجـه نـظـره إلـى هـدف أعـظم وهو الضرورة التاريخية الكبرى ((أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ))... تلك الضرورة التي يشكل هو الجزئية السببية فيها وقوة مسؤولة للوصول إليها, وبذا تتسامى شخصيته واهتماماته وأهدافه وتتسامى نفسه, وتتجرد ذاته عن كل غرض سوى توحيد الله وعبادته وتحقيق مشيئته مشيئة الحق والعدل ومصدر الخير والسعادة لبني الإنسان على هذه الأرض تمهيداً ؛ لنيل رضوانه والفوز بالقرب والنعيم الأبدي. والإيمان بالسببية وربط الحوادث والقرارات بأسبابها وشروطها الموضوعية يشكل ركناً أساساً في التفكير والعمل السياسي الإسلامي الذي يقوم على أساس من فلسفة الإسلام الاجتماعية, وتفسيره للنشاط والحوادث الاجتماعية والتاريخية فالتفكير الإسلامي ينطلق من الإيمان بسببية الحوادث والوقائع السياسية التي تدور في عالمنا من مواقف وأحلاف وصراعات وسيطرة وفشل سلطة أو حزب أو نجاحهما في تسلم زمام الأمور، أو تغيير نظام سياسي وحلول نظام آخر بديلاً عنه... فكل ذلك يخضع لقانون السببية بنفس المنطق الفيزيائي للسببية... فكما تعمل القوانين الطبيعية التي تحكم المادة الجامدة أو الحية فكذلك هناك قوانين وأسباب تحكم العمل السياسي والمجتمع السياسي...
فالعقيدة والتركيب النفسي للإنسان, ووجود المنظمات والكيانات الاجتماعية، وإشباع الحوائج المادية للإنسان وعدمها, ووجود الهزات والاضطرابات الاجتماعية والامتداد التاريخي للأمة والتبدلات الحضارية المحلية والعالمية والأخطار الأمنية... ووجود أداة التحريك والتغيير كالحزب والتنظيم المسلح والقيادات القوية المعارضة, ونوع العلاقة بين السلطة والأمة, وطبيعة القانون والنظام, أو أجهزة القمع والجهل والثقافة وطبيعتها, ووجود القوى والكيانات العالمية وأمثال ذلك, كلها أسباب لها دور الفاعلية القانونية في سير الحياة السياسية وإحداث التغيرات السياسية في السلطة والنظام والفلسفة والتفكير السياسي ، أو استقرار الحياة السياسية واستمرارها.
والعاملون الإسلاميون عندما يعملون وسط مجتمع تتفاعل فيه أسباب وعوامل عديدة يجب أن يأخذوا كل هذه الأسباب والعوامل بعين الاعتبار ويتعاملوا معها على أنها قوى فاعلة ومؤثرة... فبعضها يعملون على تغييره وضمه وتحريكه لاتجاه المسيرة ، وبعضها يعملون على استئصاله ، وبعضها يعملون على استثمار آثاره السياسة لإحداث التغيير, كالوضع الاقتصادي المضطرب وكالظلم والإرهاب والهزات الاجتماعية... الخ.
فتوجهها كأسباب مؤثرة في عملية الصراع, وهدم الأنظمة الجائرة المنحرفة، وبعضها توظف أثر فاعليتها لصالح المسيرة الإسلامية, وإن لم نستطع تغييرها وضمها للصف الإسلامي, كالقوى التي تعمل على هدم الأوضاع السياسية القائمة, وتشتبك في صراع سياسي مع النظم الجائرة, وتشكل جزءاً من المعارضة السياسية, وتحمل أفكاراً وتوجهات غير منسجمة مع الخط الإسلامي.. فمثل هذه القوى من الخطأ أن نلغي دورها بإخراجها من ساحة الصراع أو نشتبك معها فتستهلك جهداً ووقتاً لخدمة الوضع المنحرف.. بل لابد من فسح المجال أمامها؛ لتساهم في هدم الأوضاع المنحرفة والبنية السياسية للنظم الجائرة؛ لتسهل علينا عملية التغيير الإسلامي.
إن العمل السياسي يجب أن يتسم بالوعي والتحليل الدقيق للمجتمع ولعوامل الصراع والتأثير... ولابد من التخطيط, وإدخال كل الحسابات التي يمكن أن تساهم في الحساب...
فقبل تقرير أي موقف, أو اتخاذ أي قرار يجب دراسة الظروف والشروط الموضوعية اللازمة؛ لصنع القرار وتنفيذه؛ ليكون العمل السياسي عملاً قائماً على أسس واقعية بعيداً عن العفوية, والارتجال والوهم السياسي, أو التأثر بالشعارات والانفعالات العائمة, وبذلك يشكل هذا المفهوم -مفهوم السببية الحدثية في العمل السياسي- بُعداً أساسياً في منهج التفكير السياسي الإسلامي.. فليس للسياسي والمخطط الإسلامي أن يتغافل عن العوامل والأسباب السياسية، بل عليه أن يعطيها دورها المؤثر ومساحتها الطبيعية, فنحن نؤمن أن لله سبحانه مشيئة وإرادة وحكمة بالغة في خلقه, وهذه المشيئة هي قوة قاهرة, وهي السبب الحقيقي الفاعل والمؤثر في مجرى الوجود الطبيعي والاجتماعي إلا أن الله سبحانه ربط عالم الإنسان بالإرادة الإنسانية, وجعل لكيانه الاجتماعي القانونية والسببية المتحركة ضمن المشيئة والتقدير الإلهي لخصها القرآن الكريم بقوله تعالى:
((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) (الرعد:11)
((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ)) (البقرة:251)
وتناول الحديث الشريف جانباً من هذه السببية فثبت قانون العلاقة بين الوضع الفكري والنفسي والإرادي- للأمة وبين نوع السلطة, فقال:
(كما تكونوا يولى عليكم) أي أن السلطة وجهاز الحكم هو إفراز طبيعي لنوع وتركيب المجتمع.
7- اعتبار الصراع السياسي جزءاً من الاختبار الإلهي:
تدور فلسفة الوجود الإنساني في هذه الحياة في نظر الإسلام - على محور الابتلاء والاختبار الإلهي للإنسان.. فما خلق الإنسان إلا ليعرف الله- وإلا ليعبده.. جاء في الحديث القدسي الشريف: (كنت كنـزاً مخفياً فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لأعرف) فالاختبار والابتلاء يشكل البعد الأساسي في وجود الإنسان على هذه الأرض؛ ليعرف الخيّر من الشرير, والصالح من الطالح:
((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)) (الملك:2)
((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)) (محمد:31)
((ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ)) (محمد:4-5)
((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)) (الحج:40)
((الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لأتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)) (العنكبوت:1-6)
((فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)) (البقرة:249-251)
فالإيمان بالصراع بين الحق والباطل وأنه جزء من الاختبار والابتلاء جعل؛ ليكشف للإنسان عن محتواه الداخلي، وتتجسد هويته على شكل مواقف وسلوك وقرارات. إن هذا الإيمان يشكل ركناً أساساً في العمل السياسي الإسلامي.
فرجل السياسة المسلم والمشتغلون في حقل السياسة أو جماهير الأمة وأبناؤها يجب أن يعرف أنهم يبتلون بقادة وحكام وفئات وقوى ودول وأحزاب جاهلية أو منافقة أو محرفة للإسلام ومشوهة لحقيقته, وإن عليهم مسؤولية الدخول في ملحمة الصراع, وإسقاط هذه القوى , واجتثاث جذور الظلم والجاهلية , والفساد, والانحراف, وقيادة البشرية في طريق الهدى. فَحَمَلة الإسلام لا يرون غرابة ولا عجباً في خوض الصراع, وما يستتبع هذا الصراع من قتل وتشريد وهجرة وسجون وتعذيب وظلم وحيف وغبن وتهم وتشويه وقلب للحقائق.. فكل تلك الظواهر وسائل وأدوات يستعملها الخصم في عملية الصراع ضد القوى الإسلامية النـزيهة والخيرة؛ لذلك فإن المؤمن لا يمكن أن يتصور عملاً سياسياً بدون صراع, وبدون فتنة واختبار.. فمحرك التاريخ وقوة الدفع فيه قوى الصراع بين الحق والباطل, وتاريخ الدعوات الإلهية عبر مراحل وجودها وتاريخ الهداة الإسلاميين يكشف هذه الحقيقة, وينطق لسانها ويدونها القرآن الحكيم ويتلوها آيات خالدة على مسامع الأجيال كي لا يتبرم أحد منهم أو يستوحش من السير في طريق الهدى.. طريق الصراع والاختبار.. وإن قل سالكوه..
وهكذا نخلص إلى مبادئ أساسية في التفكير السياسي الإسلامي وهي أن العمل السياسي يقوم على أساس من:
الإيمان بالسببية الحدثية, والوجهة الأخلاقية والربانية في الدعوة إلى الإسلام والعمل به: ((وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)) (البقرة:148)
ووجوب العمل السياسي، وخضوعه لقانون الاختبار والابتلاء الإلهي والحفاظ على مصالح الأمة، وخير الإنسانية جمعاء.. فما بعث نبي الإسلام إلا ليكون رحمة للعالمين ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) (الأنبياء:107)
وضرورة اختيار أفضل الأساليب وأجداها وأكثرها ملائمة للواقع والتأثير به وأقدرها على إحداث عملية التغيير الاجتماعي على أساس الإسلام
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com