موقع الصراط ... الموضوع : الدعوة إلى الله-1
 
الأحد - 14 / ذي القعدة / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الدعوة إلى الله-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 15 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  ((ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين*ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم*وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم*وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم))

في هذه الآيات المباركة بيان موجز دقيق، وبليغ لعظمة الدعوة إلى الله تعالى وإنَّها (من أعظم الطاعات, وأجل الواجبات، وفيها دلالة على أنَّ الداعي يجب أن يكون عاملاً بعلمه؛ ليكون الناس إلى القبول منه أقرب, وإليه أسكن)
إذن الدعوة إلى الله مشروطة بالعمل الصالح فما لم يكن الداعي عاملاً بما يقول لا يمكن أن تقع دعوته موضع قبول, ثم أوضحت الآيات الكريمة الأسلوب الأمثل في مواجهة عقبات الدعوة إلى الله تعالى, وبيّنت المنال العظيم الذي يحظى به الداعي عند الله تعالى, ثم حدَّدت أسلوب الحصانة من نزغات الشيطان, وأكَّدت أنَّ القول الأحسن, والأفضل, والأسمى من الكلام هو الدعوة إلى الله في معرفته, وتوحيده, وطاعته, وعبادته, وتوجيه الناس إلى التمسُّك والاعتصام بحبله, وتحكيم شريعته في حياة المجتمع البشري.

صفات الداعي:
ليس من السهل أن نطلق على كل من دعى إلى الله (داعية) بكل ما للكلمة من أبعاد رسالية حتى تتوفر فيه صفات تؤهله, ليكون مصداقاً لهذه الكلمة لا سيما أنَّ كلمة الدعاة إلى الله أطلقها تعالى على أكرم خلقه, وأشرف بريته محمد (ص) ، فقال تعالى: ((يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً*وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً))
كما وصفت بعضُ النصوصِ أهلَ بيتِ النبوةِ (ع) بأنَّهم (الدعاة إلى الله والأَدلاّء على مرضاته)، وهذا دلالة على عظم هذه المهمة الإلهية, ونحن نذكر بعض تلك الخلال:
1- الاعتقاد السليم: فما لم تكن عقيدة الداعي إلى الله سليمة, وصادقة وواضحة لديه وضوحاً تاماً بَيِّناً مدعوماً بالبراهين القاطعة سواء كانت عقلية, أو نقلية لا يمكن أن يَصْدُقَ عليه بأنَّه داعية؛ لأنَّ الداعية هو الذي يتحرك في سبيل الله؛ ليهدي الناس إلى الله في كل خطوة من خطواته، يُذَكِّر بالله تعالى في قوله وفعله, بل وفي منظره، ولقائه لا سيما حين يشعر أنَّه بعين الله تعالى، وأنَّ الله يرقبه, ويعلم ما يريده وما يفعله.
2- أن يكون عارفاً متفقهاً بأحكام الله, وواعياً لشريعته الغراء, عالماً ماذا تريد منه؟ وماذا يجب أن يعطيها من عقله، وروحه، ونفسه؟ فما لم يكن الإنسان متبصراً بأحكام الله تعالى لا يمكن أن يوصلها للناس؛ لأنَّ فاقد الشيء لا يعطيه؛ ولهذا جعل الإسلام عمل العالم الذي ينشر رسالة الله أفضل من ألف عابد، فعن معاوية بن عمار قال: (قلت لأبي عبد الله (ع): رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس, ويشدّده في قلوبهم, وقلوب شيعتكم, ولعلَّ عابداً من شيعتكم ليست له هذه الرواية أيُّهما أفضل؟ قال (ع): الراوية لحديثنا يشدُّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد)
ولا شك أنَّ هذه الأفضلية للهادي والمعلم مشروطة بصدق النية لله تعالى, فعن حفص بن غياث قال: (قال لي أبو عبد الله (ع): من تعلَّم العلم, وعمل به, وعلَّم لله دُعي في ملكوت السماوات عظيماً, فقيل: تعلَّم لله، وعمل لله، وعلَّم لله)
والسر في التأكيد على التفقه والتعلم أنَّ الدعوة إلى الله ما لم تكن عن علم, ومعرفة, ووعي قد تؤدي عكس المطلوب، فيبعد الإنسان عن الله تعالى, وإن كان صاحبها يريد التقريب إليه, يقول الإمام الصادق (ع): (العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلاّ بُعداً)
وعن رسول الله (ص): (من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح)
والعمل في الإسلام مشروط بالمعرفة، فلا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة, يقول الإمام الصادق (ع): (لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة, ولا معرفة إلا بعمل, فمن عرف دَلَّتْهُ المعرفة على العمل, ومن لم يعمل فلا معرفة له, ألا إنَّ الإيمان بعضه من بعض)
فإذا عرف الله تعالى, وتفقه بأحكامه, وعمل على تطبيقها على نفسه تذللت لذلك نفسه، وانقادت لأوامر الشرع المقدس، حينئذٍ يصبح مصداقاً للداعية البصير بدينه، يقول داعية الإسلام الكبير الشيخ محمد أمين زين الدين (قده): (وإذا لم تكن الدعوة إلى الله على بصيرة، فهي والإلحاد الصريح سواء بسواء. سواء بسواء في نظر العقل، فإنَّ الطريقَ المظلم - في باب المعرفة - لا يؤدي إلا إلى غاية مظلمة ومحال أن تأتي نتيجة متيقنة من مقدمة مشكوكة)
3- ولأجل إيصال الكلمة الطيبة إلى عقول الناس, وترسيخها في قلوبهم لا بد أن يجيد فن العرض الرسالي للناس, وأفضل أساليبه أن يتحلى بالقول الحسن بل الأحسن، وهو الكلمة الصادقة الهادفة, البليغة التي تؤدى باختيار دقيق, ووعي, وبيان جميل جذاب, يبشر ولا ينفر، فقد قال رسول الله (ص) لمعاذٍ حين أوصاه وعهد إليه: (يَسِّرْ ولا تُعَسِّرْ، وبَشِّرْ ولا تُنَفِّرْ)
وهذا هو القول الحسن الذي يهدي الله به عباده، والذي عبر عنه القرآن الكريم بالموعظة الحسنة التي هي: (طريقة في التبليغ, وأسلوب في الدعوة يحبّبها, ولا يُنَفّر عنها, يقرّب إليها, ولا يبعّد عنها, ييسرها ولا يعسرها... هو الأسلوب الذي يشعر المخاطب أنَّ دورك معه دور الرفيق به, والناصح له, والباحث عما ينفعه, ويسعده، إنَّها - كما قال أحد العلماء الكتاب المعاصرين: - التي تدخل القلوب برفق, وتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب, ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية، فإنَّ الرفق في الموعظة كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة, ويؤلف القلوب النافرة, ويأتي بخير من الزجر والتأنيب)

أعظم الطاعات:
إذا خلصت النية لله تعالى, وأتقن الداعي فن الدعوة إلى الله، فهي من أفضل الطاعات، وأكمل العبادات، وجميل ما استدل به الرازي في تفسيره لقوله تعالى: ((ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله)) ، قال: (يدل على أنَّ الدعوة إلى الله أحسن من كل ما سواها, إذا عرفت هذا فنقول: كل ما كان أحسن الأعمال وجب أن يكون واجباً؛ لأنَّ كل ما لا يكون واجباً فالواجب أحسن منه, فثبت أنَّ كل ما كان أحسن الأعمال فهو واجب، إذا عرفت هذا فنقول: الدعوة إلى الله أحسن الأعمال بمقتضى هذه الآية, وكل ما كان أحسن الأعمال فهو واجب)
ويقول الطبرسي (قده): (وفي هذه الآية دلالة على أنَّ الدعاء إلى الدين من أعظم الطاعات، وأجل الواجبات)
ثم إن الدعوة إلى الله هي: هداية, وإرشاد, وتذكير, وجذب, وتحبيب دين الله تعالى للناس، وفتح الطرق إليه تعالى أمام الخلق بكل السبل الشرعية الممكنة (فمهمة الداعية إذاً هي إعانة الإنسان على أن يصل إلى الإيمان بفكره وروحه, ولا بد في سبيل ذلك من استخدام الوسائل التي تتلاءم وهذه المهمة؛ لتصل به إلى ذلك الهدف)
والدعوة قد تكون باللسان, وقد تكون بالسلوك, ولا ينفع الأول بدون الثاني، بل الثاني أبلغ أثراً في النفوس، وأدوم استمراراً فيها، وقد كان أهل البيت (ع) يؤكدون على ذلك، ويوصون به أصحابهم ومريديهم، فعن ابن أبي يعفور قال: (قال أبو عبد الله (ع): كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم؛ ليروا منكم الورع، والاجتهاد، والصلاة، والخير, فإنَّ ذلك داعية)
وفي حديث آخر: (وكونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم, وكونوا زيناً, ولا تكونوا شيناً)
وفي حديث آخر: (كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم؛ ليروا منكم الاجتهاد، والصدق، والورع)
وغيرها من الأحاديث التي تؤكد على تجسيد الفكر في السلوك؛ لأنَّ الداعية حينما يكون مصداقاً لدعوته في سلوكه يكون أكثر أثراً، وأبلغ تأثيراً في النفوس, يقول أمير المؤمنين (ع): (إنَّ الوعظ الذي لا يمجه سمع، ولا يعدله نفع ما سكت عنه لسان القول, ونطق به لسان الفعل)، ولأنَّ من يخالف قوله فعله يكون كاذباً والكاذب مذموم مرفوض... عن أبي عبد الله (ع) أنَّه قال: (إنَّ العالم إذا لم يعمل بعلمه, زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com